تحركات تركية إضافية لكبح التضخم

عجز الموازنة يسجّل 5.4 مليار دولار في أكتوبر

متسوقة في إحدى الأسواق التركية (إكس)
متسوقة في إحدى الأسواق التركية (إكس)
TT

تحركات تركية إضافية لكبح التضخم

متسوقة في إحدى الأسواق التركية (إكس)
متسوقة في إحدى الأسواق التركية (إكس)

أعلن وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك أن الحكومة ستتخذ إجراءات إضافية ضرورية لمعالجة التضخم المرتفع، متوقعاً أن يهبط التضخم إلى خانة الآحاد في عام 2026.

وقال شيمشك إن «تركيا تمرّ حالياً بفترة تراجع التضخم، وفي عام 2026 وما بعده ستكون هناك فترة استقرار، وبعبارة أخرى، ستكون فترة يتطوّر فيها التضخم نحو الهبوط إلى رقم واحد، وستتم السيطرة عليه بشكل دائم، هدفنا هو خفض التضخم إلى خانة الآحاد بصورة دائمة؛ لأن هذا هو تعريف استقرار الأسعار».

وأضاف شيمشك، رداً على أسئلة النواب خلال مناقشة مشروع موازنة عام 2025 لوزارته فيما يتعلق بتوزيع الدخل والتضخم، أنه تمّ اتخاذ خطوات مهمة لتحسين توزيع الدخل في السنوات الـ22 الماضية، وأنه بفضل السياسات المطبقة كانت هناك تحسينات كبيرة في مؤشرات توزيع الدخل في الآونة الأخيرة.

ولفت إلى أن التضخم يشوّه توزيع الدخل ويقلّل من القوة الشرائية ومن شمولية النمو، ولهذا السبب فإن الهدف الأساسي للحكومة، عند تصميم البرنامج الاقتصادي متوسط المدى، كان استقرار الأسعار.

شيمشك خلال اجتماع لجنة التخطيط والموازنة في البرلمان التركي (إعلام تركي)

وأكد شيمشك أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن إعادة بناء السياسة النقدية تستغرق وقتاً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الظروف الآن مناسبة لخفض التضخم بشكل دائم، وأنهم خططوا لهذه العملية على 3 مراحل، وأن السنة الأولى (2023 - 2024) كانت الفترة الانتقالية لخفض التضخم.

وعلى الرغم من تباطؤ التضخم في تركيا خلال سبتمبر (أيلول) الماضي فإنه لا يزال خارجاً عن السيطرة، في ظل إحجام الحكومة عن اتخاذ قرارات صعبة للجم الأسعار.

وعانت تركيا على مدى العامين الماضيين تضخماً متسارعاً، بلغ ذروته عند معدل سنوي هو 85.5 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، و75.45 في المائة في مايو (أيار) الماضي.

وانخفض التضخم السنوي في سبتمبر إلى 49.38 في المائة، مواصلاً تراجعه في أكتوبر بأقل من التوقعات إلى 48.58 في المائة.

وعدّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في تصريحات الشهر الماضي أشاد فيها بالمسار التراجعي للتضخم، أن بلاده غادرت الأوقات الصعبة، وأنها باتت خلفها، لكن خبراء يؤكّدون أن التضخم في أسعار المستهلكين في تركيا بات «مزمناً».

متسوقة في إحدى الأسواق التركية (إكس)

وقال شيمشك، خلال مناقشة موازنة وزارته في لجنة التخطيط والموازنة بالبرلمان التركي التي استمرت حتى ساعة مبكرة من صباح السبت، رداً على أسئلة النواب بشأن ما إذا كان هناك أي تغييرات في توقعات المؤسسات الدولية للتضخم في تركيا: «هناك تغييرات في توقعات المنظمات الدولية وتوقعاتنا. صندوق النقد الدولي أجرى تغييرين والبنك المركزي التركي أيضاً غيّر توقعاته للتضخم».

ورفع البنك المركزي التركي، في تقريره الفصلي الرابع حول التضخم، الذي أعلنه الأسبوع الماضي، توقعات التضخم بنهاية العام الحالي إلى 44 في المائة، والعام المقبل إلى 21 في المائة، وعام 2026 إلى 12 في المائة.

وكان التقرير السابق للبنك المركزي التركي الذي صدر في أغسطس (آب)، توقّع أن يصل معدل التضخم إلى 38 في المائة بنهاية العام الحالي، و14 في المائة في نهاية العام المقبل، و9 في المائة في نهاية عام 2026.

في سياق متصل، قال مدير «وكالة تخطيط إسطنبول»، بوغرا غوكجه، عبر حسابه في «إكس»، إنه مع اقتراب نهاية العام يتضح أن القوة الشرائية للحد الأدنى للأجور في تركيا شهدت تراجعاً ملحوظاً مقارنة ببداية العام، ففي بداية العام كان الحد الأدنى للأجور يبلغ 17 ألف ليرة تركية، ومع استمرار التضخم المرتفع، انخفضت القيمة الشرائية لهذا الحد قبل شهرين من نهاية العام إلى 11 ألفاً و471 ليرة، وفقاً لبيانات البنك المركزي، و10 آلاف و788 ليرة، وفقاً لبيانات معهد بحوث السياسات الاقتصادية.

وأوضح أنه للحفاظ على القوة الشرائية، حتى يتماشى الحد الأدنى للأجور مع التضخم، يجب أن يرتفع هذا الحد إلى 24 ألفاً و621 ليرة، وفقاً للبنك المركزي، و26 ألفاً و795 ليرة، وفقاً لمعهد بحوث السياسات الاقتصادية.

من ناحية أخرى، وفي معرض تقييمه لأداء المؤشرات الاقتصادية لهذا العام، قال شيمشك إنه من المرجح أن يظلّ عجز الحساب الجاري ومعدل البطالة أقل بكثير من توقعاتنا، وهذا أمر جيد، لكنّ التضخم سيظل أعلى من توقعاتنا؛ لأن هناك مجالات تكون فيها السياسة النقدية فعّالة، وأخرى لا تكون فيها كذلك.

وفي إشارة إلى أنهم يتوقعون انخفاضاً في مصروفات الموازنة بسبب زلزال فبراير (شباط) العام الماضي، بشكل رئيسي، قال شيمشك إن هذا سيدعم تراجع التضخم، واعتماداً على إمكانات الموازنة قد نُجري تقييماً مختلفاً للزيادات الكلاسيكية في العام الجديد.

جانب من اجتماع لجنة التخطيط والموازنة في البرلمان التركي (إعلام تركي)

وأوضح أن مرونة الموازنة ليست عالية، وأن 41.6 في المائة من مصروفاتها تذهب إلى تحويلات الموظفين والأقساط المتعلقة بالضمان الاجتماعي لهم، وسنعمل على خفض عجز الموازنة في عام 2025، وبهذه الطريقة، سندعم بالتأكيد عملية تباطؤ التضخم بشكل أكثر قوة.

وسجّلت تركيا عجزاً في الموازنة بلغ 186.27 مليار ليرة (5.41 مليار دولار) خلال شهر أكتوبر الماضي.

وقالت وزارة الخزانة والمالية، في بيان، الجمعة، إن العجز في الأشهر العشرة الأولى من العام وصل إلى 1.26 تريليون ليرة، وبلغ العجز الأولي الذي يستثني مدفوعات الفائدة، 50.05 مليار ليرة في أكتوبر، و211.38 مليار ليرة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أكتوبر.


مقالات ذات صلة

2 % متوسط التضخم السنوي للسعودية في 2025

الاقتصاد أناس يتسوقون في أحد مراكز التسوق بالرياض (رويترز)

2 % متوسط التضخم السنوي للسعودية في 2025

أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025 ارتفاعاً في متوسط معدل التضخم السنوي في المملكة بنسبة 2 في المائة مقارنة بالعام السابق 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)

ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

يصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إلى دافوس السويسرية للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، في توقيت سياسي حساس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن، دافوس)
الاقتصاد ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

وسط مخاوف ليبية من تداعيات تخفيض سعر صرف الدينار الليبي، برَّر «المصرف المركزي» قراره باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج».

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد امرأة تتسوق في سوق «كامبو دي فيوري» بروما في إيطاليا (رويترز)

«يوروستات»: تضخم منطقة اليورو يتباطأ في ديسمبر بأكثر من التقديرات الأولية

أظهرت البيانات النهائية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) أن معدل التضخم في منطقة اليورو تباطأ خلال ديسمبر (كانون الأول) بوتيرة أكبر مما كان مُقدّراً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عوائد السندات اليابانية تقفز إلى مستويات قياسية مع تزايد المخاوف المالية

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

عوائد السندات اليابانية تقفز إلى مستويات قياسية مع تزايد المخاوف المالية

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

هوت سندات الحكومة اليابانية، مما أدى إلى ارتفاع عوائدها إلى مستويات قياسية، في حين تراجعت أسهم طوكيو والين أيضاً، بعد أن زعزعت دعوة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى انتخابات مبكرة الثقة بسلامة الوضع المالي للبلاد.

وأدى تعهد تاكايتشي الانتخابي الجديد بخفض ضرائب المبيعات على المواد الغذائية إلى ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً بنسبة تصل إلى 19.5 نقطة أساس، وهو أكبر ارتفاع يومي منذ أبريل (نيسان) الماضي، ليصل إلى مستوى غير مسبوق بلغ 3.45 في المائة، وذلك مع تراجع الطلب على هذه السندات في المزاد.

وانخفض مؤشر «نيكي 225» القياسي بنسبة 1.1 في المائة، ليغلق عند 52991.10 نقطة، مسجلاً خسارة قدرها 2.5 في المائة خلال الأيام الأربعة الماضية في أطول موجة بيع له منذ شهرين. وقد سجلت عوائد السندات قصيرة وطويلة الأجل مستويات قياسية متتالية، وسط مخاوف من أن تؤدي التخفيضات الضريبية التي يروّج لها كل من الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم بزعامة تاكايتشي وجماعات المعارضة، إلى تفاقم الوضع المالي المتردي أصلاً في اليابان.

وقال كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في شركة «نومورا» للأوراق المالية، ناكا ماتسوزاوا: «الأمر برمته نابع من الخوف من سياسة تاكايتشي التحفيزية، ولا سيما فيما يتعلق بتخفيضات ضريبة الاستهلاك، نظراً إلى غموضها بشأن التوقيت وكيفية تمويلها. والخلاصة هي أن لا أحد يرغب في الشراء أو اقتناص فرصة الاستثمار في ظل هذا التراجع الحاد».

وبعد أكثر من أسبوع من التكهنات، أعلنت تاكايتشي رسمياً، يوم الاثنين، عن دعوتها إلى إجراء انتخابات مبكرة في 8 فبراير (شباط) المقبل. وتعهدت بتعليق الضريبة الوطنية البالغة 8 في المائة على المواد الغذائية لمدة عامين، وهي خطوة من شأنها أن تخفّض الإيرادات الحكومية السنوية بنحو 5 تريليونات ين (31.6 مليار دولار)، وفقاً للبيانات الرسمية.

وكان الين قد انخفض إلى أدنى مستوى له في عام ونصف العام مقابل الدولار الأسبوع الماضي، حيث تراجع بنسبة 0.2 في المائة ليصل إلى 158.44 ين للدولار. وقال رئيس استراتيجية العملات في بنك أستراليا الوطني، راي أتريل: «هذا يصب في مصلحة السياسة المالية التحفيزية للغاية التي تدفع بارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية، لكنها لم تقدم حتى الآن أي دعم للين الياباني».

وباعت وزارة المالية سندات دين لأجل 20 عاماً بقيمة 800 مليار ين تقريباً يوم الثلاثاء. وانخفضت نسبة العرض إلى التغطية في المزاد، وهي مؤشر على الطلب، إلى 3.19 من 4.1 في عملية البيع السابقة في ديسمبر (كانون الأول).

وتسارعت وتيرة انخفاض أسعار السندات بعد المزاد، مما أدى إلى ارتفاع حاد في العوائد. وبلغ عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات 2.35 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير 1999. وارتفع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً، وهو أطول أجل استحقاق في اليابان، بمقدار 26 نقطة أساس، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 4.205 في المائة.

قال المدير العام الأول للاستثمارات في شركة «نيساي» لإدارة الأصول، إييتشيرو ميورا، إن المستثمرين كانوا قلقين بالفعل بشأن تدهور الوضع المالي لليابان، وعليهم الآن أن يأخذوا في الحسبان زيادة الإنفاق بغض النظر عن نتيجة الانتخابات. وأضاف أن «السوق الآن في حيرة من أمرها. لا يعرف المتداولون السعر المناسب لشراء سندات الحكومة اليابانية».

ومع إغلاق الأسواق الأميركية بمناسبة العطلة، تأثرت الأسهم اليابانية أيضاً بانخفاض نظيرتها الأوروبية بعد أن هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية على ثماني دول أوروبية إلى حين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وانخفض مؤشر «توبكس» للأسهم بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 3625.60 نقطة.

بالإضافة إلى المخاوف بشأن حجم التحفيز المالي الذي أعلنته تاكايتشي، فإن رفع «بنك اليابان» سعر الفائدة الرئيسي في ديسمبر، وإشارته إلى المزيد من الرفعات المقبلة، قد زادا من الضغط التصاعدي على عوائد السندات قصيرة الأجل. وارتفع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل عامين، وهو العائد الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة التي يحددها «بنك اليابان»، إلى 1.225 في المائة، وهو أعلى مستوى له في بيانات بورصة لندن منذ عام 2001، قبل أن ينخفض قليلاً إلى 1.21 في المائة.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي «بنك اليابان» أسعار الفائدة دون تغيير في ختام اجتماعه يوم الجمعة. إلا أن بعض صانعي السياسات في البنوك المركزية يرون مجالاً لرفع أسعار الفائدة في وقت أقرب مما تتوقعه الأسواق لمواجهة ضعف الين، وفقاً لمصادر مطلعة.


كيف نستجيب لتلاشي الحدود بين الاقتصاد والسياسة؟

مارون كيروز
مارون كيروز
TT

كيف نستجيب لتلاشي الحدود بين الاقتصاد والسياسة؟

مارون كيروز
مارون كيروز

في وقت تعيد فيه «الجغرافيا السياسية» كتابة قواعد الاقتصاد العالمي، تتلاشى الحدود التقليدية بين الأسواق والدول بوتيرة غير مسبوقة. ما كان في السابق من اختصاص مفاوضي التجارة والدبلوماسيين أصبح اليوم في صميم عمل كل رئيس تنفيذي وكل مجلس إدارة شركة.

كما لم يعد فهم الجغرافيا السياسية تمريناً اختيارياً في إدارة المخاطر، بل أصبح محورياً في صياغة الاستراتيجية المؤسسية.

على مدار العام الماضي، اضطلعت الحكومات بدور أكثر حزماً في تشكيل النتائج الاقتصادية، مع عودة السياسات الصناعية بقوة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. وإضافة إلى ذلك، باتت ضوابط التصدير وآليات تدقيق الاستثمارات أدوات معيارية في ترسانة فنون إدارة شؤون الدولة الاقتصادية.

في الوقت نفسه، يواجه العالم احتياجات هائلة في البنية التحتية — لمعالجة التحول الطاقي والرقمنة وتعزيز المرونة — وهي احتياجات لا يمكن تلبيتها عبر الميزانيات العامة وحدها. والنتيجة هي تشابك أعمق بين أولويات الدولة ورأس المال الخاص.

مواجهة تعقيد عالمي متزايد

تتعامل الحكومات اليوم مع ما قد يكون أكثر الظروف الجيوسياسية والجيو-اقتصادية تعقيداً منذ عقود. من جهة، يؤدي التفكك الجيوسياسي إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، تعيد فيه الدول التموضع، وتُنشئ شراكات استراتيجية جديدة وتنافسات متزايدة. وفي الوقت نفسه، تتنافس الأزمات العابرة للحدود — من الظواهر الناتجة من تغيّر المناخ والضغوط الديموغرافية، إلى النزاعات الأهلية والاستقطاب المجتمعي — على الاهتمام العالمي.

لا توجد دولة معزولة عن الاقتصاد العالمي، وقليل منها قادر على الإبحار فوق تحديات الأمن الدولي. وهذا يعني أنه من الضروري أن تعمل الحكومات مع القطاع الخاص لتحقيق أهداف مشتركة.

في هذا المشهد الجديد، تواجه الشركات أيضاً بيئة أكثر تعقيداً. وحتى داخل مجتمع الأعمال نفسه، لا تتسم المصالح بالتجانس. فصناديق التحوط، وصناديق التقاعد طويلة الأجل، والمؤسسون، والمكاتب العائلية، لكلٍ منها آفاق زمنية وأولويات مختلفة. وعندما تأخذ الحكومات حصصاً في صناعات استراتيجية أو تفرض متطلبات جديدة للإفصاح والتوطين، تصبح فكرة «من هو المساهم» أكثر تعقيداً. ويضاف إلى ذلك ديمقراطية الاستثمار — إذ إن نسبة قياسية تقارب 30 في المائة من صافي ثروة الأسر الأميركية باتت اليوم مستثمرة في سوق الأسهم. وهذا يطمس الخط الفاصل بين المواطن والمستهلك والمساهم إلى حدٍّ أكبر. وعلاوة على ذلك، بات الرأي العام والمزاج السياسي قوة سوقية يمكن أن يكون لها تأثير ملموس على صافي الأرباح.

وفي المقابل، يُتوقع من الشركات في كثير من الأحيان اتّخاذ مواقف حيال قضايا جيوسياسية متعددة، من النزاعات إلى المناخ. كما أن نشاط المستهلكين، ولا سيما بين الأجيال الشابة، يمكن أن يغيّر ديناميكيات السوق بسرعة. وبرز أيضاً مفهوم «الرأسمالية الوطنية»، حيث تتماشى قرارات الشراء وتدفقات الاستثمار ورسائل الشركات مع أولويات وطنية أو إقليمية.

وأضافت التكنولوجيا طبقة أخرى من التعقيد. فصعود ما يُعرف بالاستثمارات الدائرية — حيث تلعب الشركات الرائدة دور المستثمر والعميل والمورّد لبعضها بعضاً في آن واحد — يعيد تشكيل بنية قطاعات كاملة. ويُظهر النظام البيئي المحيط بشركات مثل «إنفيديا» و«أوبن إيه آي» و«كور ويف» وغيرها هذه الحلقة الدائرية؛ إذ يتداول رأس المال والابتكار والنفوذ داخل شبكات ضيقة يمكن أن تضخّم الفرص والمخاطر معاً.

في مثل هذه الأنظمة، لا تكتفي الجغرافيا السياسية بتشكيل الأسواق من الخارج، بل تتحرك من داخلها. وكل ذلك يجري على خلفية مستويات قياسية من الديون العالمية واحتياجات مجتمعية متنافسة. إذ تواجه الحكومات والشركات والمواطنون مفاضلات صعبة بشأن تخصيص رأس المال الشحيح بين الأمن والصحة والبنية التحتية أو شبكات الأمان الاجتماعي. وهذه خيارات اقتصادية، لكنها تعكس أيضاً قيماً وتوازنات قوة.

مواءمة الأولويات

بالنسبة للشركات، تفرض هذه الديناميكيات الجديدة إعادة تقييم استراتيجية.

لم يعد التمييز الثنائي بين «رأسمالية المساهمين» و«رأسمالية أصحاب المصلحة» قائماً. ففي عالم جيوسياسي، تصبح رأسمالية المساهمين هي نفسها رأسمالية أصحاب المصلحة؛ لأن المستثمرين والموظفين والعملاء والحكومات جميعهم متشابكون في شبكة واحدة من المصالح والمخاطر والمسؤوليات. ويعتمد السعي إلى خلق قيمة طويلة الأجل اليوم على المرونة السياسية بقدر ما يعتمد على الأداء المالي.

يسعى مجتمع الأعمال للاستجابة للسياسات الجديدة والصدوع العالمية، لكن لا يزال بإمكانه بذل المزيد لردم الفجوة بين آفاق الشركات والحكومات. ويمكن للحوار والتعاون أن يسهِما في تحقيق أهداف مشتركة.

فعلى سبيل المثال، من خلال العمل المشترك على تقليل المخاطر في سلاسل توريد المعادن الحيوية عبر تنظيم مستقر، ومساعدات تنموية، وأدوات تمويل مختلطة، يمكن للحكومات والشركات دفع الاستثمار والنمو في هذه الأسواق الحيوية. ويمكن اعتماد نهج مماثل لتطوير البنية التحتية للطاقة التي تشتد الحاجة إليها. وفي الوقت نفسه، يمكن للحكومات والشركات التعاون في برامج تزويد الأفراد بمهارات الذكاء الاصطناعي وإعادة التدريب والتأهيل، بما يتيح للجميع اغتنام الفرص وفهم تحديات التقنيات الناشئة.

تشجيع روح الحوار

في هذا السياق، يصبح دور المنتدى الاقتصادي العالمي أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي ظل تزايد التفكك، تُعدّ المنصات التي تتيح الحوار بين القطاعين العام والخاص أمراً حيوياً.

يوفر المنتدى مساحة يلتقي فيها قادة الأعمال وصنّاع السياسات من مختلف المناطق للتعامل مع هذا التعقيد معاً — لا لإلغائه، بل لفهمه وإدارته بشكل أفضل. ومهمتنا هي المساعدة على مواءمة ضرورات التنافسية والمرونة والازدهار المشترك في عالم يعاد فيه تسييس الجغرافيا السياسية.

وفي دافوس هذا الشهر، وبينما يجتمع القادة لمناقشة حال العالم، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: لقد دخلنا عصر الرأسمالية الجيوسياسية. وسيعتمد النجاح على الانخراط فيه بشكل بنّاء، وتعاوني، ومع إدراك واضح للتشابك الذي لا يزال يشكّل أساس اقتصادنا العالمي.

* مدير عام في المنتدى الاقتصادي العالمي


انخفاض صادرات الصين من المعادن النادرة إلى اليابان في ديسمبر

سفينة تنقيب عن المعادن النادرة في بحر اليابان (رويترز)
سفينة تنقيب عن المعادن النادرة في بحر اليابان (رويترز)
TT

انخفاض صادرات الصين من المعادن النادرة إلى اليابان في ديسمبر

سفينة تنقيب عن المعادن النادرة في بحر اليابان (رويترز)
سفينة تنقيب عن المعادن النادرة في بحر اليابان (رويترز)

انخفضت صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بنسبة 8 في المائة مقارنةً بشهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وذلك بعد أن أثار خلاف دبلوماسي مخاوف لدى المتعاملين في السوق بشأن الشحنات المستقبلية، وتفاقمت هذه المخاوف بسبب الحظر الذي فرضته بكين في يناير (كانون الثاني)، على تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان.

وبلغ إجمالي الشحنات الصادرة من أكبر منتج لمغناطيسات العناصر الأرضية النادرة في العالم إلى جارتها الآسيوية، 280 طناً مترياً الشهر الماضي، مقابل ذروة عام 2025 التي بلغت 305 أطنان في الشهر السابق، وفقاً لبيانات الإدارة العامة للجمارك الصادرة يوم الثلاثاء. ومع ذلك، كان حجم الصادرات إلى اليابان في ديسمبر أعلى بنسبة 31.4 في المائة من حجمها في الشهر نفسه من عام 2024.

ورجّح محللون أن يكون هذا الارتفاع السنوي ناتجاً عن زيادة المشترين اليابانيين لمشترياتهم تحسباً لمزيد من القيود الصينية. ومن المرجح أن تنخفض الشحنات إلى اليابان في يناير، بسبب حظر استيراد المواد التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.

وجاء هذا الحظر بعد شهرين من تصريح رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بأن اليابان سترد عسكرياً في حال شنت الصين هجوماً على تايوان.

وأثار هذا التصريح غضب الصين التي تدّعي سيادتها على الجزيرة ذات الحكم الديمقراطي، وهو ادعاء ترفضه تايوان.

كما أظهرت بيانات ديسمبر انخفاض صادرات مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة بنسبة 3 في المائة مقارنةً بالشهر السابق، لتصل إلى 564 طناً.

وبلغ إجمالي صادرات مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، 5933 طناً خلال عام 2025، بانخفاض سنوي قدره 20.3 في المائة.

وانتعشت الشحنات إلى الولايات المتحدة بعد موافقة الصين على تعليق بعض ضوابط التصدير، عقب اجتماع الرئيس الصيني شي جينبينغ مع نظيره الأميركي دونالد ترمب.

وإجمالاً، انخفضت صادرات مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة بنسبة 3.2 في المائة في ديسمبر، مقارنةً بالشهر السابق، لتصل إلى 5952 طناً. وبلغ هذا الرقم رابع أعلى مستوى له في عام 2025.

وخلال عام 2025، بلغ إجمالي صادرات الصين من المغناطيسات الأرضية النادرة 57,392 طناً، مسجلةً انخفاضاً سنوياً بنسبة 1.3 في المائة.