القديم والحديث والجريء في فن أبو ظبي

تسليط الضوء على الرواد... والفن السعودي يتألق

جانب من معرض أبوظبي للفنون (الشرق الأوسط)
جانب من معرض أبوظبي للفنون (الشرق الأوسط)
TT

القديم والحديث والجريء في فن أبو ظبي

جانب من معرض أبوظبي للفنون (الشرق الأوسط)
جانب من معرض أبوظبي للفنون (الشرق الأوسط)

عاماً بعد عام وبدأب وطموح كبيرين يُثبت معرض فن أبوظبي مكانه في خارطة المعارض الفنية العربية، وهذا العام احتفل بالنسخة الـ16 مستضيفاً 102 صالة عرض من 31 دولة حول العالم في مقره بجزيرة السعديات الملتفة برداء الفنون. التجول في أروقة المعرض الفني يحمل الكثير من المتعة البصرية والفنية، نعيد مشاهدة أعمال لفنانين كبار، ونكتشف أعمالاً لم نرها من قبل لفنانين آخرين، ونكتشف في وسط ذلك النجوم الصاعدة. ولم يختلف الوضع هذا العام بل أضاف أقساماً جديدة ليستكشف الزائر من خلالها أعمالاً فنية بعضها عتيق وبعضها حديث، من الأقسام الجديدة هناك «صالون مقتني الفنون» و«فن جريء، فن جديد» و«طريق الحرير، الهويات المتبادلة» إضافة إلى معرض منفصل من مجموعة فرجام عن الفن الحديث والتحرر من الاستعمار سنعود له لاحقاً.

جانب من معرض أبوظبي للفنون (الشرق الأوسط)

صالون مقتني الفنون

يُعد إضافة مميزة لنسخة هذا العام، ويعرض المخطوطات والأسطرلابات والتحف التاريخية والكتب النادرة بتنظيم من روكسان زند. نطلق الجولة من غرفة أنيقة حملت جدرانها خريطة ضخمة أحاط بها من اليمين واليسار قطعتان مثبتتان على الحائط، ونقرأ أنها كانت تُستخدم لحمل العمامة في العهد العثماني، في كوات حائطية نرى أطباقاً من الخزف أحدها يعود للقرن الـ16، ويصور فارساً عربياً على صهوة جواده، وفي أخرى إبريق ذهبي اللون يعود للعهد العثماني. في جناح «شابيرو للكتب النادرة» من بريطانيا نرى نسخاً من مصاحف تاريخية مزخرفة ومذهبة بجمال وحرفة لا تتخطاها العين، ما يجذب الزائر هو أن الكتب والمصاحف كلها في متناول اليد مفتوحة الصفحات ومنتظمة في عرض جميل.

مصاحف أثرية (الشرق الأوسط)

تستعرض القائمة على العرض بعض القطع المميزة، وتقول: «إنها المرة الأولى التي نشارك فيها في معرض أبوظبي. نعرض بعض المخطوطات والكتب النادرة من متجرنا في لندن، منها صفحة من مصحف بالخط الحجازي يعود للقرن السابع، وبعض المصاحف المصغرة أحدها يعود للقرن الـ19». وعن الأسعار تقول إنها تتراوح ما بين آلاف الدولارات لبعض اللوحات التي تعود لعهد الحملة الفرنسية على مصر، أما المصاحف فتتراوح أسعارها حسب تاريخها ونسبة مالكيها السابقين، كمثال تشير إلى نسخة تعود لبلاد فارس في القرن الـ16 سعرها 335 ألف دولار، وصحائف من القرآن تتراوح أسعارها ما بين 20 و30 ألف دولار. هنا أكثر من مثال للمصاحف المصغرة منها مصحف مكتوب بدقة متناهية بالذهب على أوراق خضراء اللون مشكلة على نحو ورق الشجر، وبجانبه نرى مصحفاً مصغراً آخر محفوظاً في علبة ذهبية تتوسطها عدسة مكبرة. الكتابة دقيقة جداً، وهو ما يفسر وجود العدسة المكبرة، تقول: «هذا المصحف ليس مكتوباً باليد مثل المصاحف الأخرى هنا، بل مطبوع من قبل دار نشر في غلاسكو في عام 1900 باستخدام تقنية جديدة للطباعة الفوتوغرافية. ومثل هذا النوع من المصاحف المصغرة كانت تطبع لاستخدام الجنود البريطانيين المسلمين في الحرب العالمية الأولى، وكانوا يرتدونها معلقة في قلائد كتعويذة، يقدر سعر المصحف بـ3.5 ألف دولار أما المصحف على هيئة ورقة الشجر فيقدر سعره بـ40 ألف دولار.

مصحف مصغر مطبوع في غلاسكو عام 1900

نمر على «غاليري آري جان» الذي يعرض لوحات المستشرقين من القرن الـ19، ومنها أعمال جاك ماجوريل، ثم نصل إلى جناح «كتب دانيال كاروش النادرة» الذي يعرض مكتبة تضم أكثر من 500 ألبوم صور تحتوي على صور تاريخية للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعالم العربي الأوسع. هنا نرى مجموعة من الصور النادرة المكبرة معروضة على كامل الحائط، من ضمنها صور من الجزيرة العربية قديماً، بعضها لأشخاص مشهورين مثل الرحالة غيرترود بيل ولورانس العرب، وغيرها لأشخاص لا نعرف أسماءهم، نرى أيضاً صوراً للكعبة المكرمة وصوراً عامة لأشخاص يرتدون الزي العربي. في الصدارة مجموعة من المجلدات، يقول عنها المشرف على الجناح إنها المجموعة الكاملة التي تضم 33 ألف صورة من 350 ألبوماً، يقول: «إنَّ المجموعة تعود لسيدة من لندن تُدْعَى جيني ألزوث، وإنها جمعت الصور على مدى 25 إلى 30 عاماً. الشيء المثير للاهتمام في هذه المجموعة هو أنها تعبّر عن لمحات من الحياة اليومية في الجزيرة العربية التقطها زوار أوروبيون بريطانيون على مدار 130 عاماً».

صور تاريخية للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعالم العربي

يضيف محدثنا أن الصور لم تنشر من قبل، «نأمل أن تقدم هذه الصور سرداً لتاريخ المنطقة لم يوثقه أحد من قبل»، ويقدر سعرها بمبلغ 2 مليون دولار.

ولفت جناح دار «كسكينار - كنت آنتيكس» الأنظار إليه بمجسم لحصان وضع عليه سرج صُنع للسلطان العثماني سليم الثالث (1789-1807) ومزين بـ1036 شكلاً مذهباً، منها أكثر من 500 نجمة فضية، وكل نجمة يصل وزنها إلى 11 غراماً تقريباً، ويصل سعر السرج إلى 3 ملايين دولار.

«فن جريء، فن جديد»

«فن جريء، فن جديد»، بإشراف ميرنا عياد، يعيد عرض أعمال لفنانين مهمين كان لهم أدوار محورية في تاريخ الفن في المنطقة. من خلاله تستعرض صالات من تونس ومصر وفلسطين ولبنان والمملكة العربية السعودية وإيران وفرنسا، مجموعة ملهمة من أعمال الفن الحديث لفنانين وفنانات رواد من أوائل الستينات، وحتى أوائل الثمانينات»، وفي هذا الإطار نستمتع بنماذج رفيعة لرواد أمثال إنجي أفلاطون من مصر ونبيل نحاس من لبنان وسامي المرزوقي من السعودية وغيرهم. الأعمال المعروضة في هذا القسم لها ألق خاص فهي تعيد فنانين حفروا أسماءهم في تاريخ الفنون في بلادهم، وفي الوطن العربي بعضهم انحسرت عنه أضواء السوق الفنية، وأعادها العرض مرة أخرى لدائرة الضوء.

عمل للفنانة المصرية إنجي أفلاطون (الشرق الأوسط)

في «غاليري ون» نرى أعمالاً للفنانة الأردنية الفلسطينية نبيلة حلمي (1940-2011)، يصف موقع المتحف الوطني الأردني أسلوب الفنانة الراحلة بأنه خليط من «الكولاج والألوان المائية والحبر الصيني. تتميز أعمالها الزيتية بشفافية حالمة وعفوية، فيها تجريد تعبيري يتسم بالغموض والنضج الفني». نرى هنا نماذج لأعمالها، ونتحدث مع المشرف على القاعة عنها، يقول إنَّ الفنانة لها أعمال في متاحف عالمية وعربية، ولكنها قليلة في السوق التجارية. الفنانة الثانية هي إميلي فانوس عازر (فلسطينية، مواليد الرملة عام 1949)، ويعرض لها الغاليري أكثر من عمل منها بورتريه لامرأة تنظر إلى الأمام بينما عقدت ذراعيها أمامها، العمل يجبر الزائر على التوقف أمامه والتأمل فيما يمكن أن تخفيه تلك المرأة خلف نظرتها الواثقة والعزيمة التي تنبعث منها.

بورتريه للفنانة إميلي فانوس عازر (الشرق الأوسط)

من مصر يقدم «أوبونتو آرت غاليري» المشارك للمرة الأولى عدداً من أعمال الفنان المصري إيهاب شاكر (1933-2017)، المألوفة للعين، فالفنان له خطوط مميزة رأيناها في أعمال الكاريكاتير التي نشرها في الصحف المصرية. يقول المسؤول عن الغاليري إن شاكر انتقل للعمل في مسرح العرائس مع شقيقه ناجي شاكر قبل أن يسافر إلى فرنسا في عام 1968 حيث عمل في مجال أفلام الرسوم المتحركة، ونال عدداً من الجوائز عن أحد أفلامه. تلفتنا تعبيرات شاكر التي تحمل عناصر شعبية مصرية يقول عنها محدثنا إنَّها تبعث البهجة، ويشير إلى أن الحس الموسيقي يميز أعمال الفنان أيضاً، ويظهر ذلك في الوحدة والتناغم بين العناصر، ويؤكد أن «لديه خطوطاً مختلفة عن أي فنان آخر».

من أعمال الفنان إيهاب شاكر (الشرق الأوسط)

 

في «غاليري بركات» من بيروت نجد مجموعة من الأعمال المتنوعة ما بين اللوحات والمنحوتات الخشبية والبرونزية، يتحدث معنا صالح بركات مالك الغاليري عن الأعمال المعروضة، ويبدأ بالإشارة لعمل ضخم من البرونز للفنان معتصم الكبيسي يمثل أشخاصاً يتهامسون: «يعكس خلفيات المسرح السياسي، الكل يتهامس، وما لا يقال قد يكون أكثر أهمية مما يقال». للفنان جوزف الحوراني منحوتات خشبية تحمل كتابات بالخط العربي، تنتظم ببراعة، وتتضافر في تشكيلات خشبية مدهشة تجعلنا ندور حولها، ونحاول قراءة الجمل المكتوبة، ومنها «مصائب قوم عند قوم فوائد» و«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ». «عبقرية!» يصفها صالح بركات، ويتحدث عن الخط العربي ونقله للعالم المعاصر: «أنا اليوم يعنيني أن نحافظ على تراثنا بطريقة عصرية. نريد أن نأخذ تراثنا للمستقبل».

من أعمال الفنان العراقي سيروان باران (الشرق الأوسط)

ينتقل إلى عملين للفنان سروان بهما الكثير من الحركة، نرى أشخاصاً يتحركون في اتجاهات مختلفة، يحملون حقائب وأمتعة، ليست حركة مرحة بل متعجلة، يعلق: «الفنان لا يتحدث فقط عمّن يرحل، بل أيضاً عمّن يعود، حالات ذهاب وعودة وضياع».

 

الفن السعودي حاضر

عبر مشاركات في «غاليري أثر» و«غاليري حافظ» نرى عدداً من الأعمال الفنية السعودية المميزة، فيعرض «غاليري أثر» مجموعة من أعمال الفنانة المبدعة أسماء باهميم تفيض بالحيوانات الأسطورية وقصص من الخيال مرسومة على الورق الذي تصنعه الفنانة بيدها. للفنانة باهميم هنا مجموعتان جذابتان: «ملاحظات في الوقت» و«فانتازيا». تستكشف الأخيرة الفروق الدقيقة والتعقيدات في سرد القصص. وتتعمق «ملاحظات في الوقت»، وهي سلسلة أحدث، في الفولكلور العربي، وتفحص الأدوار الجنسانية في الحكايات التقليدية وتأثيرها اللاحق على الهوية الثقافية.

من أعمال الفنانة أسماء باهميم (الشرق الأوسط)

كما يقدم «أثر» عدداً من أعمال رامي فاروق الفنية وسلسلة للفنانة سارة عبدو بعنوان «الآن بعد أن فقدتك في أحلامي، أين نلتقي». أما «غاليري حافظ» فيقدم صالتين تتضمنان أعمال مجموعة من الفنانين المعاصرين والحديثين، فيقدم عدداً من أعمال الفنان سامي المرزوقي تتميز بألوانها وخطوطها التجريدية. وفي قسم الفن المعاصر يعرض أعمال الفنانة بشائر هوساوي، التي تستمد فنونها من بيئتها الغنية وذاكرتها البصرية العميقة، باستخدام مواد طبيعية مثل النخيل، وتعبر عن موضوعات مثل الانتماء، والحنين، والهوية الإنسانية المتغيرة. بجانبها يستعرض سليمان السالم أعماله التي تتعمق في الطبيعة الزائلة للوجود. باستخدام تقنيات الطباعة العدسية والفيديو ووسائط أخرى، تستكشف أعماله التفاعل بين الشعور والإدراك والتواصل الإنساني.


مقالات ذات صلة

«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

يوميات الشرق يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)

«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

في معرضها الجديد، تواصل الفنانة ماجي الشاويش تقديم تجربتها الفنية المختلفة عبر عنوان يختصر جانباً من رؤيتها بمعرض «جذور وأجنحة».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق صورة مركبة لسارق الموناليزا

هل كانت الموناليزا لتشتهر لولا سارقها؟

سرقة القرن الفنية... كيف تحولت «الموناليزا» من لوحة عادية إلى أيقونة عالمية بفضل لص؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)

دانيال الهيبي يبحث عن «لغة ثالثة» للفلوت

كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)
كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)
TT

دانيال الهيبي يبحث عن «لغة ثالثة» للفلوت

كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)
كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)

قبل عام، كان دانيال الهيبي يعود إلى المسرح في لبنان وفي داخله سنوات طويلة من الانتظار. أمضى أعواماً في فرنسا، درس وعزف وراكم تجاربه بعيداً عن بلده؛ لذلك حمل الحفلُ بالنسبة إليه معنى العودة إلى مكان ترك فيه جزءاً من ذاكرته وهويته. هذا الصيف عاد من موقع مختلف. خفَّ الانتظار، ومعه تبدَّلت نظرته إلى الوقوف أمام الجمهور اللبناني.

«لم أعد أقفُ على المسرح لأُثبت أنني عدت. أشعر اليوم بأنني أُكمل ما بدأته»؛ يقول عازف الفلوت اللبناني لـ«الشرق الأوسط». منحه حفل العام الماضي ثقة بما بناه خلال سنوات بعدما سمع موسيقاه وهي تصل مباشرة إلى جمهور بلده. ويشعر اليوم بمسؤولية أكبر، تقابلها حرّية لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في التجربة الأولى... «صرتُ أكبَرَ وضوحاً حيال ما أريد التعبير عنه وما أفضّل تركه خارج موسيقاي».

عام آخر مرَّ... والموسيقى لم تبقَ في مكانها (الشرق الأوسط)

واتّسع المسرح في نظره... لم يعد محطة يريد بلوغها. صار مكاناً تجتمع فيه جوانب عمله المختلفة؛ من العزف والتأليف، إلى القيادة والأداء. وإذا كانت العودة في الصيف الماضي تحمل شيئاً من إثبات الذات، فإنّ الحفل الأخير الذي أقامه في بيروت جاء امتداداً لعلاقة بدأت تتشكَّل مع الجمهور.

ومثل كثير من الموسيقيين، بدأ دانيال الهيبي منشغلاً بإتقان آلته، وقضى سنوات في الدراسة والانضباط والعمل على التقنية والتعبير. لاحقاً، تغيَّر ما ينتظره من نفسه. لم يعد يكفي أن تكون الجملة الموسيقية صحيحة. صار معنياً بسبب عزفها بهذه الطريقة، وبما يمكن أن تتركه لدى المستمع. «إتقان الآلة ليس النهاية. هو اللغة التي تحتاج إليها لتبدأ قول شيء خاص بك». من هنا جاءت رحلته مع التأليف والتوزيع، ودراسته في باريس واحتكاكه بالموسيقى الغربية، فيما بقيت جذوره الشرقية حاضرة في ما يسمعه ويكتبه ويعزفه.

ما يبحث عنه يتخطّى جَمْع عالمَيْن موسيقيَيْن داخل مقطوعة. يريد علاقة أعمقَ أصالة بين الفلوت وهويته الشرقية، فلا يبدو الشرقُ إضافةً إلى بناء غربي. يقول: «أريد أن يشعر المستمع بأنّ لهذه الموسيقى شخصية، ويصبح صوتك أهم من اسمك».

بين ذاكرة شرقية وتكوين غربي يبحث الفلوت عن لهجته (الشرق الأوسط)

للفلوت دور في تشكيل هذه الشخصية. فالآلة متصلة مباشرة بالنَّفَس، وما يحدث داخل العازف يجد طريقه إلى الصوت. يعرف الهيبي ذلك من ليالٍ صعد فيها إلى المسرح متعباً أو متوتراً أو فرحاً، ثم سمع أثر حالته في عزفه من دون قرار مُسبَق. يتغيَّر النَّفَس وتتبدَّل الجملة، وحتى الفاصل بين نغمتين قد يكتسب إحساساً مختلفاً.

«الفلوت لا يسمح لك بأن تختبئ تماماً خلف الآلة»؛ يُتابع. التقنية تمنحه القدرة على التحكُّم، لكنّ الصوت في رأيه يفقد حياته حين ينفصل عن الشعور. لهذا وجد نفسه في آلة تستطيع الانتقال بين الرقّة والقوة، وتظلّ مرتبطة بأعلى ما هو إنساني في العزف؛ النَّفَس.

ومع التكرار يأتي امتحان آخر. هناك مقطوعات عزفها عشرات المرات، وقد تصل الأصابع إلى النغمات قبل أن يُفكر فيها صاحبها. هنا يحرص على ألا تتحوَّل المعرفة أداءً تلقائياً. يعود إلى المقطوعة ويُغيّر طريقة التنفُّس، وينتبه إلى جملة لم يسمعها سابقاً بالتركيز نفسه، ويمنح الموسيقيين من حوله والمساحات بين النغمات انتباهاً أكبر... «الجمهور أمامي لم يسمع هذه اللحظة بعد، حتى لو كنتُ قد عزفتها 100 مرة». لذلك لا يريد للأداء الحيّ أن يُكرّر نفسه. ما يحدث في أمسية معيّنة ينتمي إليها، وإلى مزاج العازف والموسيقيين والجمهور في تلك الساعة.

كلّما عاد إلى لبنان... عاد الفلوت معه مُحمَّلاً بما حدث في الغياب (الشرق الأوسط)

والسنوات التي منحته معرفة أوسع بالموسيقى جعلته أيضاً أعمق إدراكاً لرحابة عالمها. كلّما تعمَّق في التأليف والتوزيع والهارموني والآلات، وفي الموسيقى الشرقية والغربية، اكتشفَ مقدارَ ما لا يزال أمامه... «أصبحتُ أقوى يقيناً في هويتي، وأشد تواضعاً أمام الموسيقى. أنْ تعرف مَن أنت، من دون أن تتوهّم أنك عرفتَ كلَّ شيء».

ينشغل الهيبي اليوم بالعثور على لغة تولد من العالمَين اللذين عاش بينهما. يريد موسيقى تحمل ما درسه في فرنسا وما يسكن ذاكرته الشرقية من مقامات وإيقاعات وتفاصيل عاطفية، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر. يُسمّيها «لغة ثالثة». وفي قلبها يقف الفلوت، محاولاً أن ينطق الشرق بطريقته ويفتح موسيقاه على احتمالات أخرى. لا يبحث الفنان عن صيغة نهائية لهذه اللغة: «اللحظة التي أعتقدُ فيها أنني وجدتُ الجواب الكامل، ربما أتوقّفُ عن البحث». قد تكون مغامرته الحقيقية أن يجعل الفلوت يتذكّر من أين جاء دانيال، من دون أن يعرف إلى أين سيأخذه.


«صراصير مسعفة» تشقّ طريقها تحت الأنقاض

الكارثة كبيرة... أما الممر إليها فبحجم صرصور (بي آر إيميج)
الكارثة كبيرة... أما الممر إليها فبحجم صرصور (بي آر إيميج)
TT

«صراصير مسعفة» تشقّ طريقها تحت الأنقاض

الكارثة كبيرة... أما الممر إليها فبحجم صرصور (بي آر إيميج)
الكارثة كبيرة... أما الممر إليها فبحجم صرصور (بي آر إيميج)

تُجرى تجارب على صراصير عملاقة مزودة بكاميرات ومحاقن طبية، لتدريبها بوصفها «مستجيبة أولية» مُحتَملة في حالات الزلازل.

وقد يشكّل وصول أسطول من الصراصير يوماً ما الفارق بين الحياة والموت للأشخاص العالقين تحت الأنقاض جراء زلزال أو كارثة مماثلة.

ووفق «الغارديان»، يعمل مهندسو الروبوتات الحيوية على تطوير حشرات آلية سداسية الأرجل، مزوَّدة بكاميرات ومحاقن طبية مصغَّرة، لاستخدامها في مَهمّات البحث والإنقاذ.

وصُمِّمت هذه الصراصير لتقديم المساعدة الطارئة للمحاصرين داخل المباني المنهارة أو الكهوف أو الأماكن الخطرة التي يصعب على فرق الإنقاذ الوصول إليها.

وطوَّر باحثون في مجال الروبوتات الحيوية بجامعة كوينزلاند، شمال شرقي أستراليا، بالتعاون مع مهندسي الطب الحيوي في جامعة نيو ساوث ويلز، هذه الحشرات الآلية المعروفة باسم «البارابورغ».

وقال مهندس الروبوتات الحيوية بجامعة كوينزلاند، ثانغ فو دوان، إنّ بحوث فريقه تحوّل الحشرة الآلية من مجرّد مستشعر متنقّل إلى مسعف أولي مصغَّر، مع إبقاء القرارات الطبّية الحاسمة تحت السيطرة البشرية.

وأضاف: «صُمّمت الحشرات الآلية لمهمّات البحث والاستكشاف على مدى العقدين الماضيين. أردنا اتخاذ الخطوة التالية؛ فبمجرّد أن تعثر هذه الحشرات على شخص ما؛ هل يمكنها تقديم مساعدة فعلية له؟».

واشتمل البحث على تزويد الصرصور الحفار الضخم، وهو نوع يعيش في أقصى شمال كوينزلاند، بأجهزة إلكترونية خفيفة الوزن وكاميرات، فضلاً عن أنظمة حقن ذاتي تُفعّل عن بُعد، صُمِّمت خصوصاً لهذا النوع.

هذه المرّة لا نهرب من الصرصور... ننتظره (رويترز)

وقال فو دوان: «إنّ تعزيز آلياتها الحيوية الطبيعية قد يتيح لهذه الحشرات تقديم مساعدة طارئة في الوقت المناسب، عندما يستحيل الوصول مباشرة إلى الأشخاص المحتجزين في المساحات الضيقة المليئة بالحطام».

وفي اختبارات لإثبات مفهوم الفكرة وإمكان تطبيقها، حقَّقت حشرات «البارابورغ» نسبة نجاح بلغت 95 في المائة في إجراء الحقن من مسافة قريبة، عندما تموضعت على بُعد 15 سنتيمتراً من الهدف.

كما نجحت المهمّة الكاملة، التي شملت التوجيه والملاحة والحقن، في 72 في المائة من التجارب.

وقال طالب الدكتوراه هاي ناهان لي، إن التموضع الدقيق لحشرات «البارابورغ» شكّل أحد أبرز التحدّيات الهندسية في المشروع.

وأوضح: «يتعين على الحشرة الآلية التحرك نحو الهدف، والتموضع بدقة، والحفاظ على استقرارها بما يكفي لتنفيذ عملية الحقن»، مضيفاً: «قد لا يروق لكثيرين رؤية صرصور ضخم يتحرّك نحوهم، لكن إن كنتَ مُحاصَراً تحت الأنقاض أو عالقاً داخل كهف وتحتاج إلى المساعدة، فقد يشكل ذلك الفارق الحقيقي بين الحياة والموت».

وأوضح فو دوان أنّ الصراصير، على غرار النماذج السابقة من الحشرات الآلية التي طورّها الفريق، تُخضَع للتخدير خلال تركيب الأقطاب الكهربائية والشرائح الدقيقة، وتعيش بعد إزالة تلك التجهيزات والعدسات مدّة مماثلة لما تعيشه الصراصير العادية.

من جانبه، قال قائد إدارة الإطفاء والإنقاذ في ولاية نيو ساوث ويلز، تيم هاسيوتيس، إنّ هذه التقنية قد تسهم في توسيع نطاق وصول فرق الإنقاذ وتعزيز فاعليتها.

وأضاف: «إذا تمكنت الحشرات الآلية من الدخول بأمان إلى المساحات التي نعجز عن الوصول إليها، وتحديد مواقع المصابين، والمساعدة في نهاية المطاف على تقديم الرعاية الطارئة، فقد تصبح أداة قيّمة أخرى في مستقبل عمليات البحث والإنقاذ الحضري».

وأشار فو دوان إلى أن الرؤية على المدى الطويل تقوم على نشر أسراب من الحشرات الآلية المتخصّصة، يؤدّي كل منها دوراً مكملاً للآخر.

وختم: «نأمل أن نرى، خلال الأعوام الـ5 إلى الـ10 المقبلة، فرق إنقاذ من الحشرات الآلية تُنشر ميدانياً لمساعدة المصابين في حالات الطوارئ الحقيقية».


أمام المسافرين والموظفين... طائرة تصدم عاملاً في مطار مونتريال وترديه قتيلاً

موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)
موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)
TT

أمام المسافرين والموظفين... طائرة تصدم عاملاً في مطار مونتريال وترديه قتيلاً

موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)
موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)

في حادث مأساوي وقع أمام مسافرين وموظفين، لقي عامل في مطار مونتريال ترودو الدولي في كندا مصرعه أثناء تأدية مهامه، بعدما صدمته طائرة ركاب خلال عمليات المناولة الأرضية، في واقعة فتحت تحقيقاً للوقوف على ملابساتها وأسبابها.

وحسب شبكة «فوكس نيوز»، وقع الحادث هذا الأسبوع، فيما أكد مسؤولو المطار أن الواقعة حدثت يوم الاثنين في مطار مونتريال ترودو الدولي (YUL)، في مقاطعة كيبيك الكندية.

ووفقاً لمجلس سلامة النقل الكندي (TSB)، شمل الحادث طائرة من طراز «إيرباص A350» تابعة لشركة الطيران الاقتصادي «فرينش بي» (French bee).

وكان الموظف، الذي لم تكشف سلطات المطار عن هويته، يعمل لدى شركة «سامسيك» المتخصصة في خدمات المناولة الأرضية بالمطار.

الحادث وقع خلال دفع الطائرة إلى الخلف

وأبلغت شركة «فرينش بي» قناة «فوكس نيوز ديجيتال» أن الحادث وقع أثناء تنفيذ عمليات المناولة الأرضية، وذلك قبيل إقلاع الرحلة «BF5761» المتجهة إلى مطار باريس أورلي في العاصمة الفرنسية.

وأوضحت شركة الطيران أن الحادث وقع أثناء عملية دفع الطائرة إلى الخلف، مشيرة إلى أن الملابسات الدقيقة للحادث «لا تزال قيد التحقيق».

وفي بيان لها، تقدّمت شركة «فرينش بي» بأحر التعازي إلى عائلة الموظف الفقيد وأحبائه، كما أعربت عن دعمها لزملائه وجميع الفرق التي تأثرت بالحادث.

وقالت الشركة: «تتقدم شركة الطيران بأحر التعازي إلى عائلة الفقيد وأحبائه، كما تُعرب عن دعمها لزملائه وجميع الفرق المتضررة من هذا الحادث».

وأضافت: «تتعاون شركة (فرينش بي) تعاوناً كاملاً مع السلطات الكندية المختصة، وتقدم لها كل المساعدة اللازمة لدعم التحقيق الجاري».

مطار مونتريال يُعرب عن حزنه

من جهتها، أعربت إدارة مطار مونتريال (ADM)، في بيان، عن «حزنها العميق» إزاء وفاة الموظف، مؤكدة أن الحادث ترك أثراً بالغاً في مجتمع المطار.

وقال إيف بوشامب، الرئيس والمدير التنفيذي لـ«ADM»: «إن فقدان أحد أفراد مجتمع مطارنا يؤثر فينا جميعاً بشكل عميق».

وأضاف: «في هذا الوقت العصيب، نتقدم بأحر التعازي والمواساة إلى عائلة الموظف وأحبائه وزملائه».

وأفادت إدارة المطار بأنها عملت بالتعاون مع شركائها على تقديم المساعدة والدعم إلى الموظفين والمسافرين الذين شهدوا هذا الحادث المأساوي، في محاولة لمساندتهم في أعقاب الواقعة.

كما أكدت إدارة مطار مونتريال أنها «تتعاون مع السلطات المسؤولة عن التحقيق منذ بدايته»، مشددة على استمرار التعاون مع الجهات المختصة لكشف ملابسات الحادث وتحديد أسبابه.