مصر والقرن الأفريقي... إثيوبيا «المشكلة الوحيدة» وتمسك بدعم الصومال والسودان

عبد العاطي قال إن القاهرة «لا تتآمر على أحد»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل في القاهرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل في القاهرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والقرن الأفريقي... إثيوبيا «المشكلة الوحيدة» وتمسك بدعم الصومال والسودان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل في القاهرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل في القاهرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (الرئاسة المصرية)

زادت وتيرة الحضور المصري في منطقة القرن الأفريقي ودول حوض النيل، إثر تصاعد الخلاف مع إثيوبيا، عقب تحركات من أديس أبابا تجاه مصر والسودان والصومال، بثلاثة ملفات مرتبطة بـ«سد النهضة»، واتفاقية «عنتيبي»، وتوقيع اتفاقية مبدئية تمس سيادة مقديشو.

وفي ضوء ذلك، صارت إثيوبيا «الدولة المشكلة الوحيدة» بأفريقيا أمام القاهرة، وسط مساعٍ مصرية لدعم الصومال والسودان، بحسب تصريحات مصرية رسمية، عدّها خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، «تأكيداً للواقع؛ إثر تحركات عدائية من أديس أبابا» تجاه المصالح المصرية - الصومالية - السودانية، في الملفات الثلاثة، لافتين إلى أن الوجود المصري ضمن مجابهة التهديدات المحتملة عبر مسارات متعددة للتعاون.

وفي مقابلة متلفزة، مساء الجمعة، مع قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، قال وزير الخارجية والهجرة المصري، بدر عبد العاطي، إن «هناك ترحيباً قوياً بدعم مصر للعلاقات مع الصومال، ومساعدة الحكومة هناك على بسط سيادتها داخل الأراضي الصومالية، خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب»، لافتاً إلى أن «البيان المصري - الصومالي - الإريتري (عقب قمة ثلاثية رئاسية قبل أيام)، كان واضحاً في الترحيب بالمشاركة المصرية في هذه البعثة التابعة للاتحاد الأفريقي، ورداً على المزاعم والأكاذيب التي رددها أحد الأطراف، حينما ادعى أنه ليس هناك ترحيب أو طلب من الحكومة الشرعية»، في إشارة لتصريحات سابقة لـ«الخارجية الإثيوبية».

وجغرافياً تضم منطقة القرن الأفريقي أربع دول، هي «الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا»، ومن زوايا سياسية واقتصادية يمكن أن تتسع لتشمل كينيا وأوغندا والسودان وجنوب السودان، وتعد تاريخياً المنطقة الأكثر استراتيجية في التجارة البحرية العالمية.

ومطلع العام عقدت إثيوبيا مذكرة تفاهم مبدئية مع إقليم أرض الصومال الانفصالي عن مقديشو، تحصل بموجبها أديس أبابا على مَنفذ بحري على البحر الأحمر، وعَدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداءً على السيادة الصومالية».

وفي أغسطس (آب) وقعت مصر والصومال بروتوكول «تعاون عسكري (دفاعي)»، وإعلان القاهرة استعداد المشاركة في قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، بداية يناير (كانون الثاني) المقبل، فضلاً عن مد مقديشو بصفقة أسلحة، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، الشهر الماضي، وهي خطوات مصرية انتقدتها أديس أبابا مراراً، ودعت مقديشو إلى «وقف تحركاتها مع جهات تسعى لاستهداف مصالح إثيوبيا».

الرئيس المصري خلال لقاء رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أ حمد في القاهرة عام 2018 (الرئاسة المصرية)

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير صلاح حليمة، يرى أن عقد تلك المذكرة مع إقليم انفصالي جعل من إثيوبيا دولة «تبحث عن المشكلات، وتسعى للسيطرة على مدخل البحر الأحمر بشكل يهدد أمن مصر القومي»، لافتاً إلى أن «تحركات القاهرة مع الصومال مبنية على اتفاقات قانونية رسمية عكس ما تفعله أديس أبابا».

وبحسب الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الناصر الحاج، «تنطلق مصر من فهمها، وإدراكها لفرائض القانون الدولي، الذي لم يعترف بأرض الصومال بوصفها إقليماً منفصلاً عن السيادة الصومالية، وهي الفرضية ذاتها التي أخطأت تقديراتها إثيوبيا عندما رمت بثقلها لدعم استقلال أرض الصومال لتقوية نفوذها، وإعادة ترسيم التحالفات الدولية في منطقة القرن الأفريقي».

وإزاء ذلك «تتحرك مصر بقوة، ليس فقط في القرن الأفريقي، ولكن أيضاً في حوض النيل الجنوبي، وهناك مبادرات مصرية قوية لإعادة التأكيد على أن مصر تدعم التنمية، والمشروعات المائية لدول حوض النيل، بما في ذلك إقامة السدود طالما أنها توافقية، ولا تسبب الضرر لدولتي المصب مصر والسودان، خلافاً لسردية كاذبة تروجها إحدى الدول»، وفق حديث الوزير بدر عبد العاطي.

ولم يذكر وزير الخارجية والهجرة المصري خلال حديثه المتلفز اسم تلك الدولة، غير أنه عاد وذكر أن مصر «ليس لديها أي مشكلة مع أي من دول حوض النيل، باستثناء دولة واحدة هي إثيوبيا، التي ترفض التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، يضمن تشغيل وملء سد النهضة»، مشيراً إلى أنه «لا يُمكن تحت أي ظرف من الظروف، أو وقت، أن يكون هناك تشكيك في أن مصر يُمكن أن تقبل أن يتم الخصم من حصتها المائية السنوية (55.5 مليار متر مكعب)».

وتضم دول حوض نهر النيل (منبع النهر) بوروندي، والكونغو، وإثيوبيا، وكينيا، ورواندا، والسودان، وجنوب السودان وتنزانيا، وأوغندا، وإريتريا، فضلاً عن دولتي المصب «مصر والسودان»، وسط تجاذبات تقودها أديس أبابا تجاه اتفاقيات المياه التاريخية، وظهر ذلك بصورة جلية بعد بناء «سد النهضة»، قبل نحو عقد، والحديث عن اتفاقيات ما تسميها «الحقب الاستعمارية» والدعوة لإلغائها.

ويعارض السودان ومصر الاتفاقية، ويتمسكان باتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي ترفض الإضرار بدولتي المصب، كما تقرّ نسبة 55.5 مليار متر مكعّب من مياه النيل لمصر، ونسبة 18.5 مليار متر مكعب للسودان، وترفض أي مشروع مائي بمجرى النيل يُلحق أضراراً بالأمن المائي، بخلاف اتفاقية «عنتيبي»، التي تُعرف أيضاً بـ«الإطار التعاوني لحوض نهر النيل»، والتي أبرمت عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ في 13 أكتوبر (تشرين أول) الحالي، وتستهدف إنهاء الحصص التاريخية لمصر والسودان.

وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

وبرأي حليمة، فإن «المواقف الإثيوبية العدائية تتضح أكثر في ملف سد النهضة واتفاقية عنتيبي»، مؤكداً أن الموقف الإثيوبي هو السبب الرئيسي في إحداث أزمة مفتعلة في القرن الأفريقي، ثم بين دول حوض النيل بـ«مساعٍ تهدد الاستقرار».

إصرار إثيوبيا على إحداث «خلخلة» في الاتفاقيات التاريخية لتقسيم مياه النيل، بغية «شرعنة» مشروعها التنموي المتمثل في سد النهضة، هو ما يدفع مصر للوقوف في خط الدفاع عن الاتفاقيات القديمة لتقسيم مياه النيل بين دول الحوض، بحسبان أن «إثيوبيا تسلك الآن طريقاً وعراً، ومهدداً لطبيعة الأمن المائي» لدولتي المصب مصر والسودان، بحسب تقدير عبد الناصر الحاج.

وبعد دخول اتفاقية «عنتيبي» حيز التنفيذ، لم يعد أمام مصر غير مناهضة الاتفاقية عبر القانون، وكل أشكال الدبلوماسية الممكنة، فضلاً عن اضطرار مصر لدخول حلبة توازنات القوى الإقليمية، وهو ما عبرت عنه القاهرة فعلياً بدعم مقديشو في حقها في الدفاع عن حماية أراضيها، وسيادتها الوطنية، وفق الحاج، الذي أشار إلى أنه لا يزال أمام مصر عدد لا يحصى من الاتجاهات والمسالك، التي يمكن أن ترتادها لتدارك المخاطر الوجودية من فرضية إعادة تقسيم المياه، على نحو لا يراعي تحفظات دولتي المصب تحديداً، و«إنهاء حالة التشرذم والانقسامات التي تسعى لها إثيوبيا بين دول حوض النيل».

وبشأن مستقبل التحرك المصري بأفريقيا، يرى بدر عبد العاطي في المقابلة ذاتها أن «أفريقيا إحدى الدوائر الحيوية للسياسة الخارجية المصرية، وفي أهمية الدائرة العربية نفسها، والتعاون والتطوير ليسا على الإطلاق موجهين ضد أحد، ولا تآمر على أحد، لكن في إطار سياسة رشيدة عاقلة، هدفها تحقيق التنمية لدى أشقائنا الأفارقة وتعزيز العلاقات».


مقالات ذات صلة

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

شمال افريقيا من العاصمة الصومالية مقديشو (رويترز)

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

أثارت خريطة جديدة طرحها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، استياء واسعاً في الصومال الذي قال إنها مست وحدته وسيادته.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

تتواصل التحركات الإريترية الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارة إريتريا في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية الإريترية في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

تصعيد آبي أحمد ضد إريتريا... تهديد للردع أم بداية مواجهة طويلة؟

برزت لهجة تصعيد إثيوبية جديدة تجاه أسمرة، بعد نحو شهر من اتهامات البلدين بشأن المواجهات في إقليم تيغراي، تضمنت توعدها بـ«مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة».

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
TT

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

في انفراجة لأزمة الوضعية القانونية لدير «سانت كاترين»، الأثري بجنوب سيناء، قالت وزارة الخارجية المصرية، السبت، إنها تلقت خطاباً من مطران الدير سيميون، بالموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، التزاماً بالحكم القضائي الصادر في عام 2025، الذي يقنن أرض الدير وفقاً للتشريعات المصرية.

وأكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية «تقنين وضعية أرض الدير بما يحافظ على وضعيته الدينية والتاريخية في مصر»، إلى جانب «الحفاظ على مسار العلاقات المصرية - اليونانية»، وأشاروا إلى أن «الدير يمثل رمزاً دينياً بالنسبة لليونانيين وكثير من الدول الأوروبية، ومن المهم استثماره لتعزيز السياحة الثقافية والدينية».

وأثار حكم قضائي صادر من «محكمة استئناف الإسماعيلية» (شرق)، في شهر مايو (أيار) 2025، جدلاً حول وضعية دير «سانت كاترين»، بعد أن قضى بأحقية «تابعي دير سانت كاترين» في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بالمنطقة، مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.

وتضمن حكم المحكمة «وجوب احترام العقود المحررة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير بشأن بعض قطع الأراضي المستغلة بمعرفة تابعي الدير»، وأكدت المحكمة أن باقي قطع الأراضي المتنازع عليها، محميات طبيعية، وجميعها من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها بالتقادم.

وآنذاك، ذهبت بعض التفسيرات إلى أن السلطات المصرية تعتزم إخلاء الدير وانتزاع الأراضي التابعة له بدعوى «إقامة مشروعات تطوير أو بيعها لمستثمرين»، وانتقد رئيس أساقفة أثينا واليونان للكنيسة الأرثوذكسية، إيرونيموس الثاني، الحكم، ما دفع الحكومة المصرية لتقديم تطمينات للجانب اليوناني، بـ«عدم المساس بالدير والأماكن الأثرية التابعة له»، إلى جانب «الحفاظ على قيمته الروحية ومكانته الدينية».

وفود سياحية في دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

ويقع «دير سانت كاترين» على سفح جبل سيناء، ويعد من أقدم الأديرة العاملة في العالم، ويعرف باسم «دير القديسة كاترين»، وبُني بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي، وتم تسجيله على قائمة التراث العالمي عام 2002، حسب وزارة السياحة المصرية.

وتلقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خطاباً، السبت، من مطران «دير سانت كاترين» سيميون، تضمن الموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، وفقاً للحكم القضائي الصادر في 2025، وحسب إفادة للخارجية المصرية، أكد الخطاب «الالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية، بما ينهي كافة المسارات القضائية».

ولم يحدد بيان الخارجية المصرية التفاصيل الكاملة لبنود العقد، وأشار إلى أنه «سيتم تحديد موعد لتوقيع العقد الجديد».

ورحب وزير الخارجية المصري بخطاب مطران دير «سانت كاترين»، وأكد «اعتزاز بلاده بالدير، باعتباره أحد أعرق المعالم الدينية والتراثية في العالم، الذي احتضنته مصر لأكثر من 1600 عام، امتداداً لنهجها في حماية مقدساتها وتراثها الإنساني»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري، السفير حسين هريدي، أهمية «الاتفاق الجديد»، بشأن أراضي دير «سانت كاترين»، وقال إنه «من المهم أن يأتي الاتفاق الجديد بموافقة من الحكومة اليونانية، حتى لا يؤثر على مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأثينا».

وشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية الوضعية التاريخية والدينية لدير (سانت كاترين)، بوصفه إحدى أبرز المناطق الدينية التي تحظى بمكانة دينية لدى المصريين واليونانيين»، وقال إن «الدير يعد رمزاً للكنيسة اليونانية»، مشيراً إلى أن «مصر تولت عبر عصور طويلة حماية الدير والدفاع عنه».

من زوار دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

وجدد وزير الخارجية المصري تأكيد «التزام بلاده الثابت والممتد بصون دير سانت كاترين، وعدم المساس بالمكانة الروحية والدينية له»، مشيراً إلى أن «الدير يحظى بقيمة تاريخية فريدة تجسد قيم التسامح والتآخي والتعايش بين الأديان والحضارات».

وتنطلق أهمية تقنين وضعية أرض دير سانت كاترين، وفقاً للتشريعات المصرية، من أهميته الدينية والسياحية والسياسية، وفق كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصري، مجدي شاكر، الذي قال إن «هناك اهتماماً بوضعية الدير، باعتباره يقع على أرض سيناء»، مشيراً إلى أن «مكانته التاريخية جعلته أحد روافد السياحة الثقافية والدينية، خصوصاً من أوروبا».

ويرى شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك اهتماماً من الحكومة المصرية بتطوير الدير والخدمات المحيطة به، ضمن مشروع (التجلي الأعظم)، الذي يستهدف تطوير وتعمير المنطقة، لتشكل مقصداً مهماً للسياحة الثقافية في البلاد»، مشيراً إلى أن «هناك أهمية بيئية لمنطقة الدير، نظراً لوجود بعض المحميات الطبيعية هناك».

وقاربت الحكومة المصرية على الانتهاء من تنفيذ مشروع «التجلي الأعظم»، لتطوير منطقة سانت كاترين، والذي أعلنت عنه في عام 2022، بهدف «إنشاء مزار روحاني على الجبال المحيطة بالوادي المقدس، لتكون مقصداً للسياحة الروحانية والجبلية والاستشفائية والبيئية على مستوى العالم، بجانب توفير جميع الخدمات السياحية والترفيهية للزوار، وتنمية المدينة ومحيطها»، وفق وزارة الإسكان المصرية.


هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
TT

هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)

طرحت تركيا، السبت، التوصل لاتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة، عقب يومين من رفض مصري لمذكرة التفاهم بين أنقرة وطرابلس التي تعدّها القاهرة «مخالفة لقانون البحار الدولي»، وعدتها، السبت، «حبراً على ورق».

ذلك الطرح، بحسب محلل تركي، هو «محاولة من أنقرة لتخفيف حدة الخلافات والتوترات المحتملة بشأن الحدود البحرية وتجنب التصعيد مع القاهرة»، فيما أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «أي طرح يجب أن يتفق مع القواعد والقوانين الدولية ومبادئها الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

وسبق أن وقعت طرابلس ممثلة في رئيس «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني» السابق فايز السراج، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضه الاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات، والثلاثاء، صادق عليه البرلمان الليبي.

وأعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر «استعداد بلاده لتوقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية ومناطق الولاية في شرق البحر الأبيض المتوسط»، الاقتراح التركي يمنح القاهرة مساحة إضافية تبلغ نحو 15 ألف كيلومتر مربع ضمن نطاق ولايتها البحرية، مقارنة بأي اتفاق قد تبرمه مع اليونان، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة.

وبالتزامن، أبلغ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، نظيره المصري بدر عبد العاطي في لقاء بإسطنبول على هامش اجتماع دولي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، رداً على تأكيد المسؤول المصري رفض الاتفاق بين أنقرة وطرابلس.

بدوره، قال مصدر مصري مطلع، السبت، إن الطرح الأخير لوزير الدفاع التركي بشأن ترسيم الحدود البحرية ومياه مصر الاقتصادية «لا يمكن قبوله إذا لم يتوافق تماماً مع قواعد القانون الدولي ومبادئه الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

بدر عبد العاطي خلال اجتماع الآلية الرباعية في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

وأوضح المصدر أن «الحديث التركي الأخير يعكس توجهاً لتجنب التصعيد والبحث عن التهدئة، إلا أن القضايا السيادية وتحديد الحصص البحرية يتم حسمها وفقاً للأطر القانونية الدولية المنظمة وليست قرارات انفرادية».

واستبعد أن «تؤثر هذه الخلافات على مسار العلاقات الجيدة المتصاعدة بين مصر وتركيا، شريطة الوصول لاتفاق يتوافق مع القانون الدولي»، مؤكداً أن «أزمة شرق المتوسط لا سيما بين تركيا واليونان وقبرص، تحتاج إلى الحوار لمعالجة الملفات العالقة بأسلوب سياسي، بما ينهي أي بؤرة توتر».

كما استبعد أن «تخسر مصر حلفاء لها في تلك الأزمة»، مشدداً على أن «مصر علاقاتها جيدة مع تركيا، وتنسق في عديد من الملفات، وكذلك اليونان وقبرص، والقاهرة تدرك جيداً كيف تدير ملفاتها وشراكاتها بشكل يحقق المصالح المشتركة، دون المساس بالقانون الدولي أو الحقوق البحرية».

من جهته، أكد المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإقليمية والتركية طه عودة أوغلو لـ«الشرق الأوسط»، أن «توقيت الطرح التركي الأخير يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما أنه جاء بعد أيام قليلة من التنسيق الذي أجراه مجلس النواب الليبي حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا».

وأوضح، أن «أنقرة وجهت من خلال هذا الطرح رسالة واضحة مفادها، أن خلافات شرق المتوسط يجب ألا تتحول إلى عائق أمام الحوار والتفاهم».

وأشار إلى أن «اللقاء الذي جمع وزيري خارجية مصر وتركيا في إسطنبول يعكس رغبة تركية حقيقية في معالجة التحفظات المصرية عبر مفاوضات مباشرة، بدلاً من ترك الخلاف يتسع أو السماح لأطراف أخرى، مثل إسرائيل، بالتدخل لتعكير صفو العلاقات الثنائية التي شهدت قفزة نوعية خلال العامين الماضيين».

وأوضح طه عودة أوغلو أن «نجاح المبادرة التركية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استعداد البلدين للانتقال من الرسائل الإعلامية إلى طاولة مفاوضات فنية وقانونية تأخذ بعين الاعتبار مصالح وطموحات كلا الطرفين».

وزير الخارجية المصري ونظيره التركي في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

ويتواصل الموقف المصري الرافض لمسار ليبيا - تركيا البحري، وقال بدر عبد العاطي في تصريحات، السبت، إنه أكد في إسطنبول «الرفض القاطع للاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا»، مضيفاً: «نتمسك بحدودنا البحرية المعلنة، ونحتفظ بحق الرد إذا اتخذ أي طرف إجراءات تتعارض مع سيادتنا البحرية».

كما أشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر زكي، السبت، في تصريحات لوكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، إلى أن عبد العاطي «أبلغ فيدان بلغة واضحة لا تقبل تأويلات، أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وجمهورية تركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط معدومة الأثر القانوني وباطلة بطلاناً مطلقاً، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبي أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

ووصف زكي تلك المذكرة بأنها «مجرد حبر على ورق، بمعنى أنه لا قيمة قانونية لها ولن تترتب عليها أي نتائج».

عن المستقبل، يرى المحلل التركي أن «استمرار الخلافات البحرية يكلف دول شرق المتوسط خسائر فادحة تعرقل مسار التعاون الاقتصادي والسياسي»، متوقعاً أن «المرحلة المقبلة ستسعى للتركيز على إيجاد صيغ مبتكرة لحل الخلافات عبر قنوات الحوار المباشر والتفاوض، بما يحافظ على مصالح الطرفين دون المساس بالحقوق المتبادلة».


ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)

أكدت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الحرص على مراعاة «الشواغل المصرية، بما في ذلك المرتبطة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية بالبحر المتوسط»، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت.

وحسب بيان صادر عن مكتب الدبيبة، مساء السبت، أكد الدبيبة الحرص على معالجة الشواغل المصرية «عبر الحوار والتنسيق المشترك، بما يصون الحقوق والمصالح البحرية المشروعة للبلدين الشقيقين». وأدرجت الحكومة الليبية هذا الاتصال ضمن محادثات تركزت على «العلاقات الثنائية والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك».

وأكد رشاد خلال الاتصال الهاتفي «عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين، والحرص الدائم على تطويرها في مختلف المجالات بما يخدم مصالحهما، وأهمية استمرار التواصل والتنسيق بين الجانبين».

جاء الاتصال الهاتفي غداة مشاورات مصرية - تركية، تناولت تطورات الأوضاع في المنطقة، بما فيها الخلاف الذي أعقب تمرير البرلمان الليبي الأسبوع الماضي مذكرة التفاهم البحري الليبي - التركي، الذي أعاد فتح ملف التداخل في المطالب البحرية بشرق المتوسط، وسط اعتراضات مصرية وأوروبية ويونانية وقبرصية.

ويرى المحلل السياسي الليبي، حسام فنيش، أن الاتصال الهاتفي بين الدبيبة ورئيس المخابرات المصرية «مهم» بالنظر إلى توقيته وطبيعة الملفات التي يتناولها. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس حكومة «الوحدة» الليبية «سيضع علاقته بالقاهرة في الاعتبار عند التعامل مع أي خطوات تنفيذية مرتبطة بالاتفاق، ولن يتجه إلى التضحية بهذه العلاقة تحت أي ظرف».

ومن منظور فنيش فإن تأكيد الدبيبة مراعاة الشواغل المصرية «يعكس أهمية استمرار التواصل بين طرابلس والقاهرة، خصوصاً في ظل تباين المواقف بشأن ترسيم الحدود البحرية، وما يفرضه ذلك من ضرورة التعامل مع الملف عبر القنوات السياسية والدبلوماسية».

وتعاني ليبيا من انقسام حاد بين حكومتين تنفيذيتين؛ إحداهما في طرابلس برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان ويترأسها أسامة حماد، وهي تسيطر على شرق وأجزاء من جنوب البلاد، وتحظى بدعم من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.