العرب في الداخل الإسرائيلي بلا ملاجئ تحميهم... وكفاءة دفاعية أقل

اللامبالاة تُضاف إلى مجموعة أسباب أسهمت في زيادة أعداد القتلى والمصابين بينهم

ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان السبت (إ.ب.أ)
ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان السبت (إ.ب.أ)
TT

العرب في الداخل الإسرائيلي بلا ملاجئ تحميهم... وكفاءة دفاعية أقل

ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان السبت (إ.ب.أ)
ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان السبت (إ.ب.أ)

فتَحَ مقتل عدد متزايد من فلسطينيّي الداخل بصواريخ أو شظايا، خلال اعتراض صواريخ أُطلقت من لبنان، نقاشاً قديماً في إسرائيل، حول التمييز الصارخ بين اليهود والعرب، وأثار الجدل مجدّداً حول لماذا يحظى اليهود بملاجئ عامة وخاصة ولا يحظى العرب بذلك؟ وهل فعلاً تحمي القبة الحديدية التجمّعات اليهودية وتتجاهل العربية؟

جاءت الأسئلة الجديدة بعد مقتل فلسطينيين يوم الخميس هما: الأم مينا حسون (60 عاماً)، وابنها كرمي حسون (30 عاماً)، بينما أُصيب رجل (71 عاماً) بجروح طفيفة، إثر سقوط شظايا صاروخية في كرم زيتون بالقرب من مدينة شفاعمرو، الواقعة في منطقة الجليل (شمال)، وينضم هؤلاء إلى 4 آخرين قُتلوا في هجمات سابقة من لبنان، وهم: ميخائيل سمارة في 9 أغسطس (آب) الذي قُتل بشظايا جنوب نهاريا، وحسن سواعد وأرجوان مناع في 25 أكتوبر (تشرين الأول) في مجد الكروم، بشظايا لصواريخ اعتراضية، ومحمد قيطان في 29 من الشهر نفسه (أكتوبر) في ترشحيا بقذيفة مباشرة.

والسبت، أصاب صاروخ مبنى مكوَّن من عدة طوابق بمدينة الطيرة في المثلث (شمال)، وكاد أن يتسبّب بكارثة بعدما أصاب 11 شخصاً كانوا خارج الشقة في طريقهم لإخلاء المبنى.

القبة الحديدية أقل تأهّباً في الأحياء العربية

وقال رئيس بلدية الطيرة، مأمون عبد الحي، إن القبة الحديدية لا تعمل بذات الكفاءة في البلدات العربية. وأضاف في حديث للهيئة العامة الإسرائيلية (مكان) أنهم لا يقومون باستعمال القبة بالشكل المناسب كما يستعملونها في البلدات والقرى اليهودية. وأضاف أنه أبلغ الجبهة الداخلية الإسرائيلية بذلك، وطلب منهم توفير الحماية فعلاً، وهو طلب متكرر حتى قبل الحرب.

ولا توجد أرقام دقيقة حول عدد الاعتراض أو التجاهل لصواريخ كانت تستهدف مناطق يهودية وعربية، غير أن عبد الحي أصرّ على أن تحييد الصواريخ أقل في الوسط العربي، وعدد الإصابات أكبر.

لكن هل طريقة عمل النظام الدفاعي هي المُلامة فقط؟ يبدو الجواب عن هذا السؤال «لا» مؤكَّداً؛ إذ إن هناك أسباباً أخرى قد تكون أكثر أهميةً، منها أن معظم اليهود يملكون ملاجئ خاصة وعامة، لا يملكها العرب.

منزل متضرر في مدينة الطيرة (رويترز)

العرب بلا ملاجئ

واهتمت إسرائيل بالملاجئ منذ تأسيسها، وسَنّت عام 1951 - أي بعد 3 سنوات من قيامها - قانون الدفاع المدني الذي اشترط وجود ملجأ في كل مبنى، وبعد إطلاق العراق صواريخ على إسرائيل عام 1991 أكّدت السلطات قانوناً يفرض على المطوّرين العقاريين بناء الملاجئ في كل مبنى خاص أو عام، وتم لاحقاً بناء ملاجئ عامة كبيرة لم تحظَ بها البلدات العربية.

وأكّد مسؤول أمني إسرائيلي لصحيفة «وول ستريت جورنال» أنه في الوقت الحالي يمتلك نحو 65 في المائة من الإسرائيليين (الذين يعيشون في إسرائيل) غرفة في منازلهم أو شُقَقهم تستخدم ملجأً للحماية من القنابل، أو لديهم ملجأ للحماية من القنابل في طابقهم يخدم عدة شقق، أو يعيشون بالقرب من ملجأ عام، أما البقية فهم على الأغلب يعيشون في مجتمعات الأقلية العربية، والأحياء ذات الدخل المنخفض في المدن، حيث شُيّدت المباني قبل فترة طويلة من سريان قانون الملاجئ، وأشخاص يعيشون في مناطق أفقر.

وحسب معطيات سابقة لجمعية «الجليل» للبحوث الصحية، فإن 70 في المائة من المدن والقرى العربية في الشمال ما زالت خالية من الملاجئ والغرف الواقية برغم انتقادات وتوصيات تقرير لجنة «فينوغراد» للتحقيق في حرب لبنان الثانية. وقال نائب رئيس بلدية الطيرة وليد ناصر، إن مدينته تفتقر فعلاً إلى ملاجئ وأماكن آمنة.

أحياء قديمة واكتراث أقل

أما لماذا لا يوجد ملاجئ عند العرب فالقضية معقّدة؛ إذ يعتقد الجيش الإسرائيلي من ضمن أمور أخرى أن البلدات العربية ليست مستهدَفة من قِبل «حماس» أو «حزب الله» أو إيران، أو أي جهة أخرى، وحتى مع مقتل 18 عربياً في حرب لبنان الثانية، لم يتغير هذا المفهوم، كما أن قسماً كبيراً من البلدات العربية عبارة عن بناء قديم لا يسمح ببناء ملاجئ خاصة، ناهيك عن أن السلطات الإسرائيلية تتّهم بعض العرب بأنهم يبنون من دون تراخيص في مناطق تفتقد خرائط هيكلية، ولا يُظهِرون اهتماماً بحماية بيوتهم.

رجل أمن أمام موقع سقوط صاروخ في مدينة الطيرة العربية شمال إسرائيل (أ.ف.ب)

ولا يمكن تجاهُل أن العرب يبدون أقل حيطةً وحذراً، وأكثر لامبالاةً؛ إذ يمكن مشاهدة آلاف الفلسطينيين في الضفة وإسرائيل وهم يتابعون عمليات إطلاق صواريخ على إسرائيل، وأظهرت لقطات فيديو مؤخراًَ كثيراً من المواطنين العرب وهم يراقبون ويقومون بتوثيق الهجمات والاعتراضات في سماء المنطقة التي يعيشون فيها، وكان بعضهم يهتف أو يطلق صافرات، أو يقدّم تغطية حية، بينما يكون معظم اليهود قد ولجوا فعلاً إلى الملاجئ.

وأطلق مسؤولون عرب في إسرائيل نداءات إلى الجماهير بعدم التجمع قبل وأثناء وبعد القصف، واشتكى رؤساء بلديات من أن آلاف السكان لا يلتزمون بالتعليمات.

وقال عبد الحي، رئيس بلدية الطيرة، إن آلافاً من مدينته هرعوا إلى المبنى المتضرر بالقصف يوم السبت، غير آبِهين بأنه قد تكون هناك صواريخ أخرى. وأضاف: «قبل أن نوجّه اللوم للحكومة يجب علينا الالتزام بالتعليمات، علينا أن نأخذ الحيطة والحذر».

وسقط معظم القتلى العرب في السهول والمناطق المكشوفة، بما في ذلك الأم وابنها عندما كانا يقطفان ثمار الزيتون، وحتى مع وجود ملاجئ قريبة عادةً لا يتوجه لها العرب.

وهناك 3 أنواع رئيسية من الملاجئ في إسرائيل؛ «مماد» وهي غرفة محصّنة تُستخدم ملجأً في الشقة الخاصة الواحدة، و«مماك» وهو ملجأ جماعي يوجد في مبنى خاص كالعمارة السكنية، ويكون مخصصاً لجميع سكان المبنى، و«ميكلت» وهو ملجأ جماعي عام يوجد خارج المباني والبنايات في الشارع العام، بالإضافة إلى الملاجئ الموجودة تحت الأرض.

وتُطالب السلطات من لا يملك ملجأ بالتوجه إلى «بيت الدرج»، وخلال الحرب الحالية جدّدت إسرائيل مئات الملاجئ في الشمال والوسط والجنوب، بما في ذلك في تل أبيب التي يوجد فيها 168 ملجأً عاماً تحت الأرض، و356 ملجأً داخل المؤسسات التعليمية أو المباني البلدية الأخرى، بالإضافة إلى ملجأ خاص تقريباً في كل بيت.


مقالات ذات صلة

انتخابات إسرائيل: المعارضة تحاول تقليل الصراعات... وهجمة لشطب المرشحين العرب

شؤون إقليمية صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب «الليكود» بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

انتخابات إسرائيل: المعارضة تحاول تقليل الصراعات... وهجمة لشطب المرشحين العرب

يوماً بعد آخر، تنتقل الانتخابات الإسرائيلية إلى مراحل أكثر سخونة، وفيما سعت قوى المعارضة لتقليل صراعها الداخلي، تدرس لجنة الانتخابات شطب مرشحين عرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

نصف رجال عرب إسرائيل لا يشعرون بـ«الأمان الشخصي»

يعاني عدد كبير من عرب إسرائيل ضائقة نفسية وأضراراً صحية جسدية من جراء سياسة الحكومة التي تشجع العنف وتنتهج سياسة تمييز حتى في المجال الطبي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي ر

سجال انتخابي إسرائيلي حول «هزيمة حماس»... وتضارب عسكري

استدعى المتنافسون في الانتخابات الإسرائيلية ملفاً للمزايدة اليمينية الداخلية حول إتمام هزيمة حركة «حماس» خلال الحرب الممتدة معها منذ حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول)

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يرى أن «حكومة وحدة» قد تكون ورقة نجاة... ويدرس تغيير خطابه

نتنياهو يجد نفسه لأول مرة في وضع خاسر قبل الانتخابات، ويخشى من تحالف «كتلة التغيير» المعارضة والعرب، ويفكر في «حكومة وحدة».

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي النائب العربي في الكنيست منصور عباس (يسار) يصافح السياسي الإسرائيلي يوآف سيغالوفيتش لدى إعلانهما خوض الانتخابات في قائمة موحدة (إ.ب.أ)

انتخابات إسرائيل تحتدم: سياسي يهودي في قائمة عربية... ونظريات مؤامرة

احتدمت أجواء الانتخابات الإسرائيلية مع انضمام سياسي يهودي إلى حزب عربي في خطوة غير مسبوقة، كما روجت سارة نتنياهو لنظريات مؤامرة عن أحد قيادات المعارضة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
TT

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)

ستقوم الولايات المتحدة بتسليم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد، الذي تعرّض للاستهداف مراراً من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران خلال الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية العراقية الخميس.

وأفادت الوزارة بأن وكيلها للعلاقات الثنائية والقائم بالأعمال الأميركي وقّعا الخميس «اتفاق تسليم الحكومة العراقية موقع الدعم الدبلوماسي التابع للسفارة الأميركية في مطار بغداد الدولي»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أن الخطوة «تأتي... في إطار جهود الحكومة العراقية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بإنهاء مهمة التحالف الدولي والوجود العسكري الأجنبي في العراق، وفق الجدول الزمني المحدد في 30 سبتمبر (أيلول) 2026».

ودعت الجماعات الحليفة لإيران على مدى أعوام إلى خروج القوات الأجنبية المنتشرة في العراق ضمن «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن لمحاربة تنظيم «داعش». وهي لطالما استهدفت المنشآت والمصالح الأميركية في البلاد.

وخلال حرب الشرق الأوسط، استهدفت تلك الجماعات مواقع أميركية أكثر من 600 مرة، بما في ذلك منشأة مطار بغداد.

وأفاد مسؤول أمني عراقي ومصدر دبلوماسي «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق من هذا الشهر بأن القوات الأميركية أخلت المنشأة.

واتفقت بغداد وواشنطن في عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف التي بدأت قبل ذلك بعشرة أعوام عقب سيطرة التنظيم المتطرف على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه.

ولا تزال قوات التحالف منتشرة حالياً حصراً في مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

ولطالما شكّل وجود التحالف، خصوصاً بعد هزيمة تنظيم «داعش» في أواخر عام 2017، مصدر توتر بين السلطات العراقية والفصائل.

منذ توليه منصبه هذا العام، تعهّد رئيس الوزراء علي الزيدي باحتكار الدولة للسلاح وتسليم الفصائل لترسانتها.

وتقول السلطات إن إنهاء مهمة التحالف يزيل مبرراً رئيسياً تستند إليه تلك الفصائل للاحتفاظ بأسلحتها.


السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

حضّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان المجتمع الدولي على الحفاظ على «حل الدولتين» لضمان تحقيق السلام في الشرق الأوسط. في حين رأى نظيره النرويجي أسبن بارث إيدي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك كايا كالاس، أن قيام دولة فلسطينية «ليس هدفاً بعيد المنال»، محذرين مع عشرات المسؤولين الكبار في العالم من أخطار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستمرار القتال في غزة.

وترأس الأمير فيصل بن فرحان اجتماعاً موسعاً مع إيدي وكالاس على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس، وأكد أن «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حق أصيل وأساس للسلام، وليس نتيجة نهائية يتم التفاوض عليها ضمن عملية سياسية بعيدة المنال»، واصفاً تنفيذ حل الدولتين بأنه «الحل الأمثل لكسر حلقة الصراع والمعاناة».

وكانت المملكة العربية السعودية وفرنسا قد قادتا المؤتمر الدولي الأول حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين عام 2025، مما أدى إلى تنامي الاعترافات الدولية بفلسطين كدولة. واتسع هذا الزخم هذا العام بانضمام كل من بريطانيا وكندا إلى قيادة هذا الجهد لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

التوسع الاستيطاني يغيّر الضفة

وقال وزير الخارجية السعودي إن التوسع الاستيطاني في الضفة يغيّر الواقع على الأرض، مؤكداً أن المملكة ستظل داعمة لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولفت إلى أن الحفاظ على حل الدولتين «لا يتعلق بالحفاظ على شعار دبلوماسي، بل بالحفاظ على إمكانية بناء مستقبل مختلف، وهو فلسطين دولة واحدة تنعم بالسلام، ذات سيادة، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن واستقرار على خطوط 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

وعبّر فيصل بن فرحان عن تطلع المملكة إلى «مستقبل مشرق يُرى فيه أطفال المنطقة العربية يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم، وعائلات من مختلف الأديان والأصول لا تشارك الأرض فحسب، بل تشارك مستقبلاً واحداً».

وكان وزير الخارجية النرويجي يتحدث خلال اجتماع وزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين على هامش اجتماعات الدورة السنوية الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكد أن التحالف يعرف وجهته بالفعل، قائلاً إن «الهدف الأساسي لهذا التحالف العالمي هو تنفيذ حل الدولتين. نحن نعرف تماماً ما هو الهدف. لسنا بحاجة لمناقشة الهدف، بل نحتاج لمناقشة التنفيذ».

وأكد أن إعلان نيويورك، وخطة السلام الشاملة لغزة، وقرار مجلس الأمن رقم «2803»، تشكل الآن «نقطة مرجعية مشتركة وإطاراً لتحقيق حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة». لكنه حذر من أن شروط إقامة هذه الدولة تتلاشى؛ ولذلك «علينا أيضاً التأكد من منع اختفاء الشروط المسبقة تماماً، بحيث يصبح من المستحيل بناء حل الدولتين، وبناء فلسطين موحدة. وهذا يتطلب تحركاً فورياً». وأوضح أن أكثر من 90 دولة تعمل «على أساس دولتين: إسرائيل وفلسطين، قادرتين على العيش بسلام مع بعضهما».

وفي حديثه بصفته الوطنية، حدد إيدي أربع أولويات نرويجية: أولاً، كان اعتراف «أوسلو» بفلسطين يهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ«حق النقض الفعلي» الذي نشأ عن انتظار المفاوضات بين الأطراف فقط، كما كان الحال خلال عملية «أوسلو». وأضاف: «أُلغي هذا الحق الآن». كما تحظر النرويج التجارة مع المستوطنات، وتُميز بين إسرائيل وفلسطين «وفقاً للقانون الدولي، والأحكام الأخيرة لمحكمة العدل الدولية، والسياسات المتبعة منذ زمن طويل».

وثانياً، أكد أنه لن تقوم دولة فلسطينية دون مؤسسات وطنية فاعلة. وتقدم النرويج دعماً مالياً للحكومة الفلسطينية، وأعلنت عن زيادة في هذا الدعم. ودعا ثالثاً إلى إحراز تقدم في المرحلة التالية من خطة غزة المكونة من 20 بنداً، بما في ذلك مسارها نحو إقامة دولة فلسطينية. وحدد رابعاً أن المنطقة بحاجة إلى إطار أمني أكثر شمولاً.

كالاس: حظر التأشيرات لم يمنع الدعم

وهذا ما قالته أيضاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، مشيرة إلى أن 142 دولة أيدت إعلان نيويورك قبل عام باعتباره «مظهراً من مظاهر دعم الأكثرية الساحقة من دول العالم، ليس فقط لإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، بل أيضاً لتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك».

وأشارت إلى عدم تمكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من الحضور شخصياً بسبب حظر تأشيرات الدخول الأميركية، فانضم عبر الفيديو. وأكدت أن غيابه لم يُخفِ الثقل السياسي في القاعة، قائلة: «إذا نظرتم حولكم، سترون أن ثقل العالم يقف وراء بناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني». وأشادت بالجهود الدبلوماسية الأميركية والإقليمية التي أثمرت خطة غزة الشاملة التي أُقرت لاحقاً في القرار «2803»، وقالت إن السلطة الفلسطينية أحرزت «تقدماً ملموساً في الإصلاح في ظل ظروف بالغة الصعوبة».

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وأضافت أن الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف أحرز تقدماً في العمل على نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي. وحذرت من أن «طموح تحالفنا العالمي، بل إعلان نيويورك، يتعارض بشكل متزايد مع الحقائق الصعبة على أرض الواقع». وأضافت أنه في غزة «لا يزال التقدم على أرض الواقع محدوداً للغاية. فالضربات مستمرة، والحاجات الإنسانية لا تزال ملحّة، والعديد من الالتزامات لم تُترجم بعد إلى تحسينات ملموسة». وأشارت كذلك إلى أنه في الضفة الغربية «يستمر العنف المتواصل، فضلاً عن التوسع الاستيطاني»، في تقويض حل الدولتين. وتابعت أن «مهمتنا اليوم ليست إعادة تأكيد دعمنا لهدف هذه الحركة، بل سد الفجوة بين الالتزامات والإجراءات والواقع على الأرض، والانتقال من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن إلى تحقيقه».

وأشارت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل على استقرار اقتصاد الضفة الغربية، وإطلاق عملية إنعاش مبكرة في غزة من خلال مبادرة «فريق غزة»، وتنفيذ مشاريع تجريبية في مجالَي النفايات والمياه. وخلصت إلى أن مسؤولية التحالف تكمن في إثبات أن تعايش دولتين جنباً إلى جنب «يظل الخيار الأمثل لبناء سلام شامل وعادل ودائم لفلسطين وإسرائيل، وللمنطقة بأسرها».

وتحدث في الجلسة كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونائب رئيس الوزراء الباكستاني وزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونظيره المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية أيمن الصفدي، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريز، ووزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكنتي، ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، ووزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، ووزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وغيرهم.


لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
TT

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

أثار لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في نيويورك تساؤلات بسبب غياب أعضاء الوفد العراقي بالكامل، بعد يوم واحد من الإعلان عن تأجيل إكمال خطة حصر السلاح إلى يونيو (حزيران) 2027.

وأظهرت صورة وزعها المكتب الإعلامي للحكومة العراقية، مساء الأربعاء، الزيدي بمفرده خلال اللقاء الذي حضره ترمب وافقه مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، من بينهم وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، ووزيرة الخزانة سكوت بيسنت.

وقال مكتب الزيدي، إنه بحث مع ترمب، الجهود التي يبذلها العراق والولايات المتحدة الأميركية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

ولم تقدم الحكومة أي تفسير بشأن غياب الوفد العراقي الذي كان يضم وزراء الخارجية والمالية والكهرباء ومسؤولين آخرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع متعدد الأطراف مع «مجلس التعاون الخليجي» إلى جانب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عدم ارتياح أميركي

ربط معلقون عراقيون حضور الزيدي الاجتماع بمفرده إلى شكوك أميركية باحتمالات تسريب النقاشات بين الرئيسين من خلال أعضاء في الوفد لديهم تمثيل سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» المقرب من إيران.

وقال سياسي عراقي مقرب من قيادة «ائتلاف إدارة الدولة»، إن طريقة عقد اللقاء «تعبير عن عدم ارتياح أميركي خصوصاً من ترمب بشأن ما تبدو عليه خطوات متعثرة لحصر السلاح بيد الدولة حتى الآن».

وحسب تصريحات رسمية، فإن 30 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يكون موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل سيكون منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو من العام المقبل.

ومن الواضح أن رئيس الحكومة علي الزيدي، الذي يزور نيويورك هذه الأيام، تمكن من إقناع الأميركيين بالحصول على مهلة إضافية لحصر السلاح، لا سيما بعد ما تبنى الموعد الجديد المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك.

وقال صلاح العرباوي، وهو سياسي عراقي مستقل، إن «الوقت لا يزال مبكراً للحكم ما إذا كان الجدول الزمني الذي سيتم الإعلان عنه نهاية الشهر سيرجح كفة أي من أطراف الصراع السياسي على سلاح الفصائل».

ودعا العرباوي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، القوى السياسية العراقية إلى «التعامل مع ملف السلاح بعقلانية وهدوء»، مفترضاً أن «الزيدي تمكن على الأقل حتى الآن من إعادة ضبط خطة حصر السلاح بعدما تعثرت خلال الأسابيع الماضية».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

«هندسة العلاقات»

مع ذلك، يرى الخبراء أن النقاشات الأخيرة حول تعديل خطة حصر السلاح يمكن أن تتحول إلى فرصة لتحسين العلاقات العراقية الأميركية. وقال الباحث عباس عبود إن العلاقة العراقية - الأميركية تشهد إعادة هندسة من خلال المهمة التي يقوم بها مبعوث الرئيس الأميركي للعراق توم باراك عبر تبني الملفين العراقي والسوري.

وأوضح عبود في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «العلاقات العراقية مع حلفاء واشنطن في المنطقة أصبحت تمر من خلال البيت الأبيض على أساس فك الارتباط العراقي مع إيران».

وكان وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيراً مباشراً إلى بغداد، مشدداً على ضرورة «نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق»، بالتزامن مع ضغوط متنامية على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد روبيو دعم الولايات المتحدة لحكومة علي فالح الزيدي في مساعيها من أجل ترسيخ سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة.

وحذر روبيو من أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يقود إلى تفتيت الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها.

وتتزامن تصريحات الوزير الأميركي مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومع إعادة بغداد ترتيب الجدول الزمني لعملية حصر السلاح.

وكان الزيدي عرض خطة تقضي ببدء مرحلة تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، على أن تستكمل عملية نقل السلاح إلى الدولة بحلول 30 يونيو 2027.