الإسكان الفاخر يغيّر ملامح العاصمة الأفغانية

بفضل السلام بعد سنوات طويلة من الحرب

منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)
منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)
TT

الإسكان الفاخر يغيّر ملامح العاصمة الأفغانية

منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)
منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)

في مدينة عانت كثيراً، وتكافح للعودة، يسعى رجل يدعى أميد الله لتحقيق ثروة. يعمل أميد الله وكيل العقارات في كابل على بيع فيلا تجمع بين اللونين الأبيض والذهبي مكونة من 9 غرف نوم و9 حمامات في العاصمة الأفغانية. على قمة السطح تبرز كتابة عربية متلألئة تغري المشترين والوسطاء بعبارة «ما شاء الله».

منظر عام لحديقة منزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان 29 سبتمبر 2024 (أ.ب)

تُعرَض الفيلا بسعر 450 ألف دولار، وهو رقم مذهل في بلد يعتمد أكثر من نصف سكانه على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة؛ حيث لا يمتلك معظم الأفغان حسابات مصرفية، والقروض العقارية نادرة. ومع ذلك، فإن العروض تتوالى.

رجل يسقي الزهور خارج منزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان 29 سبتمبر 2024 (أ.ب)

يقول أميد الله: «إن القول بأن الأفغان لا يملكون المال محض خيال؛ فلدينا رجال أعمال كبار يمتلكون مشاريع ضخمة في الخارج. هناك منازل هنا تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات».

سوق العقارات الفاخرة

في كابل، يحدث أمر غريب يساهم في تعزيز سوق العقارات الفاخرة. ويبدو أن السلام هو العامل الذي يدفع أسعار العقارات إلى الارتفاع.

منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)

كثيرون يعودون إلى الداخل الأفغاني الآن، حيث يعود أشخاص قضوا سنوات في العيش والعمل بالخارج إلى ديارهم، متحمسين للاستفادة من الأمن والاستقرار الكبيرين اللذين حققتهما البلاد، بعد عقود من الحرب والدمار وتدهور البنية التحتية. من بينهم الأفغان الذين يفرون من حملات الترحيل في إيران وباكستان، حاملين معهم أموالهم.

القروض العقارية نادرة

والقروض العقارية نادرة في أفغانستان، لأنه ليس لدى البنوك الودائع اللازمة لتسهيل الإقراض. لذلك، يشتري الأفغان العقارات نقداً أو يستخدمون خيار «الجيروي»، وهو ترتيب يقوم فيه شخص بتقديم مبلغ ثابت لمالك عقار مقابل العيش في عقاره والبقاء هناك حتى يعيد المالك المبلغ.

ظروف أفضل لسوق العقارات

ووفقاً لوكيل عقارات آخر، هو غلام محمد حقدوست، كان الأشخاص يخشون الاستثمار في كابل قبل استيلاء «طالبان» على السلطة. لكن حكام البلاد الجدد خلقوا ظروفاً أفضل لسوق العقارات بعدة طرق.

وأصبحت المدينة أقل عنفاً، منذ أن انتقلت «طالبان» من التمرُّد إلى السلطة، وانسحبت القوات الأجنبية، رغم أن المركبات المصفحة ونقاط التفتيش والمجمعات العسكرية لا تزال من المشاهد المألوفة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتيد برس» من كابل، الأربعاء.

وقد تعهَّدت طالبان، المعروفة بشدتها في البيروقراطية المعقدة، بالقضاء على الفساد وتنظيم الأمور القانونية والتجارية. وهذا يعني عدم الحاجة للتعامل مع أمراء الحرب أو دفع الرشى للمسؤولين المحليين، عند شراء الأراضي أو تنفيذ مشاريع البناء.

ويبدي حقدوست سعادته بسهولة وسرعة إنجاز الأمور تحت الإدارة الجديدة.

وقال: «ارتفعت أسعار المنازل، بنسبة تقارب 40 في المائة». وأضاف: «خلال السنوات الثلاث الماضية، بعنا ما يقارب 400 عقار. لم يكن الوضع كذلك من قبل».

أوقات مزدهرة للمطورين

والمطور العقاري حقدوست يوظف 200 شخص في قسم الإدارة، بمن في ذلك نساء يتعاملن حصرياً مع العميلات، بالإضافة إلى نحو ألف شخص في قسم البناء التابع لشركته.

وقال إن معظم العملاء يصطحبون زوجاتهم عند معاينة العقارات، لأن القرار في شراء العقارات يعود غالباً للنساء، حتى في بلد يُتهم بقمع النساء وسلبهن السلطة.

وأضاف حقدوست: «السلطة الحقيقية في المنزل بيد النساء، وهن مَن يقررن شراء المنزل أم لا».

فيما أوضح أميد الله وحقدوست أن العملاء يفضلون أن تحتوي المنازل على حديقة وصالة رياضية وساونا ومسبح وأماكن للضيوف ومطبخ واحد على الأقل.

فالضيافة جزء أساسي من الثقافة الأفغانية، وهذا التقليد ينعكس في تصميم المنازل. وعادة ما يستضيف الأفغان أصدقاءهم أو أفراد عائلتهم الزائر في منازلهم بدلاً من الفنادق أو المطاعم.

منظر عام لحديقة منزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان 29 سبتمبر 2024 (أ.ب)

وأشار حقدوست إلى أن غالبية زبائنه يعيشون في الخارج، وأن أذواقهم العالمية تؤثر على تصميم المنازل من الداخل؛ فهم يرغبون في إضافات جديدة، مثل طاولات الطعام والأسرة، في حين أن المعتاد في أفغانستان هو النوم.

وتناول الطعام على الأرض. كما أن أفراد الشتات الأفغاني يفضلون الشقق المصممة خصيصاً لتوفير وسائل راحة، مثل التدفئة المركزية والنوافذ مزدوجة الطبقات والمصاعد.

ولتعزيز جاذبية المدينة، وتحسين ظروف العيش فيها، تعمل السلطات البلدية على بناء وصيانة الطرق وتركيب أعمدة الإنارة وزراعة الأشجار وإزالة النفايات. كما أنها تطور خططاً لتعزيز الإسكان الميسور وتشجيع تملُّك المنازل.

وهذا أمر ضروري؛ إذ كان عدد سكان كابول نحو 500 ألف نسمة في بداية الألفية، لكنه تجاوز الآن 5 ملايين نسمة. ولا تزال بعض الأحياء مزدحمة وصاخبة نتيجة لذلك، على الرغم من جهود البلدية لتحسين البيئة الجمالية للمدينة.

منظر عام لمنزل فاخر في مدينة كابل بأفغانستان (أ.ب)

واحة خارج العاصمة الأفغانية

يتوجه أولئك الذين يستطيعون تحمل التكاليف إلى خارج المدينة. وهناك، على أطراف خزان قرغة، تقع بعض من أكثر المنازل فخامة وغلاء في كابل. أحد هذه المنازل يشبه مسجداً مزخرفاً، بينما يذكر آخر بتصميم جريء يشبه مخبأ أحد أشرار أفلام جيمس بوند، مع تصميمه الحاد وبروزه من التلال.

يقول السكان المحليون إنه يعود لرجل أعمال تركي ثري يزور المكان بين الحين والآخر، ولا يفصحون عن اسمه.

وتُطلّ هذه المجموعة من الحدائق المصممة بعناية والتراسات المزخرفة على البحيرة، وهي واحدة من أجمل المعالم الطبيعية في العاصمة. ومنذ تولي

«طالبان» السلطة، أصبحت المنطقة في الغالب مخصَّصة للرجال فقط. وتتوقف النساء هناك لفترات قصيرة مع عائلاتهن، لكنهن عادة لا يبقين طويلا بسبب وجود رجال وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نقاط التفتيش المحيطة بالبحيرة.

يحاول أراش أسد بيع عقار عمه، الذي يمتد على مساحة نحو 4 آلاف متر مربع (43 ألف قدم مربع) من الأرض. يتمتع العقار بإطلالات مفتوحة على الخزان وجبال باغمان عند سفح سلسلة جبال هندوكوش الهيمالايا. والسعر المطلوب 800 ألف دولار.

وهناك مبانٍ جانبية على أحد الأطراف، ومنطقة سكنية في وسط الأرض يتوِّجها سقف أزرق ساطع. ومعظم العقار مغطى بصفوف من الزهور وأشجار الكرز، إلى جانب عدد من طيور الكركي التي تُعدّ جزءاً من الممتلكات.

وقال أسد: «الحدائق مهمة جداً للأفغان. وينحدر كثير منهم من القرى. وعندما ينتقلون إلى المدن، يريدون الاحتفاظ بذكرى ماضيهم لأنها تبقى معهم». وداخل منطقة المعيشة ذات الجدران الزجاجية، يجلس عمه متأملاً منظر الماء.

وتفضل عائلة أسد تحويل العقار إلى مشروع تجاري بدلاً من بيعه. ولكن وكيل العقارات يتلقى العديد من المكالمات والرسائل خلال الرحلة التي تستغرق 30 دقيقة من وسط كابل. وقد أثارت صور العقار على وسائل التواصل الاجتماعي اهتماماً كبيراً.

وقال أسد: «يعتقد الأشخاص أن هذا البلد بلا وظائف ولا اقتصاد».

وخارج السيارة، تغرب الشمس فوق الخزان بينما تتوجه سيارات مليئة بالرجال إلى ضفاف البحيرة. وأضاف: «لكن الأفغان قد جمعوا أموالهم، سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية، على مر السنين. لن تصدق ذلك».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا وزير الداخلية الموريتاني محمد أحمد ولد محمد الأمين (الوزارة)

بوادر أزمة «دبلوماسية» بين موريتانيا ومالي

برزت إلى السطح بوادر أزمة دبلوماسية بين موريتانيا ومالي، على أثر بيان صادر عن الجيش المالي، يتحدث فيه عن احتجاز عدد من جنوده.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

مصر: حكم نهائي بإدراج قيادات إخوانية على «قوائم الإرهاب»

أدرجت النيابة العامة المصرية قيادات من تنظيم «الإخوان» على قوائم «الإرهاب» بصفة نهائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)

فرنسا: أول محاكمة غيابية لـ«داعشي» متهم بالمشاركة في إبادة الإيزيديين

بدأت الاثنين في فرنسا محاكمة غيابية للمتطرف صبري الصيد المشتبه في مشاركته في الإبادة الجماعية بحق الأقلية الإيزيدية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أمستردام (رويترز) p-circle

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات، والسلطات الهولندية توقف 4 أشخاص للاشتباه بتورّطهم في انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.


باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

TT

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)
موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، في تصعيد حاد للصراع بين البلدين الجارين. ورفضت باكستان هذا الاتهام، ووصفته بأنه كاذب، ومضلل، وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية، وبنية تحتية تدعم الإرهابيين» مساء أمس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارر: «تشير الانفجارات الثانوية التي شوهدت بعد الغارات بوضوح إلى وجود مستودعات ذخيرة كبيرة».

وجاءت الغارة الجوية بعد ساعات من إعلان الصين أنها لا تزال مستعدة لمواصلة الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين البلدين الواقعين جنوب آسيا، وحثت كلا الطرفين على تجنب توسيع نطاق الحرب، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

عناصر أمن من «طالبان» يتفقدون موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

والصراع الذي اندلع الشهر الماضي هو الأسوأ على الإطلاق بين الجارتين اللتين تشتركان في حدود بطول 2600 كيلومتر. وكان الصراع قد خمد وسط محاولات من دول صديقة، منها الصين، للتوسط، وإنهاء القتال قبل أن يشتعل مجدداً، وهذه المرة قبل أيام قليلة من عيد الفطر.

ويأتي هذا التصعيد وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع نطاقاً في المنطقة، إذ أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران ورد طهران الشرق الأوسط في أزمة.

وفي الموقع، بدا مبنى مكون من طابق واحد وقد تفحم بالكامل وظهرت عليه آثار النيران. وفي مناطق أخرى، تحولت مبانٍ عدة إلى أكوام من الخشب والمعدن، بينما لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسرة المرتبة سليمة بعض الشيء، وكانت البطانيات والمتعلقات الشخصية وأغطية الأسرة متناثرة.

وقال شهود إنهم سمعوا انفجار ثلاث قنابل في الوقت الذي كان فيه الناس في المستشفى يؤدون صلاة العشاء، وأصابت اثنتان منها غرفاً، ومناطق للمرضى.

وقال أحمد (50 عاماً)، الذي قال إنه كان يتلقى العلاج في المستشفى ولم يذكر سوى اسمه الأول: «اشتعلت النيران في المكان بأكمله. كان الأمر أشبه بيوم القيامة... احترق أصدقائي ولم نتمكن من إنقاذهم جميعاً».

جرحى جراء غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (رويترز)

وأظهرت لقطات من وسائل الإعلام المحلية التقطت خلال الليل ألسنة اللهب وهي تلتهم مبنى من طابق واحد، بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من قسم آخر من المجمع نفسه، وكان العمال ينقلون الجثث على نقالات.

وقال سائق سيارة الإسعاف الحاج فهيم لـ«رويترز»: «عندما وصلت (الليلة الماضية) رأيت أن كل شيء يحترق، والناس يحترقون... وفي الصباح الباكر اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوا مني العودة، لأن هناك جثثاً لا تزال تحت الأنقاض».

وقال حمد الله فيترات، نائب المتحدث باسم «طالبان»، إن الغارة الجوية وقعت الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش أمس، واستهدفت مستشفى أوميد الحكومي، الذي قال إنه مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات بسعة ألفي سرير.

وأضاف: «تم تدمير أجزاء كبيرة من المستشفى، وهناك مخاوف من وقوع إصابات جسيمة... وللأسف، بلغ عدد القتلى حتى الآن 400 شخص، وإصابة ما يصل إلى 250 آخرين».

ولم تتمكن «رويترز» بعد من التحقق من عدد الضحايا. وزعم كلا الطرفين طوال فترة النزاع أنهما ألحقا أضراراً جسيمة بالطرف الآخر، لكن لم يكن من الممكن إجراء تحقيق مستقل.

ووصف المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني الإشارة الأفغانية إلى استهداف متعاطي المخدرات بأنها «أكاذيب مستمرة»، وقال إن «عمليات مكافحة الإرهاب» الباكستانية ستستمر طالما استلزم الأمر للقضاء على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية».


أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)

قال ​نائب المتحدث باسم حكومة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة ⁠جوية شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات في العاصمة كابول.

ورفضت باكستان ‌هذا الاتهام ووصفته بأنه ⁠كاذب ومضلل، ⁠وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين»، ​مساء ​أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان، إذ شنّت إسلام آباد عدة ضربات على كابول خلال الأسابيع الأخيرة.

وسُمعت عدة انفجارات مصدرها منطقتا شهرنو ووزير أكبر خان في وسط العاصمة الأفغانية. وشاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» أماً مذعورة تغادر أحد المباني، وهي تنادي ابنها للعودة إلى المنزل بعد الانفجار العنيف.

واتهمت الحكومة الأفغانية باكستان بقصف كابل مستهدفة «مركزاً لعلاج الإدمان»، ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد عبر منصة «إكس»: «انتهك النظام الباكستاني مجدداً المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، معظمهم من مدمني المخدرات الذين يخضعون للعلاج».

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.