تحالفات دولية في مهب ولاية ترمب الثانية

خشية من أن تؤدي سياساته إلى إعادة تشكيل النظام العالمي

أنصار ترمب بمسيرة النصر في وست بالم بيتش بفلوريدا الأحد (أ.ف.ب)
أنصار ترمب بمسيرة النصر في وست بالم بيتش بفلوريدا الأحد (أ.ف.ب)
TT

تحالفات دولية في مهب ولاية ترمب الثانية

أنصار ترمب بمسيرة النصر في وست بالم بيتش بفلوريدا الأحد (أ.ف.ب)
أنصار ترمب بمسيرة النصر في وست بالم بيتش بفلوريدا الأحد (أ.ف.ب)

مع عدم القدرة على التنبؤ بخطط الرئيس المنتخب، دونالد ترمب، واستعداده لقلب المعايير الراسخة، فإن ولايته الثانية قد تقود إلى موجة من التغييرات الجذرية، ما سيؤدي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي كما نعرفه. فالتساؤلات كثيرة حول موقفه من منظمة التجارة العالمية ومن حلف «الناتو»، واتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي، ناهيك بالتحالفات التي أبرمتها إدارة جو بايدن، مثل «إيكوس» و«الكواد»، وأفكاره لتنفيذ وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب في العالم.

حلف «الناتو»

تباهى ترمب بأنه أصر خلال إدارته السابقة على إلزام الدول الأعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

«أميركا أولاً» الشعار الذي يرفعه ترمب وأنصاره في مواجهة منظمة التجارة العالمية وفي مواجهة الصين والدول الأوروبية والمكسيك (أ.ب)

وخلال حملته الانتخابية، هدد ترمب بزيادة الضغوط على الحلف، وتقليص الدعم الأميركي ولمح إلى احتمالات الانسحاب قائلاً: «إذا لم يدفع الحلفاء، فهل نظل نحميهم؟ بالتأكيد لا»، وقال إنه سيشجع روسيا على فعل ما تريد «ما دام حلفاء (الناتو) لا ينفقون ما يكفي على الدفاع».

ولم يقل ترمب صراحة إنه ينوي الانسحاب من «الناتو»، لكنّ مقربين منه أوضحوا أنه ناقش الأمر كثيراً مع مستشاريه. ويشير محللون إلى أن ترمب لا يمكنه الانسحاب من الحلف من دون موافقة الكونغرس، حيث يتطلب الأمر موافقة ثلثي مجلس الشيوخ على أي قرار رئاسي للخروج، لكنّ محللين آخرين يخشون من قدرة ترمب على الالتفاف على هذا التشريع باستخدام السلطات الرئاسية على السياسة الخارجية، لأنه إذا أعلن انسحاب بلاده من «الناتو»، فإنه من غير الواضح ما إذا كان الكونغرس يتمتع بوضع قانوني لمقاضاة ترمب، أم لا، خصوصاً أن المحكمة العليا أقرت بأن الصراعات المؤسسية بين أفرع الحكومة في مسائل سياسية يجب حلها من خلال العملية السياسية، وليس من خلال التدخل القضائي.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (أرشيفية - أ.ب)

ونية الانسحاب من «الناتو» ليست وليدة اللحظة لدى ترمب، فقد أعلن في مايو (أيار) 2020 عن تلك الرغبة، وأصدر المستشار القانوني لوزارة العدل في ذلك الوقت، ستيفن إنجل، تفسيراً يمنح الرئيس سلطة تقديرية في إدارة الشؤون الخارجية، وتنفيذ أو إنهاء معاهدات من دون قيود يفرضها الكونغرس على القرارات الدبلوماسية.

ويحذر الديمقراطيون من قدرة ترمب على تقويض الحلف من دون الانسحاب رسمياً منه، من خلال حجب السفراء أو منع القوات الأميركية من المشاركة في التدريبات العسكرية للحلف.

ويقول باري بوسن، أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الدول الأعضاء بالحلف ستحتاج إلى الانخراط في دبلوماسية ذكية لتغيير رأي ترمب، وفي الوقت نفسه إعادة ترتيب ميزانيتها الوطنية بسرعة لإيجاد موارد عسكرية إضافية إذا كانوا يأملون في إنقاذ الحلف.

ويرجح خبراء آخرون أن يطالب ترمب الدول بزيادة مساهمتهم إلى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال قمة الحلف المقبلة بلاهاي في يونيو (حزيران) المقبل، مقابل عدم الانسحاب الأميركي من الحلف. ويتشكك آخرون في نية ترمب الانسحاب من «الناتو»، ويقولون إنه لا يريد أن يذكره التاريخ بأنه الرئيس الأميركي الذي فكك التحالف الغربي.

الانسحاب من اتفاقية المناخ

ومن شبه المؤكد أن ينسحب الرئيس ترمب من اتفاقية باريس للمناخ. وقد أوضحت حملته الرئاسية خلال الصيف الماضي، أنه سينسحب مرة أخرى ويتراجع عن كثير من القرارات التي أصدرتها إدارة بايدن بشأن سياسات المناخ.

وتعهد ترمب بمزيد من الحفر لاستخراج النفط والغاز، وتعهد بخفض تكاليف الطاقة والكهرباء بنسبة 50 في المائة خلال عامه الأول بالبيت الأبيض، من خلال إطلاق العنان لقطاع الطاقة، وتعزيز سياسات دعم شركات النفط، واختيار شخصيات لمناصب حكومية في إدارته مثل لي زيلدين، لقيادة وكالة حماية البيئة، وكريس رايت الرئيس التنفيذي لشركة «ليبرتي إنرجي»، في منصب وزير الطاقة، وهما من أبرز الأصوات المعادية للتغير المناخي والمؤيدة للانسحاب من اتفاقية باريس.

ناشطون يحضرون فعالية مشتركة في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP29) في باكو (إ.ب.أ)

ولدى الرئيس المنتخب شكوك راسخة حول التأثير السلبي لهذه الاتفاقية على الشركات الأميركية والنمو الاقتصادي، وقد سبق له خلال رئاسيته في عام 2017 أن أعلن انسحاب بلاده من الاتفاقية، مبرراً ذلك بأنها تضر بالعمل والصناعات الأميركية، وحينما جاء الرئيس بايدن إلى السلطة أعلن إعادة الانضمام للاتفاقية في أول يوم له بمنصبه، وأكد التزام الولايات المتحدة بخفض انبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي.

هذه المخاوف والتساؤلات حول توجهات إدارة ترمب المقبلة كانت واضحة خلال انعقاد مؤتمر المناخ التاسع والعشرين في باكو بأذربيجان، فبعد أن نجحت مؤتمرات سابقة في الحصول على تعهدات للحد من انبعاثات الغازات والتحول لبدائل طاقة متجددة، انخفض الحماس لهذه القمة بعد اعتذار كثير من قادة الدول عن الحضور، وسحب كثير من الدول مفاوضيه، وتشكك الكثيرون في فاعلية هذه القمم المناخية مع مجيء الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة.

منظمة التجارة الدولية

بدأت منظمة التجارة العالمية بالفعل تتحسب لولاية ترمب المقبلة، حيث تخطط لعقد اجتماع نهاية الشهر الحالي لمناقشة إعادة تعيين مديرة المنظمة نجوزي اوكونجو ايويالا، خوفاً من معارضة ترمب لتعيينها، لأنه اتهمها بأنها حليفة الصين في المنظمة وداعمة للدول النامية، وقد سعى ترمب عام 2020 إلى منع ولايتها الأولى، ومنع تعيين القادة في محكمة التحكيم العليا بمنظمة التجارة.

والمسألة هنا تتعدى معارضة الترشيح، فالمنظمة تتحضر أيضاً للتعريفات الجمركية التي ينوي ترمب فرضها سواء على الصين أو على السلع الأوروبية. وقد أعلن ترمب نيته فرض تعريفات جمركية على السلع الصينية بنسبة 60 في المائة وبنسبة 10 في المائة على جميع الواردات الأخرى، وقال إن خططه ستعيد بناء قاعدة التصنيع الأميركية وتزيد من فرص العمل وتجني تريليونات الدولارات الفيدرالية.

وتاريخ ترمب مع منظمة التجارة الدولية مليء بالمطبات والخلافات؛ فقد هدد بالانسحاب من المنظمة خلال ولايته الأولى، واتهم نظام تسوية المنازعات في المنظمة بأنه يتدخل في سياسة الولايات المتحدة، خصوصاً في قضايا مكافحة الإغراق، واتهمها بالعجز عن التعامل مع انتهاكات الصين التجارية.

الأمم المتحدة

إليز ستيفانيك اختارها الرئيس المنتخب دونالد ترمب لمنصب سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة (أ.ب)

وتستعد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لأربع سنوات أخرى من حكم ترمب، بعدما قام في ولايته الأولى بتعليق تمويل وكالات الصحة وتنظيم الأسرة التابعة للأمم المتحدة، وانسحب من منظمة «اليونيسكو» ومجلس حقوق الإنسان، مدعياً أنهما متحيزان ضد إسرائيل، كما هدد بتقليص الأموال الأميركية للمنظمة، حيث تعد الولايات المتحدة أكبر مانح وتدفع 22 في المائة من ميزانيتها.

ويقول الخبراء إن اختيار إليز ستيفانيك لمنصب سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، يعني مزيداً من الضغوط على المنظمة، حيث دعت ستيفانيك إلى إعادة تقييم التمويل الأميركي للأمم المتحدة، وحثت على وقف الدعم لوكالة «الأونروا».

«إيكوس» و«الكواد»

وحمل فوز ترمب بالانتخابات مخاوف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث عمل بايدن على بناء تحالفات قوية واتفاقات ثنائية وثلاثية ورباعية تركز على معالجة التحديات الأمنية والتكنولوجيا الإقليمية. وقد تحولت ترتيبات مثل «الكواد» و«إيكوس» من جهد دبلوماسي إلى شراكات تركز بصورة أكبر على الأمن السيبراني والأمن البحري والتعاون الاقتصادي. فقد تطور تحالف «الكواد» إلى شكل أكثر قدرة على مقاومة النفوذ الصيني المزداد، وزاد تحالف «إيكوس» مستويات التعاون بين أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، خصوصاً في التعامل مع الإجراءات العدوانية البحرية من جانب الصين، وفي إنشاء مبادرات للتعاون بمجال الذكاء الاصطناعي.

ويقول المحللون إن هذه التحالفات قد تواجه تهديدات كبيرة خلال ولاية ترمب الثانية، لأنه غالباً ما يرفض التعددية، كما تختلف أولويات ترمب عن أولويات بايدن الذي عمل على بناء بنية أمنية قادرة على الصمود في مواجهة صعود الصين.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تستأنف نظام الإنذار المبكر عقب مكالمة بين زيلينسكي وروبيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في أوسلو يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أوكرانيا تستأنف نظام الإنذار المبكر عقب مكالمة بين زيلينسكي وروبيو

أعلن الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الثلاثاء)، أن كييف تلقت إنذارات مبكرة من شركائها بعد هجمات روسية تم شنّها دون سابق إنذار.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: سأكون قد أنفقت 400 مليون دولار بحلول نوفمبر لدعم الجمهوريين

كشف الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، الثلاثاء، أنه سيكون قد أنفق أكثر من 400 ‌مليون ‌دولار ​لدعم ‌المرشحين ⁠الجمهوريين ​بحلول انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا زيلينسكي مع ملك النرويج هاكان (أ.ف.ب) p-circle

اتهامات متبادلة بين كييف وواشنطن بشأن الدعم الأميركي والصواريخ الاعتراضية

زيلينسكي يتحدث مع روبيو بشأن نظام «ستارشيلد» ويلتقي ويتكوف لإصلاح العلاقات مع واشنطن نتيجة الاتهامات المتبادلة بين الطرفين

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصافح نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار بحضور السفير الأميركي لدى الهند سيرجيو غور خلال حفل استقبال بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الهند في مركز جيو العالمي للمؤتمرات في مومباي - الهند (رويترز)

روبيو وجايشانكار لاتفاق وشيك حول الطاقة والتجارة بين أميركا والهند

اقترب وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والهندي سوبرامانيام جايشانكار من التوصل لاتفاق لتعزيز التعاون في الطاقة والتجارة بعد أشهر من التوترات بين بلديهما.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية بالقرب من محطة كوزمينو بخليج ناخودكا في روسيا (رويترز)

عودة الديزل الروسي إلى الأسواق بعد رفع حظر التصدير

تشير بيانات الشحن الصادرة عن شركتي «كبلر» و«إل إس إي جي» إلى أن شحنات الديزل الروسي بدأت في العودة إلى وجهاتها الرئيسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

عودة «بوينغ 737 ماكس 10»... هل ينهي الطراز الأكبر لعنة الحوادث والتأخير؟

طائرة بوينغ 737 ماكس 10 (أسوشييتد برس)
طائرة بوينغ 737 ماكس 10 (أسوشييتد برس)
TT

عودة «بوينغ 737 ماكس 10»... هل ينهي الطراز الأكبر لعنة الحوادث والتأخير؟

طائرة بوينغ 737 ماكس 10 (أسوشييتد برس)
طائرة بوينغ 737 ماكس 10 (أسوشييتد برس)

لم تكن رحلة طائرة «بوينغ 737 ماكس 10» نحو الأجواء مجرد مسار تقليدي لتطوير طراز جديد، بل تحولت إلى واحدة من أعقد الملاحم التنظيمية والصناعية في تاريخ الطيران المدني الحديث.

فبينما كانت شركة «بوينغ» الأميركية العملاقة، التي تأسست عام 1916 وتعد أحد أعمدة الاقتصاد الأميركي ورمزاً لصناعات الفضاء والدفاع العالمية، تسعى لترسيخ هيمنتها، واجهت أزمة وجودية عصفت بسمعتها وكادت تطيح بمستقبل عائلتها الأكثر مبيعاً من الطائرات ضيقة البدن.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من التجميد والتأجيل، تأتي الموافقة النهائية لتفتح صفحة جديدة في سجل الطائرة التي وُلدت من رحم المنافسة الشرسة، لكنها تعثرت في شباك السلامة والرقابة الصارمة.

ولادة من رحم الصراع التنافسي

بدأت قصة عائلة «737 ماكس» كاستجابة دفاعية سريعة من «بوينغ» لمواجهة النجاح الكاسح الذي حققته غريمتها الأوروبية «إيرباص» بإطلاق طراز «A320neo» الموفر للوقود. ولكي تتجنب الشركة الأميركية تكاليف تصميم طائرة جديدة بالكامل من الصفر، والتي كانت ستحتاج إلى نحو عقد من الزمن، فضلت إجراء تعديلات جذرية على هيكل طائرتها التاريخية «737».

تم تزويد الطراز الجديد بمحركات «LEAP-1B» الأكبر حجماً والأكثر كفاءة، ودُفعت تلك المحركات إلى الأمام وإلى الأعلى قليلاً لتناسب قصر قوائم الهبوط في التصميم القديم.

وضمن هذه العائلة، تمثل «ماكس 10» الذروة الهندسية كأطول طائرة في تاريخ هذا الطراز، حيث صُممت خصيصاً لتتسع لنحو 230 راكباً، بهدف مقارعة طائرة «إيرباص A321neo» التي استأثرت بحصة الأسد في سوق الرحلات المتوسطة.

الصدمة الوجودية ولعنة نظام «مكاس»

لكن هذه التعديلات الهندسية غيرت الخصائص الديناميكية للطائرة، مما دفع «بوينغ» إلى تطوير نظام برمجيات سري يُعرف باسم «نظام تعزيز خصائص المناورة» أو ما بات يشتهر عالمياً بنظام «مكاس» (MCAS).

كان الهدف من هذا النظام هو دفع مقدمة الطائرة لأسفل تلقائياً لتجنب حدوث حالة الانهيار أو الـStall.

ولم تمر أشهر قليلة على دخول عائلة «ماكس» الخدمة حتى وقعت الكارثة، حيث تسبب هذا النظام، بناءً على قراءات خاطئة من مستشعر واحد، في تحطم طائرة الخطوط الجوية الإندونيسية «ليون إير» في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، تلتها بأشهر قليلة كارثة مماثلة لطائرة الخطوط الإثيوبية في مارس (آذار) 2019.

أسفر الحادثان عن مقتل 346 شخصاً، ليدخلا قطاع الطيران في صدمة غير مسبوقة كشفت عن أخطاء تصميمية فادحة وتعتيم تنظيمي كلّف الشركة المليارات.

قرار التجميد وعقود من التدقيق الهرمي

في أعقاب الكارثة الثانية، اتخذت سلطات الطيران العالمية قراراً تاريخياً وغير مسبوق بمنع تحليق جميع طائرات «737 ماكس» حول العالم، وهو التوقف الذي استمر لنحو عشرين شهراً بالنسبة للطرازات الأصغر.

أما الطراز الأكبر «ماكس 10»، فقد دفع الثمن الأكبر، إذ تزامن جدول اعتماده مع انهيار الثقة بين «بوينغ» وإدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA).

وتحت ضغط الكونغرس والرأي العام، تخلت السلطات التنظيمية عن أسلوبها القديم في تفويض المهام لمهندسي «بوينغ»، وأخضعت طائرة «ماكس 10» لتدقيق مجهري شمل إعادة مراجعة شاملة لبرمجيات الطائرة، وتعديل أنظمة تنبيه الطيارين، وحل مشكلات هندسية معقدة مثل نظام منع تكون الجليد في المحركات، مما أدى إلى تأجيل دخولها الخدمة الذي كان مقرراً عام 2020 لسنوات متتالية.

العودة والرهان على استعادة الثقة

ومع صدور الاعتماد الرسمي النهائي من إدارة الطيران الفيدرالية، يبدو أن طائرة «ماكس 10» تستعد أخيراً لقص شريط البداية الحقيقية مع ترقب بدء عمليات التسليم التجاري بحلول عام 2027.

لا يمثل هذا الاعتماد مجرد رخصة للطيران، بل هو بمثابة صك غفران فني تحتاجه «بوينغ» لإقناع الأسواق العالمية بأنها استعادت بوصلة الجودة والسلامة التي ميزتها لعقود.

ومع وجود أكثر من 1500 طلبية مؤكدة من كبرى شركات الطيران العالمية مثل «يونايتد» و«دلتا» و«رايان إير»، فإن هذه الطائرة لا تحمل الركاب فحسب، بل تحمل على متنها الآمال الاقتصادية لعملاق صناعي أميركي يحاول جاهداً الخروج من نفق الأزمات المظلم ومسابقة الزمن للحاق بركب المنافسة العالمية.


ترمب: سأكون قد أنفقت 400 مليون دولار بحلول نوفمبر لدعم الجمهوريين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: سأكون قد أنفقت 400 مليون دولار بحلول نوفمبر لدعم الجمهوريين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

كشف الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه سيكون قد أنفق أكثر من 400 ‌مليون ‌دولار ​لدعم ‌المرشحين ⁠الجمهوريين ​بحلول انتخابات التجديد النصفي ⁠في الكونغرس في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وكتب ⁠ترمب على ‌منصة «تروث ‌سوشيال» ​للتواصل ‌الاجتماعي: «أنفقت أكثر من ‌300 مليون دولار بالفعل على الإعلانات والتواصل ‌المباشر وغير المباشر مع الناخبين والتجمعات الانتخابية ⁠الحضورية ⁠والجارية عن بعد وساحات التجمعات وبرامج حث الناخبين على التصويت وضمان نزاهة الانتخابات، وغير ذلك».

يأتي ذلك بعدما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إنه ليس بإمكان مجلس النواب إذا قاده الديمقراطيون فعل الكثير ​لوقف سياسة إدارة الرئيس دونالد ترمب.

وأضاف في مقابلة تلفزيونية قبل أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في نوفمبر: «أعتقد أن التحركات محدودة جداً».

وتابع: «لدينا صلاحيات جمركية متينة جداً»، في إشارة إلى معارضة الديمقراطيين لفرض ترمب رسوماً جمركية واسعة النطاق على ‌سلع مستوردة من ‌دول حول العالم.

ويتحدد مستقبل ​السيطرة ‌على ⁠الكونغرس ​مع توجه ⁠الناخبين إلى صناديق الاقتراع في الثالث من نوفمبر لاختيار أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ وحكام الولايات. ويتمتع الحزب الجمهوري حالياً بأغلبية ضئيلة في كل من مجلسي الشيوخ والنواب.

وتأتي هذه الانتخابات في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية ⁠ترمب بسبب طريقة تعامله مع ارتفاع ‌تكاليف المعيشة خلال ‌الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ​على إيران، وأدت إلى ‌زيادة أسعار الوقود. وذكر بيسنت أن جهود ‌وزارة الخزانة لعزل إيران اقتصاديا تؤتي ثمارها.


الأموال تتدفق على المرشحين الجمهوريين... و«اليسار الديمقراطي»

صورة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز على قميص أحد الأشخاص خلال تجمع انتخابي في تكساس (رويترز)
صورة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز على قميص أحد الأشخاص خلال تجمع انتخابي في تكساس (رويترز)
TT

الأموال تتدفق على المرشحين الجمهوريين... و«اليسار الديمقراطي»

صورة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز على قميص أحد الأشخاص خلال تجمع انتخابي في تكساس (رويترز)
صورة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز على قميص أحد الأشخاص خلال تجمع انتخابي في تكساس (رويترز)

ضخّت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري عشرات ملايين الدولارات لدعم مرشحيها في الانتخابات النصفية للكونغرس، معززة بذلك مزاياهم المالية الكبيرة في المنافسات المحتدمة في عدد من الولايات. بينما تلقى المرشحون اليساريون من الديمقراطيين تمويلاً غير مألوف من عدد من الأثرياء.

وأفادت اللجنة الوطنية الجمهورية من قرار أصدرته المحكمة العليا الأميركية في يونيو (حزيران) الماضي يلغي القيود المفروضة على حجم الإنفاق المنسق، الذي يمكن للجان الأحزاب القيام به مع المرشحين، في تغيير جذري لتشريعات خاصة أقرت عام 2010.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن اللجنة الجمهورية، التي دخلت سبتمبر (أيلول) الماضي برصيد بلغ 126 مليون دولار، أنها ستحول أكثر من 50 مليون دولار إلى الهيئات المشرفة على جهود الحزب لانتخاب مرشحي مجلسي النواب والشيوخ. وكذلك أعلنت أنها حوّلت أكثر من 44 مليون دولار بين منتصف أغسطس (آب) الماضي ومنتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إلى لجنتي الحزب الرئيسيتين في مجلسي النواب والشيوخ. ووزّعت الأموال بالتساوي تقريباً بين اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، التي تعمل على انتخاب الجمهوريين لمجلس النواب، ونظيرتها في مجلس الشيوخ، مضيفة أنها سترسل ما لا يقل عن 6 ملايين دولار إضافية إلى هاتين اللجنتين بحلول يوم الانتخابات.

ويأتي هذا الإنفاق في وقت يركز فيه الجمهوريون على الدفاع عن مواقعهم، إذ يخصصون مواردهم لولايات ودوائر كانت تُعدّ حتى وقت قريب معاقل مضمونة للحزب، في ظل تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب الذي بات ينعكس سلباً على حظوظ مرشحيه.

رصيد ضخم

صندوق اقتراع رسمي في الدائرة الانتخابية الـ22 في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

ويعود الفضل في الرصيد الضخم الذي جمعته اللجنة جزئياً إلى حملة تبرعات مكثفة قادها ترمب ونائبه جاي دي فانس، الذي تولى الإشراف على العمليات المالية للحزب. وأعلنت اللجنة أنها جمعت 18.5 مليون دولار في سبتمبر (أيلول) وحده، فيما أفاد مسؤولوها بأن رصيدها تراجع بحلول 14 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 76 مليون دولار.

ولا تعد هذه التحويلات أمراً جديداً، ففي الدورات الانتخابية الأربع الأخيرة حوّلت اللجنة الوطنية الجمهورية ما بين 8 ملايين و31 مليون دولار تقريباً إلى لجنتي الكونغرس. غير أن حجمها هذه المرة تجاوز ذلك كثيراً، مستفيداً من حكم المحكمة العليا ذات الأكثرية المحافظة، الذي يُعدّ على الأرجح أكبر تحول في قواعد تمويل الحملات منذ قرار «مواطنون متحدون» لعام 2010، الذي رفع القيود عن إنفاق الشركات في الانتخابات.

وهذا ما مكّن لجنتي الحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ من توجيه قدر أكبر من أموالهما إلى إعلانات منسقة مع المرشحين مقارنة بنظيرتيهما الديمقراطيتين، إذ بثّتا أو حجزتا إعلانات بقيمة 152 مليون دولار تقريباً عبر عمليات شراء منسقة، كان أكبرها لصالح السيناتور جون هاستد في أوهايو. كما تبث اللجنة الوطنية الجمهورية إعلانات أخرى بقيمة 5 ملايين دولار نسقتها مع حملة النائبة آشلي هينسون لمجلس الشيوخ في أيوا.

وأفاد كبير المسؤولين في اللجنة، مايك أمبروزيني، بأن الإنفاق يوجه الأموال مباشرة إلى الحملات، موضحاً أنه حتى أوائل أكتوبر (تشرين الأول) جرى إنفاق نحو 56 مليون دولار على حملات التوعية وحشد الناخبين، و27 مليوناً على «نزاهة الانتخابات»، و18 مليوناً على جمع البيانات، ونحو 11 مليوناً على العمل الرقمي.

تمويل الديمقراطيين

ناخبون يدلون بأصواتهم خلال التصويت المبكر للانتخابات النصفية للكونغرس في ميامي (إ.ب.أ)

في المقابل، لم تبث اللجان الديمقراطية أو تحجز سوى إعلانات بقيمة 102 مليون دولار تقريباً، كان أكبرها لصالح منافس هاستد، السيناتور السابق شيرود براون. وتعاني اللجنة الوطنية الديمقراطية من عجز نقدي.

غير أن الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي يشهد تدفقاً غير مألوف للأموال. ففي ميشيغان، تبرعت لجنة عمل سياسي جديدة تتعهد بمواجهة التمويل المؤيد لإسرائيل بأكثر من نصف مليون دولار لدعم حملة المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد لمجلس الشيوخ. ويقف خلفها متبرعون شبه مجهولين، لم يسبق لكثير منهم التبرع لأي جهة سياسية قبل العام الماضي، لكنهم ضخّوا منذ ذلك الحين ما يصل إلى مليون دولار لكل منهم.

وفي نيويورك، حرّر الملياردير أليكس سوروس شيكات مباشرة لسياسيين تقدميين، بينهم النائبتان براميلا جايابال من واشنطن وإلهان عمر من مينيسوتا، ضمن ملايين يعتزم هو ووالده جورج سوروس تقديمها لدعم القضايا الديمقراطية هذا العام.

وفي فيلادلفيا، يُنفق نحو مليون دولار من جهات خارجية على إعلانات تلفزيونية لدعم الاشتراكي الديمقراطي كريس راب، تبرز تأييد النائبة ألكساندريا أوكاسيو - كورتيز له، واستعداده للدفاع عن الرعاية الصحية الشاملة.

ورغم ذلك، يظل ما يجمعه اليسار وينفقه جزءاً ضئيلاً مما ينفقه الجمهوريون والمؤسسة الديمقراطية. حتى منظمة «الاشتراكيون الديمقراطيون الأميركيون»، الممولة حصرياً من رسوم العضوية والمعتمدة على المتطوعين، تجرب أساليب جديدة؛ فإلى جانب الرسوم التي تبدأ عادة من 10 دولارات شهرياً، أطلقت خيار «رسوم التضامن» بنسبة 1 في المائة من دخل العضو، تحت شعار «تبرّع بنسبة 1 في المائة من أجل 99 في المائة».

أما منظمة «ديمقراطيو العدالة» فتقول إن هدفها البقاء في دائرة المنافسة في السباقات التي قد يغرق فيها الخصوم التقدميين بالإعلانات. وقال المتحدث باسمها أسامة أندرابي: «لن نملك أبداً الأموال التي تملكها (أيباك) أو العملات المشفرة»، في إشارة إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية لإسرائيل «أيباك» وقطاع العملات المشفرة الذي أنفق أكثر من 90 مليون دولار في هذه الانتخابات. وردّت الناطقة باسم «أيباك» ديرين سوزا بأن المجموعة «منظمة عضوية تضم أفراداً أميركيين، وليست مؤسسة».