جناح جديد لـدعم «المتحف الوطني اللبناني»

«نهاد السعيد للثقافة» فسحة جمالية للمعارض واللقاءات الثقافية الجامعة

مدخل جناح نهاد السعيد الجديد الملاصق للمتحف الوطني (جناح نهاد السعيد للثقافة)
مدخل جناح نهاد السعيد الجديد الملاصق للمتحف الوطني (جناح نهاد السعيد للثقافة)
TT

جناح جديد لـدعم «المتحف الوطني اللبناني»

مدخل جناح نهاد السعيد الجديد الملاصق للمتحف الوطني (جناح نهاد السعيد للثقافة)
مدخل جناح نهاد السعيد الجديد الملاصق للمتحف الوطني (جناح نهاد السعيد للثقافة)

فسحة أمل، وليس إنكاراً للحرب وهمجيتها وقسوتها على اللبنانيين، بل على العكس، هي محاولة في هذه الأجواء المظلمة، لإيجاد متنفس ولو صغير كي لا يكسرنا العنف ويذرونا الدمار.

بهذه الروحية يتم افتتاح جناح «نهاد السعيد للثقافة» الملاصق للمتحف، وكان من المقرر أن يُطلق في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأخّرته الحرب. أما وأن الانتظار قد طال، والحال على ما هي عليه، فقد أراد القيّمون على المشروع أن يكون وجوده دعماً للتراث الذي يتعرّض اليوم للقصف والخراب. الجناح الجديد هو مساحة إضافية للمتحف الوطني اللبناني، بدأ العمل عليها منذ سنوات، لتكون بمنزلة مركز لقاء، وحوار ثقافي، يتلاءم وروح المتحف.

ثلاث طبقات، اثنتان منها تحت الأرض تصلحان لتنظيم المعارض، والمحاضرات وربما المؤتمرات والطاولات المستديرة، وتوقيع الكتب، ومن ريع الجناح تجري مساعدة المتحف وتمويل بعض أغراضه. الفضل في تمويل المشروع يعود إلى عائلة السعيد التي دفعت التكلفة مرتين، بسبب فقدان التمويل الأول مع انهيار البنوك اللبنانية. وتمكّنت المؤسسة من استقطاب تمويلات إضافية وإسهامات من جهات مانحة. يحمل الجناح اسم ابن عائلة السعيد، فقيدها نهاد، العاشق للفن، والشغوف بجمع الأعمال الفنية الذي رحل باكراً.

جانب من المعرض (جناح نهاد السعيد للثقافة)

الطابق الأرضي من المبنى هو بحد ذاته قطعة فنية، نصفه خُصّص لمطعم ومقهى، يشرف عليه الشيف الشهير حسين حديد، ابن شقيق المهندسة المعمارية الراحلة زها حديد. لكن المهم أنك حين تجلس هنا، ينكشف أمامك من خلال الواجهات الزجاجية الكبيرة، ميدان سباق الخيل الممتد وأشجار الصنوبر البديعة فيه. وهي مساحة بقيت طويلاً جداً محجوبة عن الأنظار، وعلى الجانب الآخر، من المقهى حائط قديم للمتحف تتوسطه بوابة حديدية ضخمة، أُقيم أيام الحرب الأهلية، لحماية الموجودات، ولا تزال الكتابات التي سطّرها مقاتلو الميليشيات حين كانوا هنا، على الخط الفاصل بين المنطقتين المتحاربتين، موجودة.

هندسة تحترم تاريخ المكان

أحسنت صنعاً شركة المهندس رائد أبي اللمع التي صمّمت الجناح من وحي روح المتحف الوطني، أنها أبقت على هذا الجدار التاريخي وعزلته بواجهات زجاجية، لمتعة الناظر، وللحفاظ على ذكرى تاريخ أليم مرّت به بيروت. وقد كُشف هذا الجدار بالصدفة بعد إزالة جدار آخر، كان موجوداً أمامه، وشكّل مفاجأة.

في الجناح الجديد مساحات متعددة، في الطابقين السفليين، كما في الطابق الأرضي. ويتزامن الافتتاح مع تنظيم معرض فني في المكان يحمل عنوان «بوابات وممرات، سفر عبر الواقع والخيال»، نظّمه بمهارة «متحف بيروت للفن» بما له خبرة ومهارة.

في الطابق الأرضي عمل لألفريد طرزي، الفنان الاستثنائي، الغني عن التعريف، الذي يعرض تجهيزاً ضخماً يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، سمّاه «ترنيمة الحب». تحتاج إلى رؤية هذا العمل البنياني المتعدد الأوجه والمعاني، أن تدخل إليه، وتدور حوله، وتقضي معه ما يكفي من الوقت كي تحيط به. وهو تحية لعائلته المعروفة عبر الأجيال بالنحت على الخشب.

في الواجهة لوحات كارولين تابت (جناح نهاد السعيد للثقافة)

ما تبقّى من المعرض في الطابقين السفليين، قسم تحت أربعة عناوين رئيسية يلتقي فيها الماضي بالمستقبل. العناوين هي: الذاكرة، والأساطير، والإدراك، والأرض. موضوعات متداخلة أصلاً مهما حاولت الفصل بينها. نرى في كل قسم روابط بصرية، وتاريخية، وفكرية بين أعمال لفنانين مكرسين، غالبيتهم غابوا عنا، وآخرين جدداً لا يزالون يجهدون ليشقوا طريقهم، أو أنهم بلغوا قدراً من الشهرة.

هذا الجمع بين الفنانين هو سرّ المعرض الذي استغرق وقتاً وجهداً لإيجاد مبدعين متناغمين من جيلين مختلفين. ريان تابت هو فنان شاب يلتقي في إنتاجه مع أعمال الراحلة الكبيرة سلوى روضة شقير، في قسم «الذاكرة»، حيث تُعرض لوحات تابت الحفرية، المشغولة بخطوط الأرابيسك، إلى جانب لوحتين تجريديتين ومنحوتة خشبية لشقير من وحي الخط العربي.

مقاربة بين جيلين

ومقاربة أخرى للجمع بين أعمال للشهير عمر الأنسي وتصاويره التي تأتي وكأنها مأخوذة من خلال عدسة كاميرا، إلى جانب عمل تصويري للميا جريج عبارة عن فيديو لرؤية بانورامية لمرفأ بيروت، حيث يمكنك أن تتابع تطور المشهدية لهذا المكان وما طرأ عليه من تحولات قاسية، مثل انعكاس لما شهدته مدينة بيروت نفسها.

في قسم آخر، عملان لموسى طيبة الذي غادرنا عام 2014، من الحفر على المعدن المطبوع، يستحضران الموت والحياة، وانبعاث طائر الفينيق. هي أعمال أُنجزت خلال الحرب الأهلية، ومن وحيها، لكنها بقدر ما تبعث على الشؤم تبث الأمل.

من أعمال سلوى روضة شقير في المعرض (جناح نهاد السعيد للثقافة)

وفي الركن نفسه، نجد عملين نحتيين من النحاس لغسان زرد، أحدهما من قطعتين، تذكران بانقسام الأرض وتشظيها، وما نعرفه عن تشكّل وانشقاق الصفائح التكتونية. وربما يشي هذا العمل بالحركة الدائمة التي تعيد تقسيم العالم ولبنان في البال.

وكذلك هناك عملان للراحلة هيلين الخال، حيث تدرّج الألوان ومزجها الفني هو البطل الرئيسي في اللوحة، وتشبهها في الروح وفي جعل اللون هو المركز والموضوع لوحة إلى جانبها للفنانة دانييل جينا دري. هذه اللوحة نُفّذت عام 2014، وأصابها الأذى بعد انفجار مرفأ بيروت 2020، وأُعيد ترميمها، وها هي تعود إلى الجمهور وتُعرض من جديد.

روّاد يستحقون اكتشافاً جديداً

من الفنانين الكبار الذين يستحق المعرض الزيارة، لإعادة اكتشاف أعمالهم، وبعضها نادراً ما يراه الجمهور، هناك لوحات عديدة للفنان الراحل شفيق عبود مُنفّذة بالرمل، للونها انعكاسات الذهب ومتعة للنظر. وثمة لوحة لصليبا الدويهي، من مرحلة قليلاً ما نعرف عنها، وهي بين التعبيرية الأولى والتجريدية الأخيرة. وما بين هاتين الفترتين، هذه اللوحة تجعلك تظن أنك أمام فنان لم تعرفه من قبل. هناك أيضاً لوحة لإيلي كنعان وأخرى لعارف الريس، هذا عدا الكثير من الفنانين الجدد.

لوحات شفيق عبود المشغولة بالرمل (جناح نهاد السعيد للثقافة)

بعض الأعمال هي من مجموعة وزارة الثقافة، أو «سردار»، ومشاهدتها هذه المرة، قبل أن تعود إلى مستودعاتها، قد تكون فرصة لا تُعوّض.

يبدو الأمر سوريالياً، وأنت ترى مجموعة من النساء بينهن الممولة، والمصممة والرسامة والعاشقة للفن والتراث، تتضامن كل في ميدانها، لخلق مساحة إبداع وأمل، تُضاف إلى المتحف الوطني اللبناني، وتفتتح في عز الحرب الشرسة على لبنان، لتكون متنفساً جمالياً وسط البشاعة.


مقالات ذات صلة

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا خلال العمل على تحصين النافذة التي استُخدمت لسرقة مجوهرات من متحف اللوفر (أ.ب)

«اللوفر» يحصّن نافذة استُخدمت في سرقة مجوهرات

عزّز متحف اللوفر في باريس إجراءات الأمن عبر تركيب شبكة حماية على نافذة زجاجية استُخدمت في عملية سرقة مجوهرات في 19 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (باريس )

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».