سوريون اندمجوا في ألمانيا مرتبكون أمام تحدي العودة

تعقيدات المغادرة منها الاجتماعي والاقتصادي واللغوي والأمني

أنس معضماني ملتقطاً السيلفي الشهير مع المستشارة الألمانية السابقة في برلين عام 2015 (غيتي)
أنس معضماني ملتقطاً السيلفي الشهير مع المستشارة الألمانية السابقة في برلين عام 2015 (غيتي)
TT

سوريون اندمجوا في ألمانيا مرتبكون أمام تحدي العودة

أنس معضماني ملتقطاً السيلفي الشهير مع المستشارة الألمانية السابقة في برلين عام 2015 (غيتي)
أنس معضماني ملتقطاً السيلفي الشهير مع المستشارة الألمانية السابقة في برلين عام 2015 (غيتي)

بعد 12 عاماً على صورته بطريقة «السيلفي» مع المستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل، يبدو اللاجئ السوري الأكثر شهرة في ألمانيا، أنس معضماني، مُرتاحاً في وطنه بالتبني.

ورغم أنه لم يكن يعرف من هي ميركل حينما التقط معها الصورة وهي تزور مركز اللجوء الذي كان فيه؛ فإنه بات اليوم معلقاً بألمانيا قدر ارتباطه بوطنه الأم سوريا.

مثل باقي السوريين الذين وصلوا لاجئين إلى ألمانيا بعد شرارة الثورة في بلادهم عام 2011، يواجه أنس وغيره من أبناء جيل اللجوء، قراراً صعباً: هل نعود إلى سوريا أم نبقى في ألمانيا؟

وخلال فترة ما بعد سقوط الأسد، يبدو أن خطط أنس بدأت تتضح معالمها: يريد الشاب المتحدر من داريا في ريف دمشق، العودة إلى سوريا لزيارة أهله، ومساعدتهم على إعادة بناء منزلهم كخطوة أولى.

بعدها، يقول أنس لـ«الشرق الأوسط»، إنه يريد أن يُقسّم وقته بين ألمانيا وسوريا، ويفتح مشاريع في البلدين. وكما لو أنه يبرر ذنباً ارتكبه يستدرك: «دمشق أجمل مدينة على الأرض، ولكني أحب ألمانيا وبرلين أصبحت مدينتي الثانية».

في ألمانيا، بات أنس مثالاً للاجئ السوري المندمج؛ فهو تعلم اللغة، وحصل على الجنسية ودخل سوق العمل، حتى إنه تعرف على فتاة أوكرانية تُدعى آنا، ويخططان لمستقبلهما معاً.

ولعل مسألة حصول أنس على جواز سفر ألماني هي ما يسهل قراره بالعودة وإن كانت جزئية إلى سوريا؛ فهو يعلم أنه يمكنه التحرك بحرّية بين الجانبين من دون أن يخشى خسارة أوراقه أو إقامته.

أنس معضماني (الشرق الأوسط)

وأنس واحد من قرابة 260 ألف لاجئ سوري حصلوا على الجنسية الألمانية، فيما يتبقى أكثر من 700 ألف من مواطنيه يعيشون بإقامات لجوء، أو إقامات حماية مؤقتة يمكن أن تُسحب منهم عندما يستقر الوضع في سوريا.

الارتباك للجميع

غير أن الارتباك لم يكن من نصيب اللاجئين السوريين فقط؛ فالتغيير السريع للوضع في دمشق أربك أيضاً سلطات الهجرة في ألمانيا، ودفعها إلى تعليق البت في 47 ألف طلب لسوريين راغبين في الهجرة... الجميع ينتظر أن تتضح الصورة.

ولقد كان الأساس الذي تعتمد عليه سلطات اللجوء لمنح السوريين الحماية، الخوف من الحرب أو الملاحقة في بلادهم. وبعد انتفاء هذه المخاوف بسبب سقوط النظام، ربما سقط السند القانوني.

وامتد هذا الإرباك بشأن وضع اللاجئين السوريين إلى السياسيين الذين سارعوا بالحديث عن «ترحيل السوريين» إلى بلادهم بعد ساعات قليلة على سقوط الأسد.

ولم تصدر تلك الدعوات من الأحزاب اليمينية فقط، بل أيضاً من الحزب الاشتراكي الذي يقود الحكومة، ووزيرة الداخلية نانسي فيزر المنتمية للحزب، والتي تحدثت عن المساعي لتغيير قواعد اللجوء للسوريين، والعمل على إبقاء «المندمج ومن يعمل» وترحيل المتبقين.

سورية ترتدي علم المعارضة السورية ضمن مظاهرات في شوارع برلين 10 ديسمبر احتفالاً بسقوط نظام الأسد (أ.ب)

ولكن الترحيل ليس بهذه البساطة. والكثير مما يتردد عن ترحيل السوريين قد تكون أسبابه انتخابية قبل أسابيع قليلة عن الانتخابات العامة المبكرة التي ستجري في 23 فبراير (شباط) المقبل.

وصحيح أنه من حيث المبدأ، يمكن سحب الإقامات المؤقتة من حامليها؛ لكن ذلك يتطلب أن تصنف وزارة الخارجية سوريا «دولة آمنة ومستقرة»، وهو ما قد يستغرق سنوات.

نيات البقاء والمغادرة

وحتى مع تأخر التصنيف الألماني لسوريا آمنة ومستقرة، لا يبدو أن الكثير من اللاجئين متشجعون للعودة. وبحسب «المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين» الذي يجمع معلومات دورية حول نيات اللاجئين بالبقاء أو المغادرة، فإن 94 في المائة من السوريين قالوا قبل سقوط الأسد إنهم يريدون البقاء في ألمانيا.

ورغم أنه ليست هناك إحصاءات جديدة منذ سقوط الأسد بعد، فإن المكتب يشير إلى أنه في العادة تزداد نيات البقاء مع زيادة فترة وجود اللاجئ في البلاد. وكلما طالت فترة وجوده، ازدادت إرادة البقاء.

وصل معظم السوريين إلى ألمانيا قبل أكثر من 5 سنوات، جزء كبير منهم قبل عقد من الزمن، وهذا يعني، حسب المركز، أن تعلقهم بألمانيا بات قوياً.

وتنعكس هذه الدراسة فعلاً على وضع اللاجئين السوريين في ألمانيا.

سيامند عثمان مثلاً، لاجئ سوري كردي، وصل إلى ألمانيا قبل 11 عاماً، يتحدر من القامشلي، وهو مثل مواطنه أنس، تعلم اللغة، وحصل على جواز ألماني، وما زالت معظم عائلته في القامشلي. ومع ذلك، لا يفكر بالعودة حالياً.

سيامند عثمان سوري كردي يعيش بألمانيا لا يفكر في العودة حالياً (الشرق الأوسط)

يقول عثمان لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع في مناطق الأكراد «صعب في الوقت الحالي، وما زال غير مستقر»، ولكنه يضيف: «أنا أحب العودة وهذه أمنيتي، فأهلي هناك، ولكن أتمنى أولاً أن تتفق كل الأطراف في سوريا، ويصبح هناك أمان في منطقتنا».

أكثر ما يخيف سيامند هو عودة الحرب في سوريا، يقول: «تخيلي أن أترك بيتي هنا وأسلم كل شيء وأبيع ممتلكاتي وأعود إلى سوريا لتعود معي الحرب بعد أشهر وأضطر للنزوح مرة جديدة». ومع ذلك فهو مصرّ على أنه سيعود عندما تستقر الأمور.

ماذا عن الاقتصاد؟

المخاوف من عدم الاستقرار ليست وحدها التي تجعل السوريين مترددين في العودة. فالوضع الاقتصادي يلعب دوراً أساسياً، وفق ما تُقدر آلاء محرز التي وصلت عام 2015 إلى ألمانيا.

تقول لـ«الشرق الأوسط»، إنها «بنت نفسها من الصفر»؛ تعلمت اللغة، وعادت وتدربت على مهنتها (المحاسبة)، وهي الآن تعمل في هذا المجال، وحصلت على الجنسية الألمانية.

آلاء محرز لاجئة سورية تعمل في ألمانيا (الشرق الأوسط)

ورغم تفاؤلها الكبير بمستقبل سوريا، فإن آلاء المتحدرة من حمص ما زالت تحمل تحفظات حول الوضع هناك، والمسار الذي قد تسلكه سوريا في السنوات المقبلة، وتخشى أن تترك وظيفتها ومنزلها في برلين وتعود من دون أن تجد عملاً مناسباً.

مصاعب العائلات

وإذا كان قرار فرد المغادرة أو البقاء صعباً، فإنه قد يكون أكثر صعوبة للعائلات السورية التي وصلت مع أبنائها الذين نسوا اللغة العربية وأضاعوا سنوات لتعلم الألمانية.

يقول أنس فهد، المتحدر من السويداء، الذي وصل إلى ألمانيا قبل 3 أعوام تقريباً مع عائلته وابنه المراهق، إنه «ما زال يحمل إقامة حماية مؤقتة، ويعمل مهندساً كهربائياً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الوقت مبكر الآن لاتخاذ قرار بالعودة»، شارحاً أن ابنه أمضى عاماً من الدراسة يتعلم اللغة الألمانية، وهو يحقق نتائج جيدة جداً في المدرسة ببرلين، ومن الصعب إعادته إلى مدارس سوريا حيث سيضطر لإضاعة عام آخر لدراسة اللغة العربية.

«وصلت يوم سقط الأسد»

وحتى الواصلون الجدد لا يخططون للعودة. لعل أحدثهم باسل حسين الذي وصل إلى برلين يوم سقوط الأسد، بعد أن دفع أكثر من 13 ألف يورو ليدخل عن طريق التهريب، والذي يقول إنه لن يعود الآن وقد وصل للتوّ.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الوضع ما زال غير واضح، وهناك قرارات جديدة كل يوم». يفضل باسل أن يستكشف مستقبله في ألمانيا حتى ولو كان ذلك يعني أن عليه البدء من الصفر، على أن يعود إلى مستقبل غير معروف.

باسل حسين لاجئ سوري وصل إلى ألمانيا يوم سقوط الأسد (الشرق الأوسط)

وليس فقط السوريون هم المترددين حيال العودة، بل إن الألمان يخشون خسارة كثير منهم دفعة واحدة، خصوصاً أولئك الذين دخلوا سوق العمل ويملأون فراغاً في مجالات كثيرة.

ويعمل أكثر من 5 آلاف طبيب سوري في مستشفيات ألمانيا، ويشكلون بذلك الشريحة الأكبر من بين الأطباء الأجانب في ألمانيا. ويعمل المتبقون في مهن تعاني من نقص كبير في العمال؛ كالتمريض والبناء وقطاع المطاعم والخدمات.

وبحسب معهد أبحاث التوظيف، فإن معدل دخول السوريين سوق العمل هو 7 سنوات لتعلم اللغة وتعديل الشهادات. ويشير المعهد إلى أن السوريين يملأون شغوراً في وظائف أساسية في ألمانيا، ومع ذلك فإن معدل البطالة مرتفع بينهم، خصوصاً بين النساء اللواتي تعمل نسبة قليلة منهن فقط.

وقد حذرت نقابات الأطباء والعمل من الدعوات لتسريع ترحيل السوريين، لما قد يحمله ذلك من تأثيرات على سوق العمل في ألمانيا.

وحذر كذلك مانفريد لوشا، وزير الصحة في ولاية بادن فورتمبيرغ في غرب ألمانيا التي يعمل بها عدد كبير من الأطباء السوريين، من النقاشات حول تسريع الترحيل، وقال: إذا غادر العاملون السوريون في قطاع الصحة «فستكون هناك ثغرة هائلة».

وقالت نقابة المستشفيات في الولاية نفسها، إن «مغادرة كل طبيب أو عامل صحة سوري ستشكل خسارة لنا».


مقالات ذات صلة

«زواج» أوجلان يفجّر جدلاً في تركيا

شؤون إقليمية آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)

«زواج» أوجلان يفجّر جدلاً في تركيا

تفجّر جدل جديد في تركيا حول زواج زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد الجدل الذي استمر لفترة حول بناء «فيلا» في جزيرة إيمرالي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص قالت الأمم المتحدة إن الأحداث الأخيرة أدت إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص منذ مطلع الشهر (أ.ب) p-circle

خاص الأمم المتحدة: الوضع في اليمن سريع التغير... وقيود تعرقل الوصول إلى الساحل الغربي

قالت الأمم المتحدة إن وتيرة النزوح في اليمن تصاعدت بشكل ملحوظ منذ بداية الشهر الحالي، كاشفةً عن نزوح أكثر من 100 ألف شخص، توجّه معظمهم إلى محافظتي تعز ولحج.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
أفريقيا قوات أمن تُقيّم الوضع عقب هجوم أدى لنزوح السكان في ولاية كيبي بشمال شرقي نيجيريا 17 أغسطس 2026 (رويترز)

برلمان نيجيريا يقاطع جنوب أفريقيا بسبب استهداف المهاجرين الأفارقة

برلمان نيجيريا يقاطع جنوب أفريقيا بسبب استهداف المهاجرين الأفارقة وقرر تعليق الزيارات الرسمية معها ومقاطعة الأنشطة المنظمة فيها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)

مصر: ارتياح بين الوافدين بعد تمديد مهلة تقنين الأوضاع

رحب وافدون في مصر بمشروع قرار حكومي يمدد فترة تقنين إقامة الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية لمدة عام إضافي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)

«ادرس في مصر»... مبادرة لاستقبال الطلاب الوافدين وجلب «العملة الصعبة»

تسعى الحكومة المصرية لتحقيق أقصى استفادة من التوسع في تشييد الجامعات خلال السنوات الأخيرة في ظل إقامة أكثر من 10 ملايين وافد ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء.

أحمد جمال (القاهرة)

عون: لا تسويات على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
TT

عون: لا تسويات على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، مؤكداً أن أي تسويات يجب ألا تأتي على حساب البلاد ومصالحها الوطنية. وقال: «كفى الاستقواء بالخارج ضد بعضنا في الداخل خدمة لأعداء لبنان، ولنستقوِ ببعضنا ضد الخارج».

وأكد عون أن لبنان لا يمكن أن يُبنى بفئة أو طائفة أو حزب واحد، داعياً إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الحوار والتواصل بين اللبنانيين، بصفتهما مدخلاً لبناء الثقة وتثبيت الاستقرار. وشدد على أن لبنان قادر على النهوض متى وضع أبناؤه مصلحته الوطنية فوق كل اعتبار، داعياً إلى تعزيز التواصل بين الأجيال بعيداً عن الأحقاد والانقسامات.

سلام من نيويورك: لتثبيت سيادة الدولة واستكمال الإصلاح

وفي نيويورك، تحرك رئيس الحكومة نواف سلام على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً أولويات لبنان في سلسلة لقاءات شملت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، والسيناتور الأميركية جين شاهين.

وركز سلام في هذه اللقاءات على ضرورة التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وتعزيز قدرات الجيش، والعمل على استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، إضافة إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. كما بحث حشد الدعم لمسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، ومواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة، وتوسيع التعاون والاستثمار، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والربط الإقليمي.

وفي لقائه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، شدد سلام على أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، بما يدعم الاستقرار ويسهم في بسط سلطة الدولة. كما تناول الوضع الإنساني، مشيراً إلى استمرار نزوح نحو 329 ألف شخص، وضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم العودة والتعافي واستعادة الخدمات الأساسية.

ومع الملك عبد الله الثاني، ركز البحث على دعم لبنان ومؤسساته، ولا سيما الجيش، ومواصلة التنسيق لخفض التصعيد، إلى جانب حشد الدعم الدولي لترتيبات تحُول دون حصول فراغ في الجنوب. أما مع إردوغان، فبحث سلام تعزيز العلاقات اللبنانية - التركية والتعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والبنى التحتية، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي والسككي ودعم مسار العودة والتعافي وإعادة إعمار الجنوب.

سلام للجالية: قرارات مصيرية وإصلاحات لاستعادة الثقة

وفي لقاء مع الجالية اللبنانية في نيويورك، أكد سلام أن الحكومة، رغم صعوبة الظروف، لم تتراجع عن مسارها، بل اتخذت «قرارات صعبة» وبدأت ورشة إصلاح جدية بهدف تغيير مسار البلد وبناء دولة يستعيد اللبنانيون ثقتهم بها.

وفي ملف السلاح، شدد على أن الحكومة ماضية في تنفيذ قراراتها بهدف أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، وأن يتولى الجيش والقوى الشرعية مسؤولية أمن اللبنانيين. وربط ذلك بمواصلة العمل لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت عودة الأهالي إلى الجنوب، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، مؤكداً أن الاستقرار يشكل شرطاً أساسياً للنهوض الاقتصادي والاستثماري.

بو صعب: التعنت الإسرائيلي يعيق التقدم في المفاوضات

وفي بيروت، استقبل نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان إرنو، حيث جرى البحث في الأوضاع العامة، مع التركيز على الوضع في جنوب لبنان وسبل تثبيت الاستقرار فيه.

وشدد المجتمعون، وفق بيان مكتب بو صعب، على أن الاستقرار الفعلي والمستدام يتطلب حلاً جذرياً يؤدي إلى إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

وأبلغ بو صعب الوفد الأممي أن لبنان لم يلمس أي التزام إسرائيلي بالاتفاق الموقع سابقاً لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن «هذا التعنت والتملص الإسرائيلي يشكل عائقاً أساسياً أمام التقدم في مسار المفاوضات».


«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
TT

«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)

​في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الجنوب، مشددة على أن استمرار التوتر يؤكد الحاجة إلى حل سياسي يضع حداً للنزاع.

ويأتي موقف الـ«يونيفيل» في وقت يكتسب فيه حضورها في الجنوب أهمية إضافية؛ إذ أحيت هذا العام اليوم الدولي للسلام للمرة الأخيرة قبل انتهاء ولايتها في نهاية العام، بموجب قرار مجلس الأمن الصادر عام 2025، بينما يسعى لبنان إلى تمديد مهمة القوة الدولية تفادياً للفراغ الأمني في الجنوب في ظل استمرار التوتر.

أبانيارا: السلام مسؤولية مستمرة والحل بيد الأطراف

وقال رئيس بعثة الـ«يونيفيل» وقائدها العام، اللواء ديوداتو أبانيارا، إن «السلام ليس أمراً نتناوله مرة واحدة في السنة؛ بل هو مسؤولية مستمرة»؛ مشيراً إلى مواصلة قوات حفظ السلام تسيير دورياتها والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف، للحد من سوء الفهم ومخاطر التصعيد.

ولفت إلى أن الأعمال العدائية خلَّفت آثاراً إنسانية ومادية عميقة في جنوب لبنان، من نزوح آلاف السكان وتعطُّل سبل العيش، إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية، وسقوط ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين؛ مشيراً إلى أن المدنيين على جانبَي الخط الأزرق يعيشون في ظل التوتر والخوف.

وأكد أبانيارا أن السلام في جنوب لبنان لا يزال متعذراً، ولكن الأمل في تحقيقه لا يزال قائماً، مشدداً على أن السلام الدائم يتطلب التزامات وحلولاً سياسية من الأطراف أنفسهم. وقال إن قوات حفظ السلام تستطيع المساعدة في استعادة الاستقرار وتجنب سوء الفهم والحد من مخاطر التصعيد، ولكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية والقرارات اللازمة لإنهاء النزاع بشكل دائم.

وشدد على أن مسؤولية التوصل إلى حل سياسي تقع على عاتق الأطراف، بينما ستواصل «اليونيفيل» القيام بدورها من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والحد من مخاطر التصعيد، ودعم الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن استمرار التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية وقوات حفظ السلام يظل أمراً جوهرياً للحفاظ على الاستقرار، ودعم بسط سلطة الدولة في الجنوب.

اعتداءات إسرائيلية متواصلة: قصف وتمشيط وتفجيرات

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من المناطق الجنوبية؛ إذ تعرضت بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل لقصف مدفعي إسرائيلي بالتزامن مع تحليق للطيران المسيَّر في الأجواء، بينما تعرضت أطراف حداثا لقصف مدفعي، وطال القصف أيضاً مناطق الخيام ويحمر الشقيف.

وفي الخيام، تمركزت آلية إسرائيلية عند المدخل الشمالي للبلدة من جهة الحمّام، بالتزامن مع تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية تمشيط واسعة داخل البلدة بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة. وتصاعدت أعمدة الدخان من عدد من المنازل في المنطقة، إثر إقدام القوات الإسرائيلية على إضرام النيران فيها.

آلية عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل دمرتها غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي وادي السلوقي، وقعت سلسلة تفجيرات نفَّذتها القوات الإسرائيلية، بينما سُمعت أصوات انفجارات في مناطق من الجنوب، ووصلت أصداؤها إلى مدينة صيدا وشرقها.

وبعد الظهر، قامت القوات الإسرائيلية بتنفيذ تفجير عنيف في بلدة المنصوري على دفعتين، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».


كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
TT

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

تكشف الأرقام الرسمية اتساع كلفة الحرب على لبنان؛ إذ اقتربت الحصيلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من 9 آلاف قتيل وتجاوزت 30 ألف جريح، وسُجل خلال أربعة أشهر من 2026 نحو 100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة، ووُثق نحو 3800 اعتداء بعد وقف النار، بينما تبقى الكلفة النهائية مفتوحة بانتظار استكمال التقييم.

وتظهر بيانات وزارة الصحة أن الحصيلة من 8 أكتوبر 2023 حتى 17 سبتمبر (أيلول) 2026 بلغت 8953 قتيلاً و30643 جريحاً، أي 39596 ضحية. ومنذ 2 مارس (آذار) 2026، سُجل 4386 قتيلاً و12407 جرحى، أي نحو 49 في المائة من القتلى و40 في المائة من الجرحى.

وتتركز خسائر 2026 في الجنوب والنبطية، مع 3755 قتيلاً و10503 جرحى، أي نحو 85 في المائة من ضحايا المرحلة. ووثقت وزارة الصحة 180 اعتداءً على فرق الإسعاف، وتضرر 184 مركبة و40 مركزاً، ومقتل 135 وإصابة 416 من العاملين الصحيين والإسعافيين، وتضرر 17 مستشفى وإغلاق 3.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، سجلت الوزارة 4047 قتيلاً و16638 جريحاً، بإجمالي 20685 ضحية، مقابل 8953 قتيلاً و30643 جريحاً حتى 17 سبتمبر، أي بزيادة 4906 قتلى و14005 جرحى، وارتفاع إجمالي الضحايا بنحو 91 في المائة. وقد تشمل التحديثات مراجعات لحالات سابقة، فلا تعني الزيادة كلها بالضرورة سقوط الضحايا بعد ديسمبر 2024. كما تجاوز عدد قتلى مرحلة 2026 وحدها، البالغ 4386، حصيلة 2023 - 2024 المعلنة آنذاك.

تصاعد الدخان جراء قصف إسرائيلي على جنوب لبنان كما بدا من موقع في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

كلفة 2026 لم تُحسم

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «Statistics Lebanon» ربيع الهبر لـ«الشرق الأوسط»، إن «البيانات التي جمعتها الشركة تظهر أن عدد القتلى في حرب 2024 تجاوز أربعة آلاف، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 17 ألفاً، بينما وصلت الحصيلة المنشورة لحرب 2026 حتى 18 سبتمبر إلى نحو 4386 قتيلاً و12407 جرحى منذ الثاني من مارس (آذار)، ما يعني أن خسائر 2026 البشرية بلغت مستوى مماثلاً لحصيلة القتلى في 2024 خلال فترة أقصر، فيما اقترب عدد الجرحى من حصيلة الحرب السابقة».

وفي ملف النزوح، أوضح الهبر أن «عدد النازحين بلغ في ذروة حرب 2024 نحو مليون شخص، فيما شهدت بداية تصعيد 2026 نزوح نحو مليون شخص داخلياً أيضاً، إلى جانب عبور نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من سبتمبر، كان نحو 329240 شخصاً لا يزالون نازحين داخل لبنان». ولفت إلى أن «تقارب ذروتي النزوح لا يعني تطابق التجربتين؛ لأن نزوح 2026 أصاب مجتمعاً كان جزء منه لا يزال يحاول تجاوز آثار النزوح السابق، وقد تكون الأسرة التي غادرت منزلها هذا العام هي نفسها التي عادت إليه قبل أشهر أو انتقلت إلى مسكن بديل بعدما فقدت منزلها في 2024».

وأضاف أن «انخفاض أعداد النازحين المسجلين لا يعني بالضرورة اكتمال العودة؛ لأن العودة تتطلب مسكناً صالحاً وطرقاً مفتوحة ومياهاً وكهرباء وفرصة لكسب الرزق، فيما يؤدي تكرار النزوح إلى زيادة أعباء الإيجار والنقل وصعوبة الحفاظ على العمل وتعليم الأطفال».

نازحون من الضربات الإسرائيلية في الجنوب يرفعون العلم اللبناني فوق خيامهم في بيروت (أ.ب)

وعن الأضرار المادية، قال الهبر إن «الأضرار المباشرة لحرب 2024 قُدّرت بنحو 6.8 مليار دولار على مستوى لبنان، منها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن. أما في 2026، فلا يتوافر حتى الآن تقييم وطني نهائي مماثل، لكن التقييمات الجزئية حتى أبريل (نيسان) تشير إلى أضرار مباشرة بالأبنية تتجاوز 1.745 مليار دولار، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في جنوب لبنان، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان».

وأشار إلى أن «التقييمات نفسها تتحدث عن تدمير 11095 مبنى بالكامل جنوب الليطاني و146 مبنى في بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى تدمير 17891 وحدة سكنية في الجنوب و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، فضلاً عن نحو 3.1 مليون متر مكعب من الركام في الجنوب و649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان».

وشدد الهبر على أن «المقارنة بين أرقام 2024 و2026 تحتاج إلى حذر؛ لأن رقم 6.8 مليار دولار لعام 2024 يمثل أضراراً مادية مباشرة على المستوى الوطني، بينما يقتصر رقم 2026 على أضرار الأبنية التي شملتها تقييمات مناطقية ومرحلية حتى أبريل، وبالتالي لا يجوز جمع الرقمين أو اعتبار رقم 2026 كلفة نهائية للحرب».

اقتصادياً، قال الهبر إن «حرب 2024 تسببت بخسائر في النشاط الاقتصادي قُدرت بنحو 7.2 مليار دولار، إلى جانب 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية، لتصل الأضرار والخسائر معاً إلى نحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار». وأضاف أن «الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنسبة 7.1 في المائة في 2024. وبعد مؤشرات تعافٍ خلال 2025، جاءت حرب 2026 لتغيّر المسار مجدداً، مع توقع انكماش بنسبة 6.4 في المائة، وتقدير بأن الحرب خفّضت النمو بنحو 10.4 نقطة مئوية، مقارنة بسيناريو عدم وقوعها، فيما يُتوقع تضخم يقارب 17.5 في المائة».

ولفت إلى أن «أضرار وخسائر الزراعة في حرب 2024 بلغت نحو 1.2 مليار دولار، فيما بلغت خسائر التجارة والصناعة والسياحة مجتمعة نحو 3.4 مليار دولار، بينما لا يتوافر حتى الآن تقدير وطني نهائي لهذه القطاعات في 2026».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

وفي القطاع الصحي، قال الهبر إن «البيانات المجمعة تشير إلى نحو 190 هجوماً على الرعاية الصحية خلال الأشهر الأولى من تصعيد 2026، وأكثر من 100 قتيل من العاملين الصحيين، إلى جانب تضرر 17 مستشفى جزئياً وإغلاق 42 مركز رعاية أولية في المرحلة الأولى».

وختم بالقول إن «احتياجات التعافي من حرب 2024 قُدرت بنحو 11 مليار دولار، بينما لم يصدر حتى الآن رقم وطني نهائي مماثل لحرب 2026، ولذلك لا يمكن وضع كلفة شاملة دقيقة للحربين معاً، وأي رقم نهائي يُطرح قبل اكتمال تقييم الأضرار والخسائر في مختلف المناطق والقطاعات سيبقى صورة ناقصة».

آليات إسرائيلية ثقيلة تجرف منزلاً في بلدة المنصوري جنوب لبنان، كما بدا من بلدة الحنية (رويترز)

100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة

وبحسب المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر (NCNE) والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، بلغ عدد الوحدات المدمرة والمتضررة بين 2 مارس و2 يوليو (تموز) 2026 نحو 100 ألف، والردميات بين 10 و14 مليون طن.

وسجل قضاء النبطية العدد الأكبر، مع 26874 وحدة مدمرة أو متضررة و2.7 إلى 3.5 مليون طن من الردميات، تليه بنت جبيل بـ22350 وحدة و2.5 إلى 3.5 مليون طن، ثم صور بـ19782 وحدة ونحو مليوني إلى 3 ملايين طن، ومرجعيون بـ10296 وحدة و1.3 إلى 1.8 مليون طن.

مبانٍ متضررة نتيجة عمليات القصف والهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وامتدت الأضرار إلى قضاء بعبدا بـ8112 وحدة، وصيدا بـ4077، وجزين بـ2817، إضافة إلى البقاع الغربي وبعلبك وحاصبيا وبيروت وعاليه والشوف والهرمل وزحلة والمتن بأعداد أدنى. واستحوذت النبطية وبنت جبيل وصور ومرجعيون مجتمعة على نحو أربعة أخماس الوحدات المدمرة والمتضررة.