«جراح آلي» بذكاء اصطناعي دُرّب على مشاهدة فيديوهات طبية

اختراق علمي كبير تحقق بعد «هضمه» لتفاصيل 10 آلاف تسجيل

«جراح آلي» بذكاء اصطناعي دُرّب على مشاهدة فيديوهات طبية
TT

«جراح آلي» بذكاء اصطناعي دُرّب على مشاهدة فيديوهات طبية

«جراح آلي» بذكاء اصطناعي دُرّب على مشاهدة فيديوهات طبية

«تخيل أنك بحاجة إلى إجراء عملية جراحية في غضون بضع دقائق لأنك قد لا تنجو... لا يوجد جراحون في الجوار ولكن يوجد روبوت جراحي مستقل متاح يمكنه إجراء هذا الإجراء باحتمالية عالية جداً للنجاح، هل ستغتنم الفرصة؟» هذا ما أجابني به طالب ما بعد الدكتوراه بجامعة جونز هوبكنز عبر البريد الإلكتروني، لدى سؤالي عن التطوير الجديد.

تعليم الروبوت بمقاطع فيديو للجراحة

لأول مرة في التاريخ، تمكن كيم وزملاؤه من تعليم الذكاء الاصطناعي استخدام آلة جراحة آلية لأداء مهام جراحية دقيقة، من خلال جعلها تشاهد آلاف الساعات من الإجراءات الفعلية التي تحدث في ردهات جراحية حقيقية. ويقول فريق البحث إنه تطور رائد يتجاوز حدوداً طبية محددة ويفتح الطريق لعصر جديد في الرعاية الصحية.

وفقاً لورقتهم البحثية المنشورة حديثاً، يقول الباحثون إن الذكاء الاصطناعي تمكن من تحقيق مستوى أداء مماثل لجراحي البشر دون برمجة مسبقة.

جراحة بتوظيف الروبوت

تدريب على العروض بدلاً من البرمجة

وبدلاً من محاولة برمجة الروبوت بشق الأنفس للعمل -وهو ما تقول ورقة البحث إنه فشل دائماً في الماضي- قاموا بتدريب هذا الذكاء الاصطناعي من خلال شيء يسمى التعلم بالتقليد، وهو فرع من الذكاء الاصطناعي حيث تراقب الآلة وتكرر الأفعال البشرية. سمح هذا للذكاء الاصطناعي بتعلم التسلسلات المعقدة للأفعال المطلوبة لإكمال المهام الجراحية عن طريق تقسيمها إلى مكونات حركية. وتترجم هذه المكونات إلى أفعال أبسط -مثل زوايا المفاصل ومواضعها ومساراتها- والتي يسهل فهمها وتكرارها وتكييفها أثناء الجراحة.

توظيف روبوت «دافنشي» للتدريب

استخدم كيم وزملاؤه نظام دافنشي الجراحي كأيدٍ وعيون لهذا الذكاء الاصطناعي. ولكن قبل استخدام المنصة الروبوتية الراسخة (التي يستخدمها الجراحون حالياً لإجراء عمليات دقيقة محلياً وعن بُعد) لإثبات نجاح الذكاء الاصطناعي الجديد، قاموا أيضاً بتشغيل محاكاة افتراضية. وقد سمح هذا بتكرار أسرع وتحقق من السلامة قبل تطبيق الإجراءات التي تم تعلمها على الأجهزة الفعلية.

«كل ما نحتاجه هو إدخال الصورة، ثم يجد نظام الذكاء الاصطناعي هذا الإجراء الصحيح»، كما يقول كيم. كانت روبوتات دافنشي أيضاً مصدر مقاطع الفيديو التي حللها الذكاء الاصطناعي، باستخدام أكثر من 10000 تسجيل تم التقاطها بواسطة كاميرات المعصم أثناء العمليات الجراحية التي يقودها الإنسان.

تعلّم 3 مهام جراحية

وكان الهدف تعلم ثلاث مهام جراحية: التعامل مع إبرة جراحية وتحديد موضعها، ورفع الأنسجة والتلاعب بها بعناية، والخياطة -كلها مهام معقدة تتطلب تحكماً دقيقاً وحساساً للغاية.

مكنت مجموعة البيانات واسعة النطاق هذه الذكاء الاصطناعي من تعلم الاختلافات الدقيقة بين الإجراءات الجراحية المتشابهة، مثل شدة التوتر المناسب اللازم للتعامل مع الأنسجة دون التسبب في ضرر.

تعد مقاطع الفيديو التدريبية هذه جزءاً صغيراً جداً من مستودع واسع النطاق للبيانات الجراحية. مع ما يقرب من 7000 روبوت دافنشي قيد الاستخدام في جميع أنحاء العالم، هناك مكتبة ضخمة من العروض الجراحية للمراقبة والتعلم منها، والتي يستخدمها فريق البحث الآن لتوسيع ذخيرة الذكاء الاصطناعي الجراحية لدراسة جديدة لم تُنشر بعد.

«في عملنا المتابع، والذي سنصدره قريباً، ندرس ما إذا كانت هذه النماذج يمكن أن تعمل في الإجراءات الجراحية طويلة المدى التي تنطوي على هياكل تشريحية غير مرئية»، يكتب كيم، في إشارة إلى الإجراءات الجراحية المعقدة التي تتطلب التكيف مع حالة المريض في أي وقت معين، مثل إجراء عملية جراحية على جرح داخلي خطير.

التحقق من صحة النموذج المطور

أثناء التطوير، عمل الفريق عن كثب مع الجراحين الممارسين لتقييم أداء النموذج وتقديم ملاحظات حاسمة (خاصة فيما يتعلق بالتعامل الدقيق مع الأنسجة)، والتي قام الروبوت بدمجها في عملية التعلم الخاصة به.

أخيراً، للتحقق من صحة النموذج، استخدموا مجموعة بيانات منفصلة غير مدرجة في التدريب الأولي لإنشاء محاكاة افتراضية، ما يضمن قدرة الذكاء الاصطناعي على التكيف مع السيناريوهات الجراحية الجديدة وغير المرئية قبل الشروع في اختبارها في الإجراءات المادية. أكد هذا التحقق المتبادل قدرة الروبوت على التعميم بدلاً من مجرد حفظ الإجراءات، وهو أمر بالغ الأهمية بالطبع نظراً للعدد المجهول المحتمل الذي قد ينشأ في غرفة العمليات.

جراح آلي «ذو خبرة»

كل شيء سار بشكل جميل إذ تعلم نموذج الروبوت هذه المهام إلى مستوى الجراحين ذوي الخبرة. يقول أكسل كريغر، الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية في جامعة جونز هوبكنز والمؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان عبر البريد الإلكتروني: «إنه لأمر سحري حقاً أن يكون لدينا هذا النموذج حيث كل ما نقوم به هو تلقيمه مدخلات الكاميرا، ويمكنه التنبؤ بالحركات الروبوتية اللازمة للجراحة». «نعتقد أن هذا يمثل خطوة مهمة إلى الأمام نحو أفق جديد في مجال الروبوتات الطبية».

تطوير رائد

إن أحد مفاتيح هذا النجاح هو استخدام الحركات النسبية بدلاً من التعليمات المطلقة. ففي نظام دافنشي قد لا تنتهي الأذرع الآلية إلى حيث هي مقصودة تماماً بسبب التناقضات الطفيفة في حركة المفصل التي تتراكم على مدار عدة حركات ويمكن أن تؤدي في النهاية إلى أخطاء كبيرة -خاصة في بيئة حساسة مثل الجراحة. كان على الفريق إيجاد حل، لذا بدلاً من الاعتماد على هذه القياسات، قام بتدريب النموذج على التحرك بناءً على ما يلاحظه في الوقت الفعلي أثناء إجراء العملية.

لكن الابتكار الرئيسي هنا هو أن التعلم بالتقليد يزيل الحاجة إلى البرمجة اليدوية للحركات الفردية. قبل هذا الاختراق، كانت برمجة الروبوت للخياطة تتطلب ترميزاً يدوياً لكل حركة بالتفصيل. يقول كيم إن هذه الطريقة كانت أيضاً عرضة للخطأ وتشكل قيداً رئيسياً في تقدم الجراحة الروبوتية. إذ إنها حدت مما يمكن للروبوت فعله بسبب جهود التطوير، والافتقار إلى المرونة التي جعلت من الصعب للغاية على الروبوتات القيام بمهام جديدة.

ومع ذلك، يسمح التعلم بالتقليد للروبوت بالتكيف بسرعة مع أي شيء يمكن مشاهدته، والتعلم على غرار طالب الجراحة. «(نحن) نحتاج فقط إلى جمع بيانات التعلم التقليدي لإجراءات مختلفة، ويمكننا تدريب الروبوت على تعلمها في غضون يومين»، كما يقول كريغر. «هذا يسمح لنا بالتعجيل نحو هدف الاستقلالية مع تقليل الأخطاء الطبية وتحقيق جراحة أكثر دقة».

تقييم مدى النجاح

لقياس مدى نجاح الذكاء الاصطناعي، حدد الباحثون مقاييس الأداء الرئيسية، مثل الدقة في وضع الإبرة والاتساق في التلاعب بالأنسجة باستخدام مجموعة من البيئات الجراحية الوهمية المادية، والتي تضمنت محاكيات الأنسجة الاصطناعية والدمى الجراحية. وكانت النتائج مذهلة. يقول كريغر: «النموذج جيد جداً في تعلم الأشياء التي لم نعلمه إياها. على سبيل المثال، إذا أسقط الإبرة، فسوف يلتقطها تلقائياً ويستمر».

لا تعد هذه القدرة على التكيف مهمة فقط لمواصلة تعلم مهارات جديدة ولكنها أيضاً ضرورية للتعامل مع الأحداث غير المتوقعة في الجراحات الحية، مثل تمزق الشريان أو تغير العلامات الحيوية للمريض فجأة. بالإضافة إلى ذلك، أظهر النموذج كفاءة زمنية محسنة، ما أدى إلى تقليل وقت الانتهاء للمهام الجراحية القياسية مثل الخياطة بنحو 30 في المائة، وهو أمر واعد بشكل خاص للعمليات الحرجة من حيث الوقت.

ويتصور العلماء سيناريو حيث تساعد هذه الروبوتات الجراحين في المواقف عالية الضغط، وتعزيز قدراتهم وتقليل الخطأ البشري. سيؤثر جراحو الذكاء الاصطناعي المستقبليون بشكل كبير على توفر الرعاية الجراحية، مما يجعل التدخلات الطبية عالية الجودة متاحة لعدد أكبر.

اللوائح التنظيمية وأخلاقيات الطب

هناك أيضاً تحديات أخلاقية وتنظيمية يجب معالجتها قبل نشر مثل هذا الذكاء الاصطناعي في بيئات جراحية حقيقية دون إشراف بشري. فالقفزة نحو الروبوتات الجراحية المستقلة تثير مخاوف أخلاقية جديدة.

هناك قضية المساءلة: من سيكون مسؤولاً إذا حدثت مشكلة؟ الشركة التي صنعت الجراح الذكي؟ المهنيون الطبيون الذين يشرفون عليه (إذا كان هناك أي إشراف)؟ هناك أيضاً مسألة موافقة المريض، والتي ستتطلب تثقيف كل من الشخص الذي يخضع للجراحة والأشخاص المحيطين به حول ماهية هذا الذكاء الاصطناعي، وما الذي يمكنهم فعله بالضبط، وما هي المخاطر التي تشكلها الروبوتات مقارنة بالجراحين البشر.

يعترف كيم بأن المستقبل الآن في منطقة رمادية حيث يمكن للجميع مجرد التكهن بما يجب أن يحدث أو سيحدث. ستكون أيدي السلطات التنظيمية مشغولة، من معالجة المساءلة والمخاوف الأخلاقية عند السماح لجراحي الذكاء الاصطناعي بالعمل بشكل مستقل، إلى وضع معايير للحصول على موافقة مستنيرة من المرضى.

ولكن عند الاختيار بين إجراء عملية جراحية طارئة منقذة للحياة بواسطة جراح مستقل أو عدم تلقي العلاج لأن الجراح البشري غير متاح (مثلاً في مكان بعيد أو منطقة متخلفة)، يزعم كيم أن الخيار الأفضل واضح. يمكنني بسهولة أن أتخيل مستقبلاً قريباً حيث يبدأ الناس في اختيار روبوتات الذكاء الاصطناعي على نظرائهم من البشر - في ظل وجود دليل إحصائي على أن جراحي الذكاء الاصطناعي يعملون بأمان.

وبعيداً عن التحديات الأخلاقية والقانونية، هناك حاجة إلى المزيد من العمل لتمكين التنفيذ العملي. ستحتاج المستشفيات إلى الاستثمار في البنية الأساسية التي تدعم جراحة الروبوتات بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأجهزة المادية والخبرة الفنية للتشغيل والصيانة. بالإضافة إلى ذلك، سيكون تدريب الفرق الطبية على إدارة العملية أمراً بالغ الأهمية. فالأطباء سيحتاجون إلى فهم الآلة ومتى يكون التدخل ضرورياً، وفي النهاية تحويل الجراحين البشريين من المهام الجراحية المباشرة إلى أدوار تركز على الإشراف والسلامة.

جراحات بسيطة أولاً

على المستوى العملي، يتصور الباحثون تقدماً تدريجياً، بدءاً بجراحات أبسط وأقل خطورة مثل إصلاح الفتق والتقدم تدريجياً إلى عمليات أكثر تعقيداً. سيساعد النهج التدريجي في التحقق من موثوقية الروبوت مع معالجة المخاوف التنظيمية والأخلاقية بمرور الوقت، فضلاً عن مساعدة السكان على الثقة في الذكاء الاصطناعي لإجراء العمليات الحرجة للحياة.

يقول كريغر: «ما زلنا في المراحل الأولى من فهم ما يمكن أن تحققه هذه الآلات حقاً. الهدف النهائي هو الحصول على أنظمة جراحية مستقلة تماماً وموثوقة وقابلة للتكيف وقادرة على إجراء العمليات الجراحية التي تتطلب حالياً اختصاصياً مدرباً تدريباً عالياً».

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

باحثون يحذرون: تطبيقات المحادثة الآلية تلغي الفروق بين البشر والبرامج

تكنولوجيا عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

باحثون يحذرون: تطبيقات المحادثة الآلية تلغي الفروق بين البشر والبرامج

قال باحثون أميركيون إن تطبيقات المحادثة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم «المشاعر الأبوية» التي يفتقدها الكثيرون في حياتهم الفعلية حالياً.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه (كاليفورنيا))
تحليل إخباري شاشة تعرض صورة للذكاء الاصطناعي في جناح شركة «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أ.ب)

تحليل إخباري هل بدأت فاتورة الذكاء الاصطناعي تُربك «وول ستريت» بعد أسوأ أسبوع منذ يونيو؟

أعادت موجة البيع التي ضربت أسهم التكنولوجيا الأميركية، يوم الجمعة، التساؤلات بشأن تكلفة طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما أنهت «وول ستريت» أسبوعها الأسوأ منذ يونيو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

طفرة الذكاء الاصطناعي تزيد الطلب على السيولة وتهدد بإطالة أمد الفائدة المرتفعة

أطلقت طفرة الذكاء الاصطناعي سباقاً عالمياً على السيولة، ما يدفع المصرفيين المركزيين إلى الاستعداد لمرحلة قد تظل فيها أسعار الفائدة مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
تحليل إخباري التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)

تحليل إخباري التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى الخيارات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في خياراتنا. فهل جعلتنا التكنولوجيا أكثر حرية أم فعلت العكس؟

أنطوان الحاج
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

العقود الآجلة الأميركية تتباين وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا

تباين أداء العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع تعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط جديدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية
TT

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

بعد أن تعلّمت فرشاة الأسنان قياس ضغط اليد وحساب وقت التنظيف، بدأت تتعلم كيف «ترى» داخل الفم. فالكاميرا التي تدخل اليوم إلى هذه الأداة اليومية لا تكتفي بعرض الصور؛ بل تساعد على توجيه التنظيف إلى المسافات بين الأسنان. فهل تمهّد هذه الخطوة لتحوّل الفرشاة من أداة لإزالة اللويحة الجرثومية إلى وسيلة للمراقبة والوقاية المنزلية؟

يطرح هذا السؤال نظام «CameraJet» الذي كشفت عنه شركة «دايسون» (Dyson) في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026. ويجمع الجهاز فرشاة كهربائية وكاميرا صغيرة وخوارزمية تعلّم آلي، لتوجيه دفعات دقيقة من سائل المضمضة نحو الفراغات بين الأسنان. وتكمن دلالته في الربط بين ما تراه الكاميرا وما تفعله الفرشاة: صورة تُحلَّل، وموضع يُحدَّد، ودفعة سائل تتجه إليه في أثناء التنظيف.

فرشاة ترى قبل أن تنظّف

• كاميرا تلتقط وتوجّه. يعتمد النظام على كاميرا للتصوير القريب بدقة 100 ألف بكسل، وخوارزمية تسميها الشركة «Gap Optical Targeting». ووفق بيانات «دايسون»، تحلل المنظومة 28 صورة في الثانية، لتتعرف على الفراغات بين الأسنان وتتتبع مواقعها في أثناء حركة الفرشاة، ثم توجه إليها دفعات دقيقة من السائل. وتقول الشركة إنها طوّرت الخوارزمية باستخدام أكثر من 470 ألف صورة للأسنان.

وتوضح هذه الآلية معنى «الذكاء الاصطناعي المادي»: خوارزمية تتصل بجهاز يستطيع استشعار محيطه والتصرف فيه. ففي هذه الفرشاة، تتحول الصورة إلى دليل يحدد إلى أين تُوجَّه دفعة السائل في أثناء التنظيف. وهنا تتجاوز وظيفة الكاميرا نقل المشهد إلى المشاركة في توجيه حركة الجهاز واستجابته.

ويتيح تطبيق «MyDyson» للمستخدم مشاهدة داخل الفم مباشرةً، مع إرشادات عن مدة التنظيف والمناطق التي تغطيها الفرشاة وطريقة استخدامها. وبذلك تضيف الكاميرا بُعداً بصرياً إلى متابعة الوقت والضغط، قد يساعد المستخدم على فهم ما يجري داخل فمه وتوجيه عنايته اليومية بصورة أدق.

تأتي هذه الفرشاة ضمن تحول أوسع في العناية بصحة الفم خارج العيادة. فقد وجدت مراجعة نُشرت في «Journal of Dentistry» في أغسطس (آب) 2026، وشملت 305 دراسات، أن التقنيات الرقمية تجاوزت التثقيف وتعديل السلوك إلى مراقبة اللويحة الجرثومية، واستكشاف إمكانات الكشف عن التسوس وأمراض اللثة والغشاء المخاطي وتقييم أخطارها.

• مراجعات علمية. غير أن هذه التطبيقات لا تقف على أرضية علمية واحدة. فقد وجدت المراجعة أن تقنيات الوقاية الأولية أكثر نضجاً، بينما يحتاج كثير من أدوات الكشف المبكر إلى مزيد من التحقق السريري. وهذا فارق أساسي: فنجاح أداة في تحسين عادات التنظيف لا يثبت قدرتها على اكتشاف المرض.

وتوضح مراجعة أخرى، نُشرت في «International Dental Journal» في يوليو (تموز) 2026، ملامح هذا الاتجاه. فمن بين 43 دراسة عن الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان الوقائي، تناولت 23 دراسة التنبؤ بمخاطر التسوس، وست أخطار أمراض اللثة، وسبع الكشف الآلي عن اللويحة، فيما بحثت دراستان تحليل طريقة التنظيف. وتكشف هذه الأبحاث اهتماماً بمراقبة عوامل الخطر والسلوك اليومي، لكنها لا تعني أن فرشاة بعينها تستطيع أداء هذه الوظائف مجتمعة.

وقد مهَّد طب الأسنان عن بُعد لهذا المسار، باستخدام الهواتف والكاميرات الرقمية والكاميرات داخل الفم لنقل الصور وتقييمها خارج العيادة. أما إدماج الكاميرا في الفرشاة، فيفتح احتمال متابعة التغيرات في أثناء العناية اليومية، بدلاً من الاقتصار على صور متفرقة.

ومن هنا ينشأ السؤال: هل يستطيع جيل لاحق رصد موضع تتكرر فيه اللويحة، أو تغير في اللثة يستدعي مراجعة الطبيب؟ الانتقال من التعرف على فراغ بين سنين إلى تمييز تغير مرضي يحتاج إلى أدلة واختبارات مختلفة. لذا تبقى المراقبة الصحية المحتملة أفقاً بحثياً، وليست قدرة تشخيصية مثبتة لهذا الجهاز.

الكاميرا ليست طبيب أسنان

• الدقة لا تعني التشخيص. الخوارزمية التي ترى الأسنان، لا يعني أنها تفهم المرض. فالتعرف على فراغ أو تغير في الصورة يختلف عن تشخيص تسوس أو التهاب لثة أو آفة تحتاج إلى علاج. إذ يجمع الطبيب بين الفحص والتاريخ المرضي، وقد يستعين بالأشعة واختبارات أخرى. ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بين توجيه التنظيف وإصدار حكم طبي.

ولا تكفي الدقة المرتفعة في تحليل الصور لإثبات الصلاحية السريرية. فذلك يحتاج إلى دراسات مستقلة تقارن النتائج بمعايير تشخيصية مرجعية، وتشمل أشخاصاً بأعمار وحالات فموية مختلفة. ويشمل التقييم أيضاً تحديد مواضع الخطأ، والفئات الأكثر عرضة له، وعواقبه على قرارات العناية والعلاج.

وتوضح مراجعة منهجية لتقنيات التقييم الرقمي للويحة السنية هذه الفجوة. فرغم الارتباط القوي بين نتائج بعض الأدوات الرقمية والطرق المرجعية، ظل اليقين الإجمالي للأدلة منخفضاً جداً؛ ما يحد من تعميم النتائج واعتماد هذه الأدوات بديلاً مستقلاً عن التقييم السريري.

وتصبح عواقب الخطأ أوضح حين يرسل الجهاز تنبيهاً عن مرض محتمل، أو يصمت عنه. فالإنذار الكاذب قد يثير القلق ويدفع إلى فحوص غير ضرورية، بينما قد يؤخر الاطمئنان الكاذب زيارة الطبيب. لذلك لا يكفي غياب التنبيه للاطمئنان إلى سلامة الفم.

• الخصوصية داخل الحمام. تقول «دايسون» إن الكاميرا تعمل في أثناء المشاهدة الحية أو التوجيه التلقائي للسائل، وإن الصور لا تُسجل ولا تُخزن في التطبيق أو تُرفع إلى السحابة، بل تُحذف بعد المشاهدة، فيما تُعالج بيانات التنظيف محلياً. ويقترب هذا النهج من مبدأ «الخصوصية حسب التصميم»، أي بناء الحماية ضمن آلية عمل الجهاز منذ البداية.

وتزداد أهمية هذا المبدأ حين تدخل الكاميرا إلى أداة للعناية اليومية بالجسم. فصور الفم تحمل تفاصيل عن الأسنان واللثة والترميمات، وقد تستخلص منها الخوارزميات مؤشرات صحية إضافية. ومن حق المستخدم معرفة البيانات التي تُجمع، ومكان معالجتها، ومدة بقائها، ومن يطّلع عليها، وكيف يحذفها أو يمنع مشاركتها.

وقد أبرزت مراجعة للجوانب القانونية للصحة الفموية الرقمية قضايا أمن البيانات، والسرية والموافقة والمسؤولية. لذلك ينبغي تقييم حماية المعلومات ضمن جودة الجهاز وسلامته، مع تقديم شروط واضحة يفهمها المستخدم قبل الموافقة عليها.

• هل نحتاج إلى هذا الذكاء. حذرت الجمعية البريطانية لطب الأسنان، تعليقاً على إطلاق الجهاز، من الاعتقاد بأن أحدث الأجهزة وأغلاها تحل جميع مشكلات صحة الفم. فمهما تطورت التكنولوجيا، تظل الوقاية قائمة على إزالة اللويحة بانتظام، وتنظيف المسافات بين الأسنان، وضبط عوامل الخطورة، وإجراء الفحوص الدورية.

وتُقاس قيمة الفرشاة بما تحققه في الاستخدام اليومي: هل تساعد على تنظيف أفضل وعادات أكثر انتظاماً؟ وهل تؤكد الدراسات المستقلة فائدتها وسلامتها؟ فسرعة معالجة الصور ودقة توجيه السائل إنجازان تقنيان، لكن إثبات أثرهما في صحة الفم يحتاج إلى أدلة سريرية.

بدأت الفرشاة أداة ميكانيكية، ثم أصبحت تقيس الوقت والضغط، وها هي تبدأ في رؤية ما تنظفه. وقد تمنحها هذه القدرة دوراً أوسع في الوقاية المنزلية، متى ثبتت فائدتها وحُميت بيانات مستخدميها واتضحت حدودها. أما نجاحها الحقيقي، فسيكون في مساعدة الإنسان على العناية بفمه ومعرفة متى يحتاج إلى الطبيب، دون أن تمنحه ثقة تتجاوز ما تستطيع إثباته.

نجاحها الحقيقي سيكون في مساعدة الإنسان على العناية بفمه ومعرفة متى يحتاج إلى الطبيب


لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟
TT

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لطالما لاحظ الأطباء أن الرجال والنساء لا يتعرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها؛ فبعض أمراض القلب الخلقية تكون أكثر شيوعاً أو أشد خطورة لدى الإناث بينما تصيب الذكور بصورة مختلفة. ورغم عقود من الأبحاث ظل السبب البيولوجي وراء هذه الفروق غير واضح.

«درع وراثي»

واليوم، توصل باحثون من جامعة نورث كارولاينا في الولايات المتحدة إلى اكتشاف قد يفسر هذا اللغز؛ فقد أظهرت دراسة جديدة نُشرت في دورية «Genes & Development»، في الأول من يوليو (تموز) 2026، أن قلب الأنثى يعتمد على بروتين يعمل بمثابة «درع وراثي» أساسي أثناء نموه، في حين يستطيع قلب الذكر أن يتطور بصورة طبيعية إلى حد كبير، حتى في غياب البروتين.

ويُعرف هذا البروتين باسم «DDX3X» ويُنتجه جين يقع على الكروموسوم «إكس» (X). وفي تجارب أُجريت على الفئران وجد الباحثون أن حذف هذا الجين من خلايا عضلة القلب النامية أدى إلى إصابة الأجنة الأنثوية بفشل قلبي حاد انتهى بوفاتها قبل الولادة، بينما واصل الذكور الذين يحملون التغير الجيني نفسه نموهم الطبيعي ونجوا حتى الولادة.

وتقول كايلا ماسون الطبيبة بقسم بيولوجيا الخلية وعلم وظائف الأعضاء في الجامعة الباحثة الرئيسة في الدراسة: «أحدث التغيير الجيني نفسه نتيجتين مختلفتين تماماً بحسب الجنس؛ فبالنسبة إلى قلب الأنثى يُعد بروتين (DDX3X) ضرورياً للحياة، بينما يستطيع قلب الذكر الاستغناء عنه إلى حد كبير».

> «قراءة» الجينات ليست المشكلة في الجينات، بل في كيفية قراءتها؛ فهذه الدراسة تقلب مفهوماً راسخاً في علم الوراثة؛ إذ تشير إلى أن الأمراض الوراثية لا تنجم دائماً عن خلل في الشفرة الجينية للحمض النووي (DNA) نفسها، بل قد تكون نتيجة عجز الخلية عن قراءة هذه الشفرة بصورة صحيحة.

إن الجينات تحمل المخطط الأساسي لبناء أعضاء الجسم، لكن هذا المخطط لا يصبح ذا قيمة إلا بعد ترجمته إلى بروتينات، وهي الجزيئات التي تنفذ معظم وظائف الخلية. وهنا يبرز الدور المحوري لبروتين «DDX3X» الذي يعمل مساعداً أساسياً في عملية ترجمة التعليمات الوراثية إلى بروتينات فعالة.

إلا أن المهمة ليست سهلة دائماً؛ فبعض جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) تلتف لتكوّن تراكيب معقدة تعيق آلة تصنيع البروتين داخل الخلية وكأنها عُقَد يصعب فكها. ويعمل بروتين «DDX3X» أشبه بـ«مفتاح جزيئي» يفكّ هذه العقد ما يتيح للريبوسومات ribosomes قراءة التعليمات الوراثية وإنتاج البروتينات الضرورية لنمو القلب بصورة سليمة.

وعندما يغيب هذا البروتين، تتعثر عملية الترجمة وتنخفض مستويات عدد من البروتينات الحيوية التي يعتمد عليها القلب في التكوين والعمل.

واكتشف الباحثون أيضاً أن قلوب الإناث تمتلك بصورة طبيعية مستويات أعلى من بروتين «DDX3X» مقارنةً بقلوب الذكور، لأن الجين المسؤول عن إنتاجه يفلت من آلية بيولوجية تُعطّل عادة إحدى نسختي الكروموسوم «إكس» لدى الإناث. ويبدو أن هذه «الجرعة الإضافية» من البروتين تمثل درعاً وراثياً يمنح القلب النامي الحماية التي يحتاج إليها خلال المراحل الحرجة من تكوينه.

> ماذا يحدث عند فقدان هذا الدرع؟ وعندما حذف الباحثون بروتين «DDX3X»، انهار إنتاج عدد من البروتينات الأساسية المسؤولة عن تكوين عضلة القلب وتنظيم الإشارات الكهربائية التي تنسق نبضاته. ونتيجة لذلك تشكلت ألياف عضلة القلب لدى الأجنَّة الأنثوية بصورة غير منتظمة واضطربت نبضات القلب، ثم انتهى الأمر بفشل قلبي أدى إلى وفاة الأجنة قبل الولادة.

أما الأجنّة الذكور فلم تظهر عليها هذه التأثيرات الخطيرة، رغم امتلاكها التغير الجيني ذاته، وهو ما يكشف عن اختلاف بيولوجي جوهري بين الجنسين.

تفسير الأمراض البشرية

تنسجم هذه النتائج مع ما يلاحظه الأطباء في العيادات، إذ تختلف معدلات الإصابة وشدَّة بعض أمراض القلب الخلقية بين الذكور والإناث.

> تفسير حالتين وراثيتين كما قد تساعد الدراسة في تفسير حالتين وراثيتين معروفتين؛ الأولى هي «متلازمة تيرنر» Turner syndrome التي تُولَد فيها الفتيات بكروموسوم «إكس» واحد فقط، ويعاني معظمهن من عيوب خلقية في القلب. أما الثانية فهي متلازمة «DDX3X» الناتجة عن طفرات في هذا الجين التي تصيب الإناث في الغالب، ويظهر لدى بعض المصابات بها تشوهات قلبية.

ويعتقد الباحثون أن نموذج الفئران الذي طوروه يقدم لأول مرة تفسيراً بيولوجياً لهذه الظاهرة.

> رؤية جديدة لاختلاف أمراض القلب بين الجنسين يرى العلماء أن نتائج الدراسة تمثل تحولاً في فهم أسباب اختلاف أمراض القلب بين الذكور والإناث؛ فبدلاً من التركيز على الطفرات الوراثية وحدها تشير النتائج إلى أن الطريقة التي تُترجم بها المعلومات الوراثية إلى بروتينات قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير القلب أثناء نموه.

ويقول البروفسور فرانك كونلون من قسم الأحياء وعلم الوراثة بمعهد ماك أليستر للقلب جامعة كارولينا الشمالية كبير الباحثين في الدراسة إن هذه النتائج تمثل نموذجاً جديداً لفهم الفروق بين الجنسين في أمراض القلب. فالجين المرتبط بالكروموسوم «إكس» لا يغيّر المخطط الوراثي، بل يتحكم في مدى كفاءة قراءة هذا المخطط.

ويعتقد الباحثون أن بروتين «DDX3X» قد يكون واحداً من مجموعة أوسع من البروتينات المنظمة التي تفسر أسباب اختلاف تطور القلب، وربما أعضاء أخرى بين الذكور والإناث. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج لدى البشر فقد تمهّد الطريق لتطوير وسائل أكثر دقة لتشخيص أمراض القلب الخلقية وعلاجها تأخذ في الاعتبار الاختلافات البيولوجية بين الجنسين.

كما تؤكد الدراسة اتجاهاً متنامياً في علم الوراثة، مفاده أن فهم الأمراض لا يعتمد فقط على معرفة الجينات المصابة بل أيضاً على كشف الآليات الجزيئية التي تتحكم في كيفية قراءة هذه الجينات داخل الخلايا، وهي آليات قد تحمل مفتاح علاجات المستقبل.


الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يمنح الذكاء الاصطناعي أبحاث إطالة العمر مساراً مستقبلياً جديداً من خلال توفير أدوات أفضل لتحديد التدخلات المحتملة، وطرق أكثر فاعلية لدراسة تأثيرات تلك التدخلات على البشر، كما كتب د. أليكس جافورونكوف. (*)

تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة

وتُبرز نتائج بحثين صدرت أخيراً عن فريقنا العلمي وشركائنا الأكاديميين، هذا التطور، حيث قدمنا في دورية «سيل» (Cell) ​​أدوات مفتوحة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يساعد الباحثين على تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة . أما في دورية «نيتشر بايوتكنولوجي» (Nature Biotechnology)، فقد بحثنا في كيفية دمج «قياسات الشيخوخة» المستمدة من عينات الدم ضمن التجارب السريرية لعقار طُوِّر باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أنه لا يمكننا الجزم حالياً بأن هذا العقار سيطيل عمر أي شخص، فإن هذه الدراسات تشير إلى مستقبل واعد في مجال تطوير الأدوية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد علاجات محتملة، مع دراسة تأثيرات تلك العلاجات على بيولوجيا الشيخوخة بالتوازي مع تأثيراتها على الأمراض التي صُممت هذه الأدوية لعلاجها.

الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الاكتشاف

إن الذكاء الاصطناعي قادر على توسيع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه، بينما تظل التجارب العلمية الدقيقة والتجارب السريرية هي السبيل لتحديد أي من هذه التطورات يؤدي فعلياً إلى تحسين الصحة. وهكذا، يمكن لأدوات البحث المتاحة اليوم أن تصبح حجر الأساس لأدوية الغد.

أعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في نهاية المطاف في مضاعفة متوسط ​​عمر الإنسان. لكن هذا يظل طموحاً، وليس توقعاً يمكننا إثبات صحته اليوم. أما الفرصة المتاحة حالياً فهي تطوير أدوية أفضل، وبناء البنية التحتية اللازمة لاختبارها.

اكتشاف الأدوية يسير وفق إيقاعين

يعتمد اكتشاف الأدوية على إيقاعين: أحدهما حاسوبي، والآخر بيولوجي.

الإيقاع الحاسوبي. يسير الإيقاع الحاسوبي بسرعة كبيرة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات البيولوجية، وتحديد الأهداف الدوائية المحتملة، وتوليد هياكل كيميائية، ومساعدة العلماء في اتخاذ قرارات بشأن التجارب التي ينبغي إجراؤها، ما يوسع آفاق الاحتمالات التي يمكن للباحثين استكشافها.

أمّا الإيقاع البيولوجي فيسير بوتيرة مختلفة، إذ يتطلب الأمر تصنيع الجزيء واختباره، والتأكد من وصوله إلى الأنسجة المستهدفة، وعمله وفقاً للمتوقع، وخلوه من الآثار الضارة. كما تتطلب الدراسات البشرية استقطاب المشاركين، وتحديد الجرعات المناسبة، وإجراء متابعة كافية لتقييم السلامة والفوائد.

تجربة مع عقار

وتُعد تجربتنا مع عقار «رينتوسيرتيب» (rentosertib) مثالاً يوضح هذا التمييز، فقد طُوِّر هذا العقار لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب idiopathic pulmonary fibrosis، وهو مرض يؤدي إلى تندب الرئتين بشكل تدريجي. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد هدف بيولوجي وتصميم جزيء يستهدفه. وتوصلنا خلال 18 شهراً إلى مادة «ما قبل سريرية» مُرشحة لهذا الهدف. كان ذلك بمنزلة إنجاز مهم في مجال الاكتشاف، وليس دواءً نهائياً. ثم تلت ذلك دراسات مختبرية وتجارب سريرية. وأظهرت دراسة المرحلة الثانية (A) تحسناً مُشجعاً في وظائف الرئة، وقد انتقل البرنامج الآن إلى المرحلة الثالثة من الاختبارات. وتُجيب كل مرحلة عن أسئلة لم تستطع المرحلة السابقة الإجابة عنها.

بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين والمستثمرين يعني هذا قياس التقدم وفقاً للمعايير الصحيحة. فالتنبؤ الأسرع، والتجربة الواعدة، والتجربة السريرية الناجحة، كلها إنجازات مختلفة. إلا أن وضعها جميعاً على جدول زمني واحد قد يؤدي إلى خلق توقعات غير واقعية حول موعد استفادة المرضى.

«تصغير الأعمار»

طبّق التحليل المنشور في Nature Biotechnology المذكور آنفاً ستة نماذج لتقدير العمر البروتيني على عينات دم من مجموعة فرعية من المشاركين في تجربة «رينتوسرتيب». وتُقدّر هذه النماذج العمر البيولوجي من أنماط البروتينات المنتشرة في الدم. وقد رصدت إمكانات إحداث تحولات علاجية بهدف خلق أنماط أصغر سناً. لكن هذه النتيجة تستحق مزيداً من البحث. ولا تعني بالضرورة أن المرضى يمكن أن يصبحوا أصغر سناً بسنوات. وكان التحليل استكشافياً، وشمل 42 شخصاً مصاباً بمرض رئوي خطير، وامتد لفترة مراقبة قصيرة.

يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين التجارب السريرية

هناك مجال واسع لجعل التطوير السريري أكثر كفاءة. فتحسين تصميم البروتوكولات (العلاجية)، وزيادة فاعلية التوظيف، وتسريع مراجعة البيانات من شأنه أن يقلل من التأخيرات التي يمكن تجنبها. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في اختيار القياسات المفيدة وتحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة.

لكن الكفاءة لا تُجيب عن جميع التساؤلات البيولوجية. فقد لا يظهر أثر جانبي نادر إلا بعد أن يتلقى عدد كافٍ من الأشخاص الدواء. لذا فإن النتيجة تتطلب تحقيق فائدة مستدامة.

إنني لا أزال متفائلاً بشأن إمكانية إطالة العمر بشكل جذري. أتوقع أن يتحقق التقدم من خلال أجيال متتالية من الأدوية والتشخيصات والتقنيات الأخرى التي تقي من الأمراض وتعيد الوظائف الحيوية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تطوير هذه التطورات ودمجها.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنسيليكو ميديسن»، مجلة «فاست كومباني».