​ميركل لم تندم على قرار إدخال اللاجئين السوريين رغم أنه دفعها للتقاعد

اعترفت في كتابها «حرية» بدورها في صعود اليمين المتطرف

كتاب ميركل «حرية» طرح للبيع في مكتبة ببرلين (رويترز)
كتاب ميركل «حرية» طرح للبيع في مكتبة ببرلين (رويترز)
TT

​ميركل لم تندم على قرار إدخال اللاجئين السوريين رغم أنه دفعها للتقاعد

كتاب ميركل «حرية» طرح للبيع في مكتبة ببرلين (رويترز)
كتاب ميركل «حرية» طرح للبيع في مكتبة ببرلين (رويترز)

لم تبد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أي ندم حول قرارها بفتح أبواب ألمانيا أمام مئات آلاف اللاجئين السوريين عام 2015، رغم اعترافها بأن هذا القرار كان «نقطة تحول» بالنسبة إليها، وكان سبباً أساسياً في تقاعدها السياسي، وكاد أن يدفعها للخروج أبكر من الحياة السياسية.

وفي كتابها «حرية» الذي صدر الثلاثاء، وجاء مترجماً إلى 30 لغة، كتبت ميركل تفاصيل قرارها التاريخي الذي أدخل أكثر من مليون سوري إلى ألمانيا، وتسبب في دخول حزب يميني متطرف، هو «البديل من أجل ألمانيا»، في البرلمان للمرة الأولى منذ هزيمة النازيين.

وبرّرت ميركل ذلك في كتابها الممتد لـ700 صفحة، بأنه كان القرار الإنساني الوحيد الذي كان بإمكانها اتخاذه أمام صور عشرات آلاف اللاجئين السوريين الذين يحاولون العبور إلى أوروبا براً وبحراً. وقالت إنه من الناحية القانونية، كان رفض السماح لهم بالدخول إلى ألمانيا «مبرراً»، استناداً لـ«اتفاقية دبلن» التي تنظم اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، وتفرض على الدولة الأولى التي يدخل إليها اللاجئ أن تنظر في الطلب، ما يعني أن العبء الأساسي كان يقع آنذاك على إيطاليا واليونان.

المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بعد إعلانها تقاعدها في مؤتمر حزبها «المسيحي الديمقراطي» عام 2017 (أ.ف.ب)

وروت في سيرتها التي كتبتها بنفسها بمساعدة سكرتيرتها القديمة وصديقتها بيته باومان، كيف شغلتها أزمة اللاجئين معظم عام 2015، وروت تلقيها اتصالاً على جوالها يوم الأحد 19 أبريل (نيسان) من ذاك العام من رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينزي غادة غرق مركب للاجئين قبالة سواحل ليبيا ومقتل المئات. وقالت إن يومها كان عيد ميلاد زوجها يواكيم الـ66، وكانا يعدان لقضاء يوم هادئ سوياً. ولكن اتصال رينزي ألغى كل شيء. فهو كان يستجديها مساعدة بلاده التي لم تعد قادرة على التعامل مع أزمة اللاجئين، وعقد قمة لقادة أوروبا لمناقشة الأزمة. وقالت إن رينزي كان يقول بأن الأزمة لم تعد تتعلق بإيطاليا وحدها بل باتت أزمة أوروبية، ويستجدي ألا تترك إيطاليا وحدها. وأكدت حين ذلك، بحسب روايتها، أن رينزي كان محقاً.

وبقيت أزمة اللاجئين طاغية في الأشهر التي تلت ذلك، وكانت أعداد الواصلين إلى ألمانيا تتضاعف يومياً. وتروي في كتابها عن اتصال تلقته من مستشار النمسا آنذاك فيرنر فايمان يوم الجمعة 4 سبتمبر (أيلول)، وصف لها أن الطرقات السريعة في النمسا مليئة باللاجئين الذين يعبرون الحدود من المجر ويدخلون إليها. كان فايمان يطلب بتقاسم الأعباء بين ألمانيا والنمسا. وكتبت: «لم يشأ فايمان اتخاذ القرار بنفسه. المسؤولية كانت تقع على عاتقي، وأنا كنت مصرة على قبولها. كنا نواجه كارثة إنسانية». وروت كيف تشاورت مع الحزب «الاشتراكي» الذي كان يشاركها الحكومة قبل اتخاذ القرار، وكيف لم يعارض الحزب السماح للاجئين بالدخول. ولكنها لم تتمكن من الاتصال بوزير داخليتها آنذاك هورست زيهوفر، الذي كان أيضاً زعيم الحزب «المسيحي البافاري»، وهو الحزب الشقيق لحزبها. واصطدمت آنذاك ميركل مع زيهوفر بشأن سياسة الهجرة، فهو كان معارضاً شديداً لقرارها. ولكن في تلك الليلة، قالت ميركل إنها لم تتمكن من الحديث معه، بغض النظر عن عدد المرات التي حاولت الاتصال به. وبعد أن تأكدت من قانونية «فتح الأبواب» أمام اللاجئين، أصدرت قرابة الساعة 11 ليلاً، بياناً مشتركاً مع مستشار النمسا نشراه على «فيسبوك»، يقولان فيه إنه يمكن للاجئين دخول ألمانيا والنمسا. وقالت إنهما اختارا النشر على «فيسبوك»، لأنهما اعتقدا بأن اللاجئين يعتمدون على التطبيق لجمع المعلومات.

وما تبع ذلك، هو رواية ميركل للردود على قرارها، من استياء وزير داخليتها، إلى الانتقادات التي تلقتها، منها من الصحافة المحافظة. وقالت إن قرارها أحدث شرخاً ليس فقط داخل حزبها، ولكن أكثر مع الحزب «المسيحي البافاري» الشقيق الذي كان على الجهة المعاكسة منها في سياستها تجاه اللاجئين. وكتبت: «لقد رأيت أن سياسة الهجرة أصبحت نقطة تحول في ولايتي... ولكن ليس فقط منذ ذلك الحين كنت أفكر فيما إذا كنت سأترشح لولاية جديدة عام 2017، بل بدأت بالتفكير في ذلك بداية عهدي الثالث عام 2013».

وروت أنها تحدثت عن هذا الموضوع مع الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما، حيث تربطها علاقة شخصية قوية معه. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، زار أوباما برلين في زيارة وداعية، وقالت إنهما التقيا في فندق أدلون في 16 نوفمبر على العشاء، وأخبرته أنها تفكر في التقاعد وعدم الترشح مجدداً العام المقبل. وكتبت عن ذلك: «كنا نجلس معاً فقط، وكان يسأل سؤالاً من هنا وآخر من هناك لمساعدتي على التوصل إلى قرار، ولكن عدا ذلك احتفظ برأيه لنفسه. أحسست بأنه أراد أن يؤكد على استمراري بالمسؤولية... وقال إن أوروبا ما زالت بحاجة إلي، ولكن في النهاية علي أن أتبع حدسي».

وفي النهاية قالت ميركل إنها قررت الترشح مرة جديدة، بالفعل فاز حزبها بنسبة 33 في المائة، وهو معدل أقل من الانتخابات التي مضت، ولكنه كان ما زال فوزاً كبيراً. ولكن قرارها بالتقاعد بقي يلاحقها، والهوة بين حزبها والحزب «المسيحي البافاري» الشقيق ظلت تتسع بسبب سياسة الهجرة، حتى اتخذت القرار أخيراً وأعلنته بعد عام إثر خسائر في انتخابات محلية مُني بها حزبها، بشكل أساسي بسبب سياسة الهجرة. وكتبت: «لم أعد قادرة على الإكمال بالعمل كالعادة». ورغم قرارها عدم الترشح مرة جديدة لزعامة حزبها، فقد قالت إنها كانت واثقة في أنها كانت لتنتخب مرة جديدة، لو أنها ترشحت «وإن بأغلبية ضئيلة».

صورة أرشيفية للمستشارة السابقة أنجيلا ميركل وباراك أوباما (أ.ب)

وبالفعل، غادرت ميركل منصبها، وكانت شعبيتها لا تزال مرتفعة رغم الانتقادات التي واجهتها بسبب أزمة اللاجئين، ومساهمتها في صعود اليمين المتطرف. وقالت إنه في النهاية، كانت حجج التقاعد أقوى من البقاء، وكتبت: «تطورات أزمة اللاجئين كانت نقطة تحول في عهدي...»، واعترفت بأن قرارها هذا أسهم في زيادة حظوظ «البديل من أجل ألمانيا»، وكتبت عن ذلك: «عام 2013 تأسس (البديل من أجل ألمانيا) بوصفه حزباً معارضاً لليورو، وفشل ولم ينجح في دخول البرلمان. ولكن بعد عامين فقط، كسب زخماً جديداً مستغلاً أزمة اللاجئين».

وفي عام 2017 دخل «البديل من أجل ألمانيا» البرلمان بنسبة 12 في المائة من الأصوات، وهو اليوم حظي بنسبة تصل إلى 19 في المائة، وفق استطلاعات الرأي للانتخابات المقبلة في نهاية فبراير (شباط) المقبل.

وتطرقت ميركل في كتابها لعوارضها الصحية في العامين الأخيرين من عهدها، ونوبات الرعشة التي كانت تتعرض لها. وقالت إن النوبة الأولى حصلت أثناء وقوفها إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في برلين أثناء الاستقبال الرسمي له.

وتكرر مرتين خلال أسابيع قليلة خلال وقوفها إلى جانب زعماء آخرين. وقالت إنها خضعت آنذاك لفحوصات عصبية وداخلية مفصلة من دون أن تظهر علة. وقالت إن طبيباً في النهاية قال لها إن التوتر هو سبب تلك الرعشات. وشرحت أن والدتها كانت قد توفيت خلال تلك الفترة، وأنه لم تتح لها الفرصة لأن تحزن عليها بسبب انشغالها الدائم. وتابعت أنها منذ ذلك الحين، قررت أن تبقى جالسة في كل الاستقبالات الرسمية التي تجريها؛ تفادياً لعودة الرعشة، وهو ما حصل فعلاً.


مقالات ذات صلة

ميركل تكشف عن تصفحها «إنستغرام»... وتبدي استغرابها من الخوارزميات

أوروبا المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (د.ب.أ)

ميركل تكشف عن تصفحها «إنستغرام»... وتبدي استغرابها من الخوارزميات

كشفت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أنها تتصفح منصة «إنستغرام» بين الحين والآخر.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل تلقي كلمة خلال عرض كتاب «في شوارع طهران» (Auf den Strassen Teherans) في برلين 20 مايو 2026 (د.ب.أ)

ميركل تقدّم كتاباً يتناول «نضال الحركة النسوية في إيران»

خلال فعالية لتقديم كتاب في برلين، لفتت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل الانتباه إلى ما وصفته بـ«نضال الحركة النسوية في إيران».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال حلقة نقاش بعنوان «على الرغم من كل شيء: هل هناك أمل لأوروبا؟»... بمهرجان «Re:Publica 2026» في برلين 18 مايو 2026 (إ.ب.أ)

ميركل: على أوروبا استخدام ثقلها الدبلوماسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا

صرّحت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، الاثنين، بأن على أوروبا أن تبذل مزيداً من الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل تتحدث مع رئيس تحرير صحيفة «كاثيميريني» اليونانية أليكسيس باباهيلاس في المركز الثقافي لمؤسسة «ستافروس نياركوس» في أثينا يوم 2 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

ميركل: ترمب يسعى لجذب الانتباه... وأزمة الديون اليونانية أبكتني

وصفت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه يسعى لجذب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
خاص أنس معضماني ملتقطاً السيلفي الشهير مع المستشارة الألمانية السابقة في برلين عام 2015 (غيتي)

خاص سوريون اندمجوا في ألمانيا مرتبكون أمام تحدي العودة

يتردد سوريون مقيمون بألمانيا في اتخاذ قرار العودة إلى بلادهم بعد سقوط نظام الأسد، وعلى وجه خاص بات أبناء جيل اللجوء أمام قرار صعب بعد اندماجهم في المجتمع.

راغدة بهنام (برلين)

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
TT

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في تأكيد أنه «مهما بلغت الرغبات» فإن مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمر مستحيل».

وموسكو التي شككت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، وتحدثت عن صعوبة إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ عامين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتحدث باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها أمام استحقاق جديد بعدما بلغت الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية، وأعلن ترمب أنه لا يجد فيه «شخصاً يمكن التعامل معه»، كما تحدث عن حتمية التوصل إلى تسوية نهائية للصراع «من دون زيلينسكي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وموقف الكرملين لا يبدو معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لذلك وبرغم الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوك زيلينسكي، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة، فإنها في الوقت ذاته لا تبدو متحمسة كثيراً للانقلاب الأميركي الكامل حيال الرجل.

في هذا السياق، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إن بلاده تتفق مع ترمب في أن «فولوديمير زيلينسكي غير مستعد لتحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية».

ولكنه أضاف مباشرة: «إن عدم رغبة زيلينسكي في تحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية أمر لا لبس فيه. ونحن نتفق تماماً مع الرئيس ترمب في هذه النقطة، لكن مهما بلغت رغبتنا، فإن مناقشة أي شيء دون مشاركة القيادة الأوكرانية الحالية أمر مستحيل».

يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، خصوصاً على خلفية ارتفاع حدة اللهجة ضد زيلينسكي ولغة الشماتة التي برزت في اليومين الماضيين في وسائل الإعلام الحكومية، وعلى ألسنة مسؤولين بارزين، مثل نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مديفيديف الذي وصف زيلينسكي بـ«الجرذ الذي عض يد صاحبه بعد كل المساعدات التي قدمت إليه».

لكن هذا الالتباس يخفي فهماً روسياً أعمق وأكثر تحديداً للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية، من الفهم الأميركي. وهنا تدخل ضرورات التعامل مع زيلينسكي بالنسبة إلى موسكو رغم كل الاعتراضات السابقة عليه.

في هذا السياق، كتب معلق بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمحاط بالضغوط أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

بهذا المعنى فإن الدعوة إلى تجديد الشرعية وإجراء انتخابات رئاسية، وربما برلمانية أيضاً، في أوكرانيا، هي دعوة محقة لأنها تفاقم الضغوط على الرئيس الأوكراني. لكن تنفيذ ذلك واقعياً يحتاج لترتيبات كثيرة؛ بينها إعلان هدنة مؤقتة وإفساح المجال أمام الأوكرانيين للإدلاء بأصواتهم واختيار قيادة جديدة. وهنا مع الرفض الروسي الواضح لفكرة الهدنة التي قد تستخدم لالتقاط الأنفاس وإعادة تزويد الجيش بما يحتاج إليه ومنحه فرصة لترتيب وضعه الدفاعي والهجومي، فإن النتيجة لا تبدو مضمونة. ماذا لو حصل زيلينسكي على تفويض جديد قوي من الشعب الأوكراني؟ سيكون الوضع أصعب بكثير أمام أي تنازلات محتملة لدفع تسوية سياسية.

في هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي. ويكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمل الحرب إذا لزم الأمر. واللافت أنه في مقابل غالبية مستعدة لمواصلة تحمل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً، لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينج» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية لتحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. اللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة إذا جرت الانتخابات بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة. اللافت في كل تلك النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات جرت قبل شهرين، وكذلك نتائج العام الماضي.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

على وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان كييف العاصمة الذين شملهم الاستطلاع؛ 72 في المائة من المستجيبين مستعدون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

واللافت أيضاً أن معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة.

ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر دنيبر».

لكن هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض، فقد أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

إذا أصبحت القضية الإقليمية شرطاً أساسياً للسلام، يعتقد 68 في المائة من الأوكرانيين أن القرار النهائي يجب أن يُتخذ حصرياً في استفتاء شعبي. ويرى 17 في المائة آخرون أن الرئيس يجب أن يتحمل هذه المسؤولية، بينما يرى 9 في المائة أن البرلمان الأوكراني (فيرخوفنا رادا) هو من سيُخول هذه المسألة.

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

وفي العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، فقد دلت الدراسات الحديثة كلها على أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المشهد السياسي في البلاد. ولا يزال زيلينسكي، بالإضافة إلى فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف، (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية)، يتصدرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

المعنى هنا أن الانتخابات لو جرت حالياً أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأكثر حظاً بالفوز ـ أو قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.

وكان لافتاً في استطلاعات سبتمبر أن زالوجني تجاوز زيلينسكي قليلاً بنسب الثقة المتوقعة. لكن المهم أن فوز أي من الرجلين لا يغير كثيراً في المشهد السياسي، بل سوف يبرز قيادة منتخبة قوية تحظى بتأييد واسع لسياساتها.

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)

العنصر الثاني المؤثر في هذا السياق هو الموقف الأوروبي. كانت تصريحات عدد من القادة الأوروبيين تجاه الأزمة بين ترمب وزيلينسكي لافتة. وكرر رئيس الوزراء اللاتفي، أندريس كولبيرغس، الخميس، مواقف عدد من السياسيين الأوروبيين، عندما قال إن «أوروبا لا تزال الحليف الوحيد لفولوديمير زيلينسكي في ظل تدهور العلاقات بين كييف وواشنطن». كما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أهمية تقديم كل أنواع المساعدة العسكرية اللازمة لزيلينسكي.

وذكر موقع «بوليتيكو»، الجمعة، أن بعض قادة الاتحاد الأوروبي قلقون من توتر العلاقات بين زيلينسكي وترمب. مع إشارات إلى تماسك المواقف الأوروبية حيال ضرورة عدم تقديم تنازلات لروسيا وعدم ممارسة ضغوط على القيادة الأوكرانية. في هذا السياق، وصل زيلينسكي، الخميس، إلى بروكسل سعياً للحصول على دعم معزز من حلفائه الأوروبيين المجتمعين في قمة الخميس والجمعة.


إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا أسبوعاً

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)
TT

إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا أسبوعاً

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)

اتفقت إيطاليا وإسبانيا على إلغاء إجراءات الرقابة الحدودية المتبادلة التي فرضت في أعقاب أزمة دبلوماسية مرتبطة بالهجرة، وذلك بعد محادثات أجراها قادة البلدين، حسبما أفادت مصادر دبلوماسية وحكومية، الجمعة.

تضع الخطوة حداً لخلاف بدأ في الصيف عندما فرضت وزارة الداخلية الإيطالية ضوابط على الوافدين من إسبانيا بعدما تدفق عشرات آلاف المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة في شمال أفريقيا.

وأفادت مصادر حكومية إيطالية بأنه بموجب اتفاق تم التوصل إليه أثناء قمة للاتحاد الأوروبي في بروكسل، ستتواصل الإجراءات الإيطالية لأسبوع إضافي ليجري رفعها في الوقت ذاته مع تلك الإسبانية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أُبرم الاتفاق بعد محادثات بين رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، ونظيرها الإسباني، بيدرو سانشيز، على هامش اجتماع القادة، تطرقت إلى مسألة الهجرة، حسب ما ذكر دبلوماسي إسباني.

لا تشترك إيطاليا وإسبانيا في حدود برية، لكن كان يتم فحص جوازات سفر الركاب الآتين على متن الرحلات الجوية، وهو أمر لا يحدث عادة لأن البلدين عضوان في منطقة شنغن.


السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
TT

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

قضت محكمة بريطانية، اليوم الجمعة، بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة منظمة سويدية مرتبطة بالحكومة الإيرانية.

وأُلقي القبض على يوهانس ناتلاند، البالغ حالياً من العمر 19 عاماً، في غرفة بأحد الفنادق في مدينة هدرسفيلد بشمال إنجلترا في مارس (آذار) 2025، وكان بحوزته سلاحان ناريان وذخيرة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال الادعاء إن ناتلاند جُنّد من قبل شبكة «فوكس تروت»، وهي جماعة جريمة منظمة سويدية تستخدمها الدولة الإيرانية وفرضت عليها كل من بريطانيا والولايات المتحدة عقوبات.

وأقر بحيازة مسدس نصف آلي ومسدس دوّار وذخيرة، لكنه أنكر التآمر على القتل وادعى أنه لم يكن ينوي تنفيذ الخطة.

وأدين الشاب في يوليو (تموز) بعد إعادة المحاكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 20 عاماً من محكمة وولويتش كراون في لندن.

وناتلاند أحدث شاب يَمثُل للمحاكمة في بريطانيا وغيرها في تهم تتعلق بجرائم خطيرة يُعتقد أنه ارتكبها بعد تجنيده عبر الإنترنت مقابل المال، وغالباً ما يكون الشخص المجنّد أداة بالوكالة لدولة أجنبية من دون علمه بذلك بالكامل.