مصر: دعاوى ترحيل السوريين تملأ «السوشيال ميديا»... وتغيب في الواقع

رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
TT

مصر: دعاوى ترحيل السوريين تملأ «السوشيال ميديا»... وتغيب في الواقع

رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)
رحيل أول فوج من السوريين (مواني البحر الأحمر)

على خلاف «السوشيال ميديا» التي احتوت على دعوات تطالب بترحيل السوريين من مصر، بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، لا يزال السوريون محل ترحيب كبير في الشارع المصري الذي يستشعر مواطنوه أن عودة السوريين الطوعية إلى بلادهم إن حدثت، فستُفقد القاهرة رونقاً خاصاً أُضيف بوجودهم فيها.

وتستند دعوات المطالبة بترحيل السوريين عبر «السوشيال ميديا» إلى أن وجودهم لم يعد مبرَّراً بعد سقوط الأسد، بينما أخرى ترى في وجودهم «مخاطر أمنية»، في ظل القلق من نظام الحكم السوري الجديد، بينما يتحدث آخرون عن «أعباء اقتصادية».

ووفق «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين»، فإن عدد السوريين المسجلين بـ«المفوضية» في مصر «ارتفع بشكل كبير من 12800 في نهاية 2012 إلى أكثر من 153 ألف شخص نهاية 2023». بينما تقدِّر «المنظمة الدولية للهجرة» عدد السوريين في مصر بنحو «مليون ونصف مليون سوري».

ولم تطلب مصر رسمياً من اللاجئين السوريين مغادرة البلاد؛ بل على العكس، منحت (الأحد) الجنسية لـ15 سورياً، بموجب قرار نُشر في الجريدة الرسمية. بينما بدأ عشرات منهم «عودة طوعية» إلى بلادهم؛ حيث أعلنت الهيئة العامة لمواني البحر الأحمر، قبل يومين، مغادرة أول فوج سوري يضم 40 شخصاً، على متن العبارة «آيلة»، إلى الأردن، ومنها لسوريا.

المفارقة بين «الدعوات السوشيالية» والواقع، تتجسد في مقهى شعبي بمنطقة الدقي؛ حيث يجلس جبران خزعل، وهو شاب سوري يعمل مترجماً، يتبادل أطراف الحديث كالمعتاد مع صديقين؛ أحدهما مصري والآخر سوري، بينما يعج المقهى من حولهم بالمصريين.

الشاب السوري جبران خزعل مع صديقين في أحد مقاهي منطقة الدقي (الشرق الأوسط)

يقول خزعل لـ«الشرق الأوسط» إنه «لم يلمس أي تغير في الشعور الشعبي تجاه السوريين منذ سقوط الأسد؛ بل على العكس يحتفي المصريون معنا بسقوطه». وبينما يستعد خزعل للعودة إلى سوريا عبر بيروت، للاطمئنان على أهله، يؤكد أن عودته «قرار شخصي، وكل من يعلم بالخبر من أصدقائه والمحيطين يتمنى لو مكث أكثر».

ويصف مؤسس «جمعية سوريا الغد» للإغاثة، ملهم الخن، دعوات ترحيلهم بـ«المشبوهة»، تقف خلفها «حسابات مجهولة بهدف زرع الفتنة بين الشعبين المصري والسوري»؛ فهو على أرض الواقع يختبر العكس، ويجد تقارباً كبيراً بين الشعبين، فضلاً عن صلات نسب تعمقت على مدار العقد الماضي، مع كثرة التزاوج بين المصريين والسوريين، وشراكات تجارية كثيرة.

ويستشهد الخن الذي يستقر في مصر منذ عام 2007، بغروب «اللمة السورية في مصر» على «فيسبوك»، (يضم نحو 137 ألف شخص)، والذي أسسه عام 2013 بوصفه غروباً خدمياً للسوريين ثم ضم كثيراً من المصريين لاحقاً، قائلاً إن «المصريين فيه يدعون السوريين إلى البقاء، ويتحدثون كيف تأثروا بهم، واعتادوا وجودهم. ويعبر السوريون عن امتنانهم للمصريين على حسن ضيافتهم لهم طيلة السنوات الماضية».

ملهم الخن مؤسس «جمعية سوريا الغد» للإغاثة (صفحة المؤسسة على فيسبوك)

وبينما تحض بعض منشورات «السوشيال ميديا» على سرعة ترحيل السوريين استناداً إلى الكلفة الاقتصادية التي تحملتها مصر بوجودهم، ترفض آيات محمد (27 عاماً)، وهي مصرية اعتادت تناول الوجبات السورية، هذه الأحاديث، ووصفت السوريين بـ«الشغيلة»، معربة عن قلقها من عودة السوريين حالياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «عودتهم الآن مخاطرة وقرار متعجل، ومن الأفضل أن يظلوا في مصر حتى يتضح المشهد أكثر».

الأمر نفسه يكرره أحمد أشرف (25 عاماً)، وهو مصري يعمل في صناعة وبيع الإكسسوارات بمنطقة خان الخليلي، معبراً عن إعجابه الشديد بالسوريين، وما خلقوه في مصر من حالة خاصة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «ينظر بإعجاب للتجربة السورية، وكيف استطاعت تنشيط السوق المصرية في كثير من المجالات، مثل صناعة العطور، والمنسوجات، بخلاف الطعام».

ويؤكد أشرف أنه «يتعامل مع سوريين؛ سواء أصدقاء أو زبائن، ولم يلحظ في دوائره أي حنق عليهم، أو رغبة في ترحيلهم».

الشاب المصري أحمد أشرف يحكي عن انبهاره بنموذج السوريين (الشرق الأوسط)

ويُعدُّ السوريون من بين أبرز الجنسيات التي تشارك بإيجابية في سوق العمل المصرية؛ خصوصاً في الصناعات الغذائية والنسيج، وحسب تقرير لـ«منظمة الهجرة الدولية» صدر في يوليو (تموز) 2022، فإن «حجم التمويل الاستثماري من جانب نحو 30 ألف مستثمر سوري مسجل في مصر، قُدر بمليار دولار في عام 2022».

راسم الأتاسي الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر

ويعتقد الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر، راسم الأتاسي، أن «بعض الأصوات التي خرجت تطالب بترحيل السوريين ترجع لمنافسات تجارية»، مؤكداً أنها «تبقى محدودة، ولا تعبر عن التعاطف الكبير بين الشعبين».

ويكرر الأتاسي أنه «سمع في أكثر من مناسبة مصريين طالبوهم بأن يبقوا في مصر وألا يتعجلوا في الرحيل»، ولم يختلف الترحيب بهم شعبياً عنه مع المسؤولين الذين التقى بهم خلال الفترة الماضية، قائلاً: «لم توجَّه إلينا منهم أي مطالب بمغادرة مصر؛ بل على العكس كان الترحيب نفسه، والحديث عن عمق الأثر السوري في مصر يجري على لسانهم».

ورداً على الترحيب الشعبي المتواصل بالسوريين في مصر، اختار المغني السوري المقيم في القاهرة منذ عام 2013 محمد الهماش، رد الجميل بأغنية كتبها ولحَّنها خصيصاً لشكر مصر.

وعلَّق الهماش على دعوات ترحيلهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما نسمعه ونقرؤه بهذا الخصوص لا يمت للواقع بصلة. أنا أعيش في مصر منذ عام 2013، لم أسمع إلا الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة التي تجعلنا -نحن السوريين- نقف مرتبكين خجلاً؛ لأن كلمة (شكراً) لا تكفي، ولا تعبِّر عن مشاعرنا تجاه مصر والمصريين».

ويرى الخبير الإعلامي خالد البرماوي أن «هناك فجوة منذ فترة بين ما يظهر على (السوشيال ميديا) ويتصدر في هيئة (ترندات)، وبين الواقع. برز بوضوح في قضية مثل قضية المقيمين الأجانب في مصر».

ويوضح البرماوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الواقع محكوم بعلاقات متداخلة ومتشابكة، بعكس (السوشيال ميديا)، المحكومة باللوغاريتمات، وقد تظهر محتويات زاعقة -أو (ترند)- ليس بالضرورة تمثل الواقع؛ بل في كثير من الأحيان تقف وراءها جهات ترغب في تصدير صورة معينة، بينما على الواقع الصورة عكس ذلك».

وتعد مصر الأولى عربياً في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، حسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، بواقع نحو 43 مليون مستخدم.

ووفق البرماوي، فإنه بافتراض أن إثنين في المائة ممن يستخدمون تلك المواقع تبنوا رأياً ما، فيكون لدينا نحو 900 ألف، وهذا رقم يستطيع إقامة أكثر من «تريند» ومحتوى رائج زائف.


مقالات ذات صلة

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».