الدردري لـ«الشرق الأوسط»: الاقتصاد السوري خسر 24 عاماً من التنمية البشرية إلى اليوم

المسؤول الأممي كشف عن بدء التواصل مع الحكومة المؤقتة

TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: الاقتصاد السوري خسر 24 عاماً من التنمية البشرية إلى اليوم

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

كشف الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية الدكتور عبد الله الدردري، أن الأمم المتحدة أعطت البرنامج الضوء الأخضر لبدء التواصل مع الحكومة المؤقتة السورية الجديدة تعزيزاً للعمل الإنساني وبدء مسار التعافي لإعادة تفعيل الاقتصاد السوري.

وقال الدردري في حديث إلى «الشرق الأوسط» بمناسبة وجوده في الرياض للمشاركة في فعاليات مؤتمر «كوب 16»، إنه وجّه مكتب البرنامج في دمشق اعتباراً من (الخميس) للتواصل مع الجهات الحكومية وبدء عملية التقييم التي تحتاج إليها البلاد.

كان نظام بشار الأسد قد ترك خلفه تحديات اقتصادية كبيرة مع انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية وتدمير آلاف المنازل وتشريد الملايين.

رجل سوري يتحدث عبر هاتفه المحمول وهو يقف على درج مبنى مدمَّر في مدينة حرستا شرق دمشق (أ.ب)

واستعرض الدردري الوضع الراهن في سوريا، فقال «إن تقديراتنا الأولية أن الاقتصاد السوري خسر حتى الآن 24 عاماً من التنمية البشرية، فيما سجل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً كبيراً من 62 مليار دولار في عام 2010 إلى 8 مليارات فقط في 2023. أما معدل الفقر، فارتفع من نحو 12 في المائة عام 2010 إلى أكثر من 90 في المائة. وبات معدل الفقر الغذائي يتجاوز 65 في المائة من السكان».

وإذ أوضح أن أمام سوريا مرحلة صعبة، قال إن تقديرات البرنامج تشير إلى أنه من أصل 5 ملايين و500 ألف وحدة سكنية، فإن نحو مليوني وحدة سكنية دمِّرت بالكامل أو جزئياً.

وعن تكلفة عملية إعادة الإعمار، أوضح الدردري أن احتساب تكلفة إعادة بناء الوحدات السكنية يحتاج إلى تحديث، كون أسعار البناء تختلف اليوم. لكنه شدد على أن أخطر ما جرى في سوريا هو الضعف المؤسساتي مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عام 2011، «حيث كانت هناك مؤسسات دولة قوية، فيما تراجعت بشكل كبير اليوم». من هنا، فإن تركيز برنامج الأمم المتحدة اليوم هو على الدعم المؤسساتي، «لأنه من دون مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، لا توجد تنمية ولا إعادة إعمار»، كما يركز على القطاع الخاص الذي استطاع أن يصمد رغم كل الهزات، والجاهز اليوم لتلقف أي حالة من الأمن والانفتاح للعمل.

وقال: «خلال الساعات الـ48 الأخيرة، ولمجرد أن الحكومة المؤقتة أعلنت أن الاقتصاد السوري هو اقتصاد سوق حر مع بعض الإجراءات السريعة لتسيير عمل التجارة وغيرها، تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من 30 ألف ليرة إلى 14 ألف ليرة، مما يعني تحسناً بأكثر من 50 في المائة».

رجل يعد النقود بمحطة بنزين في مدينة حلب شمال سوريا (أ.ف.ب)

ولكن كيف يرى نائب الوزراء السوري السابق للشؤون الاقتصادية بين سنوات 2006 و2011، خريطة طريق إعادة النهوض بالاقتصاد السوري؟ أجاب: «في الحقيقة، لا أرى فرقاً بين دوري في الأمم المتحدة وبين عملي سابقاً. فسوريا تحتاج إلى إصلاح حوكمي سريع وفعال، بمعنى أنها تحتاج إلى إصلاح القضاء، وتطوير المؤسسات وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وترسيخ القانون. كما أنها بحاجة إلى رؤية للمستقبل، وإلى حوار وطني. تحتاج إلى تحديد الوضع الراهن في المجال الاقتصادي وأين هو موقع البلاد في هذا الإطار. هي تحتاج إلى رسم سيناريوهات التعافي والنمو... وهو ما تراه الأمم المتحدة أيضاً لإعادة إحياء البلاد».

وأضاف: «سندعم كل ما من شأنه أن يجعل سوريا جاذبة للاستثمار، وإرساء منظومة لحماية اجتماعية فاعلة... فنمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص وعدالة اجتماعية من خلال منظومات حماية اجتماعية متكاملة هما ما تحتاج إليه سوريا، وهما ما سنعمل عليه».

وعود بمساعدة غزة

وفي ما يتعلق بالوضع في غزة، قال الدردري إن التقديرات الأولية جداً تشير إلى أنها تحتاج إلى 50 مليار دولار، موضحاً أن إعادة تعويم الاقتصاد الفلسطيني إلى ما كان عليه في عام 2022، إنما يحتاج إلى معونات إنسانية تقدَّر بـ600 مليون دولار سنوياً على مدى السنوات العشر المقبلة.

فلسطينيون يتفقدون الدمار في منطقة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية قرب مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

وعن الجهات المستعدة لتأمين هذه المبالغ، قال: «هناك وعود بأن المجتمع الدولي مستعد للمساعدة، ولكن إلى الآن لا شيء ملموساً».

وأضاف: «هناك حاجة ماسة إلى رفع القيود عن عمل الفلسطينيين، وعن أموال المقاصة التي يجب أن تذهب إلى السلطة الفلسطينية، وأن يُسمح للاقتصاد الفلسطيني بالاندماج».

خسائر لبنان من الحرب

وشرح الدردري أن لبنان خسر 10 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بسبب الحرب مع إسرائيل، تضاف إلى ما نسبته 35 في المائة خسارة في الناتج المحلي منذ 2019. في حين دُمر نحو 62 ألف منزل وأكثر من 5 آلاف منشأة اقتصادية.

شخصان يتعانقان على أنقاض المباني المتضررة في قرية جون بقضاء الشوف بلبنان (رويترز)

ووُضع برنامج للتعافي الاقتصادي في لبنان يعتمد بشكل أساسي على تعزيز المجتمعات المحلية والشركات الصغيرة وإعادة إحياء التمويل في لبنان، وعلى دعم البلديات التي تأثرت بشكل كبير، وعلى الجمعيات الأهلية. وتوقع أن يستعيد لبنان تعافيه مع استمرار حالة الهدوء، وذلك بفعل أهمية الدور الذي يلعبه قطاعه الخاص.


مقالات ذات صلة

الأربعاء... توقيع البيان الختامي لاتفاقية التجارة الحرة بين الخليج وبريطانيا

الاقتصاد اجتماع وزاري سابق بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة (موقع المجلس الإلكتروني)

الأربعاء... توقيع البيان الختامي لاتفاقية التجارة الحرة بين الخليج وبريطانيا

أعلن الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي أنه سيتم يوم غدٍ توقيع البيان الختامي لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء نيوم في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

أسواق أوروبية تعتمد الممر اللوجيستي الرابط بين أوروبا ومصر والخليج عبر نيوم

أفادت شركة «نيوم» السعودية بأن مستوردين من عدة أسواق أوروبية بدأوا بالفعل في استخدام الممر اللوجيستي الجديد الذي يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول الخليج.

«الشرق الأوسط» (نيوم)
الاقتصاد جانب من مشاركة منتدى الأبنية الخضراء في إحدى المناسبات الدولية (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للأبنية الخضراء» يوسّع شراكاته الأممية لدعم المدن المستدامة

كشف المنتدى السعودي للأبنية الخضراء عن مساعٍ لتطوير مسارات المدن المستدامة، والعمل مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في دعم الوظائف الخضراء.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد وزير البلديات والإسكان السعودي يفتتح معرض «سيتي سكيب 2025»... (إكس)

صفقات عقارية مرتقبة تتجاوز 43 مليار دولار في «سيتي سكيب» بالسعودية

كشف وزير البلديات والإسكان السعودي، ماجد الحقيل، عن أن معرض «سيتي سكيب 2025» سيشهد توقيع اتفاقيات وصفقات عقارية بأكثر من 161 مليار ريال (43 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الموقع الرسمي)

السعودية تختتم مؤتمر «مستقبل الاستثمار» بإضاءة مستقبل الاقتصاد العالمي

استعرضت الجلسات الختامية للنسخة التاسعة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» ملامح النمو المتسارع في قطاعات الاستثمار السعودية.

عبير حمدي (الرياض) زينب علي (الرياض)

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الأربعاء على ارتفاع بنحو 3 نقاط ليغلق عند 10986 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 5.3 مليار ريال.

وارتفع سهم «مصرف الراجحي» بأقل من 1 في المائة عند 67.10 ريال.

وقفز سهم «دار البلد - دي بي إس» في أولى جلساته في «تاسي» بنسبة 28 في المائة عند 12.50 ريال، مقارنة بسعر الإدراج البالغ 9.75 ريال، وسط تداولات بلغت نحو 37 مليون سهم بقيمة تجاوزت 440 مليون ريال، تمت عبر نحو 62 ألف صفقة.

وارتفع سهما «أنابيب السعودية» و«البابطين» عند 54 ريالاً (بارتفاع 1 في المائة للأول) و66.10 ريال (بارتفاع 2 في المائة للثاني)، عقب الإعلان عن توزيعات نقدية على المساهمين.

في المقابل، تراجع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة عند 27.86 ريال.

وأغلق سهما «سلوشنز» و«بنك ساب» عند 218.80 ريال و18.86 ريال (بتراجع 4 في المائة لكل منهما)، عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية.

وتصدر سهم «تسهيل» قائمة الأسهم المتراجعة بنسبة 8 في المائة.

وفيما يخص الصناديق العقارية المتداولة، أغلق صندوق «بنيان ريت» عند 9.77 ريال (بتراجع 4 في المائة)، عقب نهاية أحقية توزيعات.


بريطانيا تمدد خفض ضريبة الوقود حتى نهاية العام في مواجهةٍ لتداعيات الحرب

قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
TT

بريطانيا تمدد خفض ضريبة الوقود حتى نهاية العام في مواجهةٍ لتداعيات الحرب

قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)

أعلنت الحكومة البريطانية، الأربعاء، عن تمديد خفض ضريبة وقود السيارات بمقدار 5 بنسات للتر الواحد حتى نهاية العام الحالي، في خطوة عاجلة تهدف إلى تخفيف الضغوط المتصاعدة لتكاليف المعيشة الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط.

وكان مقرراً انتهاء العمل بهذا الإجراء في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إن القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط العالمية جراء حرب إيران دفعت رئيس الوزراء، كير ستارمر، إلى اتخاذ قرار التدخل الفوري، حيث صرّح في بيان رسمي بأن كثيراً من المواطنين يشعرون بضغط تكاليف الطاقة والوقود، ويساورهم القلق بشأن تأثير الصراع الجيوسياسي على شؤونهم المالية، مؤكداً أن حكومته تتدخل لحماية ملايين السائقين.

وإلى جانب تمديد خفض ضريبة الوقود، أعلنت لندن عن حزمة تدابير موازية لمساندة قطاع النقل، شملت إعفاء شركات الشحن والنقل البري من ضريبة الطرق لمدة 12 شهراً؛ مما يوفر نحو 912 جنيهاً إسترلينياً (نحو 1222 دولاراً) لكل مركبة، فضلاً عن خفض ضريبة الديزل الأحمر المخصص للمعدات والآليات المستخدمة خارج الطرق، بنسبة تتجاوز الثلث لتصل إلى 6.48 بنساً للتر الواحد، وهو أدنى مستوى تسجله هذه الضريبة منذ أكثر من عقدين.

ورغم أن التكلفة الإجمالية للتمديد الأخير لم تتضح بعد، فإن البيانات الرسمية تشير إلى أن هذا الخفض الذي أُقر لأول مرة في عام 2022 وجرى تمديده 5 مرات متتالية، قد كلّف الخزانة نحو 2.4 مليار جنيه إسترليني بناءً على تقديرات مطلع العام، في حين ترفد ضريبة الوقود الخزانة العامة بنحو 24 مليار جنيه إسترليني سنوياً، علماً بأن مستواها الأساسي ثابت دون تغيير منذ عام 2011 لحماية المستهلكين من تقلبات الأسعار.

وتأتي هذه الخطوات الحكومية الاستثنائية بعد أيام قليلة من تقرير أصدره «صندوق النقد الدولي»، حث فيه بريطانيا على جعل دعم الطاقة مؤقتاً وموجهاً بدقة للفئات الأكبر تضرراً بدلاً من الدعم الشامل. كما دعا «الصندوق» لندن إلى النظر في إصلاحات هيكلية أوسع على المدى الطويل، تشمل توسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة وإصلاح الضرائب العقارية؛ وذلك لضمان الاستدامة المالية وتجنب زيادة الضغوط على ميزانية الدولة المثقلة بالتكاليف.


قمة شي وبوتين... شراكة قوية وعوائد اقتصادية دون التوقعات

لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

قمة شي وبوتين... شراكة قوية وعوائد اقتصادية دون التوقعات

لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)

خرجت القمة الصينية - الروسية بين الرئيس شي جينبينغ، ونظيره فلاديمير بوتين، في بكين، برسائل سياسية واستراتيجية قوية، لكنها حملت اقتصادياً حصيلة أكثر تواضعاً مما كانت تأمله موسكو، خصوصاً في ملف الطاقة الذي يُعد جوهر العلاقة الاقتصادية بين البلدين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة على روسيا. فبينما حرص الزعيمان على إظهار عمق «الشراكة بلا حدود» بين بكين وموسكو، وتوقيع عشرات الاتفاقات والتفاهمات، فإن القمة لم تحقق الاختراق الأكبر الذي كانت روسيا تسعى إليه منذ سنوات، باتفاق نهائي بشأن خط أنابيب الغاز العملاق «قوة سيبيريا 2»، وهو المشروع الذي تعده موسكو حيوياً لإعادة توجيه صادراتها من الطاقة بعيداً عن أوروبا نحو السوق الصينية.

وقال الكرملين إن الجانبين توصلا إلى «تفاهم مبدئي» بشأن المشروع، يشمل مسار الخط وآليات بنائه، لكن لا يزال هناك غياب واضح لجدول زمني أو اتفاق نهائي حول التفاصيل الرئيسية، وفي مقدمتها تسعير الغاز.

ويمثل هذا التعثر خيبة أمل واضحة لروسيا، التي كانت تأمل في استغلال الزخم السياسي للقمة لدفع المشروع إلى مرحلة التنفيذ النهائي، خصوصاً مع استمرار تراجع صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا نتيجة العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا.

ويُفترض أن ينقل خط «قوة سيبيريا 2» نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا، انطلاقاً من حقول يامال الروسية في القطب الشمالي، ليصبح أحد أكبر مشاريع الطاقة في العالم. لكن رغم سنوات من المفاوضات، لا تزال الصين تتعامل بحذر شديد مع المشروع، مستفيدةً من حاجة موسكو المتزايدة إلى السوق الصينية لانتزاع شروط أفضل.

وفي الواقع، تكشف القمة عن أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين، رغم قوتها السياسية، ليست علاقة متكافئة بالكامل. فالصين تدخل المفاوضات من موقع اقتصادي أقوى بكثير، بينما تجد روسيا نفسها أكثر اعتماداً على بكين منذ عزلها عن الأسواق الغربية. ولهذا، بدا واضحاً أن الصين ليست في عجلة من أمرها لتقديم تنازلات كبيرة في ملف الغاز، خصوصاً أن بكين تملك خيارات أوسع لتنويع واردات الطاقة، سواء من الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى أو حتى الولايات المتحدة، في وقت تحتاج فيه موسكو بشكل متزايد إلى عقود طويلة الأجل وأسواق مستقرة لتعويض خسائرها الأوروبية.

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين (أ.ب)

تقدم في مجال النفط

لكن في المقابل، حققت موسكو تقدماً ملموساً في ملف النفط، الذي أصبح العمود الفقري للعلاقة الاقتصادية مع الصين. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، أن الصين أبدت اهتماماً كبيراً بزيادة وارداتها من النفط الخام الروسي وتأمين إمدادات طويلة الأجل، كاشفاً عن أن صادرات النفط الروسية إلى السوق الصينية ارتفعت بنسبة 10 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري.

وتحمل هذه الأرقام أهمية كبيرة بالنسبة إلى الكرملين، لأنها تعكس نجاح موسكو في تعويض جزء من خسائرها في الأسواق الأوروبية عبر التوسع في آسيا، خصوصاً في الصين التي أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الروسي منذ فرض العقوبات الغربية. كما تؤكد أن بكين، رغم حذرها في ملف الغاز، لا تزال ترى في النفط الروسي مصدراً مهماً ومرناً لتأمين احتياجاتها من الطاقة بأسعار تنافسية.

وجاءت تصريحات نوفاك بعد القمة مباشرةً، في محاولة واضحة لتقديم نتائج ملموسة للزيارة، خصوصاً أن ملف الطاقة كان أحد أبرز محاور المحادثات بين شي وبوتين. كما أكد الكرملين التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن التعاون النفطي والطاقة، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تعميق الترابط الاقتصادي بعيداً عن النظام المالي الغربي.

نجاحات موازية

ورغم غياب الاختراق في ملف «قوة سيبيريا 2»، حاول الطرفان إبراز نجاحات أخرى في التعاون الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة التقليدية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة الثنائية. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدد خلال القمة على أن بلاده لا تزال «مورداً موثوقاً للطاقة» رغم اضطرابات الشرق الأوسط، في إشارة إلى رغبة موسكو في تقديم نفسها بديلاً مستقراً نسبياً في سوق الطاقة العالمية المضطربة بفعل الحرب الإيرانية. كما أكد أن التعاون الروسي - الصيني في قطاع الطاقة يشهد توسعاً مستمراً، سواء عبر خطوط الأنابيب القائمة أو صادرات النفط والشحنات البحرية.

لكن اللافت أن بكين، رغم تأكيدها أن التعاون في مجال الطاقة يجب أن يبقى «حجر الزاوية» في العلاقات الثنائية، تجنبت عمداً إعطاء إشارات واضحة بشأن تسريع مشروع «قوة سيبيريا 2»، مما عزز انطباع الأسواق بأن المفاوضات لا تزال بعيدة عن الحسم.

وفي المقابل، برز ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأحد أهم المجالات التي حققت تقدماً خلال القمة، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية التي دفعت روسيا إلى الاعتماد المتزايد على الصين في الحصول على الإلكترونيات والمكونات التقنية المتقدمة.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس التنفيذي لبنك «سبيربنك» الروسي، جيرمان غريف، عن أن روسيا تأمل في تشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي الروسي «غيغا تشات» باستخدام رقائق صينية، في خطوة تعكس التحول المتسارع نحو التكنولوجيا الصينية لتعويض القيود الغربية على وصول موسكو إلى الرقائق المتقدمة. ويمثل هذا التطور مؤشراً مهماً على زيادة عمق التعاون التكنولوجي بين البلدين، خصوصاً أن روسيا أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات الصينية في عدد من القطاعات الحساسة، بما في ذلك الإلكترونيات والدفاع والاتصالات.

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)

فجوة واضحة

لكن حتى في هذا المجال، لا تزال هناك فجوة واضحة بين القدرات الصينية والأميركية. فالرئيس التنفيذي لـ«سبيربنك» أقر بأن الرقائق الصينية المتاحة، مثل «أسند 950» من «هواوي»، لا تزال متأخرة عن رقائق «إتش 200» المتقدمة من شركة «إنفيديا» الأميركية، مما يعكس استمرار التفوق الأميركي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

ومع ذلك، أظهرت القمة رغبة مشتركة في بناء شراكة تكنولوجية أكثر عمقاً. فقد أكد البيان المشترك الصادر عقب محادثات شي وبوتين أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً أساسياً في الإصلاح الاقتصادي، ودعا إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات البرمجيات مفتوحة المصدر والدفاع والتقنيات المتقدمة. كما دعم الجانبان اقتراح الصين إنشاء هيئة عالمية للذكاء الاصطناعي، مع التحذير من استخدام التكنولوجيا أداةً جيوسياسية.

ويعكس هذا التوجه رغبة موسكو وبكين في بناء نظام تكنولوجي موازٍ للنظام الغربي، خصوصاً مع تصاعد القيود الأميركية على تصدير الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة إلى الصين وروسيا.

التجارة الثنائية

أما على مستوى التجارة الثنائية، فقد سعت القمة إلى إظهار أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال تتوسع رغم الضغوط العالمية. وأشار الكرملين إلى توقيع نحو 20 وثيقة تعاون جديدة، إلى جانب إعلان مشترك بشأن تعزيز «التنسيق الاستراتيجي الشامل» والدعوة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

مقارنة بين النتائج

لكن اللافت أن القمة عكست أيضاً حدود هذا التقارب الاقتصادي. ففي الوقت الذي كان بوتين يزور بكين، كانت الصين تؤكد رسمياً شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ» الأميركية، وتعلن سعيها لتمديد الهدنة التجارية مع واشنطن وخفض الرسوم الجمركية المتبادلة.

وهذه الرسائل أوضحت أن بكين لا تنوي التضحية بعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا لصالح شراكتها مع روسيا، مهما بلغ مستوى التقارب السياسي بين الطرفين.

بل إن بعض المحللين يرون أن الصين تستخدم علاقتها مع موسكو ورقةً استراتيجية في مواجهة الغرب، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الارتباط اقتصادياً بروسيا إلى درجة تهدد مصالحها التجارية الأوسع مع الأسواق الغربية.

في هذا الإطار، بدت المقارنة واضحة بين قمة شي مع ترمب قبل أيام، التي ركزت على التجارة والطيران والرسوم الجمركية، وقمة شي مع بوتين التي طغت عليها الرمزية السياسية والرسائل الاستراتيجية أكثر من النتائج الاقتصادية الملموسة.

ورغم الاستعراض البروتوكولي الكبير الذي رافق زيارة بوتين، بما في ذلك جلسات الشاي الخاصة والمراسم الرسمية الواسعة، فإن الأسواق كانت تراقب في النهاية ما إذا كانت القمة ستنتج اتفاقات اقتصادية كبرى، وهو ما لم يتحقق بالكامل.

وفي المحصلة، يمكن القول إن قمة شي وبوتين نجحت سياسياً في تأكيد استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، لكنها اقتصادياً كشفت أيضاً عن حدود هذا التحالف.

فموسكو حققت تقدماً في تعميق التعاون النفطي والتكنولوجي والحفاظ على توسع تجارتها مع الصين، لكنها فشلت في انتزاع الاتفاق الأهم بالنسبة لها في قطاع الغاز. أما بكين، فقد استفادت من تعزيز نفوذها على روسيا دون تقديم تنازلات كبيرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انفتاحها الاقتصادي على الولايات المتحدة والأسواق الغربية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended