مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

مراقبون: رسالة إلى الروس بأن الشراكة مستمرة رغم اغتيال رجلهم

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)

قرر رئيس المجلس العسكري والرئيس الانتقالي في مالي الجنرال آسيمي غويتا أن يتولى شخصياً حقيبة وزارة الدفاع، بعد تسعة أيام من اغتيال وزير الدفاع السابق الجنرال ساديو كامارا، في خطوة أثارت الكثير من التعليقات في البلد المضطرب الذي يواجه واحدة من أصعب اللحظات في تاريخه.

وتواجه مالي أزمة أمنية حادة منذ هجوم شنّه انفصاليون طوارق ومسلحون مرتبطون بتنظيم «القاعدة» قبل أكثر من أسبوع، وأسفر عن مقتل كامارا إثر تفجير سيارة مفخخة استهدفت منزله.

وزير دفاع مالي الراحل الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وتمكنت هذه الجماعات من السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية في الشمال، قبل أن تسيطر الجمعة على القاعدة العسكرية في تساليت بعد انسحاب الجيش المالي وحلفائه من الروس منها. وتُعد هذه الهجمات المنسقة هي الكبرى في البلاد منذ نحو 15 عاماً، وأسفرت المعارك العنيفة في مناطق عدة، بينها محيط العاصمة باماكو، عن مقتل 23 شخصاً على الأقل. وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) الجمعة بأن مدنيين وأطفالاً كانوا بين القتلى والجرحى.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي... أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وشاركت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بـ«القاعدة»، إلى جانب «جبهة تحرير أزواد»، وهي حركة انفصالية للطوارق، في الهجمات ضد السلطة العسكرية وحلفائها الروس.

وتعهد متحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» بمواصلة القتال للسيطرة على شمال البلاد، متوقعاً «سقوط» المجلس العسكري الذي استولى على السلطة عبر انقلابين في 2020 و2021.

قرار غويتا جاء في مرسوم صادر عن الرئاسة الانتقالية المالية، ينص على أن الرئيس الانتقالي الجنرال آسيمي غويتا، القائد الأعلى للقوات المسلحة، سيتولى مهام وزير الدفاع وشؤون المحاربين القدامى، فيما عُين الجنرال عمر ديارا، قائد هيئة الأركان العامة للجيوش سابقاً، وزيراً منتدباً لدى وزير الدفاع.

وبهذا القرار يحكم غويتا قبضته على مقاليد الحكم في مالي، حيث يجمع تحت يده خيوط القرار العسكري والأمني في البلاد، ولكن ما دلالة أن يجمع غويتا الرئاسة والدفاع؟

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

قيادة قوية

منذ اغتيال وزير الدفاع على يد تنظيم «القاعدة»، وسقوط مدن الشمال في قبضة المتمردين الطوارق، زاد الشك في نفوس الماليين، وخاصة سكان العاصمة باماكو، التي أصبحت في مرمى نيران مقاتلي «نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة».

ويعتقدُ كثيرون من أنصار المجلس العسكري الحاكم أن قرار الجنرال غويتا أن يتولى بنفسه وزارة الدفاع هو رسالة طمأنة إلى الماليين، وتأكيد لهم بأن اغتيال ساديو كامارا لن يؤثر على عزيمة المجلس العسكري، ومضيه قدماً في الحرب على الإرهاب والتمرد.

ويمثل كامارا رمز القوة في المجلس العسكري، حيث كان مهندس صفقات السلاح والشراكة مع روسيا، ويرى فيه الماليون القائد الفعلي للمعركة الميدانية ضد الإرهاب والتمرد، وحين اغتاله تنظيم «القاعدة» بدا ذلك كأنه ضربة قاضية لمشروع الاستقرار في مالي.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يساراً) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وفي تقارير نشرتها صحف محلية موالية للمجلس العسكري وتقوم بكثير من الدعاية له، قالت إن الفراغ الذي خلفه كامارا لا يمكن أن يملأه إلا الجنرال غويتا بنفسه، لأن الرجلين خاضا معاً المسار العسكري والحرب في الشمال، ثم قادا فيما بعد الانقلاب العسكري، وكانا معاً حين قررا التخلي عن فرنسا والتوجه نحو الشراكة مع روسيا.

ووصفت هذه الصحف قرار غويتا بأنه «خطوة تظهر قوة القيادة»، وأضافت: «في زمن الحرب، يتولى الرئيس شخصياً حقيبة الدفاع لتوحيد سلسلة القيادة ومنع أي تشتت للسلطة».

تركيز السلطة

في المقابل، انتقد القرار من طرف جهات معارضة للمجلس العسكري، ولكن صوتها ضعيف الحضور في مالي بسبب الوضع الاستثنائي في البلاد، وقالت هذه الجهات إنه «يمثل أقصى درجات مركزية السلطة وتوحيد القيادتين السياسية والعسكرية».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وحذرت هذه الجهات من «تزايد النزعة السلطوية» لدى الجنرال غويتا، الذي يحكم مالي منذ 2020 دون تنظيم أي انتخابات، وغياب أي خطة للعودة إلى الوضع الدستوري، خاصة بعد حل جميع الأحزاب السياسية في البلاد، وتعطيل جميع مظاهر الحياة السياسية.

وأشارت إلى أن تولي غويتا لمنصب وزير الدفاع، إلى جانب رئاسة الدولة، ربما يخفي «انقسامات داخل الجيش وفقداناً للثقة في الحلفاء الروس بعد الانتكاسات العسكرية الأخيرة»، وفق تعبير مصدر فضل حجب هويته.

رسالة الكرملين

رغم هذه المخاوف، يؤكد مراقبون أن الجنرال آسيمي غويتا من خلال قراره الأخير، بعث برسالة واضحة إلى الكرملين، مفادها أنه متمسك بالشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا، ولا مجال للتراجع عنها حتى بعد اغتيال رجل موسكو في مالي والساحل.

من الواضح أن غويتا، بعد أن خسر مهندس الشراكة مع روسيا، لا يريد أن يحدث أي فراغ على مستوى التواصل مع موسكو، فقرر أن يتولى المهمة بنفسه، مع استحداث منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع، اختار له الجنرال عمر ديارا، في الغالب سيكون مبعوث الرئيس ومندوبه للأنشطة الميدانية.

وبذلك يكون غويتا قد اختار أن يتولى بنفسه الملفات الاستراتيجية، مثل الشراكة مع روسيا وصفقات السلاح، والصلة الوثيقة بالفيلق الأفريقي الروسي، ولكنه يبقى بعيداً عن الأضواء، تماشياً مع الإجراءات الأمنية الجديدة، التي فرضتها عملية اغتيال وزير الدفاع السابق.

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي آسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

أزمة ثقة؟

في المقابل، يثير مراقبون شكوكاً حول السبب الذي دفع غويتا لاستحداث منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع وإسناده إلى ديارا، بدل أن يسند وزارة الدفاع مباشرة إلى جنرال محنك وله خبرة واسعة في قضايا الأمن والدفاع، وكان يتولى قيادة الجيش.

تشير هذه المصادر إلى أن هجمات «القاعدة» الأخيرة، بالتحالف مع المتمردين، واغتيال وزير الدفاع، أسفرت جميعها عن حالة من الشك وانعدام الثقة بين أطراف المؤسسة العسكرية، خاصة بعد سلسلة الاعتقالات المستمرة منذ الجمعة الماضي، على خلفية الهجمات.

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وبررت المصادر شكوكها، بالقول إن منصب وزير الدفاع يحظى بأهمية كبيرة في مالي، نظراً لظروف الحرب الجارية، حيث إن الوزير الراحل ساديو كامارا كان ينظر له كمنافس للجنرال غويتا، وشريك في القرار، خاصة فيما يتعلق بالملفات الحساسة والاستراتيجية، وهي قوة لا يريد غويتا توريثها لأي شخص آخر.

بل إن مصدراً دبلوماسياً قال: «غويتا لم يعد يثق بأحد غير نفسه لتولي الدفاع، ولا يهتم بالانتقادات الموجهة له فيما يتعلق بالإفراط في مركزية السلطة، لأن هدفه الأول الآن هو أن يستعيد الجيش المبادرة أمام (القاعدة) والمتمردين».


مقالات ذات صلة

متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

أفريقيا محتجون في شوارع لاغوس يرفعون شعارات تشجب اختطاف الأطفال (أ.ف.ب)

متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

البرنامج مصمم لمنح المشاركين مهارات مهنيّة ودعماً نفسياً والأدوات الضرورية لإعادة بناء حياتهم كمواطنين.

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري (نيجيريا))
أفريقيا أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب) p-circle

نيجيريا وإرث العنف المسلح... هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

باحث نيجيري: الرئيس الحالي قبل مساعدة الجيش الأميركي في محاربة المجموعات المسلحة من اجل استعادة السيطرة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجل دين يسير بين المارة على الرصيف في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (أ.ب)

22 دولة غربية تندد بـ«مؤامرات قتل» مرتبطة بإيران

نددت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا و18 دولة أوروبية وغربية أخرى، الأربعاء، بما وصفته بـ«مؤامرات القتل» والأنشطة العدائية التي تنفذها أجهزة أمنية إيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ أحد شوارع مانهاتن (أ.ف.ب)

نيويورك: السجن 42 عاماً لمسؤول سابق في «طالبان» أدين باختطاف صحافي أميركي

أقر نجيب الله بالذنب في تهم «تقديم دعم مادي لأعمال إرهابية، والتآمر لاحتجاز رهائن».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الكونغو تعلن ارتفاع عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس «إيبولا» إلى 710

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الكونغو تعلن ارتفاع عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس «إيبولا» إلى 710

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)

​أظهرت بيانات حكومية أمس السبت أن عدد حالات ‌الإصابة ‌المؤكدة ​بفيروس ‌إيبولا ⁠في ​جمهورية الكونغو الديمقراطية ⁠ارتفع إلى 710 حالات، ⁠من ‌بينها 149 ‌وفاة. وجاء ​في ‌تقرير ‌ميداني وثّق 21 حالة ‌جديدة خلال الساعات الأربع والعشرين ⁠الماضية ⁠أن هذا العدد يشكل إجمالي الحالات المؤكدة حتى يوم ​الجمعة.


وفاة جنرال نيجيري سابق مختطف في أثناء أسره

جنود نيجيريون (رويترز)
جنود نيجيريون (رويترز)
TT

وفاة جنرال نيجيري سابق مختطف في أثناء أسره

جنود نيجيريون (رويترز)
جنود نيجيريون (رويترز)

توفي جنرال نيجيري سابق ومتحدث باسم وزارة الدفاع في الأسر بعدما خُطف، الشهر الماضي، في شمال غربي نيجيريا، وفق ما أعلن الجيش وحكومة ولاية كاتسينا، السبت.

وخُطف اللواء المتقاعد رابِع أبوبكر وزوجته قبل نحو أسبوعين على يد مشتبه بانتمائهم لعصابات خطف مقابل فدية.

وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن أبوبكر وزوجته خُطِفا في أثناء توجُّههما من مسقط رأسه ماتازو إلى حفل زفاف في عاصمة ولاية كاتسينا التي تبعد نحو 90 كيلومتراً، عندما تعرضا لكمين.

وأعلنت رئاسة أركان الدفاع في بيان وفاة أبوبكر «في الأسر عقب خطفه».

وأكدت حكومة ولاية كاتسينا أن الوفاة نجمت عن مضاعفات مرتبطة بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم، قائلة إنه «رغم الجهود المتواصلة والمتكاتفة... لتأمين إطلاق سراحه سالماً، انتهى الأمر بهذه المأساة».

تُعد كاتسينا إحدى الولايات في شمال غربي نيجيريا ووسطها التي تنشط فيها عصابات إجرامية تُعرف محلياً باسم «قطّاع الطرق»، وتخطف ركاباً في أثناء تنقّلهم على الطرق السريعة، وتهاجم قرى وتخطف سكاناً، وتنهب منازل ثم تحرقها.

وشغل أبوبكر منصب المتحدث باسم وزارة الدفاع في نيجيريا بين أغسطس (آب) 2015 و مارس (آذار) 2017 قبل أن يتقاعد.

وكان ثاني جنرال متقاعد يُخطف في ولاية كاتسينا، حيث كثّف قطاع الطرق هجماتهم رغم جولات من مفاوضات سلام ترعاها حكومة الولاية مع المجتمعات المحلية.

وفي فبراير (شباط) 2025، خُطف مهارازو تسيغا وهو عميد متقاعد، من منزله مع 9 سكان آخرين. واحتُجز لمدة 56 يوماً قبل أن يُطلق سراحه بعدما جمع أصدقاؤه مالاً لدفع فدية، بحسب ما ذكروه.


«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مرحلة سياسية جديدة تنتظرها إثيوبيا مع الإعلان عن عقد «المنتدى الشامل للحوار» في منتصف يوليو (تموز) المقبل، وسط تحديات أمنية مع إقليمي تيغراي وأمهرة وانتقادات من المعارضة.

المنتدى الذي يستمر 3 أسابيع، بمشاركة ممثلين عن الأقاليم الفيدرالية، يرى خبير في الشأن الإثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيدفع للتحرك نحو مصالحة وطنية وخفض النزاعات، مشدداً على أن عدم مشاركة بعض القوى والجماعات المسلحة في هذا الحوار قد يخلق تحديات، «لكن الحل الأمثل هو الانخراط في الحوار الأول من نوعه في تاريخ البلاد».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022، مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، وفي 29 مايو (أيار) 2024، بدأت إثيوبيا رسمياً المرحلة الأولى من الحوار الوطني.

وشهدت إثيوبيا، التي تتجه لإعلان فوز الحزب الحاكم بالأغلبية في الانتخابات العامة التي أجريت في 1 يونيو (حزيران) الحالي، أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ورغم تنظيم الانتخابات في عموم البلاد، استُثني إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة. وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

محطة «مفصلية»

وتستعد إثيوبيا لـ«بلوغ محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الشامل، مع الإعلان عن انعقاد المنتدى الوطني الرئيسي للحوار في 15 يوليو المقبل»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية، السبت.

وأعلن رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، البروفسور مسفن أرايا، بحسب الوكالة، أن جميع الاستعدادات اللازمة لانطلاق المنتدى الوطني قد اكتملت بنجاح، وذلك عقب عملية مشاورات واسعة النطاق شملت مختلف أنحاء البلاد.

ومن المقرر أن يستمر المنتدى الوطني الرئيسي، الذي سيُعقد في العاصمة أديس أبابا، لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، بـ«مشاركة ممثلين عن طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية والدينية والمجتمعية من مختلف أنحاء إثيوبيا»، دون توضيح هل سيكون هناك تمثيل للمعارضة والمناهضين لرئيس الوزراء آبي أحمد أم لا.

مؤتمر صحافي لمفوضية الحوار الوطني الإثيوبي برئاسة مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بدوره، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن المنتدى الذي سيشارك فيه مغتربون إثيوبيون بالخارج في أكثر من 9 دول حول العالم، سيدفع إلى التحرك نحو المصالحة الوطنية وترك النزاعات. وأكد أن «جزءاً كبيراً ممن يحرصون على اللحمة الوطنية في إثيوبيا ومن ينشدون الصالح العام يرون أن الحوار الوطني هو الحل الأسمى والأكبر للأزمات الراهنة مهما كانت الخلافات».

فرصة لإنهاء التهديدات

وتراهن أديس أبابا على أن يمثل هذا المنتدى فرصة لإنهاء للخلافات بدلاً من الصراعات، وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية بأن المنتدى الوطني المقبل يمثل «إحدى أكثر عمليات التشاور السياسي أهمية في التاريخ الإثيوبي الحديث، خاصة في ظل التحديات التي تشهدها العديد من الدول حول العالم نتيجة تصاعد الاستقطاب والانقسامات المجتمعية، ومحاولة جادة لمعالجة الخلافات الوطنية عبر الحوار الشامل وبناء التوافق، بدلاً من اللجوء إلى الصراع أو الإقصاء السياسي».

وهذا يتماشى مع ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو الحالي بشأن الانتخابات؛ إذ أكد أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

والجمعة، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية، مقال رأي لمسؤولين بالبلاد أحدهما رضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، حذرا فيه من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، داعياً إلى ضغط دولي «حازم يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض اتفاق السلام في بريتوريا الموقع عام 2022 لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وحول مدى قبول المعارضة أو إقليم تيغراي بالمشاركة في هذا الحوار، أوضح المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان أن «هناك أعداداً كبيرة من المواطنين في تيغراي، وفي إقليم أمهرة، وفي أوروميا، وفي الأقاليم الأخرى، يشاركون بنشاط في هذا الحوار الوطني الواسع الذي يناقش معظم الملفات الشائكة الحالية في البلاد، ولم ينحز لقضية على حساب أخرى، ولم يفضل ملفاً على آخر، بل فتح باب التحاور في كافة الملفات بلا استثناء».

واعترف أن «هناك جزءاً بسيطاً من المعارضين المسلحين لا سيما في الإقليم لم ينخرط بعد في مثل هذه الحوارات الوطنية الشاملة أو في خطوة الإصلاح هذه، وذلك سعياً وراء مصالح أو نقاط خاصة بهم».

وحذر زيدان من «عدم انخراط كافة العناصر والقوى في المنتدى ما قد يُصعّب بعض الأمور عما هي عليه»، مؤكداً أن الحل الأنسب والسيناريو الأفضل لحل الأزمات الشاملة في البلاد هو هذا الحوار الوطني، خاصة وهو الأول من نوعه تاريخياً في البلاد، ويتناول تسوية النزاعات مثل بعض الحساسيات الدينية، أو الحساسيات العرقية، أو حتى القبلية.