الانتخابات الأميركية تُحيي جدل انتشار الأخبار المُضلّلة على منصات التواصل

وسط تراجع القيود التنظيمية وتسخير الخوارزميات لدعم حملة دون الأخرى

إيلون ماسك يشارك في فعالية انتخابية لدعم المرشح الرئاسي دونالد ترمب خلال تجمع في بتلر (بنسلفانيا) يوم 5 أكتوبر (أ.ب)
إيلون ماسك يشارك في فعالية انتخابية لدعم المرشح الرئاسي دونالد ترمب خلال تجمع في بتلر (بنسلفانيا) يوم 5 أكتوبر (أ.ب)
TT

الانتخابات الأميركية تُحيي جدل انتشار الأخبار المُضلّلة على منصات التواصل

إيلون ماسك يشارك في فعالية انتخابية لدعم المرشح الرئاسي دونالد ترمب خلال تجمع في بتلر (بنسلفانيا) يوم 5 أكتوبر (أ.ب)
إيلون ماسك يشارك في فعالية انتخابية لدعم المرشح الرئاسي دونالد ترمب خلال تجمع في بتلر (بنسلفانيا) يوم 5 أكتوبر (أ.ب)

مع دخول الانتخابات الأميركية شوطها الأخير، تزداد التساؤلات حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي المعززة بالذكاء الاصطناعي على رأي الناخب وتوجهاته، خصوصاً في ظل انتشار معلومات مغلوطة ومضلّلة على حساباتها من دون حسيب ولا رقيب. يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، مدى تأثير وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي على الانتخابات الأميركية، وأسباب نفوذها وانعكاساتها المحتملة على نتائج الانتخابات.

غياب الرقابة

يقول بول تويد، محامي المشاهير المعروف بـ«محامي هوليوود»، والمختص في دعاوى التشهير ومواجهة التأثير السلبي لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، إنه لا يمكن التحكم بما يقوله الأشخاص أو يفعلونه على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات. لكنه يعتبر أن التحدي الأكبر هو المساءلة والمسؤولية، ويفسّر قائلاً: «تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي نفسها منفصلة عن وسائل الإعلام التقليدية، أي أنها مجرد وسيلة (تسهيل) وليس نشراً. نتيجةً لذلك تقول بأن كل نظريات المؤامرة التي ينشرها المستخدمون ليست من مسؤوليتها».

ويذكر بول بوجود المادة 230 من قانون الاتصالات في الولايات المتحدة، الذي «يحمي الوسائل من المقاضاة من قبل أي شخص يرغب في تصحيح المعلومات. كما يعني أنه من المستحيل عملياً إزالة نظريات المؤامرات والمعلومات المضللة بسرعة وبطريقة فعالة».

من جهتها، تقول كيتي بول، مديرة مشروع «شفافية التكنولوجيا» المعنية بانتشار الأخبار المغلوطة على وسائل التواصل الاجتماعي، إن بعض السياسيين يستفيدون من تضخيم نظريات المؤامرة لجذب الانتباه إلى حساباتهم، خصوصاً على منصات مثل «إكس» التي «تحب اللعب على وتر حرية التعبير». وتضيف بول أن «هذه المنصات تربح بشكل كبير من تضخيم المحتوى الذي يجلب لها أكبر عدد من النقرات. في هذه الحالة، وفي الكثير من نظريات المؤامرة، سواء كنت تنقر بدافع الصدمة أو بدافع الغضب من تضخيم نظرية مؤامرة، فإنك لا تزال تعطي الفرصة لهذه النظرية بطريقة تساعد هذه المنصات على تحقيق الأرباح. وينطبق الأمر نفسه على السياسيين، لأن الكثير من الأجواء السياسية الحالية تعتمد على النقرات وإعادة التغريدات والتصريحات اللافتة».

تنظيم المنصات

مارك زوكربيرغ أثناء الإدلاء بشهادته في جلسة استماع مشتركة بمجلس الشيوخ الأميركي 11 أبريل 2018 (أ.ب)

من ناحيته، يُشدّد سيث شاشنر، المدير التنفيذي لشركة «Stratamericas» للإعلام الرقمي والمسؤول السابق في شركة «مايكروسوفت»، على ضرورة أن تتحلى وسائل التواصل المختلفة وعمالقة التكنولوجيا بالمسؤولية، وأن تنظم المحتوى بطريقة مختلفة. ويشير شاشنر إلى أن هذه الوسائل لديها سياستها المختلفة المتعلقة بخطاب الكراهية والخطاب المسيء، ويجب أن تكون لديها سياسات أكثر دقة حول المعلومات المضللة.

لكن تويد يستبعد أن يسعى عمالقة التكنولوجيا إلى تنظيم منصاتهم، بل يتوقع أن يتدهور الوضع الأكثر «لأنهم ليسوا مستعدين للتنظيم الآن». ويضيف أن «الأمر مختلف جداً عن وسائل الإعلام التقليدية، إذ يفترض على الصحيفة مثلاً أن تتأكد من الحقائق، فيمرّ المقال أولاً على المراسل ثم المحرر ولجنة التحرير. أما اليوم، فلا أحد ينظر في ما ينشره هؤلاء الأشخاص على (المنصات)».

وتسلّط بول الضوء على التحدي المرتبط بتنظيم المحتوى، وتقول: «غالباً ما نرى هذه الشركات تتحدّث أمام الكونغرس عن سياساتها، لكن من دون الاعتراف بأنها غالباً ما لا تطبّق. على سبيل المثال، رأينا مئات الإعلانات لمخدرات وأسلحة يتم بيعها على هذه المنصات، ومن ضمنها (ميتا). ولا نتحدّث عن محتوى ينشره الأفراد، بل عن إعلانات تمت مراجعتها والموافقة عليها رغم معارضتها للقوانين. لكن الشركات تحقق الأرباح عبر عدم تطبيق سياساتها».

الذكاء الاصطناعي

صورة مركّبة بواسطة الذكاء الاصطناعي تدعو فيها سويفت لانتخاب ترمب (تروث سوشيال)

يُعزّز الذكاء الاصطناعي من خطورة انتشار الأخبار المغلوطة عبر وسائل التواصل، ويُحذّر البعض من تأثير ذلك على رأي الناخب الأميركي في موسم محتدم تتقارب فيه استطلاعات الرأي بين المرشحين، ما يجعل كل صوت انتخابي بغاية الأهمية. ويوضّح تويد في هذا الصدد: «يبدو أنه سيكون هناك نموذج من الذكاء الاصطناعي أكثر شبهاً بالإنسان من الإنسان نفسه. وإن تم استغلال ذلك في إطار انتخابات (...)، فإن ذلك سيكون برأيي حاسماً جداً، خصوصاً في ظل انتخابات متقاربة مثل التي لدينا الآن».

وعدّدت بول بعض مساعي استغلال الذكاء الاصطناعي للتأثير على الانتخابات، كتسجيل صوتي انتشر للرئيس الأميركي جو بايدن يدعو فيه داعميه إلى عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، خلال فترة الانتخابات التمهيدية. كما ذكرت بول مساعي خارجية للتأثير على نتائج الانتخابات، من دول كالصين وإيران وروسيا، التي حذّرت وكالات الاستخبارات الأميركية من استعمالها للذكاء الاصطناعي لزعزعة النظام الانتخابي.

وتقارن بول بين مقاربات وسائل التواصل لمحاولة التصدي لمحاولات التدخل الأجنبي في انتخابات 2016 و2020، وانتخابات هذا العام: «في 2020، كانت (ميتا) قلقة حيال الانتخابات. وأنشأت غرفة عمليات انتخابية، وتحدّثت عن الطريقة التي سيقوم بها فريق النزاهة الانتخابية بالتعامل مع هذه القضايا. لكن ليس هناك أي من ذلك الآن. وذلك لأنه لم تكن هناك أي عواقب لما حدث في 2016، وفي 2020، والآن نحن لا نرى هذه الجهود لا بل قامت الشركة بصرف آلاف الموظفين من فريق الثقة والسلامة في العامين الماضيين من أجل الاعتماد على أجهزة مثل الذكاء الاصطناعي».

إيلون ماسك و«إكس»

ماسك يتبرع بمليون دولار لأحد الناخبين في بنسلفانيا يوم 20 أكتوبر (أ.ف.ب)

يساهم ماسك إلى حد كبير في الترويج للأخبار المغلوطة عبر منصته «إكس». وقد أثار جدلاً مؤخراً عبر تبرعه بمبلغ مليون دولار يومياً للناخبين المسجلين في بنسلفانيا، في حال وقعوا على وثيقة «داعمة» للدستور. ويقول تويد إن إيلون ماسك لا يملك واحدة من أهم المنصات في العالم فحسب، بل يملك كذلك المال للتأثير على الناس وتشجيعهم على اتخاذ موقف معين.

ولفت تويد إلى أن الفرق بين شخص مثل ماسك وعملاق الإعلام روبرت مردوخ، هو أن تأثير وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي «عالمي» ولا يقتصر على بلد معين. ويضيف: «إذا قمت برفع دعوى ضد أي من المنصات، سيكون ردّها: إن حصلت على قرار محكمة في فرنسا أو في سويسرا، سنمتثل به في تلك الولاية القضائية فقط».

وتتحدث بول عن تأثير ماسك، مشيرةً إلى أنه عدّل الخوارزميات على منصّة «إكس» للترويج للمحتوى الخاص به قبل محتوى الآخرين. وتوضّح: «صمّم الخوارزميات بطريقة تعزز نظريات المؤامرة الخاصة به عندما ينشرها من حسابه الخاص». وتضيف: «هذا يعني أن هناك وزناً مختلفاً لنظريات المؤامرة التي يروّج لها ماسك، وتراجعاً واسعاً لأي من الجهود لوضع إجراءات سلامة وحماية المستخدم على موقع (إكس) تحديداً. ونتيجة لذلك، رأينا ازدياداً في عدد الجهات الخبيثة التي تستخدم المنصة».

وتسلط بول الضوء هنا على تحقيق لشركتها «Tech Transparency» الذي وجد أن أكثر من 12 فرداً وكياناً خاضعين لعقوبات أميركية، ومنها جهات إرهابية، اشتروا «إكس بريميوم»، وهي العلامة الزرقاء التي تمنح أيضاً تعزيزاً خوارزمياً للمحتوى. وتقول: «قام ماسك بتسليط الضوء على إرهابيين معاقبين، وكان يربح من ذلك لأنهم كانوا يدفعون للاشتراك في هذه الخدمة. في بعض الحالات، هناك مشاركة في إيرادات الإعلانات لكل من يملك هذه العلامة».

أما شاشنر، فيعدُّ أن مصداقية ماسك تحديداً «تدهورت بشكل كبير»، مشيراً إلى تراجع عدد مستخدمي منصته وعدد الإعلانات.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أوكرانيا: مقتل 15 شخصاً وإصابة 130 آخرين في قصف روسي لمدينة كريفي ريه

رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
TT

أوكرانيا: مقتل 15 شخصاً وإصابة 130 آخرين في قصف روسي لمدينة كريفي ريه

رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)

أعلن الحاكم العسكري لمنطقة دنيبروبتروفسك، اليوم (الجمعة)، مقتل 15 شخصاً على الأقل في مركز تسوق مزدحم بمدينة كريفي ريه الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا، خلال هجمات روسية بطائرات مسيرة.

رجال إنقاذ يحملون جثة أحد ضحايا الهجوم الروسي على المركز التجاري كريفي ريه (رويترز)

وقال الحاكم العسكري لمنطقة دنيبروبيتروفسك، أولكسندر هانجا، في منشور على تطبيق «تليغرام»، إن عدد المصابين ارتفع بحلول المساء إلى 130 شخصا، بينهم 23 طفلا.

وأضاف هانجا إن 29 شخصا أصيبوا بجروح بالغة الخطورة، بينهم خمسة أطفال. وقالت الإدارة العسكرية للمدينة إن من بين الأهداف التي تعرضت للقصف أكبر مركز تسوق في المدينة الصناعية.

رجال إطفاء يشاركون في عمليات إخماد حريق في مركز تجاري بعد الغارة الروسية على كريفي ريه (ا.ف.ب)

وتقع كريفي ريه، مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي، على بُعد نحو 350 كيلومترا جنوب شرقي العاصمة كييف.

ووصف زيلينسكي الحادث في منشور على «فيسبوك» بأنه «هجوم خسيس ومخادع للغاية على مركز تسوق عادي».


ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
TT

ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، الجمعة، إنه لا يعتقد أن إيران مستعدة لإبرام «الاتفاق المناسب»، وإن واشنطن ‌تراقب «ما يحدث» ‌في ​الصراع.

وردا ‌على ⁠سؤال ​حول ما ⁠إذا كانت الخيارات العسكرية الأميركية مع إيران محدودة، قال ⁠ترمب للصحافيين «هذا يعني ‌ببساطة ‌أننا ​نراقب ‌ما يحدث».

وأضاف «لدينا ‌سيطرة كاملة على المنطقة بأكملها فيما يتعلق بمضيق هرمز، ‌وهذا يعني سيطرتنا على مناطق ⁠برية ⁠واسعة. لذا، فهم يرغبون بشدة في إبرام اتفاق، لكنهم ليسوا مستعدين لإبرام الاتفاق المناسب، في رأيي».


أميركا تعتزم سداد 725 مليون دولار من المستحقات المتأخرة عليها للأمم المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أميركا تعتزم سداد 725 مليون دولار من المستحقات المتأخرة عليها للأمم المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أظهر إخطار من الكونغرس، اطّلعت عليه وكالة «رويترز»، أن إدارة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدأت إجراءات تحويل مبلغ 725 مليون دولار إلى الأمم المتحدة، في ما وصفه خبراء المساعدات بأنه خطوة موضع ترحيب باتجاه سداد مليارات الدولارات من المستحقات المتأخرة.

ولم يصدر أي ردّ فوري من واشنطن على أسئلة حول الأسباب ​وراء دفع هذا المبلغ من جانب إدارة خفضت التمويل للعديد من وكالات الأمم المتحدة، وتنتقد المنظمة الدولية بشدة، متهمة إياها بعدم استغلال إمكاناتها بشكل كامل.

ومن المقرر أن يتم تحويل هذا المبلغ قبل الخطاب الذي يتوقع أن يلقيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل.

وورد هذا المبلغ في خطاب إخطار موجه من وزارة الخارجية إلى الكونغرس بتاريخ 4 أغسطس (آب)، ولم تنشر تقارير بشأنه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

«يبقي السفينة عائمة لفترة أطول قليلاً»

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هذا العام، إن المنظمة الدولية تواجه «انهياراً مالياً وشيكاً» بسبب عدم سداد الدول الأعضاء لمساهماتها، وإن المنظمة أجرت تخفيضات كبيرة في ‌ميزانيتها.

ويمثل مبلغ 725 ‌مليون دولار أقل من 20 في المائة من أكثر من 4 مليارات ​دولار ‌قالت الأمم المتحدة، ​في مايو (أيار)، إنه مستحق لها من الولايات المتحدة، لكن واشنطن تقول إن الرقم الإجمالي أقل، وإنها سددت بعض المدفوعات.

وقال يوجين تشين، وهو مسؤول سابق في الأمم المتحدة، لوكالة «رويترز»، إن مثل هذا التحويل سيساعد في دفع رواتب موظفي الأمم المتحدة لفترة، لكنه قد لا يكفيهم بالكامل. وأضاف: «هذا يبقي السفينة عائمة لفترة أطول قليلاً».

ومضى قائلاً: «إذا لم تسدد الولايات المتحدة دفعات أخرى، فمن المرجح أن تفقد حقّها في التصويت في يناير (كانون الثاني)».

وبموجب المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، تفقد الدولة العضو حقّ التصويت في الجمعية العامة إذا تجاوزت متأخراتها قيمة سنتين من الاشتراكات السنوية، رغم إمكانية منح فترات سماح.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هامش الجلسة الثمانين للجمعية العامة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال روني باتس، الخبير في شؤون تمويل الأمم ‌المتحدة لدى مركز البحوث الألماني (آي دي أو إس)، إن تحويلاً كبيراً في الوقت ‌الحالي قد يجنب الحاجة إلى تخفيضات فورية في الإنفاق.

وأضاف: «إذا دفعوا جزءاً ​كبيراً، فستواصل الأمم المتحدة العمل من دون أي ‌احتياطيات، لكنها ستتدبر أمرها حتى نهاية العام. وإذا لم يدفعوا، فقد تقع الأمم المتحدة بالفعل في ‌مشكلة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام من حيث دفع الرواتب وإبقاء الأبواب مفتوحة».

والولايات المتحدة هي أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة، لكنها في ظل إدارة ترمب رفضت سداد مدفوعات إلزامية للميزانيتين العادية وحفظ السلام، وخفّضت التمويل الطوعي لوكالات الأمم المتحدة التي لديها ميزانياتها الخاصة. وانسحبت واشنطن أيضاً من عشرات وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

وقال مراقب الأمم ‌المتحدة، تشاندرامولي راماناثان، الشهر الماضي، إن المنظمة كانت تعول على تحصيل نحو 90 في المائة من الاشتراكات من أعضائها، البالغ عددهم 193 عضواً لميزانية هذا العام.

وأظهر مستند للأمم المتحدة أنه حتى 18 أغسطس، سدّد نحو 129 عضواً اشتراكاتهم بالكامل. ولم تكن الصين، ثاني أكبر مساهم بعد واشنطن، مدرجة أيضاً في القائمة.

وقالت وزارة الخارجية، في خطابها المؤرخ في 4 أغسطس، إنها خصّصت إجمالاً 725 مليون دولار للميزانية العادية للأمم المتحدة.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية والبعثة الدبلوماسية الأميركية لدى الأمم المتحدة على طلبات للتعليق، أرسلت عبر البريد الإلكتروني يوم الجمعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى نزوله من على المنصة بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقالت الأمم المتحدة، في مايو، إن أكثر من 4 مليارات دولار مستحقة لها من واشنطن تشمل 2.04 مليار دولار للميزانية العادية، و2.2 مليار دولار لبعثات حفظ السلام الحالية والسابقة، و44 مليون دولار لمحاكم الأمم المتحدة.

ولم تحول واشنطن نحو 153.4 مليون دولار، في ما تصفه بأنه «عمليات حجز قائمة على السياسات». وشمل ذلك 10.6 مليون دولار مخصصة لمجلس حقوق الإنسان، الذي انسحبت منه واشنطن العام الماضي، بدعوى انحياز المجلس ضد إسرائيل، وأموالاً لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

وتخضع ​المؤسسة، التي يبلغ عمرها 80 عاماً، لعملية إصلاح ​وخفض تكاليف حاسمة تعرف باسم «يو إن 80» في ظل أزمتها المالية.

وخفّضت المنظمة بالفعل ميزانيتها لعام 2026 بنسبة 9.2 في المائة، ونقلت أكثر من ألفي وظيفة من مدن مرتفعة التكلفة، مثل جنيف ونيويورك إلى مراكز أقل تكلفة.