نعيم قاسم أميناً عاماً لـ«حزب الله»... استعادة الرأس لا القرار

يفتقد إلى «كاريزما» نصر الله وصفي الدين وانتُخب لتمرير المرحلة الانتقالية

الشيخ نعيم قاسم متحدثاً (في أكتوبر 2022) في احتفال في ذكرى اغتيال القيادي في «حزب الله» عماد مغنية (أ.ف.ب)
الشيخ نعيم قاسم متحدثاً (في أكتوبر 2022) في احتفال في ذكرى اغتيال القيادي في «حزب الله» عماد مغنية (أ.ف.ب)
TT

نعيم قاسم أميناً عاماً لـ«حزب الله»... استعادة الرأس لا القرار

الشيخ نعيم قاسم متحدثاً (في أكتوبر 2022) في احتفال في ذكرى اغتيال القيادي في «حزب الله» عماد مغنية (أ.ف.ب)
الشيخ نعيم قاسم متحدثاً (في أكتوبر 2022) في احتفال في ذكرى اغتيال القيادي في «حزب الله» عماد مغنية (أ.ف.ب)

لم يكن إعلان «حزب الله» انتخاب نائب أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم مفاجئاً انطلاقاً من الوقائع التي جعلته «المرشّح الوحيد» في هذه المرحلة بعد اغتيال إسرائيل أمين عام الحزب حسن نصر الله، ومن بعده خليفته رئيس الهيئة التنفيذية هاشم صفي الدين الذي نعاه الحزب في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد ثلاثة أسابيع على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، معلناً أنه قضى «مع عدد من إخوانه المجاهدين».

وأتى خبر انتخاب قاسم الذي يتميّز بخبرته السياسية أكثر منها العسكرية، في مرحلة يعاني فيها الحزب من الإرباك نتيجة اغتيال معظم قادته وغياب مرجعيته السياسية التي كان قاسم قد سلّم القرار بشأنها إلى «الأخ الأكبر» رئيس البرلمان نبيه بري، رغم قناعة الجميع بأن قرار الحزب كان ولا يزال في طهران، وهو ما عكسته مواقف المسؤولين الإيرانيين بشكل واضح.

مع العلم أن معلومات كانت قد أشارت إلى أن قاسم غادر لبنان إلى إيران برفقة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بداية الشهر الحالي، ما يبعده عن خطر عمليات الاغتيال الإسرائيلي التي طالت معظم قادة الحزب.

تهديد إسرائيلي

وسرعان ما وجهت إسرئيل تهديداً غير مباشراً باغتياله، إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، في تغريدة الثلاثاء: «التعيين مؤقت والعد التنازلي بدأ»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

ولم يشر «حزب الله»، في بيان انتخاب قاسم، إلى الشخصية التي ستتولى مهام نائب الأمين العام، واكتفى بالقول «... تمسُّكاً بمبادئ (حزب الله) وأهدافه، وعملاً بالآلية المعتمدة لانتخاب الأمين العام، توافقت شورى (حزب الله) على انتخاب سماحة الشيخ نعيم قاسم أميناً عامّاً لـ(حزب الله)، حاملاً للراية المباركة في هذه المسيرة»، معاهدين «العمل معاً لتحقيق مبادئ (حزب الله) وأهداف مسيرته، وإبقاء شعلة المقاومة وضَّاءة ورايتها مرفوعة حتى تحقيق الانتصار».

إلا أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصدر مقرب من الحزب قوله إنّ انتخاب قاسم جرى قبل يومين وتمّ الإعلان عنه الثلاثاء. وبحسب المصدر، سيشغل قاسم منصب الأمين العام للحزب حتى انتهاء الحرب، على أن يتم انتخاب مجلس شورى جديد يتولى انتخاب الأمين العام.

مرحلة انتقالية

ويعتبر المحلل السياسي علي الأمين أن «اختيار قاسم لمنصب أمين عام الحزب جاء لملء الفراغ في المرحلة الانتقالية لـ(حزب الله) الذي يعاني من الإرباك وعدم القدرة على التشاور».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط»: «اختيار قاسم يعبّر عن مرحلة انتقالية أكثر منه إعادة تأسيس لمرحلة جديدة تعكس خيارات الحزب المقبلة التي لا تزال غامضة طالما أن الحرب لم تنته».ويرى الأمين أن «انتخاب قاسم هو الأقل كلفة بالنسبة إلى (حزب الله) في هذه المرحلة»، مضيفاً: «بالتأكيد لم يكن ليتم انتخاب قاسم لو كانت الظروف عادية ولم تكن هناك حرب».

ملء الفراغ من طهران

وبعد اغتيال رئيس «المجلس التنفيذي» للحزب هاشم صفي الدين، «لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام (حزب الله) لاختيار أمين عام من الصف الأول وشخصية لها تاريخ طويل في الحزب»، بحسب الأمين. ويشير إلى أنه إضافة إلى قاسم، هناك رئيس «المجلس القضائي» الشيخ محمد يزبك (يعاني من وضع صحي)، ورئيس «المجلس السياسي» السيد إبراهيم أمين السيد «وإلا فسينتقلون إلى الاختيار من الصف الثاني، وهذا مستبعد».

من هنا، يلفت الأمين إلى أن «واقع الحزب اليوم هو الذي فرض اختيار قاسم لتولي الأمانة العامة، ولملء الفراغ والقول أن هناك أميناً عاماً للحزب، إضافة الى أن قاسم لم يعد موجوداً في لبنان وهو غادر بيروت إلى طهران».

لا يعني شيئاً

من جانبه، يرى الوزير السابق رشيد درباس أن انتخاب قاسم هدفه القول أنه بات للحزب «مرجعية» بعد الارباك الحاصل في الفترة الأخيرة حول هذا الأمر».

ويقول درباس لـ«الشرق الأوسط» إن أعلان الحزب «لا يعني شيئاً بالسياسة وتحديداً في مفاوضات وقف إطلاق النار، التي كانت ولا تزال تقودها إيران». ويضيف: «انتخاب قاسم في هذه المرحلة أمر طبيعي لأنه نائب الأمين العام، إضافة إلى أن انتخابه لا يشكل خطراً على قيادة الحزب لوجوده في مكان آمن، وإن كان لا يتمتع بالصفات التي يتمتع بها نصرالله الذي أحكم قبضته على الحزب، إضافة إلى أن مهامه الأساسية كانت ترتكز على الشأن السياسي وليس التنظيمي والأمني».

ويرى درباس أن انتخابه هو رسالة بأنه الحزب بدأ استعادة تكوينه، معتبرا أن «حزب الله ضرب ضربات قاسية لكنه بالتأكيد لم ينته بل جسمه لا يزال موجود وله جمهوره».

ظهر 3 مرات منذ اغتيال نصر الله وأكد استعادة الحزب عافيته

وكان قاسم قد ظهر ثلاث مرات منذ اغتيال نصر الله، بصفته نائباً لأمين عام الحزب، كان آخرها في 15 أكتوبر، متحدثاً في السياسة والميدان، ومتوجهاً إلى بيئة «حزب الله»، داعياً إياها إلى الصبر.

وبعدما كان قاسم قد أكد في أول خطاب له أن اغتيال نصر الله خسارة فادحة ومؤلمة، مشدداً في الوقت عينه على أن مقاتلي «حزب الله» صامدون في الميدان، ومستمرون في القتال، أكد في كلمته الثالثة أن «(حزب الله) استعاد عافيته ورمم قدراته ووضع البدائل، ولا يوجد مكان قيادي شاغر فيه، وفي كل مركز توجد قيادة بديلة».

وأكد أن «الحلّ هو بوقف إطلاق النار»، لكنه شدد على أن الحزب ماض في معركته، وأن إسرائيل «ستهزم».

وأشارت بعض المعلومات إلى أن ظهور قاسم المسجل الأول كان من بيروت، فيما الثاني والثالث كانا من طهران، التي غادر إليها خوفاً من تعرضه للاغتيال.

قاسم متحدثاً في مقابلة مع وكالة «رويترز» في عام 2022 (رويترز)

نعيم قاسم: من الرجل الثاني إلى الأمين العام

عيّن قاسم نائباً للأمين العام في 1991 في عهد الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» عباس الموسوي، الذي قُتل في هجوم بطائرة هليكوبتر إسرائيلية عام 1992، وظل قاسم في المنصب عندما تولى نصر الله قيادة الجماعة.

واستمر قاسم لفترة طويلة أحد المتحدثين البارزين باسم «حزب الله» وأجرى مقابلات مع وسائل إعلام أجنبية، مع احتدام أعمال القتال عبر الحدود مع إسرائيل على مدار أكثر من عام حتى الآن.

وُلد قاسم عام 1953 في بيروت لعائلة من جنوب لبنان، وبدأ نشاطه السياسي في حركة «أمل» قبل أن يغادرها عام 1979 في أعقاب تأسيس «الجمهورية الإسلامية» في إيران، التي شكلت الفكر السياسي لعدد كبير من الناشطين الشبان من شيعة لبنان.

وانخرط قاسم في «حزب الله» مع بداية انطلاقته في عام 1982 وعمل بجهد وجدية، لكنه لم يكن من «المؤسسين» له.

وهو كان من المجموعة التي اعتقلها الجيش اللبناني عام 1983 خلال رئاسة أمين الجميل الذي خاض معارك عنيفة مع «الشطر الغربي» من بيروت. حينها لم يكن الحزب معلناً بشكل رسمي، بل كان يعمل وفق إطار مجموعات منفصلة.

استبعد توسّع الحرب ورأى أن قواعد الاشتباك صعّبت الفكرة على إسرائيل

وعلى الرغم من أن «حزب الله» وحلفاءه اليوم يدافعون عن فتح «جبهة إسناد غزة» من الجنوب بالقول إن إسرائيل كانت تعد لحرب على لبنان، كان قاسم يؤكد، كما معظم مسؤولي الحزب، حتى قبل أيام من بدء تل أبيب الحرب الموسعة على لبنان، أنها لن تقدم بهذه الخطوة.

وفي حديث صحافي له نشره الموقع الخاص باسمه، بعد أشهر من بدء الحرب، قال قاسم: «قبل أن تحصل عملية غزة وتنجح فيها فصائل المقاومة لم يكن وارداً عند العدو الصهيوني أن يقوم بعمل عسكري ضد لبنان؛ لأنه منذ عام 2006 هو مردوع بقدرة المقاومة الإسلامية في لبنان وبقرار (حزب الله) بأنه لن يرد على الحرب، وإنما على الاعتداءات التي يمكن إذا رد عليها وتبادل الرد مع الإسرائيلي أن تتحول إلى حرب.

نعيم قاسم مشاركاً في تشييع القيادي في «حزب الله» إبراهيم عقيل والعنصر محمود حمد في شهر سبتمبر الماضي قبل أيام من توسع الحرب الإسرائيلية على لبنان (رويترز)

وأضاف أن «الصهاينة في نقاشهم لا يتحملون هذا المستوى، لذلك لن تكون فكرة الحرب على لبنان واردة حتى عندما يحللون ويهددون يقولون: إذا اعتدى علينا (حزب الله)؛ يعني يعتبرون أنهم سيقومون بردة فعل وليس بفعل»، لافتاً إلى «أن قواعد الاشتباك التي أوجدها (حزب الله) في لبنان، وقواعد الردع التي أصبحت لإسرائيل، صعّبت كثيراً فكرة الحرب الابتدائية من إسرائيل على لبنان».


مقالات ذات صلة

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

المشرق العربي جندي إيطالي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقف حارساً على طريق يؤدي إلى قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (أ.ب)

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

تعتزم قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل» سحب معظم قواتها من لبنان بحلول منتصف عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود يتبعون قوة «يونيفيل» يفحصون مبنى فجرته القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل شخص في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عنصراً في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في قرية كفردونين بجنوب لبنان يوم 25 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل عنصرين من «حزب الله» بغارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، مقتل عنصرين من «حزب الله» كانا يحاولان إعادة تأهيل منشأة تحت الأرض تابعة للجماعة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

صدمت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي.

نظير مجلي (تل أبيب)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».