الاختراقات الإسرائيلية تقلق إيران مع فشل محاولات التصدي

موكب تشييع إسماعيل هنية في طهران يوم 1 أغسطس الماضي (أ.ب)
موكب تشييع إسماعيل هنية في طهران يوم 1 أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

الاختراقات الإسرائيلية تقلق إيران مع فشل محاولات التصدي

موكب تشييع إسماعيل هنية في طهران يوم 1 أغسطس الماضي (أ.ب)
موكب تشييع إسماعيل هنية في طهران يوم 1 أغسطس الماضي (أ.ب)

وجّهت الاستخبارات الإسرائيلية على مدى الأعوام الماضية، لا سيما في الأشهر الأخيرة، سلسلة ضربات إلى إيران وحلفائها، تظهر، بحسب ما قال محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اختراقها لأجهزة إيران، ما بدأ يثير قلقاً معلناً في طهران.

وندد علي لاريجاني، أحد مستشاري المرشد الإيراني علي خامنئي، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، اليوم (الجمعة)، «بمشكلة اختراق في إيران (...) منذ أعوام».

وأضاف: «حصلت حالات إهمال، والأجهزة الأمنية في البلاد واجهتها، لكنها لم تنجح في وضع حد كامل لها».

ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، استُهدِفَت طهران وحلفاؤها بعمليات لم تكن لتتحقق في غياب معطيات استخبارية دقيقة.

واغتيل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية في مقر إقامته أثناء زيارة لطهران، في أواخر يوليو (تموز)، في عملية نُسبت إلى إسرائيل. وبعد أقل من شهرين، قتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله بضربة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية.

وبين العمليتين، انفجرت آلاف أجهزة الاتصال اللاسلكي و«البيجرز» في حوزة عناصر «حزب الله» في لبنان؛ ما أسفر عن مقتل 39 شخصاً على الأقل، وجرح نحو ثلاثة آلاف.

بدا واضحاً أن هذه العملية المعقّدة التي نسبت أيضاً إلى إسرائيل، قد تمّ التحضير لها منذ زمن.

ورأى لاريجاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في إيران، ورئيس سابق للبرلمان، أن إسرائيل «عدو يفكّر على مدى أعوام، ويلحق بك الأذى في لحظة».

«عجز»

وفي حين أن تصريحات علنية مثل هذه تبقى غير معتادة، لكن مضمونها ليس مفاجئاً. فقد سبق لمسؤولين إيرانيين أن اتهموا إسرائيل بالوقوف خلف سلسلة عمليات سرّية في أراضٍ إيرانية، بما فيها اغتيال ومحاولات اغتيال وتفجير وتخريب في منشآت حساسة.

وتعرّض عدد من العلماء النوويين الإيرانيين للاغتيال أو محاولات اغتيال خلال الأعوام الماضية، أبرزهم مسؤول البرنامج النووي في وزارة الدفاع محسن فخري زاده الذي قُتِل قرب طهران في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 بسلاح رشاش تمّ التحكم به عن بُعد. وأعلن القضاء الإيراني هذا الأسبوع الحكم بإعدام ثلاثة متهمين في القضية.

صورة جوية لدار الضيافة التي كان يقيم فيها إسماعيل هنية شمال طهران أكتوبر 2024 (نيويورك تايمز)

وأعلنت إسرائيل حصولها على وثائق أرشيف البرنامج النووي الإيراني عبر عملية أمنية في طهران مطلع 2018.

كما وقعت عمليات أمنية في إيران بقي منفّذوها مجهولين، رغم الاعتقاد السائد بأن إسرائيل تقف خلفها، مثل اغتيال شخصيات بينهم ضباط في الحرس الثوري، واستهداف مواقع عسكرية باستخدام طائرات مسيّرة صغيرة.

ورأى الباحث في «معهد الأمن والاستراتيجية في القدس»، ألكسندر غرينبرغ، أن تصريحات شخصية مثل لاريجاني «تؤكد عجز الأجهزة الإيرانية عن منع الاختراق الإسرائيلي».

وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه عقب عملية تفجير أجهزة الاتصال في لبنان «كان (حزب الله) يأمل في أن تساعده إيران في مجال الاستخبارات. لكنهم (الإيرانيون) كانوا عاجزين عن القيام بشيء لأنفسهم حتى».

ويرى محللون أن الاختراقات الإسرائيلية تسهّلها عوامل منها الصعوبات الاقتصادية في إيران التي تعاني منها جراء عقوبات اقتصادية غربية، وتزايد المعارضة الداخلية للحكم.

وتحدث كينيث كاتسمان، الباحث في «مركز صوفان» والخبير السابق في الشأن الإيراني لدى الكونغرس الأميركي، عن «درجة اختراق مرتفعة... في كل وزارة أو منظمة، في الحرس الثوري، قوات إنفاذ النظام، وزارة الاستخبارات، القضاء، السلطات المحلية».

وتابع: «عدد من الأشخاص مستعدون، حتى في صفوف الحكومة، لمساعدة إسرائيل بغرض الحصول على المال، ولأنهم على خلاف مع النظام».

وعدَّ العضو السابق في الاستخبارات الخارجية الفرنسية، ألان شويه، أن هذه العوامل توفر «مجموعة ممكنة للتجنيد لصالح القوى الخارجية».

وأكد أن العملاء، إضافة إلى القدرات الإسرائيلية في مجال الاستعلام التقني، يوفرون معطيات لا تقدّر بثمن، مثلما أظهرت عملية اغتيال نصرالله.

وأوضح أن نصرالله «كان لا ينام في المكان ذاته ليلتين توالياً، ولا يبقى في المكان ذاته لساعتين. كان تحديد مكانه بالغ الصعوبة».

وأضاف: «بعد (تفجير) أجهزة الاتصال، لم تعد ثمة أي قطعة إلكترونية قربه».

نتنياهو يشير إلى وثائق من الأرشيف النووي الإيراني تكشف دور محسن فخري زاده في برنامج التسلح النووي لطهران (أرشيفية- رويترز)

اختراق منهجي

وشدد شويه على أن الإسرائيليين نفذوا الضربة الجوية الضخمة التي استهدفت نصرالله جنوب بيروت في 27 سبتمبر (أيلول) «وهم واثقين» من نجاحها.

وتابع: «أصابوا الهدف في الزمان والمكان المناسبين»، وذلك يعود بطبيعة الحال إلى معلومات استخبارية.

ورأى كادر الاستخبارات الفرنسية السابق أنه حتى في حال تحديد مكامن الخلل، تبدو طهران غير قادرة على معالجته، مؤكداً وجود «كثيرين عملاء لإسرائيل أو مستعدين ليكونوا كذلك».

من جهته، تحدث جايسون برودسكي، مدير برامج «اتحاد ضد إيران نووية» (UNANI)، إحدى أبرز مجموعات التي تتابع شؤون إيران عن كثب، عن أن أجهزة الأمن الإيرانية مخترقة على نطاق واسع، بما في ذلك الحرس الثوري.

وأوضح أنه «تمّ تعيين قادة جدد وتركوا مناصبهم لاحقاً، لكن المشكلة بقيت موجودة، وهذا يظهر إلى أي حد يعاني الحرس الثوري من اختراق منهجي». وأضاف: «ربما القيادات العليا مخترقة، حتى تلك الأدنى منها».

ولم يستبعد برودسكي أن يكون الاختراق طال محيط خامنئي؛ لأن مكتبه عبارة عن «بيروقراطية واسعة النطاق».

إزاء ذلك، استبعد خبراء أن تجد إيران حلاً جذرياً للاختراقات قريباً.

وأعرب شويه عن قناعته بأن لدى «جهاز الموساد» الإسرائيلي شبكات «قادرة على التحرك في أي وقت كان».


مقالات ذات صلة

عاصم منير في طهران… وهدنة واشنطن وطهران على حافة التمديد

شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية لاستقبال عراقجي لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران اليوم

عاصم منير في طهران… وهدنة واشنطن وطهران على حافة التمديد

وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، الأربعاء، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
تحليل إخباري حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (موقع البحرية الأميركية)

تحليل إخباري «ليّ ذراع» إيران يستدعي «شبح مرفأ عدن 2000»

تحاول طهران منذ أيام الشاه السيطرة على مياه الخليج العربي، وضمناً التحكم في مضيق هرمز، وإلا؛ فما معنى احتلال الجزر الإماراتية الثلاث؟

المحلل العسكري
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد (أ.ف.ب) p-circle

منظمة إسرائيلية تقيم دعوى أمام «الجنائية الدولية» ضد رئيس الوزراء الإسباني

طلبت منظمة حقوقية إسرائيلية، من المحكمة الجنائية الدولية النظر في اتخاذ إجراءات قانونية بحق رئيس الوزراء الإسباني بتهمة «المساعدة في ارتكاب جرائم حرب».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)

جولة تفاوض تلوح من «حصار هرمز»

تلوح جولة تفاوض جديدة بين واشنطن وطهران من قلب التصعيد البحري في مضيق «هرمز»، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن المحادثات مع إيران قد تُستأنف خلال.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية عامل يقدم الخبز للزبائن في مخبز جنوب طهران (أ.ف.ب) p-circle

«الصليب الأحمر» يعلن إدخال أول شحنة مساعدات لإيران منذ بدء الحرب

أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، الثلاثاء، أن شحنة من الإمدادات الطبية المنقذة للحياة ومساعدات أخرى دخلت إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)
كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)
TT

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)
كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في جبل قنديل في شمال العراق بشأن مشروع قانون مقترح حول حل الحزب ونزع أسلحته في إطار «عملية السلام».

وقالت النائبة في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد عضو «وفد إيمرالي» لإجراء الاتصالات مع أوجلان في محبسه، بروين بولدان، إن «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «(تركيا خالية من الإرهاب)، تسير وستستمر في مسارها الطبيعي؛ ولا يوجد ما يشير إلى عكس ذلك».

وأكدت بولدان أن زيارة الوفد الأخيرة لأوجلان في سجن جزيرة إيمرالي في غرب تركيا تناولت التدابير القانونية التي اقترحتها لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي رفعت تقريرها إلى البرلمان في 18 فبراير (شباط) الماضي، متضمناً تدابير مقترحة لمواكبة حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته بموجب نداء أوجلان، الذي أطلقه في 27 فبراير 2025.

تحذير من عرقلة السلام

وأشارت إلى ضرورة التفاوض مع أوجلان بشأن مشروع القانون المُعد لعودة أعضاء الحزب بعد إلقاء الأسلحة، قائلةً: «إن طرح مشروع القانون على البرلمان دون استشارته سيتسبب في إشكالية، فأوجلان لا يتخذ قراراته دون استشارة حزبه، ويجب فتح المجال أمامه لمناقشته مع قيادات الحزب».

نائبة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بالبرلمان التركي بروين بولدان (أ.ب)

وأضافت بولدان، خلال مقابلة صحافية، الأربعاء، أن ما هو معروف الآن، وما يؤكده أوجلان في كل لقاء معه أن عهد الكفاح المسلح قد انتهى، وأن حزب «العمال الكردستاني» قد تم حله وطُويَت صفحته وانتهى أيضاً.

وتابعت أن رؤية أوجلان هي أن هناك عملية نضال جديدة تقوم على الإيمان بأن كل شيء يمكن حله من خلال السياسة، وعلى الخطوات التي يجب اتخاذها في هذا الصدد، وأنه لن يكون هناك شيء سهل، وعلى الأكراد والدولة التركية أن يستوعبوا ذلك.

ولفتت بولدان إلى أن حزب «العمال الكردستاني» أعلن للعالم أجمع أن إلقاء السلاح هو قرار استراتيجي، كما تجري «وحدات حماية الشعب»، التي تشكل العمود الفقري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مفاوضات مع حكومة دمشق بشأن الاندماج، عسكرياً ومؤسسياً.

قامت مجموعة من عناصر «العمال الكردستاني» بإحراق أسلحتهم في مراسم رمزية في السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (رويترز)

وأضافت أن أوجلان يرى أنه في ظل هذا الوضع، يجب أن يكون هناك تصميم على دفع «عملية السلام» قدماً، لا تجميدها، ويجب تعزيز هذا الأساس المتين بمزيد من المفاوضات والحوار وخطوات بناء الثقة.

ولفتت بولدان إلى أنه بفضل تدخل أوجلان، تم منع وقوع مجزرة كبرى في سوريا خلال الهجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأن لديه الآن أيضاً آراء وأفكاراً واضحة حول إيران، ويعبر عن تحليلاته في هذا الشأن في كل اجتماع. وذكرت أن أوجلان شدد على أن الأكراد لن يكونوا بعد الآن أداةً في يد أحد، ويرغب في أن يحل الأكراد مشاكلهم مع عواصم الدول التي يعيشون فيها.

أوجلان يدعم «الشعب الجمهوري»

وأشارت بولدان إلى أن أوجلان يتوقع المزيد من الدعم من جانب حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، لعملية السلام، ويرى أن الضغوط المُمارسة على الحزب تتعارض مع هذه العملية، وعبر عن انزعاجه الشديد بسبب هذه الضغوط والاعتقالات والمحاكمات التي يواجهها الحزب.

ونقلت عن أوجلان أن ما تفعله الحكومة، و«تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، ضد حزب «الشعب الجمهوري» أمرٌ خاطئ؛ لأن اتخاذ خطواتٍ نحو الديمقراطية من جهة، والانخراط في ممارساتٍ مُناهضةٍ للديمقراطية من جهةٍ أخرى، أمر مُتناقض.

تجمع لأنصار حزب «الشعب الجمهوري» احتجاجاً على الاستمرار في الاعتقالات في البلديات التابعة له (حساب الحزب في إكس)

في الإطار ذاته، تواصلت العمليات التي تستهدف بلديات حزب «الشعب الجمهوري»، بتهم الفساد والرشوة، والتي يصفها الحزب بأنها عمليات سياسية تحت غطاء قضائي.

وأصدرت محكمة في مرسين (جنوب تركيا)، الأربعاء، قراراً بحبس 12 شخصاً من أصل 33 شخصاً تم القبض عليهم في بلدية «يني شهير» التابعة للولاية، بينهم نائب رئيس البلدية في عملية نفذت فجر 10 أبريل (نيسان) الحالي، بناءً على مزاعم «التلاعب بالمناقصات» و«الرشوة» و«الابتزاز». وقررت النيابة العامة مصادرة 29 عقاراً و13 مركبة في إطار التحقيقات.


تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز)
علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز)
TT

تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز)
علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز)

في ظلّ هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف المعطيات الميدانية عن سباق خفي لإعادة ترتيب القدرات العسكرية. فبينما تُعلن الأطراف المختلفة عن نجاحات ميدانية وضربات نوعية، تشير الأدلة البصرية والتحليلات الاستخباراتية إلى أن طهران تسعى، بهدوء ولكن بثبات، إلى استعادة جزء من بنيتها الصاروخية التي تضررت خلال المواجهات الأخيرة.

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «التلغراف» بأن صور الأقمار الاصطناعية تُظهر شروع إيران في إزالة آثار الدمار من قواعدها الصاروخية تحت الأرض، مستفيدة من فترة وقف إطلاق النار. وقد رُصدت آليات ثقيلة تعمل على رفع الأنقاض من مداخل أنفاق كانت قد أُغلقت، حيث جرى تجميع الركام ونقله عبر شاحنات إلى مواقع قريبة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المداخل كانت قد استُهدفت بشكل متعمّد خلال غارات سابقة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار استراتيجية عسكرية هدفت إلى شلّ قدرة منصات إطلاق الصواريخ عبر حصرها داخل منشآت تحت الأرض ومنعها من الحركة أو الاستخدام.

وتُظهر إحدى صور الأقمار الاصطناعية، الملتقطة في 10 أبريل (نيسان)، جرافة أمامية تقف فوق كومة من الأنقاض التي كانت تسد مدخل أحد الأنفاق، إلى جانب عدد من الشاحنات التي تنتظر في محيط الموقع داخل قاعدة صاروخية قرب مدينة الخمين الإيرانية. كما أظهرت صورة أخرى التُقطت في اليوم نفسه نشاطاً لمعدات بناء في موقع منفصل بمدينة تبريز.

وقد هدفت الضربات الجوية، من خلال إغلاق منافذ الخروج، إلى منع منصات الإطلاق من الانتشار أو تنفيذ عمليات إطلاق، أو حتى العودة إلى مواقعها لإعادة التزوّد. ومع ذلك، تشير تقييمات الاستخبارات الأميركية إلى أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلن البنتاغون تنفيذ ضربات استهدفت 11 ألف موقع داخل إيران خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب. في المقابل، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه تمكن من تدمير نحو ثلاثة أرباع منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية بحلول 7 مارس (آذار).

وفي تصريحات حديثة، قال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، إن الضربات الأميركية ألحقت أضراراً بالغة بالقاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أسقطت أكثر من 13 ألف قنبلة استهدفت مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الأصول البحرية والمنشآت الصناعية الدفاعية، وذلك «لضمان عدم قدرة إيران على استعادة قدرتها على بسط نفوذها خارج حدودها».

من جانبه، صرّح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأن برنامج الصواريخ الإيراني «دُمّر عملياً»، موضحاً أن منصات الإطلاق والصواريخ «استُنزفت ودُمّرت وأصبحت شبه غير فعّالة».

ورغم هذه التصريحات، أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين قلقهم من احتمال استغلال إيران لفترة التهدئة من أجل إعادة بناء جزء من ترسانتها الصاروخية. كما حذّروا من إمكانية سعي طهران للحصول على أنظمة تسليحية مماثلة من روسيا لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة خصومها الإقليميين.

وفي هذا الإطار، قال كينيث بولاك، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، لصحيفة «واشنطن بوست»: «أظهر الإيرانيون قدرة ملحوظة على الابتكار وإعادة تنظيم قواتهم بسرعة».

ويُعتقد أن عدداً من هذه الأنظمة الصاروخية لا يزال مدفوناً داخل الشبكات تحت الأرض، ما يجعلها غير مدمّرة بالكامل، بل غير صالحة للاستخدام مؤقتاً فقط. ويرى محللون أن مساعي إيران لإعادة فتح هذه المواقع، بما فيها تلك المرتبطة بالبنية النووية، تُعدّ سلوكاً متوقعاً ينسجم مع عقيدتها العسكرية.

وفي تعليق على ذلك، أفاد سام لير، من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، في تصريح لشبكة «سي إن إن»: «إن وقف إطلاق النار يعني ضمناً قبول حقيقة أن خصمك سيعيد بناء جزء من قدراته العسكرية، تلك التي استغرق تدميرها وقتاً وجهداً وموارد كبيرة».


زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قام رئيس الأركان الإسرائيلي، اللفتنانت جنرال إيال زامير، الأربعاء، بجولة في جنوب لبنان، برفقة قائد المنطقة الشمالية الميجور جنرال رافي ميلو، وذلك في خضم تقارير عن وقف إطلاق نار من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ، الليلة أو غداً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال زامير: «لقد صادقنا على خطط لاستمرار العمليات في كل من لبنان وإيران»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» على موقعها على الإنترنت (واي نت).

وأضاف: «لقد وجّهنا ضربات قاسية للنظام الإرهابي الإيراني، وجرّدناه من قدراته الدفاعية وأضعفناه. والآن يجب ألا نسمح لهم بتحقيق أي إنجازات في الملف النووي أو في مضيق هرمز أو في غيرها من القضايا المطروحة على جدول الأعمال. ونحن في حالة تأهب قصوى، وطائرات سلاح الجو جاهزة ومسلحة، والأهداف محملة في الأنظمة، ونحن نعرف كيف نطلقها فوراً».

وقال زامير: «تم القضاء على أكثر من 1700 إرهابي من (حزب الله) منذ بدء العملية».

يُشار إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة شنّتا هجمات في 28 من شهر فبراير (شباط) على إيران، حتى وقف إطلاق النار، في السابع من الشهر الحالي.

وصرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه تم تدمير القدرات العسكرية الجوية والبحرية الإيرانية، إضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبرنامج النووي لطهران.

وقالت إسرائيل والولايات المتحدة إن وقف إطلاق النار لا ينطبق على هجمات إسرائيل على «حزب الله» في لبنان.