كيف سيُسمع صدى «معركة دمشق» في بيروت وبغداد؟

ردود فعل «المقاومة» الموالية لإيران يعتمد على «سلوك» الفصائل السورية

مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
TT

كيف سيُسمع صدى «معركة دمشق» في بيروت وبغداد؟

مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)

تتزايد احتمالات أن يتحول تمدد الفصائل السورية المسلحة إلى صراع مفتوح وربما طويل الأمد، بين قوى إقليمية متنافسة، تشهد الآن انقلاباً في المعادلة، على نحو مفاجئ.

منذ سنوات، يجتذب المسرح السوري قوى خارجية بترسانتها العسكرية، لخلق توازن لصالح حكومة الرئيس بشار الأسد.

وبلغ المسرح ذروته بعد عام 2011، حينما اندفع «الحرس الثوري» الإيراني وفصائل عراقية موالية، بغطاء روسي، في حرب أهلية مدمرة، في حين كانت الولايات المتحدة تتمركز هناك لمحاربة تنظيم «داعش».

بعد سنوات، اتفقت القوى الفاعلة في سوريا على صيغة سياسية لخفض التصعيد، عبر ما يُسمّى «مسار آستانة»، لكن إيران حافظت على وجودها العسكري والاستخباري لحماية جسر الإمداد الممتد بين طهران وبيروت في الأراضي السورية، وأرست واشنطن، من الجانب الآخر، قواعد عسكرية في شمال شرقي البلاد.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال إن «هدف الفصائل السورية هو دمشق» (الرئاسة التركية)

جذور 2011

الاستجابة: كانت تركيا، مع اندلاع التمرد في سوريا وقبل أن يتحول إلى حرب أهلية، مترددة في خياراتها السياسية والعسكرية، حتى إن مجلس الأمن القومي التركي أمضى أسابيع، في مايو (أيار) 2011، لتقييم تقارير عن «المأزق السوري» قدّمها رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان الذي أصبح اليوم وزيراً للخارجية.

بعد عامين، وجدت تركيا «الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني وميليشيات عراقية تتمركز في سوريا، في حين اندفعت هي لكبح الكرد بدعم حلفاء من العرب في الشمال السوري، واستقبلت ملايين اللاجئين الذين تحولوا إلى عبء اقتصادي واجتماعي في الداخل لديها، وأحياناً إلى «سكين في خاصرتها» في الصراع بين حزبي «العدالة والتنمية» و«الشعب الجمهوري».

تنظيمات متطرفة: نتيجة ظروف مختلفة، تمدّد تنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى في مناطق سورية وعراقية، وانخرطت قوى متنافرة لمحاربة هذه التنظيمات، من «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة وفصائل كردية، إلى «الحشد الشعبي» و«الحرس الثوري» والجيش السوري.

الدور الروسي: انخرطت موسكو في سوريا، ولم تكن يومها منشغلة بحرب استنزاف في أوكرانيا. سيطرت على الساحل السوري، وحافظت على منطقة تنافس فيها واشنطن في الشرق الأوسط، وبهذا القدر كانت تقيم تحالفها مع الرئيس السوري بشار الأسد.

زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني في حلب يوم 4 ديسمبر 2024 (تلغرام)

«الطوفان» السوري

طهران وموسكو: بعد اتفاق وقف النار في لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل كانت إيران في موضع لا يسمح لها بالمناورة، وحينما باغتت الفصائل السورية المسلحة الجيش السوري بتمدد سريع ومنظم تجاوز حلب وإدلب، لم تُظهر إيران رد فعل ميدانياً واضحاً، كما أن روسيا منهكة بحرب أوكرانيا.

التوقيت التركي: أفصحت أنقرة عن نفسها. أظهرت أنها تسبق الجميع «نحو دمشق»، كما عبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي شرح الأمر بوضوح قبل يومين: «الوضع في سوريا يُدار بهدوء».

تنظيم الفصائل السورية: أظهرت المجموعات المسلحة المعارضة للأسد وللوجود الإيراني، خلال الأسبوع الماضي، قدراً من التنظيم. فإلى جانب التحركات الميدانية المنتظمة، حرصت -على الأقل حتى الآن- على عدم ارتكاب «جرائم حرب»، رغم انتماء قادتها إلى حركات أصولية. مع ذلك، الجميع يترقّب ما إذا سيتغيّر هذا الوجه المنظم.

الجيش السوري: كان من اللافت أن تمدّد الفصائل السورية لم يأتِ بعد معارك طاحنة، إذ ارتبط سقوط المدن تباعاً بعد حلب، بانسحاب قوات الجيش الحكومية، وقد يعني هذا أحد أمرين: قرار سياسي بعدم التورط بالقتال لمنح الحل السياسي الضئيل أساساً، أو أن الجيش متهالك ومفكك وغير قادر على حماية المدن.

جندي من قوات الحدود العراقية يقف عند الشريط المحاذي لسوريا (أ.ف.ب)

معركة دمشق

«تبدو خيارات إيران محدودة الآن». يقول مستشار سياسي عراقي سافر إلى واشنطن أخيراً وسمع وجهات نظر «جديدة» عن سوريا، إن «طهران لا تمتلك ورقة تفاوض واحدة، وهذا ما يزيد من خطرها لو قررت فعل شيء في لحظة احتضار لا قيمة سياسية لها».

تفيد الوقائع التاريخية بأن إيران لم تكن تسمح بسقوط بشار الأسد، لكن من الواضح أنها لو أرسلت الآن قوات مع حلفائها في المنطقة لدعم الرئيس السوري، فإنها تعلن، بالضرورة، الحرب ضد تركيا، في لحظة تردد روسي وبرود أميركي.

في بغداد وبيروت تتزايد المخاطر مع تمدّد الفصائل نحو الجنوب السوري، وصولاً إلى بلدة «القصير» جنوب حمص، ومنها إلى دمشق.

يقول فاعلون في الفصائل العراقية، إن «بغداد تضبط (قدر الضغط) لأول مرة منذ سنوات»، لكن «العامل الديني العقائدي لن يكون هيناً»، لو تعرّضت حواضن «الأقليات» في سوريا، أو أضرحة شيعية في دمشق إلى «الخطر»، وهذا يعتمد كثيراً على سلوك الفصائل السورية.

يعترف هؤلاء بصعوبة التحرك الآن، فالوقت والموارد وخطوط الإمداد ليست في صالح «المحور»، لكن الأضرار الجانبية ستبدأ ربما من أعمال انتقام في بيروت وبغداد.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

المشرق العربي قاعدة التنف في جنوب شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ب)

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

تمكّنت وحدات الجيش العربي السوري من التصدي لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تغلق أحد الشوارع في بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة النطاق لحفظ الأمن الأربعاء والخميس (أ.ف.ب)

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

سلَّم القيادي السابق في الجنوب السوري، أحمد العودة «رجل التسويات» نفسه إلى السلطات السورية وظهر في شريط مصور، الأحد،

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي عناصر من القوات السورية يحرسون منطقة قرب سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرق سوريا (ا.ف.ب)

«قسد» تنسحب من سجن الأقطان باتجاه عين العرب شرق حلب

أعلن الجيش السوري، بدء انسحاب مقاتلي «قسد» من سجن الأقطان في ريف الرقة باتجاه عين العرب (كوباني).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ) p-circle

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد.

«الشرق الأوسط» (القامشلي)

ملادينوف يدرس إدخال «لجنة غزة» إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل

اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف الأربعاء (مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية)
اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف الأربعاء (مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية)
TT

ملادينوف يدرس إدخال «لجنة غزة» إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل

اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف الأربعاء (مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية)
اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف الأربعاء (مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية)

كشف مصدر فلسطيني، وآخر غربي مقرب من مكتب الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، أن الأخير يدرس «خيارات جديدة» مع إسرائيل بشأن التقدم في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، تتضمن «السماح بإدخال (لجنة إدارة غزة) التي يقودها علي شعث، إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل داخل غزة، على أن تتولى اللجنة المسؤولية الحكومية المدنية هناك، ونشر عناصر قوتها الشرطية الجديدة بدعم من دول عربية».

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسيطر إسرائيل على أكثر من 55 في المائة من مساحة القطاع تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق نفوذ «حماس» الواقعة غربي الخط ذاته.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وقال المصدر الغربي لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا التوجه يشير إلى اتخاذ القرار من دون تنسيق وموافقة (حماس)»، مضيفاً إلى أن «الهدف هو تشجيع سكان من غزة على الانتقال إلى المناطق التي ستتولى اللجنة المسؤولية والحكم فيها وتحسين وضعهم المعيشي».

وتتمسك «حماس» والفصائل بانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها وفق اتفاق وقف إطلاق النار، وتواجه المفاوضات تعثراً في الاتفاق على آلية لتطبيق بنود المرحلة الأولى التي تتمسك بها «حماس»، وتتضمن الالتزامات الإنسانية، وكذلك المرحلة الثانية التي تضغط إسرائيل لتفعيلها، خصوصاً بند «نزع السلاح» من غزة.

ولا يُعرف مدى إمكانية نجاح خطوة بسط سلطة «لجنة غزة» على المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل من دون التنسيق مع «حماس»، لكنها تتماشى مع إجراءات إسرائيلية طوال الشهور الماضية تضمنت توسيع نطاق سيطرتها عبر إزاحة «الخط الأصفر» وتنفيذ العصابات المسلحة الموالية لها هجمات على مناطق التماس لإجبار السكان على النزوح إلى مواقع السيطرة الإسرائيلية، وكذلك خطة لإعمار مواقع في مدينة رفح جنوب القطاع عبر وضع بيوت متنقلة مؤقتة «كرفانات».

خلاف وهجوم من «حماس»

وتوسع نطاق الخلافات العلنية بين «حماس» وملادينوف، خلال الأسابيع القليلة الماضية، وجاء أحد فصولها، الأربعاء، إذ شن عضو المكتب السياسي لـ«حماس» باسم نعيم، هجوماً على المسؤول البارز في «مجلس السلام»، وقال إنه يتبنى «مواقف، ومصطلحات فاشية وعنصرية ضد (حماس)»، على حد قوله.

جاء ذلك على خلفية إعادة نشر ملادينوف، عبر حسابه على «إكس» تغريدة تضمنت هجوماً لاذعاً ضد «حماس» واتهامات بمنعها مقاولين فلسطينيين من التوجه من مناطقها باتجاه مواقع خاضعة لسيطرة إسرائيل.

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة، مساء الثلاثاء، أن «حماس» منعت «تحت تهديد السلاح، المقاولين الذين يقطنون في غزة من العمل في المدينة الفلسطينية الجديدة المخطط إقامتها في رفح، وهي المدينة التي تسيطر عليها إسرائيل»، مشيرةً إلى أن «هذه الخطوة كانت بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة، وهي المرة الأولى التي تمنع فيها الحركة نشاطاً تم تنسيقه من القيادة الأميركية وحصل على موافقة من مجلس السلام».

وقال المصدر الغربي إنهم لديهم معلومات مؤكدة عن منع «حماس» للمقاولين، لكن لم يتم إبلاغ «مجلس السلام» بأي نوايا لتجديد الحرب في غزة. فيما قال المصدر الفلسطيني المقرب من «لجنة إدارة غزة» إنهم «علموا من ملادينوف بخطوة المنع، ولا يملكون تفاصيل أكثر حول ما يجري».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ملادينوف عاد لإسرائيل منذ يومين، ويُجري لقاءات مع مسؤولين هناك، ويتوقع أن يعقد لقاءً جديداً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اجتمع معه يوم الثلاثاء الماضي.

استئناف المفاوضات

كشفت مصادر في حركة «حماس»، والفصائل الفلسطينية، عن أن القاهرة ستستضيف جولة تفاوضية جديدة قبل عيد الأضحى بشأن محاولة جسر الهوة وتقريب وجهات النظر مع إسرائيل بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية.

وحسب مصدرين من «حماس»، وثالث من فصيل فلسطيني يوجد في القاهرة حالياً، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن مصر دعت -باسم الوسطاء- وفد الحركة للعودة إلى القاهرة خلال الأيام المقبلة لاستئناف المفاوضات وحل الخلافات القائمة، في ظل إصرار إسرائيل على اشتراطاتها المتعلقة بالسلاح، وكذلك اشتراطات الفصائل بضرورة تنفيذ المرحلة الأولى شرطاً للدخول في مفاوضات تتعلق بالمرحلة الثانية.

(من اليمين) أعضاء في المجلس القيادي لـ«حماس»: محمد درويش ونزار عوض الله وخليل الحية خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

وأشارت المصادر الثلاثة إلى أن هناك وفوداً من الفصائل ما زالت موجودة في القاهرة، فيما سيعود بعض القيادات من تلك الفصائل إلى جانب وفد «حماس» إلى القاهرة خلال الأيام المقبلة.

وبيَّنت المصادر أن الوسطاء خصوصاً في مصر، أعدوا ورقة جديدة بعد التشاور فيما بينهم بشأنها وبالتعاون مع الولايات المتحدة بشأن تقديمها للفصائل لبحثها مجدداً، مشيرةً إلى أن مسودة الورقة تم إجراء مناقشات سريعة بشأنها مع قيادة «حماس» أيضاً، بهدف تسريع المباحثات خلال الأيام المقبلة.

وقد تحسم «حماس» انتخاب رئيس مكتبها السياسي الجديد قبل التوجه إلى القاهرة، وهو أمر قد يكون له تأثير على عملية اتخاذ القرار فيما يتعلق بمفاوضات وقف إطلاق النار.


تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني-السوري» لتنشيط العلاقات الاقتصادية

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني-السوري» لتنشيط العلاقات الاقتصادية

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

يسعى لبنان وسوريا خلال الأسابيع المقبلة إلى ترجمة الاتفاقات والتفاهمات التي تم التوصل إليها خلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق مؤخراً، عبر مجموعة من الخطوات والقرارات التي ستصدر تباعاً، بما يؤكد وجود قرار واضح لدى الدولتين بالانتقال بالعلاقة بينهما إلى مستوى جديد من التعاون والتنسيق بعد سنوات من علاقة غير سوية أثرت سلباً على الطرفين.

ومن أبرز ما بدأ العمل عليه في هذا المجال، تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني-السوري» الذي يهدف إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ويشمل القطاع الخاص.

ويوضح وزير الاقتصاد والتجارة، عامر البساط، أن «الحديث عن إنشاء هذا المجلس بدأ منذ فترة وقد تم التفاهم على أن يعقد أول اجتماعاته أواخر شهر يونيو (حزيران) المقبل»، لافتاً إلى أنه «سيتشكل من ممثلين عن القطاع الخاص وتتولى وزارة الاقتصاد الإشراف عليه، وتدعمه وتراقب أعماله وتساعد في وضع أجندته وتقديم الإرشاد».

ويشدد البساط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على «أهمية العلاقات اللبنانية-السورية باعتبار أن البلدين تحكمهما الجغرافيا والتاريخ وبالتالي النهوض بهذه العلاقات هدف استراتيجي لحكومتنا»، مضيفاً: «العلاقات المؤسساتية الاقتصادية مع سوريا بحاجة إلى تحديث أو حتى الانطلاق من الصفر ويمكن القول إنه تم راهناً وضع الأمور على السكة الصحيحة وقد بدأنا بمسار قد يكون طويلاً».

ويؤكد البساط أن الدولة السورية لاقت الرغبة اللبنانية بالنهوض بالعلاقة بين البلدين بالترحيب والالتزام والإرادة الإيجابية، موضحاً أن «هناك قناعة لدى الطرفين بأن نجاح سوريا من نجاح لبنان والعكس صحيح وبأن العلاقات التي يتم بناؤها اليوم تقوم على المصالح المشتركة وعلى أسس جديدة وصحية وعلى الاحترام المتبادل».

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على رأس وفد من الوزراء السبت الماضي (سانا)

إلغاء المجلس الأعلى

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أعلنت سوريا عن تعليق عمل المجلس الأعلى اللبناني السوري وهو مجلس انبثق عن «معاهدة الأخوة والتنسيق» بين لبنان وسوريا، التي تم توقيعها في عام 1991، وشكّلت «منعطفاً كبيراً» في تاريخ العلاقات بين البلدين، إذ رسخت «الوصاية السورية» على لبنان التي ظلت قائمة حتى خروج الجيش السوري عام 2005.

وحسب مصدر رسمي لبناني فإن هذه المعاهدة وهذا المجلس «باتا بحكم غير الموجوديْن وإن كانت هناك خطوات قانونية يفترض أن تتخذ في هذا المجال».

ويعتبر البروفسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، أن «الحديث عن إنشاء مجلس أعلى جديد للأعمال بين لُبنان وسوريا يتجاوز البعد الاقتصادي التقني إلى إعادة طرح طبيعة العلاقة الثنائية نفسها»، لافتاً إلى أن «التجربة اللبنانية مع المجلس الأعلى اللبناني السوري الذي نشأ بموجب اتفاقية الأخوّة والتعاون والتنسيق الموقّعة عام 1991، بقيت موضع جدل واسع في لبنان، نظراً إلى ما رافق تلك المرحلة من اختلال كبير في موازين القوى وتداخل سياسي وأمني نسف في أغلَب الأحيان مَفهوم العِلاقة الطبيعية بين دولتين مستقلتين. وبناءً على ما تقدَّم، لا يمكن لأي إطار اقتصادي أو مؤسساتي جديد أن يَنجح ما لم ينطلق أولاً مِن مُراجعة نقديَّة عميقة لِتَجربة تِلك الاتفاقيات، وللشوائب التي رافقت تطبيقها»، مضيفاً: «بل إنّ أي محاولة لإبرام اتفاقيات جديدة أو إنشاء أطر تعاون حديثة تبقى منقوصة ما لم تُطرح بوضوح مسألة نقض وإلغاء اتفاقية الأخوّة والتعاون والتنسيق بصيغتها الحالية المجحفة بحق لبنان».

تنظيم العلاقات الاقتصادية

ويشدد خاطر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «الحاجة إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية بين البلدين حاجة واقعية وضرورية بِحُكم الجغرافيا والتداخل الاقتصادي الاستراتيجي العميق. فالمجالس العليا للأعمال تُنشأ عادةً لتأمين منصة مؤسساتية دائمة للحوار بين القطاعين العام والخاص، ولمتابعة ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والمعابر والتنسيق الجمركي، إضافة إلى إزالة العوائق أمام حركة البضائع ورؤوس الأموال».

أما عن الملفات الاقتصادية العالقة بين البلدين، فيشير خاطر إلى أنها «كثيرة ومتراكمة، وفي مقدّمتها تهريب السلاح والبضائع والأموال وتجارة الممنوعات عبر المعابر غير الشرعية والأنفاق، التي استنزفت الاقتصاد اللبناني لعقود، وملف الترانزيت البري الذي يشكّل شرياناً حيوياً للصادرات اللبنانية نحو الخليج العربي. كذلك يبرز ملف الطاقة واستجرار الغاز والكهرباء عبر الأراضي السورية، إضافة إلى التعاون الجمركي، والرسوم، والتنسيق المالي الذي أصبح معقداً وضبابياً بعدَ العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على سوريا. ومن بين أبرز الملفات تبادل المعلومات الأمنيَّة وملف النازحين السوريين من أكثر الملفات حساسيةً لما يترتب عليه من تداعيات اقتصادية واجتماعية ومالية ثقيلة على لبنان».


الأمم المتحدة تقلّص مساعداتها الغذائية الطارئة لسوريا إلى النصف

أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تقلّص مساعداتها الغذائية الطارئة لسوريا إلى النصف

أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الأربعاء)، أنها ستقلّص المساعدات الغذائية الطارئة المخصّصة لسوريا بنسبة 50 في المائة، وستوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يستفيد منه ملايين السوريين، بسبب نقص التمويل، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال برنامج الأغذية العالمي، ومقره روما، في بيان إنه سيقلّص عدد المستفيدين من المساعدات الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً.

ورأى أن سوريا شهدت استقراراً نسبياً منذ نهاية الحرب الأهلية، فيما لا يزال 7.2 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.

وكجزء من عملياته، أوضح البرنامج أنه دعم أكثر من 300 مخبز عبر تزويدها بدقيق القمح المدعّم.

وأشار البيان إلى أن «برنامج دعم الخبز كان بمنزلة شريان حياة، إذ حافظ على القدرة على تحمّل تكلفة هذا الغذاء الأساسي».

وقالت مديرة البرنامج في سوريا ماريان ورد، إن «تقليص مساعدات برنامج الأغذية العالمي ناتج فقط من نقص التمويل، وليس بسبب تراجع الاحتياجات».

وأضافت: «هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى سوريا. فالتعافي لا يزال هشاً، والاحتياجات كبيرة، ونحن مضطرون إلى سحب شبكة أمان أساسية».

كذلك، أشار البرنامج إلى أن نقص التمويل يؤثر أيضاً على اللاجئين السوريين في دول الجوار مثل الأردن ولبنان.

وحسب المدير الإقليمي للبرنامج سامر عبد الجابر، فإن «الأُسر الأكثر ضعفاً في المنطقة تواجه تراكم آثار الأزمات الطويلة وارتفاع التكاليف وتراجع المساعدات».

وأوضح البرنامج أنه يحتاج إلى 189 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة للحفاظ على المساعدات الحالية في سوريا واستئنافها.