مصر تؤكد مجدداً أهمية وقف التصعيد في المنطقة

بدر عبد العاطي خلال محادثات مع وزير خارجية صربيا في الإمارات  (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي خلال محادثات مع وزير خارجية صربيا في الإمارات (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد مجدداً أهمية وقف التصعيد في المنطقة

بدر عبد العاطي خلال محادثات مع وزير خارجية صربيا في الإمارات  (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي خلال محادثات مع وزير خارجية صربيا في الإمارات (الخارجية المصرية)

جددت مصر تأكيدها على أهمية وقف التصعيد والتوترات في المنطقة. وجاء التأكيد المصري خلال محادثات أجراها وزير الخارجية والهجرة المصري، بدر عبد العاطي، على هامش «منتدى صير بني ياس» الخامس عشر في الإمارات.

وتبادل عبد العاطي الرؤى مع نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان، إسحاق دار، السبت، حيال تطورات الأوضاع في قطاع غزة ولبنان، حيث أكد الوزيران «أهمية وقف التصعيد والتوترات في المنطقة، والتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وضمان النفاذ غير المشروط للمساعدات الإنسانية دون عوائق». كما ناقش الوزيران عدداً من القضايا محلّ الاهتمام المشترك على الساحتين الإقليمية والدولية، خاصة إصلاح النظام المالي العالمي وإصلاح مجلس الأمن واستعادة النظام المتعدد الأطراف.

وتحذر مصر بشكل متكرر من «استدراج المنطقة إلى (حرب إقليمية) تؤدى إلى تداعيات وخيمة على شعوب المنطقة». وتكثّف مشاوراتها بهدف احتواء التصعيد الراهن في المنطقة.

كما تشدد مصر على أهمية مضاعفة الاستجابة الإنسانية الدولية لاحتياجات الفلسطينيين بقطاع غزة بالنظر للكارثة الإنسانية التي يعانى منها نتيجة الانتهاكات الجسيمة لجيش الاحتلال الإسرائيلي للقانون الدولي وعرقلة نفاذ المساعدات الإنسانية.

وأكد عبد العاطي ودار «أهمية استمرار التشاور السياسي والتنسيق الدائم من خلال الآليات المختلفة، وكذا الدفع بالتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى آفاق أرحب، لا سيما في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة، بما يحقق المصلحة المشتركة للبلدين».

وزير الخارجية والهجرة يلتقي نظيره الباكستاني في الإمارات (الخارجية المصرية)

وفي لقاء آخر، تناول القضايا الإقليمية والدولية، التقى عبد العاطي مع وزيرة خارجية لاتفيا، بابيا بيريز، السبت، في الإمارات. وأشار إلى «اهتمام بلاده بتعزيز العلاقات مع لاتفيا، والحفاظ على دورية التشاور السياسي بين البلدين لتنسيق المواقف على المستوى الثنائي في مختلف المحافل»، مشيراً إلى «أهمية ترسيخ أسس التعاون بين البلدين ومدها لتشمل آفاقاً أوسع». كما أبدى تطلع مصر لتعزيز التجارة المشتركة بين الجانبين.

وتباحث الوزيران حول آخر التطورات في العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي في ظل علاقات الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الجانبين.

وتُعزز مصر شراكتها الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي. وأكد وزير الخارجية والهجرة المصري، في أغسطس (آب) الماضي، أن «مصر تهدف من الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إلى تعميق جميع أوجه التعاون بين الجانبين على أساس من الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية».

والاتحاد الأوروبي أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر، إذ بلغت صادرات مصر لدول الاتحاد نحو 11.8 مليار دولار عام 2023، بينما بلغت الواردات نحو 19.4 مليار دولار في العام نفسه، وفقاً لبيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء». (الدولار الأميركي يساوي 49.30 جنيه في البنوك المصرية).

كما بلغ حجم استثمارات الاتحاد الأوروبي في مصر نحو 38 مليار يورو، وتستحوذ دول الاتحاد على نحو 30 في المائة من حجم الاستثمارات الأجنبية في السوق المصرية.

الرئيسان المصري والصربي بحثا المستجدات الدولية والإقليمية في القاهرة يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

وفي لقاء ثالث، السبت، أشاد وزير الخارجية والهجرة المصري خلال محادثات مع وزير خارجية صربيا، ماركو دغوريتش، بالتطور الإيجابي الذي شهدته العلاقات الثنائية بين البلدين في جميع المجالات، منذ الزيارة التاريخية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى صربيا في يوليو (تموز) 2022، وكذلك زيارة الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش إلى القاهرة في يوليو 2024، الأمر الذي يجب البناء عليه للاستفادة من الزخم الراهن الذي تشهده علاقات التعاون الثنائي بين البلدين في جميع المجالات والارتقاء بها إلى آفاق أرحب.

وأكد السيسي خلال محادثات مع فوتشيتش في القاهرة، يوليو (تموز) الماضي، على الموقف المصري بـ«حتمية تحقيق وقف إطلاق نار فوري وشامل في أقرب وقت ممكن بقطاع غزة، ورفض مصر القاطع للتهجير بصوره كافة، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وضرورة وقف استهداف المدنيين وعنف المستوطنين».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، شدد السيسي، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الصربي، على «ضرورة بذل المساعي كافة نحو تهدئة التوتر الإقليمي».

وأكد بدر عبد العاطي خلال لقاء وزير خارجية صربيا، السبت، على أهمية تعزيز علاقات التعاون الثنائي بين الجانبين في شتى القطاعات، مع التركيز على المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والتعليمية، ولا سيما فيما يتعلق بالتعاون في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في الضفة الغربية (رويترز) p-circle

الرئيس الإسرائيلي يعفو عن جندي قتل فلسطينياً مصاباً في الضفة الغربية

منح الرئيس الإسرائيلي، السبت، عفواً لجندي سابق قتل فلسطينياً كان الجيش قد أطلق عليه الرصاص وطرحه أرضاً بعد مهاجمته أحد عناصره في مدينة الخليل بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط»
العالم العربي فلسطينيون اتخذوا ملجأ بجوار منزل متضرر من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أ.ب)

قتيل وإصابات إثر قصف إسرائيلي استهدف دراجة نارية في غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون، الجمعة، جرّاء قصف للقوات الإسرائيلية استهدف دراجة نارية غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي السيسي مستقبلاً عباس في القاهرة 8 يناير 2024 (إ.ب.أ)

السيسي يجدد التأكيد على موقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية في المنطقة إلى حين تسويتها بشكل عادل وشامل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».


تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.