الديون في خدمة النمو... تحول جذري في السياسة النقدية الصينية

تراجع مفاجئ في الواردات وسط مخاوف تجارية متزايدة

سفينة شحن على نهر هوانغبو في شنغهاي (وكالة حماية البيئة)
سفينة شحن على نهر هوانغبو في شنغهاي (وكالة حماية البيئة)
TT

الديون في خدمة النمو... تحول جذري في السياسة النقدية الصينية

سفينة شحن على نهر هوانغبو في شنغهاي (وكالة حماية البيئة)
سفينة شحن على نهر هوانغبو في شنغهاي (وكالة حماية البيئة)

في أحد أكثر التصريحات تحفيزاً خلال العقد الأخير، أكد القادة الصينيون استعدادهم لاتخاذ جميع التدابير التحفيزية اللازمة لمواجهة التأثير المتوقع للتعريفات التجارية الأميركية على نمو الاقتصاد في العام المقبل.

وعقب اجتماع كبار مسؤولي الحزب الشيوعي، أعلن المكتب السياسي عن تحول في السياسة النقدية نحو «مرونة مناسبة»، مع تبني أدوات مالية «أكثر نشاطاً»، وفقاً لوكالة «رويترز». جاء هذا التحول بعد فترة من الحذر اتبعها البنك المركزي الصيني على مدار 14 عاماً، شهدت خلالها البلاد زيادة كبيرة في الدين الإجمالي، بما في ذلك ديون الحكومات والأسر والشركات، التي تضاعفت أكثر من خمس مرات، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي بثلاثة أضعاف فقط خلال الفترة نفسها.

ورغم أن المكتب السياسي نادراً ما يحدد خطط السياسات بشكل تفصيلي، فإن التحول في نبرته يعكس استعداد الصين لزيادة الاقتراض مع التركيز على تحقيق النمو الاقتصادي، حتى وإن كان ذلك على حساب المخاطر المالية على المدى القصير. وقال شوانغ دينغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى وآسيا الشمالية في بنك «ستاندرد تشارترد»: «الانتقال من الحذر إلى المرونة المعتدلة يمثل تغييراً جوهرياً، ويوفر مساحة واسعة للتصورات». بينما أضاف تانغ ياو، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة بكين، أن هذا التغيير في السياسة كان أمراً لا مفر منه، لأن النمو البطيء قد يزيد من صعوبة خدمة الديون.

من جانبه، أشار كريستوفر بيدور، نائب مدير أبحاث الصين في «جافيكال دراغونوميكس»، إلى أن الصين تقبل تدريجياً حقيقة أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ستستمر في الارتفاع، قائلاً: «هذه النسبة لم تعد قيداً ملزماً». ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح مدى التيسير النقدي الذي قد ينفذه البنك المركزي أو حجم الديون الإضافية التي قد تصدرها وزارة المالية في العام المقبل. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا الوضع يخدم مصالح الصين في الوقت الراهن.

التحديات الخارجية والرد الصيني

ومن المتوقع أن تواجه الصين تحديات إضافية مع عودة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، بعد تهديده بفرض تعريفات قد تصل إلى 60 في المائة على واردات الولايات المتحدة من السلع الصينية. وسيعتمد الرد الصيني إلى حد كبير على توقيت ومستوى هذه التعريفات، التي توقعت الاستطلاعات أن تبدأ عند نحو 40 في المائة.

وعلّق لاري هو، كبير الاقتصاديين الصينيين في «ماكواري»، قائلاً: «الصين مستعدة لفعل كل ما يتطلبه الأمر لتحقيق أهداف الناتج المحلي الإجمالي». وأضاف أن الإجراءات المستقبلية ستعتمد بشكل كبير على هدف النمو المحدد ومستوى التعريفات الأميركية. ومن المتوقع أن تناقش أهداف النمو والعجز في الموازنة والسياسات الأخرى خلال الاجتماع السنوي لقادة الحزب الشيوعي المعروف بـ«مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي». ورغم التحديات، تشير التقارير إلى أن بكين قد تواصل السعي لتحقيق نمو بنسبة 5 في المائة تقريباً في 2025.

تعزيز الاستهلاك في صدارة الأولويات

وفي مواجهة الضغوط الانكماشية الناجمة عن أزمة العقارات وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، يعد الطلب المحلي المنخفض أحد المخاطر الرئيسية التي تهدد النمو. وتعهد المكتب السياسي باتخاذ «تعديلات مضادة دورية غير تقليدية» وزيادة كبيرة في الاستهلاك، مما يشير إلى تحول في أولويات التحفيز مقارنة بالدورات السابقة.

وبحسب محللي «غولدمان ساكس»: «ستركز التحفيزات القادمة بشكل أكبر على الاستهلاك، والتصنيع عالي التقنية، واحتواء المخاطر، بدلاً من الاستثمار التقليدي في البنية التحتية والعقارات». ومع ذلك، تبقى السياسات التي سيتبعها قادة الصين لتعزيز الاستهلاك غير واضحة. ويرى المحللون أن التدابير التي تركز على تحفيز الطلب ستكون أساسية لجعل التيسير النقدي أكثر فاعلية في اقتصاد يعتمد تقليدياً على الإنتاج. وقال جوليان إيفانز بريتشارد، المحلل في «كابيتال إيكونوميكس»: «التيسير النقدي في الصين أصبح أقل فاعلية مما كان عليه في السابق». وأضاف: «لا توجد رغبة كبيرة بين الأسر أو القطاعات الخاصة لتحمل مزيد من الديون، حتى بأسعار فائدة منخفضة».

وتشير هذه المعطيات إلى أن تحقيق التوازن بين التحفيز الاقتصادي واحتواء المخاطر المالية سيظل تحدياً رئيسياً أمام صناع القرار في الصين خلال المرحلة المقبلة.

التحديات التجارية مع ترمب وتباطؤ النمو

على صعيد آخر، تباطأت صادرات الصين بشكل حاد وانكمشت الواردات بشكل غير متوقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مما يمثل إشارة مقلقة للاقتصاد الثاني في العالم، خاصة مع عودة ترمب الوشيكة إلى البيت الأبيض وما يحمله ذلك من مخاطر تجارية جديدة.

تأتي هذه الأرقام المخيبة للآمال في أعقاب مؤشرات أخرى تشير إلى نمو متقطع في نوفمبر، مما يدل على أن بكين بحاجة لبذل جهود أكبر لدعم اقتصادها الهش، الذي من المرجح أن يواجه تحديات إضافية في العام المقبل. وأظهرت بيانات الجمارك يوم الثلاثاء أن الشحنات الصادرة نمت بنسبة 6.7 في المائة في الشهر الماضي، وهو ما جاء أقل من الزيادة المتوقعة بنسبة 8.5 في المائة، ومنخفضة عن زيادة بنسبة 12.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول).

ومما يزيد من قلق السلطات انكماش الواردات بنسبة 3.9 في المائة، وهو أسوأ أداء لها في تسعة أشهر، وهو أقل من التوقعات التي كانت تشير إلى زيادة قدرها 0.3 في المائة، مما يعزز الدعوات لمزيد من الدعم السياسي لتعزيز الطلب المحلي. وهزت تهديدات ترمب المجمع الصناعي الصيني، الذي يبيع سلعاً تزيد قيمتها على 400 مليار دولار سنوياً للولايات المتحدة. وقبل زيادات التعريفات الجمركية المتوقعة، سارع المصدرون إلى تحويل المخزون إلى المستودعات الأميركية في أكتوبر، في انتظار شحنات جديدة بمجرد تعافي الطلب العالمي. ورغم تباطؤ هذا الاتجاه بشكل حاد في نوفمبر، فإن التحميل المسبق قبل فرض التعريفات الجمركية قد يدعم الصادرات.

وقال زيشون هوانغ، الخبير الاقتصادي الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»: «نتوقع أن تتسارع الصادرات مرة أخرى في الأشهر المقبلة، بدعم من المكاسب في القدرة التنافسية للصادرات وتصدر المصدرين للتعريفات الجمركية».

ومع ذلك، فإن التوترات غير المحلولة مع الاتحاد الأوروبي بشأن الرسوم الجمركية التي تصل إلى 45.3 في المائة على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين تهدد بفتح جبهة ثانية في الحرب التجارية بين بكين والغرب.

ونما الفائض التجاري للصين إلى 97.44 مليار دولار في الشهر الماضي، مقارنة بـ95.72 مليار دولار في أكتوبر.

سفينة حاويات في ميناء ليانيونغوانغ في محافظة جيانغسو الشرقية (أ.ف.ب)

دعوة إلى التحول

تعد الرسوم الجمركية الأميركية تهديداً أكبر للصين مقارنة بفترة ولاية ترمب الأولى، حيث تعتبر صادرات الاقتصاد البالغة 19 تريليون دولار أحد المحركات الرئيسية للنمو، بينما تضررت ثقة الأسر والشركات بسبب أزمة العقارات الممتدة. ورغم أن المصنعين أبلغوا عن أفضل ظروف العمل في سبعة أشهر في مسح المصانع في نوفمبر، مما يشير إلى أن التحفيز بدأ يؤتي ثماره، فقد حذروا أيضاً من أنهم يتلقون عدداً أقل من أوامر التصدير.

وقد دفعت هذه الاتجاهات المحللين وخبراء السياسة إلى الدعوة للتحول بعيداً عن الاعتماد المفرط على التصنيع والصادرات. وأوصى مستشارو الحكومة بأن تبقي بكين على هدف نمو نحو 5 في المائة في العام المقبل، وتنفذ حوافز أقوى للتخفيف من آثار الرسوم الجمركية الأميركية المتوقعة، من خلال الاعتماد على سوق المستهلك المحلية الضخمة في البلاد.

ويتوقع خبراء الاقتصاد انتعاش واردات الصين في الأشهر المقبلة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن صناع السياسات يتوقعون أن يعملوا على توسيع الحيز المالي العام المقبل. وقال هوانغ إن «الإنفاق المالي القوي، الذي من المرجح أن يوجه الكثير منه نحو الاستثمار، من شأنه أن يعزز الطلب على السلع الصناعية في الأشهر المقبلة».

وفي السياق ذاته، ارتفعت أسواق الأسهم في الصين وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، بعد أن تعهد كبار صناع السياسات بتعزيز التحفيز لدعم النمو الاقتصادي. وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 1.9 في المائة بحلول منتصف النهار، مسجلاً أعلى مستوى في نحو شهر، قبل أن يقلص بعض مكاسبه، بعد أن افتتح مرتفعاً 3.2 في المائة. وارتفع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 1.6 في المائة.

وكان قطاع العقارات هو الأكثر ربحاً، حيث ارتفع بنسبة 3.2 في المائة، تلاه قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية الذي شهد زيادة بنسبة 2.8 في المائة، مما قاد المكاسب داخل السوق.

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» القياسي بنسبة 1 في المائة بحلول الظهر بعد افتتاحه مرتفعاً بنسبة 3.2 في المائة، في حين أضاف مؤشر التكنولوجيا 0.8 في المائة.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد شعار بنك كوريا على قمة مبناه في سيول (رويترز)

بنك كوريا يثبّت الفائدة ويحذّر من ضبابية اقتصادية بسبب الحرب

أبقى البنك المركزي الكوري الجنوبي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الجمعة، محذّراً من مسار اقتصادي شديد الضبابية، في ظل اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد ميناء الحاويات في لونغ بيتش كاليفورنيا (رويترز)

بعد تخفيض التقديرات... الاقتصاد الأميركي ينمو 0.5 % في الربع الأخير

أعلنت وزارة التجارة الأميركية، الخميس، أن الاقتصاد الذي تباطأ نموه نتيجة الإغلاق الحكومي خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي ضعيف بلغ 0.5% خلال الربع الأخير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن هاسيت خلال مقابلة تلفزيونية مباشرة في البيت الأبيض (رويترز)

هاسيت: أزمة الشرق الأوسط لا تستدعي رفع الفائدة

رفض كيفن هاسيت، مدير «المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي»، الخميس، فكرة أن أزمة الشرق الأوسط قد تستدعي رفع أسعار الفائدة، مؤكداً أن تأثيرها سيكون محدوداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص العاصمة السعودية (رويترز)

خاص البنك الدولي يتوقع تقلص عجز ميزانية السعودية إلى النصف و«فائضاً جارياً» بـ3.3 % في 2026

تشير توقعات البنك الدولي إلى تقليص عجز المالية العامة بمقدار النصف، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس.

هلا صغبيني (الرياض)

باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
TT

باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)

دعت باكستان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع السعودية، وذلك خلال زيارة وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع القيادة الباكستانية العليا.

وجاءت هذه الزيارة، وهي الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في وقتٍ من المقرر أن تعقد فيه إسلام آباد محادثات سلام بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين.

وشهد اللقاء استعراض آفاق التعاون الاقتصادي بحضور كبار المسؤولين الباكستانيين، يتقدمهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، ورئيس أركان الجيش المشير سيد عاصم منير، وفق الحساب الرسمي لرئيس الوزراء الباكستاني على منصة «إكس».

وتأتي زيارة الجدعان، التي استمرت يوماً واحداً، في وقت تستضيف فيه إسلام آباد محادثات أميركية إيرانية تهدف إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

خلال اللقاء، نقل شهباز شريف تحياته وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مثمناً الدعم الاقتصادي والمالي السعودي التاريخي الذي وصفه بالدور «المحوري» في الحفاظ على استقرار باكستان المالي خلال السنوات الماضية.

وأشار شريف، الذي استذكر بتقدير اتصاله الهاتفي الأخير مع ولي العهد، إلى التزام حكومته وشعبه بالوقوف «كتفاً بكتف» مع الأشقاء في المملكة، مؤكداً تطلع إسلام آباد لتوسيع الشراكات في قطاعات التجارة والاستثمار النوعي. كما لفت إلى أن هذه العلاقة التاريخية تزداد رسوخاً تحت رعاية ولي العهد، بما يخدم المصالح المشتركة وتطلعات النمو في كلا البلدين.

من جهته، شكر وزير المالية السعودي رئيس الوزراء، وأكد مجدداً عزم المملكة على تعزيز العلاقات الأخوية العميقة والمتجذرة بين باكستان والسعودية، وفقاً لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وفي ختام الزيارة، كان وزير المالية والإيرادات الباكستاني، السناتور محمد أورنغزيب، في وداع الوزير الجدعان بمطار إسلام آباد الدولي ليلة أمس. وتبادل الجانبان الأحاديث الودية حول تعزيز التعاون الاقتصادي القائم، حيث أعرب أورنغزيب عن تطلعه للقاء الجدعان مجدداً خلال اجتماعات الربيع المقبلة لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، لمواصلة التنسيق الوثيق ضمن الشراكة الراسخة بين البلدين.


تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)

ستزيد تايلاند مخصصات السلع الأساسية اعتباراً من يوم الاثنين، للمساعدة في تخفيف الآثار الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، والتي تؤثر بشكل خاص على المزارعين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والفئات الأكثر ضعفاً.

وأعلنت وزارة المالية، في مؤتمر صحافي يوم السبت، أن أكثر من 13 مليون تايلاندي، ممن يحملون بطاقة تخولهم الحصول على إعانات اجتماعية في هذا البلد الواقع في جنوب شرقي آسيا، سيشهدون زيادة في مخصصاتهم الشهرية من 300 بات إلى 400 بات (من 9.31 دولار إلى 12.42 دولار) لتغطية نفقاتهم اليومية.

وقال وزير المالية، إكنيتي نيتيثانبراباس، إن هذه الإجراءات تهدف إلى «حماية الفئات الأكثر ضعفاً، ومنع امتداد الوضع إلى قطاعات أخرى».

كما سيتمكن المزارعون وأصحاب المشاريع الصغيرة من الاستفادة من قروض بفائدة تفضيلية، وكذلك الراغبون في شراء سيارات كهربائية، أو تركيب ألواح شمسية.

كما أقرت الحكومة دعماً لشركات النقل، قبيل احتفالات رأس السنة التايلاندية، أو «سونغكران». وأضاف إكنيتي: «هذا التحدي طويل الأمد. لذا، لا نكتفي بتطبيق إجراءات قصيرة الأجل، بل نعمل أيضاً على تهيئة الجمهور، ورواد الأعمال للتكيف مع ارتفاع محتمل في تكاليف الطاقة، والمنتجات».


السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)
TT

السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)

في وقت تحبس فيه أسواق الطاقة العالمية أنفاسها تحت وطأة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية التي خنقت مضيق هرمز، برزت السعودية حائط صد استراتيجياً جنّب الاقتصاد العالمي تداعيات صدمة عرض غير مسبوقة. فبينما كانت التوقعات المتشائمة تدفع ببرميل النفط نحو حاجز الـ200 دولار، نجحت حكمة الرياض في كبح جماح الأسعار عند حدود 112 دولاراً، مستدعيةً بنية تحتية جبارة، وخيارات لوجيستية مرنة أثبتت للعالم أن المملكة ليست مجرد منتج، بل هي «البنك المركزي للطاقة» الذي لا يخذل عملاءه وقت الأزمات.

وأجمع الخبراء في تصريحاتهم لـ«الشرق الأوسط» على أن الخط الاستراتيجي «شرق-غرب» (بترولاين) كان «بيضة القبان» في هذه الأزمة.

استراتيجية «البنك المركزي للنفط»

أوضح عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، فضل بن سعد البوعينين، أن السعودية تكرّس مكانتها كـ«بنك مركزي للنفط العالمي»، عبر إدارة فاعلة، وسياسات واضحة تستهدف التوازن، واستدامة الإمدادات. وأشار إلى أن هذا الدور تجسد عملياً إبان أزمة مضيق هرمز؛ حيث نجحت المملكة في تحويل مسار صادراتها من الشرق إلى الغرب عبر خط الأنابيب الاستراتيجي (بترولاين)، بضخ نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع، وُجه جزء منها للمصافي المحلية، والقدر الأكبر للتصدير الخارجي.

بدائل آمنة وموثوقية عالمية

واعتبر البوعينين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن امتلاك «أرامكو السعودية» لبدائل تصديرية آمنة مكّن المملكة من تجاوز الأزمة، وطمأنة الأسواق، مؤكداً أن هذه الموثوقية هي نتاج استثمارات ضخمة، وطويلة الأمد في قطاعات الإنتاج، والنقل، بالإضافة إلى بناء مخزونات خارجية استراتيجية تعمل كصمام أمان لأي انخفاض طارئ في الصادرات.

وشدد على أن «أرامكو» تلعب دوراً محورياً في صياغة خطط الطوارئ الاستباقية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية الراهنة.

كبح جماح الصدمة النفطية

وفيما يخص إغلاق مضيق هرمز، أوضح البوعينين أن حجب خُمس الاحتياج العالمي من النفط شكّل صدمة حادة للاقتصاد الدولي، وهدّد أمن الملاحة، إلا أن البدائل السعودية خففت من وطأة الأزمة عبر استخدام المخزونات العالمية لتعويض النقص. وأكد أن التزام المملكة تجاه عملائها، وعدم لجوئها لإعلان «القوة القاهرة» كان العامل الحاسم في منع أسعار النفط من القفز فوق حاجز 150 دولاراً.

تحذير من تضاعف التداعيات

واستدرك البوعينين محذراً من أن تداعيات الصدمة الحالية قد تتضاعف إذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل يؤمن الملاحة في المضيق، نظراً لارتباط ذلك بقطاعات حيوية، كالزراعة، والبتروكيميائيات.

وتساءل حول كفاية الجهود الحالية، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي يتطلب ضمان تدفق النفط من كافة الدول المنتجة كسبيل وحيد لضبط الأسعار، وطمأنة الأسواق بشكل مستدام.

الجغرافيا المرنة والبحر الأحمر كخيار استراتيجي

من ناحيته، أكد رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، الدكتور عبد الرحمن باعشن، أن الرياض نجحت في توظيف «جغرافيتها المرنة» عبر استثمار البدائل الملاحية التي تديرها «أرامكو السعودية»، مما عزز ثقة أسواق الطاقة العالمية بالرغم من تداعيات الصراع الإقليمي الراهن.

وأشار باعشن إلى أن المملكة استطاعت إيجاد البديل المائي لمضيق هرمز عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي لتصدير البترول، الأمر الذي مكّن «أرامكو» من الحفاظ على ضخ الطاقة بشكل انسيابي، ومقدر، مرسخةً بذلك الثقة الدولية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تحت أصعب الظروف.

طريق الشمال الدولي بطول 1700 كيلومتر يربط المملكة بدول المنطقة وأوروبا (واس)

كبح جماح الأسعار وحماية الأمن الغذائي

وشدد باعشن على أن استمرار السعودية في ضخ إمداداتها عبر البحر الأحمر لعب دوراً حاسماً في كبح جماح أسعار الطاقة؛ فبالرغم من وصول سعر البرميل إلى 112 دولاراً، فإن هذا التحرك الاستراتيجي منع السيناريو الأسوأ المتمثل في قفز الأسعار إلى حاجز 200 دولار.

وأوضح أن هذا الالتزام السعودي لا يقتصر على استقرار أسواق الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكداً على الدور المحوري والإيجابي للمملكة داخل منظومة «أوبك» و«أوبك بلس» في التحوط لآثار الحرب، وحماية الاقتصاد العالمي من المخاطر ذات الصلة.

الموثوقية العالية والاستجابة التاريخية

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم العمر، المشرف على شركة «شارة» للدراسات الاستشارية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية برهنت على موثوقية استثنائية كمنتج رئيس للطاقة؛ إذ لم تستغرق «أرامكو» سوى ساعات معدودة من نشوء الأزمة لتحويل شحنات النفط من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وأوضح العمر أن المملكة استحضرت في هذه اللحظة الحرجة بنية تحتية استراتيجية أُنشئت قبل أربعة عقود لظروف مشابهة، لتتحول اليوم إلى «درع طاقة» للعالم أجمع.

وأشار إلى قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر خط «شرق-غرب»، حيث ارتفع المتوسط من 770 ألف برميل يومياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً، وصولاً إلى ما فوق 5 ملايين برميل يومياً في أسابيع قليلة. واصفاً هذه الزيادة بأنها تكشف عن «مرونة تشغيلية نادرة» لا تملكها سوى دولة تُعرف بأنها «البنك المركزي للنفط العالمي».

درع العالم أمام صدمات الأسعار الكارثية

وشدد العمر على أن «الاستعداد الاستراتيجي» للمملكة حافظ على نحو 85 في المائة من صادراتها، ليصبح خط الأنابيب صمام أمان فعلياً أمام أشد صدمات العرض. وحذّر من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي، لا يستمد أهميته من طاقته الاستيعابية فحسب، بل من تأثيره المباشر على التسعير؛ إذ إن أي نقص في المعروض بنسبة 20 في المائة كان سيقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية تتراوح بين 230 و300 دولار للبرميل، وهو ما كان سيحدث صدمة هيكلية كارثية في الاقتصاد العالمي.

وأشار العمر إلى أن استمرار الضخ السعودي عبر البحر الأحمر ساهم في «إعادة النور» إلى مشهد كان سيكون مظلماً لولا تلك القدرات الاستثنائية، وهو ما أكده رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، حين صرح بأن الاستجابة السعودية السريعة وإعادة توجيه ثلثي الصادرات كانتا السبب الأكبر في منع خروج الوضع عن السيطرة.

ميناء جازان (واس)

تحدي التسعير العادل والدور الريادي إقليمياً

وحول استمرار التصدير السعودي في كبح الأسعار رغم تجاوزها حاجز الـ 112 دولاراً، أوضح العمر ضرورة التفريق بين السعر الراهن والسعر الذي كان سيسود في حال «خلا الميدان» من البديل السعودي. وأكد أن توافر خط الأنابيب حال دون بلوغ مستويات سعرية مدمرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ليظل الخط صمام أمان عالمياً لأزمات الإمداد والتسعير.

وعلى الصعيد الإقليمي، وصف العمر السعودية بأنها «قاطرة الاقتصاد الخليجي»، مستندة إلى ركيزتين:

  • القدرات الإنتاجية، والبنية التحتية الجاهزة بعيداً عن بؤر الصراع في المنطقة.
  • الدعم اللوجيستي في استيراد ونقل المنتجات الضرورية عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية لكافة دول الجوار.

واختتم العمر حديثه بالتذكير بأنه لولا القدرات اللوجيستية السعودية لتعرضت المنطقة لكارثة حقيقية؛ خاصة بعد إعلان قطر حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز، وانخفاض إنتاج الكويت، والإمارات، وانهيار 70 في المائة من صادرات العراق النفطية، فضلاً عن أزمة الأمن الغذائي الحادة. وأكد أن المملكة وقفت وحدها لتقدم لأشقائها ثلاثة مستويات من الدعم: الممر البديل، والاستقرار النسبي للأسعار، والدعم اللوجيستي متعدد الأبعاد.