نفد الصبر... «ناشونال غاليري» يضاعف إجراءاته الأمنية ضد محتجي المناخ

بعد هجمات على لوحات لفان جوخ وبيكاسو في الأسابيع الأخيرة

حساء الطماطم على لوحة «زهور عباد الشمس» لفان جوخ (غيتي)
حساء الطماطم على لوحة «زهور عباد الشمس» لفان جوخ (غيتي)
TT

نفد الصبر... «ناشونال غاليري» يضاعف إجراءاته الأمنية ضد محتجي المناخ

حساء الطماطم على لوحة «زهور عباد الشمس» لفان جوخ (غيتي)
حساء الطماطم على لوحة «زهور عباد الشمس» لفان جوخ (غيتي)

على مر الزمن كانت حركات الاحتجاج تلجأ إلى وسائل مستفزة وصادمة مثل إيقاف المرور في الطرق السريعة، أو استخدام الصمغ لإلصاق الأيدي بالحواجز وواجهات المحال. وتاريخياً اختارت ناشطات حق المرأة في التصويت تكسير النوافذ أو إشعال النار في المباني، وغيرها كثير من التكتيكات التي تهدف إلى تعطيل حركة الحياة اليومية لصدمة الجمهور ومحاولة إقناعهم بفكرةٍ ما. وقد تجد بعض الممارسات قبولاً أو تعاطفاً من البعض، ولكن ذلك لم يحدث في حال مهاجمة الأعمال الفنية خلال الأعوام القليلة الماضية التي أتت بنتائج عكسية. فشهدنا من استخدم الصمغ للزق وجهه بلوحة فيرمير «الفتاة ذات القرط اللؤلئي»، أو من اختار نثر مسحوق أحمر اللون على أثر ستونهنج في بريطانيا، أو إلقاء البطاطس المهروسة على لوحة «كومة القش» لمونيه، أو إلقاء حساء القرع على «الموناليزا» في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.

عددت صحيفة «الغارديان» 38 عملية هجوم على الأعمال الفنية في عام 2022 وحده، وفي الأسابيع الماضية حدثت آخر تلك الهجمات، وكانت بحساء الطماطم على لوحة «زهور عباد الشمس» لفان جوخ التي تُعرض في «ناشونال غاليري» بلندن ضمن معرض قائم لأعمال الفنان. ويبدو أن الصبر قد نفد، ليس فقط صبر الجمهور الذي شهد على مرور أشهر محاولة بعد أخرى للتعدي على عمل فني مهم، بل أيضاً صبر مديري المتاحف في بريطانيا الذين أصدروا رسالة مفتوحة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يطالبون فيها بإنهاء الاحتجاجات داخل صالات العرض، وبالأخص التوقف عن استهداف الأعمال الفنية في المتاحف والغاليريهات. الخطاب أصدره مجلس مديري المتاحف الوطنية، وتناول الاحتجاجات في الفترة الأخيرة، وخص بالذكر «ناشونال غاليري» في لندن. وجاء في الخطاب: «وقعت اثنتان من هذه الهجمات في الأسبوعين الماضيين، ولهذا السبب قررنا الآن أن الوقت قد حان للتحدث. على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت المتاحف والمعارض الفنية في المملكة المتحدة، والأعمال الفنية التي تحتوي عليها، وبالتالي الأشخاص الذين يزورونها والذين يعملون فيها، أهدافاً متزايدة للاحتجاجات».

ناشطة ألصقت صورة على لوحة لمونيه في متحف أوراس بباريس (أ.ب)

وأشارت الرسالة إلى أن الاحتجاجات في السنوات الأخيرة تسببت في «ضرر مادي للأعمال الفنية، وضيق للزوار والموظفين على حد سواء، وتعطيل مهمتنا الجماعية لضمان توفر الفن والتحف الفنية الرائعة للجميع في كل مكان للاستمتاع بها». وتابعت الرسالة: «بينما نحترم حق الناس في الاحتجاج، وكثيراً ما نتعاطف مع القضية، يجب أن تتوقف هذه الهجمات. إنها تلحق ضرراً كبيراً بسمعة المتاحف في المملكة المتحدة، وتسبب ضغوطاً هائلة للزملاء على كل مستوى من مستويات المنظمة، إلى جانب الزوار الذين لم يعودوا يشعرون بالأمان الآن عند زيارة أفضل المتاحف والمعارض الفنية في البلاد». وأشار الخطاب إلى أن تأثير هذه الهجمات قد يدفع المؤسسات الفنية لوضع المزيد من الحواجز بين الناس وأعمالهم الفنية «للحفاظ على هذه الأشياء الهشة للأجيال القادمة».

يُذكر أنه في عام 2022، نشرت منظمة المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) رسالة مفتوحة وصفت فيها الاحتجاجات التي تشمل أعمالاً فنية بأنها «تعريض خطير» لأشياء لا يمكن تعويضها. وقد وقّع على الرسالة مديرو المعرض الوطني والمتحف البريطاني ومتحف فيكتوريا وألبرت. ويبدو أن الاعتداءين اللذين حدثا خلال شهر أكتوبر في «ناشونال غاليري» على لوحة لبيكاسو ولوحة لفان جوخ، قد عجّلا برد من «ناشونال غاليري»؛ إذ أصدر الغاليري بالأمس بياناً تضمن لائحة شروط أمنية جديدة لمحاولة مواجهة المزيد من الاحتجاجات. وجاء في البيان: «في أعقاب الحوادث الأخيرة التي وقعت داخل المعرض، أصبح من الضروري الآن تطبيق تدابير أمنية مشددة لضمان سلامة جميع زوار المعرض وموظفي المعرض الوطني ومجموعة اللوحات الوطنية». وأشار البيان إلى أهمية ومكانة «ناشونال غاليري» الذي يسمح للزوار بالدخول المجاني لمعاينة روائع الفن العالمي عبر التاريخ، وأضاف البيان أن «الدخول المجاني إلى المعرض الوطني يتيح للجميع أن يستلهموا من أعظم إنجازات البشرية»، مشيراً إلى أن «المجموعة القيمة من الأعمال في الغاليري لا يمكن تعويضها، وأن الهجمات المتكررة عليها قد أدت إلى زيادة الاحتياطات الأمنية بإضافة الحواجز بين أفراد الجمهور واللوحات المعروضة، وهو ما كان محزناً، فقد اعتاد الجمهور سهولة مطالعة الأعمال الفنية، ولكن ذلك الإجراء لم يثنِ بعض المحتجين عن إلقاء الحساء أو غيره على تلك اللوحات، ما جعل إدارة الغاليري تتجه إلى فرض تشديدات أمنية لحماية الأعمال والزوار».

من مقطع فيديو نشرته جماعة «جاست ستوب أويل» بعد أن أُلقي طلاء أحمر على أثر ستونهنج في بريطانيا (أ.ب)

ومن الإجراءات التي ستبدأ من يوم الجمعة 18 أكتوبر، منع إدخال السوائل إلى داخل الغاليري باستثناء الأدوية الطبية وحليب الأطفال. وسيتم تفتيش الحقائب بدقة للتأكد من خلوها من أي قطع حادة أو سوائل أو رشاشات طلاء، أو ما قد يجده مسؤولو الأمن مثيراً للشبهات. كما سيُمنع إدخال أو توزيع أي أوراق أو منشورات احتجاجية، وستُمنع الاحتجاجات التي تقام في مداخل المؤسسات الفنية أحياناً للاعتراض على دعم شركات البترول لبعض المعارض. وبالنسبة إلى حركة أفراد الجمهور داخل الغاليري، تشير قائمة التدابير الأمنية المعدلة إلى منع تعدي الحواجز أمام اللوحات، ومنع لمسها، وعدم الإشارة للوحات باستخدام عصي خشبية أو ما يشابه ذلك.

يُذكر أن «ناشونال غاليري» قد تعرض لخمس هجمات منفصلة على لوحات فنية أيقونية مثل «زهور عباد الشمس» لفان جوخ، ولوحة «عربة القش» لجون كونستابل، ولوحة فلاسكويز «روكبي فينوس»، منها هجمتان في الأسبوعين الماضيين.


مقالات ذات صلة

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

يوميات الشرق تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

«المتحف المصري الكبير» لتعزيز حضوره دولياً بمكتبة ضخمة عن الآثار

يعزز المتحف المصري الكبير حضوره دولياً بافتتاح مكتبة ضخمة متخصصة في العلوم المرتبطة بالآثار والتاريخ.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عناصر من الشرطة الفرنسية خلال مهمة أمنية (أ.ف.ب - أرشيفية)

سرقة مجوهرات في عملية سطو خاطفة بمتحف فرنسي

قال مسؤولون في متحف فرنسي إن لصوصاً سرقوا مجموعة من المجوهرات في عملية سطو خاطفة استهدفت أعمال صانع الزجاجيات والمجوهرات الفاخرة رينيه لاليك وعائلته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

خاص في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتحوله إلى متحف للذهب الاسود أصبح مركزا ثقافيا وفنيا بامتياز.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في لوس أنجليس.


«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.