حمدوك: السودان يمر بأكبر كارثة في تاريخه

طالب بحظر للطيران لحماية المدنيين

TT

حمدوك: السودان يمر بأكبر كارثة في تاريخه

رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك (رويترز)
رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك (رويترز)

قال رئيس وزراء السودان السابق، عبد الله حمدوك، الذي يرأس حالياً تحالفاً مدنياً كبيراً تحت اسم «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية»، المعروفة اختصاراً بـ«تقدم»، إن أولوياته القصوى الآن هي العمل على وقف إطلاق النار، ومعالجة الأزمة الإنسانية وحماية المدنيين، وأخيراً الدخول في عملية سياسية شاملة لإنهاء الحرب.

وأضاف، خلال زيارة له إلى بريطانيا، أن السودان «يمر بأكبر كارثة في تاريخه، وتهدد وجوده؛ إذ يمكن أن نصبح غداً ولا نجد السودان كما نعرفه، فلا بد إذن أن نحرص على بقائه ونعض عليه بالنواجز. فهناك قوى شريرة تعمل على تمزيقه، هذه القوى الظلامية سيطرت على مقدرات السودان طيلة 30 عاماً، وأجهضت كل شيء جميل فيه، أجهضت مؤسساته وخيراته».

وتابع، في ندوة نظمها تحالف «تقدم» في لندن: «أمامنا الآن معسكران... الأول للسلام والخير والديمقراطية والحرية... والآخر للظلام والحرب والخراب والدمار. والخيار هنا واضح جداً بين الاثنين. فالحرب لا يمكن أن تحقق شيئاً، ولا يمكن السيطرة على مقدرات البلد. أعظم إنجازات شعبنا تحقق عندما توحدنا، اختلفنا في زمن الاستعمار بين الاستقلال والاتحاد، وعندما توحدنا نلنا استقلالنا، ثم توحدنا مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1965 وأنجزنا أعظم ثورة حينها، ونفس الشيء تكرر في أبريل (نيسان) 1985. وأخيراً جاءت ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 امتداداً لهذا الإرث العظيم. وهي ثورة مستمرة ولن تُهزم أبداً».

نظام الفصل العنصري

قيادات من تنسيقية «تقدم» خلال ندوة في لندن الأربعاء (موقع «تقدم» على فيسبوك)

وقال حمدوك أيضاً إن «ما يحفزنا الآن يحفزنا أكثر في المضي بطريق الشهداء، وأكبر نصر لهم هو أن نخلق بلداً ديمقراطياً نفخر به جميعاً. فهذه الحرب اللعينة خلقت قدراً كبيراً من التشظي. الآن الناس يموتون بسبب الهوية والإقليم. قوى الظلام خلقت قانوناً جديداً أسموه (قانون الوجوه الغريبة)، لا شيء يشبه هذا القانون إلا نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لكن الشعب السوداني سيعزلهم ويهزمهم لا محالة».

وتابع رئيس الوزراء السابق: «المطلوب الآن رصّ الصفوف لتكوين أكبر جبهة معادية للحرب، ونحن نعمل في تنسيقية (تقدم) لتأسيس جبهة واسعة من السودانيين على مختلف توجهاتهم. نحن بلد قائم على التعدد، والتعدد هو نعمة وليس نقمة. نريد خلق أكبر جبهة عريضة ضد الحرب، ولا بد أن نحتمل خلافاتنا من أجل البلد، ونذهب إلى الأمام لهزيمة قوى الشر والفساد والظلام. نكوّن جبهة ضد الحرب ومع السلام».

كما قدم حمدوك محاضرة في معهد «تشاتام هاوس»، أحد أكبر الدور البحثية لاتخاذ القرارات ورسم الخطوط العريضة للسياسات الخارجية في بريطانيا، قال فيها: «نحن بحاجة إلى وجود آلية رقابة قوية» في السودان. وأضاف أنه «يجب التفكير في فرض حظر للطيران لتوفير مناطق آمنة داخل البلاد... حتى اللحظة التي يجب أن نتحدث فيها بوضوح عن إدخال قوات على الأرض لحماية المدنيين، وهذه قضية مهمة للغاية».

الدكتور عبد الله حمدوك خلال ندوة في لندن الأربعاء (موقع «تقدم» على فيسبوك)

ودعا حمدوك لمعالجة وضع اللاجئين في دول الجوار، مناشداً المجتمع الدولي الوفاء بتعهداته. وبشأن وقف المساعي لإطلاق النار، قال: «يجب دمجها بحيث تكون جزءاً من العملية السياسية، وأن تستند على الاتفاقيات القائمة، وإيجاد آلية رصد فعالة عبر التكنولوجيا والأقمار الاصطناعية».

عملية تشاركية

وأكد حمدوك أن الحوار السياسي يجب أن يكون شاملاً ومملوكاً للسودانيين، وهذا يتطلب تصميم عملية تشاركية تكون القوى المدنية جزءاً منها. وحض رئيس الوزراء السابق المجتمع الدولي على ممارسة المزيد من الضغوط على طرفَي الحرب لوقف إطلاق النار فوراً، كما ناشد كل الفاعلين في الشأن السوداني المساهمة الإيجابية والبنّاءة في دعم جهود التسوية السلمية.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو أيام تحالفهما (أرشيفية)

وعبّر حمدوك عن زهده في العودة إلى منصب رئيس الوزراء مرة أخرى، قائلاً: «لقد استقلت وغادرت، وعدت بعد اندلاع الحرب، لا يمكنك أن ترى بلدك يحترق وتكتفي بالمشاهدة». وأضاف: «عشية اندلاع الحرب في 15 أبريل العام الماضي، أجريت اتصالات هاتفية مع رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومع قائد (قوات الدعم السريع) محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وناشدتهما أن يفعلا أي شيء لتجنب الحرب». وأضاف: «إن مهمتي تنتهي في اليوم الذي تتوقف فيه الحرب، فهناك آلاف السودانيين المؤهلين لقيادة السودان في المرحلة المقبلة».

وأكد رئيس الوزراء السابق، خلال مشاركته في قمة أفريقيا تحت شعار: «تحقيق نمو مستدام في أفريقيا»، أنه لا توجد حلول عسكرية للحرب في السودان، وأن الحل الوحيد هو التفاوض السلمي الذي يوقف القتال، ويعالج الأزمة الإنسانية، ويستعيد الحياة الديمقراطية المدنية في البلاد. وشدد حمدوك على أهمية توحيد المبادرات تحت مظلة عملية سياسية واحدة ذات مسارات متعددة لوقف الحرب. وقال إن تحالف «تقدم» يمد يده لكل القوى الوطنية المناوئة للحرب والحريصة على إنقاذ السودان من التمزق، لوقف الحرب واستعادة التحول المدني الديمقراطي.


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال سودانيون من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 21 نوفمبر 2025 (رويترز)

«الدعم السريع»: لجنة تحقيق في أحداث كردفان

جددت «قوات الدعم السريع» استعدادها لقبول «أي مبادرة سلام أو هدنة إنسانية»، وكشفت عن تشكيل «لجنة تقصي حقائق» بشأن هجمات دامية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة، وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا في ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

كشف تقرير حديث لـ«الخارجية الأميركية» عن توجه واشنطن لاعتبار الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي لموقعها الاستراتيجي، دون أن يمس ذلك حدود الصومال.

ويتوقع خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الإقليم وواشنطن بصدد «صياغة جديدة قائمة على شراكة أمنية تتوسع دون التقييد بمعضلة الاعتراف، وسط تباين بشأن المستقبل وإمكانية إعطاء الإقليم شرعية دبلوماسية».

والإقليم الانفصالي يملك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، ولا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991، إلا من تل أبيب في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ولا يزال ميناء بربرة الاستراتيجي التابع للإقليم محل صراع نفوذ إقليمي ودولي في تلك المنطقة.

وأرسلت «الخارجية الأميركية» تقريراً حديثاً إلى الكونغرس لعام 2026 بشأن المجالات المحتملة لتعزيز انخراط الولايات المتحدة مع «أرض الصومال»، مؤكدة أن «واشنطن معترفة بسيادة الصومال ووحدة أراضيه بما فيها أرض الصومال»، معتبرة أن المنطقة الانفصالية جزءاً من جمهورية الصومال الفيدرالية.

وأشار التقرير إلى أن «أرض الصومال» تعدّ شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي؛ لموقعها الاستراتيجي وقربها من اليمن ومضيق باب المندب.

وأضاف أن موقع أرض الصومال الجغرافي قد يساعد في جهود مراقبة ومكافحة التنظيمات المتطرفة العنيفة، وخاصة الروابط بين جماعة الحوثيين وحركة «الشباب»، موضحاً أن «القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا تجري اتصالات منتظمة مع سلطات أرض الصومال، وتبحث مجالات التعاون المحتملة».

الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، ترى أن هذا النهج الأميركي في «أرض الصومال» يعكس اتجاهاً أوسع في السياسة الخارجية الأميركية، يركز على التعاون الأمني بمعزل عن الاعتراف الرسمي.

و«توسع أنشطة الحوثيين في البحر الأحمر، والمخاوف بشأن شبكات تهريب الأسلحة، واستمرار حركة )الشباب)، أدت إلى خلق ضغوط تتجاوز النزاعات الدستورية الداخلية في الصومال، وعقد شراكات مع جهات قادرة على تحقيق نتائج عملية، بدلاً من مجرد امتلاك وضع قانوني دولي»، وفق تسوكرمان.

شاب يحمل علم «أرض الصومال» أمام النصب التذكاري لحرب هرجيسا (أ.ف.ب)

فيما يرى المحلل السياسي في «أرض الصومال»، عبد الكريم صالح، أن هذا التقرير الأخير حال تنفيذه، ستجني هرجسيا فوائد جمة على الصعيد الاقتصادي والأمني والاستثماري، حيث ستعمل الولايات المتحدة وأرض الصومال معاً بشكل مباشر، وهذه خطوة مهمة تسبق الاعتراف الرسمي الذي يمكن أن تتخذها واشنطن في المستقبل ضمن خطوات أخرى.

وينبه صالح إلى أن «الولايات المتحدة لها وجود في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتتمركز قواتها في جيبوتي. وإن ترسيخ وجودها في بربرة سيسهل على الولايات المتحدة المساعدة في تأمين باب المندب ومراقبة الأنشطة التي تهدد أمن هذا الممر البحري المهم».

وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير الرئاسة في أرض الصومال، خضر حسين عبدي، إنهم «مستعدون لمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن والقواعد العسكرية، في إطار مساعي الحصول على اعتراف دولي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وجاء ذلك السعي الحثيث للإقليم بعد نحو شهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم وسط رفض عربي وإسلامي.

وفي مايو (أيار) 2025، التقى وزير خارجية أرض الصومال، عبد الرحمن طاهر آدم ووفد مرافق له مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية في واشنطن، وركزت المحادثات على «تعزيز الأمن الإقليمي، والتعاون بين الولايات المتحدة وأرض الصومال»، وفق بيان «خارجية الإقليم».

وعن المستقبل، يرجح صالح أنه من الممكن أن يتبع ذلك الاعتراف الرسمي بمجرد ترسيخ العلاقات بين أرض الصومال والولايات المتحدة، مستدركاً: «إلا أنه من غير المعروف متى سيحدث ذلك، سواء هذا العام أو العام المقبل».

حول إمكانية أن تعلن واشنطن الاعتراف الرسمي بأرض الصومال في المستقبل، لا تستبعد تسوكرمان، هذا التطور، مستدركة: «لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط ليست الاعتراف، بل التوسع التدريجي للعلاقات الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، بما يُشبه شراكة بين دولتين في الواقع، مع بقائها رسمياً ضمن حدود الصومال المعترف بها دولياً».

وسبق أن حذر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»، فبراير 2025، من أن بعض المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعون لدفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

وبتأكيد واشنطن احترام حدود الصومال، يعتقد صالح أن «الولايات المتحدة تنظر باستمرار إلى أرض الصومال من منظور مصالحها الخاصة، ولا سيما موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل».

ولا ترجح تسوكرمان أن تُرحب مقديشو بهذا التطور سياسياً، لكنها قد تجد نفسها مُقيدة بشكل متزايد في قدرتها على معارضته، خاصة إذا ما جادل المسؤولون الأميركيون بأن التعاون مع أرض الصومال يُسهم بشكل مباشر في مكافحة الإرهاب وحماية التجارة البحرية، متوقعة أن يسعى القادة الصوماليون إلى الحصول على ضمانات بأن التعاون الأمني لن يتطور إلى اعتراف دبلوماسي، أو اتفاقيات دفاع ثنائية، أو ترتيبات تُشير إلى قيام دولة.


مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
TT

مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

تراجع الزحام المعتاد لدى أحد محال بيع الذهب بمنطقة العمرانية في محافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، بعد قرار الجمارك المصرية رفع قيمة المصنعية على المشغولات الذهبية بقيمة 10 في المائة، وهو ما أثَّر على حركة الشراء.

ورغم أنَّه من المفترض تطبيق القرار رسمياً بداية من يوليو (تموز) المقبل، فإنَّ كثيراً من المتاجر بدأت تطبيقه بالفعل منذ الأحد.

يقول مهدي عبد الوهاب، صاحب محل لبيع المصوغات الذهبية في العمرانية، لـ«الشرق الأوسط»: «إن المصنع يرفع المصنعية على المحال، فيتم رفعها على المشترين»، الأمر الذي تسبَّب في ربكة بسوق الذهب بين الطرفين، أصحاب المحال والمشترين للذهب، في ظلِّ حرص كثيرين على اقتناء السبائك للادخار.

وأصدرت مصلحة الجمارك منشوراً، الاثنين، بشأن تحديث متوسطات قيمة التشغيل (المصنعية) على المشغولات البلاتينية والذهبية والفضية والأحجار الكريمة، في ضوء بروتوكول بين مصلحة الضرائب المصرية، وشعبتَي تجار وصناع المشغولات الذهبية والفضية، ينصُّ على «زيادة متوسط قيمة المصنعية على المشغولات المحلية بنسبة 10 في المائة، اعتباراً من الأول من يوليو المقبل، وحتى نهاية يونيو (حزيران) 2027».

وبذلك ارتفع متوسط المصنعية لغرام الذهب عيار 21 إلى 64.41 جنيه، ولغرام الذهب عيار 18 إلى نحو 96.64 جنيه، قبل إضافة ضريبة القيمة المضافة البالغة 14 في المائة.

جلست سيدة أربعينية، تحفَّظت على ذكر اسمها، تتأمل وتعاين خاتماً جديداً لدى «محل» عبد الوهاب، بعدما باعت له مصوغات قديمة، وظلت تفاوضه لتقليل سعر المصنعية. هذه السيدة كانت ضمن مجموعة من الزبائن أتوا لمحله، الثلاثاء، بعضهم يسأل عن «سبائك»، في «تراجع واضح لحركة البيع والشراء»، حسب عبد الوهاب.

وشهد سعر الذهب، الثلاثاء، ارتفاعاً طفيفاً مقارنة بيوم الاثنين، وسجَّل غرام الذهب عيار 24 سعر 7654 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً)، وسجَّل غرام 21 سعر 6700 جنيه.

الذهب يجذب صغار المستثمرين للادخار فيه مع ارتفاعات أسعاره (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات)

حالة الركود على شراء المشغولات، لم تصب فقط «محل» عبد الوهاب، بل تعاني منها محلات الذهب بشكل عام في مصر، حسب رئيس «شعبة الذهب» في غرفة القاهرة التجارية، نادي نجيب، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «السوق تتسم بالركود منذ فترة، وبعد قرار زيادة المصنعية من المتوقع أن تتسع حالة الركود أكثر، ويتراجع شراء المشغولات لصالح السبائك، والتي لا تزال مصنعيتها قليلة وثابتة».

ويضيف نجيب أن «قرار زيادة المصنعية ليس مفاجئاً، ففي ظلِّ الفقد الذي يتحمَّله التاجر خلال عمل المشغولات، والذي ارتفع بارتفاع سعر الذهب، ومع زيادة مصاريف التشغيل من كهرباء، وغيرها من المصاريف، كان متوقعاً أن تشهد المصنعية زيادة».

وقرَّرت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي زيادة أسعار الكهرباء على الاستهلاك التجاري بمتوسط 20 في المائة.

وعلى عكس نجيب الذي وصف السوق بـ«راكدة منذ شهور»، فإن عبد الوهاب قال: «الفترة الماضية كانت حركة البيع والشراء فيها جيدة جداً، خصوصاً في الفترات التي كان سعر الذهب يتراجع فيها، وكثيرون يفضِّلون السبائك أو الذهب الكسر (القديم) لانخفاض مصنعيته».

وشهدت سوق الذهب في مصر إقبالاً لافتاً في الفترة الماضية على شراء السبائك الذهبية، التي تعدُّ الوعاء الادخاري الأنسب في ظلِّ انخفاض مصنعيتها، مقارنة بالمصوغات الذهبية، وطرحت شركات الذهب فئات مختلفة من السبائك، بما في ذلك سبائك ربع ونصف غرام.

محل عبد الوهاب لبيع الذهب في منطقة العمرانية الشعبية بمصر (الشرق الأوسط)

وبحسب عبد الوهاب فإن «مَن سيظل مضطراً لشراء المشغولات بعد الزيادة هم المقبلون على الزواج، وهذه الفئة تراجع عدد الغرامات التي تشتريها إلى 6 أو 7 غرامات، بمتوسط 50 ألف جنيه، بعدما كنا نبيع 20 غراماً للعروس الواحدة».

وأشار إلى أن «السوق تشهد ارتباكاً حالياً بين مَن رفعوا المصنعية من الشهر الحالي، ومَن ينتظرون حتى يوليو المقبل».

من جهتها، تراجعت الثلاثينية أميرة محمد، التي تسكن منطقة باب الشعرية (وسط القاهرة) عن قرار شراء مصوغات ذهبية جديدة بعد ارتفاع سعر المصنعية، وقرَّرت البحث عن مصوغات قديمة حتى لا تتحمَّل قيمة المصنعية المرتفعة.

ويبلغ متوسط المصنعية على غرام الذهب القديم 25 جنيهاً، أي أقل من نصف مصنعية المشغولات الجديدة. وهنا تقول أميرة لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى ألا تكون مصنعية المستعمل ارتفعت هي الأخرى بعد القرار الجديد».


انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري - الكوري الجنوبي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء لقائه الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونج في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء لقائه الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونج في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)
TT

انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري - الكوري الجنوبي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء لقائه الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونج في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء لقائه الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونج في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)

تعددت اللقاءات التي أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية، والتي بدأت مطلع هذا الأسبوع، وصولاً إلى عقد الجولة الأولى من «الحوار الاستراتيجي» بين البلدين، الثلاثاء، وهو ما عدّه خبراء تطوراً لافتاً في العلاقات يظهر في خلفيته تطور مماثل على مستوى التعاون العسكري الذي تطور مؤخراً.

والتقى عبد العاطي، الثلاثاء، بالرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ، وقال إن زيارته إلى سول تأتي في إطار البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات المصرية – الكورية، التي تمثل نموذجاً ناجحاً في التعاون، مشيراً إلى الحرص على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

وشارك عبد العاطي ونظيره الكوري الجنوبي، تشو هيون، في الجولة الأولى من «الحوار الاستراتيجي» بين البلدين، وقبلها التقى عبد العاطي بعدد من رؤساء الشركات الكورية وناقش الفرص الاستثمارية، التي تقدمها الحكومة المصرية للشركات الأجنبية بخاصة في «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، فقد أكد عبد العاطي أهمية انعقاد «جولة الحوار الاستراتيجي باعتبارها الأولى من نوعها بين البلدين»، مشدداً على أهمية البناء على نتائج زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتطلع عبد العاطي إلى تعزيز وتيرة الزيارات الثنائية الرفيعة المستوى، بما يسهم في الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية، ويدفع أطر التعاون والشراكة بين البلدين إلى آفاق أرحب، كما أعرب عن تطلعه لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع كوريا الجنوبية، وتفعيل مجلس الأعمال «المصري – الكوري» المشترك، وتنظيم منتدى اقتصادي «مصري - كوري» سنوي، لتعزيز الشراكات بين مجتمعي الأعمال.

وبالتوازي مع التطور اللافت في مجالات التعاون العسكري بين البلدين، الذي أخذ منحى تصاعدياً منذ عام 2022، شهد مجمل العلاقات بين البلدين تطوراً موازياً، ظهر من خلال زيارة الرئيس الكوري إلى القاهرة، وأعقبها محادثات بين وزيري التجارة والصناعة بكلا البلدين في القاهرة «لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين البلدين بهدف توسيع العلاقات الثنائية».

ويجمع مصر وكوريا الجنوبية تعاون عسكري واستراتيجي متنامٍ، يرتكز على التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتتجلى أبرز ملامحه في إبرام اتفاق بين البلدين في عام 2022 يقضي ببيع أسلحة مدفعية من طراز «كيه-9 هاوتزر» الكورية للجيش المصري. بالإضافة إلى تصنيعها محلياً، ومؤخراً شهدت العاصمة الكورية سول افتتاح «مجمع الدفاع المصري» ليكون بمثابة نقطة انطلاق لتنسيق العمليات المشتركة، وتبادل الخبرات العسكرية واللوجستية.

انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري - الكوري الجنوبي الثلاثاء في سول (الخارجية المصرية)

وقال المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء عادل العمدة، إن زيارة عبد العاطي إلى سول تأتي في إطار الدبلوماسية المصرية النشطة، التي تهدف للاستفادة من تطور العلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والعسكرية لكي تنعكس على مجمل العلاقات، مشيراً إلى أن وجود علاقات متقدمة بين البلدين عبر التعاون في تكنولوجيا التصنيع الدفاعي الحديثة يساهم في تعزيز التعاون بمجالات اقتصادية وصناعية أخرى، وهو أمر ترجمه انعقاد أولى جولات «الحوار الاستراتيجي».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر تستفيد من التطور الكوري في المجال العسكري، موضحاً أن هناك علاقات قائمة على تبادل المعلومات بشأن تكنولوجيا التسليح الحديثة، حيث تشارك سول في معارض الأسلحة التي تنظمها مصر دورياً، وفي المقابل تروج مصر للفرص الاستثمارية التي تقدمها للشركات الأجنبية من أجل جذب الاستثمارات الكورية بما يعود بالنفع اقتصادياً.

ويرى العمدة أن افتتاح «مجمع الدفاع المصري» في سول، الشهر الماضي، يتجاوز كونه مجرد افتتاح مبنى إداري، بل منصة لتعزيز التعاون الدفاعي والعسكري بين مصر وكوريا الجنوبية، في وقت تشهد فيه العلاقات العسكرية بين البلدين تطوراً ملحوظاً، ويفتح المجال لمزيد من التعاون في الدفاع الجوي، والصناعات البحرية، والإلكترونيات العسكرية، والطيران.

وشدد العمدة على أن «المجمع يعزز الدبلوماسية الدفاعية المصرية في آسيا، ووجوده يسهّل التواصل المباشر بين المؤسسات العسكرية والصناعات الدفاعية في البلدين، ويمنح مصر حضوراً مؤسسياً أقوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ»، التي أصبحت مركزاً متنامياً للتكنولوجيا العسكرية، كما أن «المجمع» رسالة بأن العلاقات المصرية الكورية انتقلت إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية والتعاون الصناعي والتكنولوجي الطويل الأمد.

وفي 10 مايو (أيار) الماضي احتفلت السفارة المصرية في كوريا الجنوبية بافتتاح مبنى مجمع الدفاع الجديد التابع لها، وفي ذلك الحين وصفه ملحق الدفاع المصري لدى كوريا العميد بحري أحمد الحديدي بأنه «شاهد على قوة العلاقات التاريخية بين مصر وكوريا»، و«رمز لإرادتنا المشتركة نحو مستقبل أكثر تعاوناً وأمناً».

عبد العاطي ونظيره الكوري الجنوبي شو هيون في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية رئيس أركان «الحرب الكيميائية» الأسبق بالجيش المصري، اللواء محمد الشهاوي، أن التقارب العسكري بين مصر وكوريا الجنوبية ليس مجرد صفقات سلاح تم إبرامها بين الطرفين لكنها علاقة اقتصادية وتكنولوجية أعمق بكثير، وهو ما ينعكس إيجاباً على باقي مجالات التعاون.

وأضاف الشهاوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن مصانع الإنتاج الحربي في مصر تستفيد من التكنولوجيا الكورية المتطورة، ويساعد ذلك في تدريب المهندسين وتوطين الصناعة في مصر، مشيراً إلى أن بعض شركات الدفاع الكورية لديها خطوط إنتاج موازية في الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، وهو ما تسعى مصر للاستفادة منه. كما لفت إلى أن الارتقاء بالعلاقات يخدم الجانب الكوري أيضاً، الذي يبحث عن موطئ قدم في الشرق الأوسط وأفريقيا وهو أمر يمكن أن يتحقق من خلال توطين الصناعات الكورية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وغيرها من المناطق الصناعية المتاحة.

وخلال اجتماعه مع عدد من الشركات الكورية، الثلاثاء، سلط وزير الخارجية المصري الضوء على المزايا التنافسية، التي تتمتع بها مصر بعدّها بوابة رئيسية للأسواق الأفريقية في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، فضلاً عن الفرص الاستثمارية الواعدة المتاحة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وأشار إلى الحوافز والتسهيلات التي توفرها الحكومة المصرية للمستثمرين، بما في ذلك تيسير الإجراءات الاستثمارية، وتوفير الأراضي الصناعية، مرحباً بتوسيع الاستثمارات الكورية القائمة وجذب استثمارات جديدة في القطاعات ذات الأولوية.