قائد «الحرس الثوري»: لم نفقد أذرعنا الإقليمية

قاليباف: سقوط الأسد سيؤدي إلى خلل في العمق الاستراتيجي لقوى المقاومة

قائد «الحرس الثوري» يتحدث أمام مؤتمر لقادة قواته اليوم (إرنا)
قائد «الحرس الثوري» يتحدث أمام مؤتمر لقادة قواته اليوم (إرنا)
TT

قائد «الحرس الثوري»: لم نفقد أذرعنا الإقليمية

قائد «الحرس الثوري» يتحدث أمام مؤتمر لقادة قواته اليوم (إرنا)
قائد «الحرس الثوري» يتحدث أمام مؤتمر لقادة قواته اليوم (إرنا)

دافع قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي عن انسحاب قواته من سوريا، قائلاً إنه «يجب أن تتغير الاستراتيجيات بما يتناسب مع الظروف»، وذلك بعد الإطاحة بحليف طهران الأبرز في المنطقة، بشار الأسد.

وصرح سلامي: «أود أن أقول لكم بفخر، إن آخر من غادر خطوط المقاومة في سوريا كانوا أبناء (الحرس الثوري)، وآخر شخص غادر هذا الميدان كان أحد أفراد الحرس». وأضاف: «لا يمكننا معالجة القضايا المتعددة على المستوى العالمي والإقليمي بثبات وجمود في استراتيجياتنا».

وكان سلامي يتحدث حول أسباب وتداعيات الأحداث الأخيرة في سوريا أمام مجموعة من قادة «الحرس الثوري»، حسبما أوردت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وهذه المرة الثانية التي يعلق فيها سلامي على سقوط الأسد. وقبل ذلك بيومين، نقل نواب في البرلمان عن سلامي قوله في جلسة مغلقة بشأن سوريا، إن إيران «لم تضعف» بعد الإطاحة بحليفها الأسد.

والخميس، قال سلامي إن إيران «كانت تحاول حقاً ليل نهار تقديم المساعدة بكل ما في وسعها، وعلينا أن نتكيف مع الوقائع في سوريا، ونحن نتابعها ونتصرف على أساسها»، وفق ما نقلت وكالة أنباء إيران الرسمية (إرنا).

وأضاف سلامي: «البعض يتوقع منا أن نقاتل بدلاً من الجيش السوري»، متسائلاً: «هل من المنطقي أن نُشغل كل قوات (الحرس الثوري) والباسيج في القتال داخل بلد آخر، بينما جيش ذلك البلد يقف متفرجاً؟».

وأوضح: «من جهة أخرى، كانت جميع الطرق المؤدية إلى سوريا مغلقة أمامنا. النظام كان يعمل ليلاً ونهاراً لتقديم كل ما يمكن من الدعم، لكننا كنا مضطرين للتعامل مع حقائق الوضع في سوريا. نحن ننظر إلى الواقع ونعمل وفقاً للحقائق».

وكرر سلامي الرواية الرسمية الإيرانية بشأن اطلاعها المسبق على التمهيدات التي اتخذتها المعارضة السورية قبل شهور من سقوط بشار الأسد.

وقال: «كنا على علم بتحركات المسلحين (...) منذ أشهر. وقد تمكن إخواننا باستخدام الأساليب الاستخباراتية من تحديد محاور هجماتهم ونقل هذه المعلومات إلى المستويين السياسي والعسكري في سوريا، لكن، للأسف، بسبب غياب الإرادة الحقيقية للتغيير، والقتال، والصمود في معناه الحقيقي، حدث ما رأيتموه».

وبلغت العلاقات بين طهران ودمشق ذروتها خلال الحرب الأهلية السورية التي بدأت عام 2011، عندما أرسل «الحرس الثوري» ما أسماه «مستشارين عسكريين»؛ لمساعدة الأسد، وهي التسمية التي أطلقت على قوات يقودها «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري».

من لقاء الأسد ولاريجاني 14 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

واضطلعت سوريا منذ فترة طويلة بدور استراتيجي في «محور المقاومة» المناهض لإسرائيل، خاصة في تسهيل إمداد «حزب الله» حليف طهران في لبنان المجاور بالأسلحة.

«منطق قوي للقتال»

وأضاف سلامي: «البعض في الأوساط السياسية والنخبوية وبين عامة الناس يروجون لفكرة أن النظام الإيراني قد فقد أذرعه الإقليمية، لكن هذا غير صحيح، النظام لم يفقد أذرعه». وأفاد: «الآن أيضاً، الطرق لدعم (جبهة المقاومة) مفتوحة. الدعم لا يقتصر على سوريا وحدها، وقد تأخذ الأوضاع هناك شكلاً جديداً تدريجياً».

وتابع: «نحن نتخذ قراراتنا ونعمل بناءً على إمكانياتنا وقدراتنا الداخلية. لدينا منطق سياسي قوي للقتال، ولدينا شرعية قوية للدفاع، ولدينا أمة عظيمة تقف بثبات، وقائد كبير يلهمنا ويوجهنا. قواتنا المسلحة قوية وباقية دون أن تُمس. لو كنا ضعفاء لما استطعنا تنفيذ عمليات (الوعد الصادق)».

وأوضح أن وجود إيران المباشر في سوريا كان بهدف منع «هيمنة داعش»، مضيفاً: «كنا مضطرين للوجود في العراق وسوريا».

وأطلق سقوط بشار الأسد العنان للانتقادات المتراكمة في إيران بشأن تدخلها العسكري في المنطقة، خصوصاً في سوريا.

وقال سلامي: «كان من الضروري على إيران الوجود العسكري المباشر في العراق وسوريا، وتقديم الدعم الاستشاري، وحشد كافة الإمكانيات (...) لمنع انتشار هذا الخطر». وأضاف: «لو لم يكن قاسم سليماني، لكانت كل الإمكانيات المتوفرة حينها قد أصبحت عاجزة وغير فعالة».

وواصل سلامي قائلاً: «بعد القضاء على (داعش)، اضطررنا لسحب قواتنا غير الضرورية من سوريا. لم يكن من المصلحة البقاء هناك بعد استقرار الوضع، حيث تولى الجيش السوري الدفاع، وأصبح قادراً على تأمين الأمن، كما كان يرغب في تقليص الوجود الإيراني لتجنب إعطاء المعارضين فرصاً للهجوم».

وأضاف: «قللنا وجودنا هناك إلى الحد الأدنى الضروري، ودخلنا في عملية أستانا، التي كانت قائمة على مراقبة الأطراف المتصارعة لضمان استمرار وقف إطلاق النار وتحقيق الأمن في سوريا».

سلامي يتحدث في جلسة برلمانية برئاسة قاليباف الثلاثاء (تسنيم)

ثلاثة تحديات

ولفت سلامي إلى أن بلاده تواجه تحديات مع الغرب في ثلاثة محاور رئيسية: «الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، وتقليص القدرة الصاروخية، وتدمير البرنامج النووي».

وقال سلامي إن «الغرب لم يتمكن من القضاء على النفوذ الإيراني باستخدام الوسائل التقليدية، ولذلك لجأ إلى طريقة أخرى تمثلت في إنشاء بديل يشبه الجمهورية الإسلامية والثورة»، في إشارة إلى الجماعات المتطرفة.

وزعم سلامي أن تلك الجماعات «كانت في الحقيقة نموذج الردع الغربي ضد النفوذ الإيراني».

استخلاص العبر

بموازاة ذلك، أدان «الحرس الثوري»، في بيان شديد اللهجة، «استمرار العدوان والتدخلات من قبل الحكومة الأميركية والكيان الصهيوني في سوريا».

وأعلن «الحرس الثوري» «بداية عصر جديد من عملية هزيمة أعداء إيران»، عادّاً ما حدث في سوريا «دروساً وعبراً تسهم في تعزيز وتقوية وتحفيز جبهة المقاومة؛ لمواصلة سعيها لطرد الولايات المتحدة من المنطقة».

وأشار البيان إلى الدعم الذي حصلت عليه طهران من دمشق خلال حرب الثمانينات مع العراق، وقال في هذا الصدد: «شعب إيران يعدّ مساعدة ودعم بلد كان قد قدم دعماً حيوياً وحاسماً خلال أيام صعبة مثل الحرب المفروضة التي استمرت 8 سنوات، واجباً كبيراً عليه».

وقال إن «جبهة المقاومة انتصرت على المؤامرة المركبة لجبهة الباطل». ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن البيان نفسه: «الجبهة، تحت لواء مدرسة المقاومة، ستواجه بحزم وذكاء أي خطط تستهدف زعزعة المقاومة أو إضعاف قوة واقتدار دول المنطقة».

جثث أعضاء «الحرس الثوري» الذين قُتلوا في غارة جوية في سوريا محمولة على شاحنة خلال جنازة في طهران أبريل الماضي (أ.ب)

وأشار بيان «الحرس» إلى ضرورة الحفاظ على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي السورية. كما أدان الهجمات الإسرائيلية على البنية التحتية والمرافق الحيوية في سوريا.

وكرر البيان حرفياً ما ورد على لسان المرشد الإيراني علي خامنئي، قائلاً: «بمساعدة الشباب المؤمن والمجاهدين السوريين، سيتحطم المخطط المشترك الأميركي الصهيوني في هذه الأرض، وسنشهد تألق سوريا في ميدان دعم شعبي فلسطين ولبنان».

وقال خامنئي، الأربعاء: إن «المناطق التي احتلتها سوريا ستُحرر على يد الشباب الغيور السوريين؛ لا شك أن هذا سيحدث».

من جانبه، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن ما قاله خامنئي حول سوريا «فصل الخطاب للجميع، والانحراف عنه لا يغتفر».

وقال في الوقت نفسه إن سقوط الأسد «سيتسبب في اختلال بالعمق الاستراتيجي للقوى المرتبطة بالجمهورية الإسلامية»، لكنه أشار إلى أن «(حزب الله) في لبنان سيتمكن سريعاً من التكيف مع الظروف الجديدة».

وكرر قاليباف ما قاله مسؤولون إيرانيون من توجيه تحذيرات إلى الحكومة السورية. وقال إن ما حدث «لا مفر منه»، وصرح: «ولو تم الأخذ بهذه التحذيرات في وقتها لما وصلت سوريا إلى حافة الفوضى الداخلية».

وقال قاليباف: «سنراقب أفعال المعارضين المسلحين وداعميهم، خاصة فيما يتعلق بسلوكياتهم التي تشبه (داعش) ومستوى تعاونهم مع إسرائيل، وسنتخذ القرارات المناسبة بناءً على ذلك».

وحذر قاليباف من أن «تحديات كبيرة ستواجه الجمهورية الإسلامية إذا تصرفت بانفعال في ظل ما يحدث في المنطقة». وقال: «ما يجري تحول متسارع يهدف إلى تشكيل نظام جديد».


مقالات ذات صلة

«مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

خاص عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)

«مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

ما الذي يعنيه للقوى الشيعية في بغداد بقاء النظام في إيران على قيد الحياة لسنوات طويلة، لكنه ضعيف ومجرد من أدواته؟

علي السراي (لندن)
شؤون إقليمية قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم الخميس، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)

طهران تعلن أول حصيلة رسمية للاحتجاجات: 3117 قتيلاً

كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية فرع «بنك ملي» (الوطني الإيراني) الذي احترق خلال الاحتجاجات المناهضة في طهران (أ.ف.ب)

إيران تصعد حملة الاعتقالات مع اتساع الضغوط الدولية

صعدت إيران حملة اعتقالات على خلفية موجة الاحتجاجات الأخيرة في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً دولية كبيرة بسبب حملة قمع قالت منظمات حقوقية إنها أودت بحياة الآلاف

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رضا بهلوي خلال مقابلة صحافية في يناير 2018 (رويترز) play-circle

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، إن زعيم المعارضة الإيرانية رضا بهلوي «يبدو لطيفاً للغاية»، لكنه عبر عن شكوكه بشأن قدرة ‌بهلوي على حشد ‌الدعم داخل ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
TT

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم (الخميس)، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة»، مؤكداً أن الحرس جاهز بقوة لتنفيذ توجيهات القيادة.

وقال باكبور: «جاهزيتنا أكثر من أي وقت مضى، ومستعدون لتنفيذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة». وأضاف: «على العدو أن يستخلص العبر مما مضى كي لا يواجه مصيراً أكثر إيلاماً».

وسبق أن لوّح البرلمان الإيراني بإصدار فتوى بـ«الجهاد» إذا تعرض خامنئي لأي هجوم، في وقت وسّعت فيه السلطات حملة الاعتقالات بحق محتجين مع تصاعد الضغوط الدولية.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان أن استهداف المرشد سيُعدّ «إعلان حرب» ويفضي إلى إصدار «فتوى جهاد من علماء الدين واستجابة من جنود (الإسلام) في جميع أنحاء العالم».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عما وصفه بالتدمير الكامل لبلاده «وقتل شعبه» في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مؤخراً، وقال: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران».


إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
TT

إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)

أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، اليوم (الخميس)، نقلاً عن مسؤولين حكوميين كبار بأن إسرائيل تدرس بيع حصص في عدد من كبرى شركات تصنيع الأسلحة في مسعى لزيادة إيراداتها لتعويض الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي جراء الحرب التي استمرت عامين في قطاع غزة.

وقال المحاسب العام بوزارة المالية الإسرائيلية يالي روتنبرغ، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، إن العمل قد بدأ بالفعل على خصخصة «شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية».

وأوضح روتنبرغ أن الحكومة الإسرائيلية تدرس مبدئياً بيع حصة نسبتها 25 في المائة في «شركة صناعات الفضاء»، مضيفاً أن الحصة قد تصل إلى 49 في المائة.

وبحسب الصحيفة البريطانية، تدرس إسرائيل أيضاً إمكانية خصخصة شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة».


منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
TT

منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)

نشرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، التي تُعنى بحقوق الإنسان، تقريراً جديداً لها حول ما يحدث في السجون مع الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقضايا أمنية، ويحتوي على شهادات مفزعة عن حجم العنف الذي يمارسه السجانون والجنود ورجال الشباك. ومن ضمن أمور أخرى، وردت في التقرير شكاوى عن عنف جنسي وتجويع وتنكيل وظروف معيشة قاسية وحرمان من العلاج.

ويتضمن التقرير، الذي يرتكز على مقابلات مع سجناء تم إطلاق سراحهم، شهادات لأربعة منهم عن تنكيل جنسي شديد من قبل السجانين والجنود.

إحراق بالسجائر

وقالت إدارة «بتسيلم»، إن هذه الشهادات وغيرها تؤكد أن هناك تدهوراً كبيراً في أوضاع الأسرى الفلسطينيين بالمقارنة مع ما كشفته في سلسلة شهادات وتقارير في السنتين الأخيرتين. وعرضت أمثلة على ذلك في إفادة الأسير المحرر محمد أبو طويلة (35 سنة) من غزة، الذي كشف أنه خلال التحقيق معه أطفأ الجنود السجائر في جسده، وصبوا عليه حامض الكلوريدريك وأحرقوا ظهره بالولاعة.

وقال سجين آخر سُجن في عوفر وكتسيعوت: «في التحقيق معي كانوا يأخذونني إلى غرفة تسمى غرفة الديسكو، وخلال ستة أيام سمحوا لي بشرب قنينة مياه واحدة في اليوم، وأكل خيارة واحدة، وقطعة من الخبز الفاسد الذي داس عليه الجندي قبل أن يعطيني إياها. أنا تعرضت للضرب الذي لا يتوقف، وبين حين وآخر تعرضت لضربات كهربائية. جلست على كرسي من الحديد من الصباح حتى المساء. خارج الغرفة كان يوجد مكبر صوت ضخم يطلق أغاني بالعبرية بصوت مرتفع لا يحتمل. طبلة أذني ثقبت وبدأت تنزف». وشهد أيضاً بأنه على ضوء غياب المراحيض في الغرفة، فقد اضطر إلى التبول في ثيابه.

ويشير التقرير إلى أنه يوجد في السجون التابعة لمصلحة السجون اليوم أكثر من 9 آلاف سجين أمني تقريباً، معظمهم لم يتم تقديمهم للمحاكمة، ينتمون إلى فئة من فئات، وهم على النحو التالي: معتقلون قبل المحاكمة، ومعتقلون اعتقالاً إدارياً، و«مقاتلون غير قانونيين»، وهو تعريف قانوني إسرائيلي غير مقبول في القضاء الدولي، استهدف كل من يشتبه فيهم من غزة بأنهم من النخبة الحمساوية من دون إعطائهم حقوق المعتقلين الجنائيين أو أسرى الحرب.

ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 توفي منهم 84 سجيناً، بينهم قاصر، وتواصل إسرائيل احتجاز جثث 80 منهم. إضافة إلى ذلك، فإنه منذ بداية الحرب تُمنع طواقم الصليب الأحمر من زيارة السجون، والمحكمة العليا تمتنع حتى الآن عن إجبار إسرائيل على السماح بذلك.

وينتقد التقرير بشدة بشكل خاص قسم ركيفت في سجن الرملة، الذي تم إغلاقه في الثمانينات على خلفية ظروف السجن القاسية فيه، وأعيد فتحه في أعقاب تعليمات من وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير. هذا الجناح يوصف بأنه «الأسوأ في مصلحة السجون»، وذلك على ضوء مكانه، حيث يوجد تحت الأرض والسجناء لا يرون الضوء فيه أبداً.

تآكل الجلد وانتشار الجرب

ويقتبس التقرير بيانات نشرتها منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» تشير إلى أن 67 في المائة من بين الـ349 سجيناً الذين زارتهم المنظمة تعرضوا على الأقل لحادثة واحدة من العنف القاسي في منشأة الاعتقال. على سبيل المثال، تامر قرموط (41 سنة) من بيت لاهيا شهد على تكبيل مؤلم لفترة طويلة. وحسب قوله، فإن الأصفاد كانت مشدودة جداً، بحيث تآكل جلده ولحمه حتى العظام. «الألم كان شديداً ومتواصلاً. عندما تدهور وضعي أخذني الجنود إلى مكان فيه طبيبة قامت بعلاجي. خلال يوم كامل انشغلت في إخراج كمية كبيرة من الدماء الملوثة والجلطات الدموية».

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن ربع السجناء يعانون من مرض الجرب، وقال جبريل الصفدي (45 سنة)، المصاب بمرض السكري، وكان سجيناً في سدي تيمان، إنه في اليوم التالي لوصوله إلى السجن بدأ يشعر بألم شديد في قدمه. «فقدت القدرة على الوقوف بالتدريج، واستيقظت لأجد نفسي غارقاً في بركة دماء. أصبت بصدمة، ونظرت إلى قدمي فرأيت أنها مصابة وتنزف».

وحسب الصفدي، فإن الضرب الذي تلقاه على الكلى أدى إلى تفاقم حالته، الأمر الذي دفع الأطباء في النهاية إلى بتر ساقه اليمنى. وقال إنه رغم عملية البتر، فإنه ظل يتعرض لتحقيق قاس شمل التعذيب إلى أن تم إطلاق سراحه في نهاية المطاف في جزء من صفقة المخطوفين.

وروى إبراهيم فودة، من بيت لاهيا الذي كان معتقلاً في كتسيعوت، في شهادته: «لقد قطعوا المياه، وعندما أعادوها لم يستمر ذلك إلا لساعة واحدة. لم يكن أمامنا خيار إلا شرب المياه الملوثة. كنا نخزن المياه في طيات الخيمة أو بطانتها، وأحياناً كنا نُجبر على الشرب من المراحيض».

معسكرات تعذيب

وتقول يولي نوفيك، المديرة العامة لـ«بتسيلم»: «لقد تحولت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب، وذلك في جزء من هجوم النظام الإسرائيلي المخطط له واسع النطاق ضد المجتمع الفلسطيني، الذي يهدف إلى تفكيك الفلسطينيين وتدميرهم. وتعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية من أشد مظاهر هذه السياسة تطرفاً».

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل سدي تيمان الإسرائيلي فقد بصره بسبب التعذيب (الشرق الأوسط)

وقد ردت مصلحة السجون بالقول: «تعمل مصلحة السجون وفقاً للقانون، وبما يتوافق مع أحكامه وقرارات المحاكم، وتخضع لإشراف ومراقبة هيئات التفتيش الرسمية. ويُحتجز كل السجناء وفقاً للقانون، مع ضمان حقوقهم وحصولهم على العلاج اللازم، وتوفير ظروف معيشة مناسبة لهم، وفقاً لأحكام القانون».