«الغزال العراقي» نجم مزاد «سوذبيز» للفن الإسلامي في لندن

إلى جانب مخطوطات نادرة ونماذج تاريخية من الفخار

مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
TT

«الغزال العراقي» نجم مزاد «سوذبيز» للفن الإسلامي في لندن

مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)

تعيش لندن في شهر أكتوبر (تشرين الأول) في أجواء فنية بامتياز؛ حيث تقدم المتاحف والغاليريهات عروضها الضخمة، وتفرد حديقة «ريجنت بارك» جانباً مهماً لمعروضات سوق الفنون «فريز» بجناحيه المعاصر والحديث. ولا تغيب دور المزادات عن هذه الاحتفالية، فالشهر يتميز بمزادات فنون العالم الإسلامي التي تفتح خزانات المقتنين لعرض عدد من أجمل وأندر القطع التي تعكس جماليات وفخامة وعراقة ما نفَّذته أيدي كبار الخطاطين والفنانين، من أرجاء العالم الإسلامي القديم، من المخطوطات وقطع الخزف والمعادن، وصولاً للمجوهرات والحلي.

الغزال العراقي

في مزادها الذي يعقد يوم 23 أكتوبر الحالي، تقدم «سوذبيز» مجموعة من القطع المميزة، سواء بتاريخ مهم أو بحرفة وصناعة يد ماهرة، يتصدرها مجسم فائق الجمال لغزال من البرونز من العراق، من القرن الثامن الميلادي، تقدّر قيمته بنحو مليونين إلى 3 ملايين جنيه إسترليني، وهو يظهر في المزاد لأول مرة.

ما يميز الغزال العراقي الرشيق كثير، سواء من حيث جمال الشكل والصناعة، أو من ناحية أنه يحمل اسم صانعه والشخص الذي أمر بصناعته (يحمل توقيع عبد الله بن ثابت، وصنع لعُبيد الله بن جابر)، وهو أمر نادر. تتميز القطعة أيضاً بتاريخ صنعها؛ حيث تعود للعصر الأموي في القرن الثامن الميلادي؛ حيث تعد مثالاً للمنحوتات البرونزية الباقية من العصر الأموي ومطلع العصر العباسي المبكر، وتمثل إضافة كبيرة لفهم النحت التصويري في القرن الثاني من الإسلام. إلى جانب كل ذلك تتميز بجمال التصوير الظاهر في جمال ورشاقة الغزال البادية في العنق والعيون. نعرف أن القطعة استُخدمت إناءً للشرب مميزة بمقبض صنع من ذيل الغزال. وربما لكل هذه الصفات تحمل القطع سعراً تقديرياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه إسترليني.

مصحف ياقوت المستعصمي

القطعة الثانية تأخذنا لإبداعات الخط العربي والزخارف الجمالية التي تزين المخطوطات الإسلامية، وهنا نرى نموذجاً فائقاً يجمع بين اسم الخطاط الماهر ذي السمعة القوية، وهو الخطاط الكبير ياقوت المستعصمي من بغداد، وبين الفترة التاريخية المهمة التي كُتب فيها؛ حيث يعود تاريخه إلى عام (674 هـ/ 1275- 1276م). يعد ياقوت المستعصمي من أبرز ممارسي الخط العربي، ويعده الخبراء أشهر خطاط في تاريخ الفن الإسلامي. وكانت أعماله لأكثر من 700 عام من أكثر الأمثلة المرغوبة على فنون الكتابة الإسلامية.

مصحف بخط ياقوت المستعصمي من بغداد (سوذبيز)

ويشكل هذا المصحف إضافة مهمة إلى مجموعة صغيرة للغاية من المخطوطات المنسوبة على نحو موثوق إلى الخطاط، كما يوفر نظرة ثاقبة على أعمال ورش الكتابة الملكية في بغداد أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. لا نعرف من أمر بنسخ المصحف، ولكن الخطاط كان يعمل في البلاط الملكي، وبالتالي يمكن تخمين أنه صنعه لأمر شخصية رفيعة. يعرض المصحف بقيمة تقديرية: 600- 800 ألف جنيه إسترليني

مخطوطة ثانية تتألق بين المعروضات، وهي مصحف بخط عبد الله بن حافظ محمد الشيرازي من بلاد فارس، يتميز بجماليات عالية من الخط، ومن الزخارف البديعة، ولكن هناك نقطة أخرى مميزة لهذه التحفة الفنية، فهي تحمل تاريخاً محدداً يعود لـ20 رمضان عام 933 هـ، وهو أمر لافت؛ حيث من النادر أن تحمل المصاحف التي أُنتجت في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي توقيعاً أو تاريخاً. تتجلى براعة الخطاط هنا في الجمع بين الثلث والمحقق والنسخ بمجموعة متنوعة من الألوان. وترفل صفحة الفاتحة من المصحف في اللون الذهبي والنقوشات الدقيقة المنمقة، ما يشير لبراعة الخطاط والفنان الذي تولى الزخرفة. تقدر الدار للقطعة سعراً يتراوح ما بين 200 ألف و300 ألف جنيه إسترليني.

مصحف بخط عبد الله بن حافظ محمد الشيرازي من بلاد فارس يعود لعام 933 هجري (سوذبيز)

خزف ونحاس

كنموذج لفنون الخزف الإسلامي نرى إبريقاً يعود للقرن الـ13 باللون التركوازي فارسي الصنع، ويشهد على الابتكارات المذهلة في فن الخزف التي ترسخت بقوة في بلاد فارس بحلول نهاية القرن الثاني عشر الميلادي. يحمل الإبريق زخارف على هيئة سعف النخيل تقطعها شرائط عرضية تحمل كتابات بالخط الكوفي. وما يلفت في الإبريق هو ثبات اللون الأزرق، وأيضاً الحالة الجيدة التي يبدو عليها، ما يشير إلى الاهتمام به من مُلاك سابقين. يُعرض الإبريق بسعر تقديري بين 100 ألف و150 ألف جنيه إسترليني.

إبريق فخاري مطليّ بالفيروز من كاشان - بلاد فارس (سوذبيز)

من القطع اللطيفة في تأثيرها محبرة نحاسية مطعمة بالفضة والنحاس، تعود إلى خراسان الكبرى في القرن الثالث عشر الميلادي، تحمل نقوشاً لأشخاص في أوضاع مختلفة، نكاد نلمح تعبيرات وجوه بعضهم، وإن كان ذلك أمراً يحتاج إلى تدقيق، كما يتميز غطاء المحبرة أيضاً بنقوش لطيور وزخارف مختلفة. من الكتابات المنقوشة نقرأ حول الغطاء، بخط متصل: «العز والإقبال والدولة، والسلامة والسعد والشفاء، ولصاحبه المجد والرخاء والغنى والرفاهية والسعادة وشفاعة النبي» وحول حافة الغطاء، بالخط الكوفي: «عمل ناصر بن أسعد نيشابوري، البركة والدولة والسلامة لصاحبه». (السعر التقديري 30- 40 ألف جنيه إسترليني).

محبرة نحاسية مطعمة بالفضة والنحاس - خراسان الكبرى - القرن الثالث عشر (سوذبيز)

تحتل القطع النحاسية من العصر المملوكي مكانة بارزة في أي محفل للفن الإسلامي، وفي المزاد نموذج منها يتمثل في شمعدان نحاسي يحمل نقشاً في داخله، يسجل أن الشمعدان صُنع لأمر سيف الدين حاتم دودار، وهو من أقارب السلطان المملوكي قنصوه الغوري في عام 1500، ويعده خبراء الدار نموذجاً نادراً على استمرار صناعة القطع المعدنية في دولة المماليك حتى أوائل القرن السادس عشر الميلادي. وتقدر قيمة الشمعدان بما بين 60 و80 ألف جنيه إسترليني.

العراق وبلاد فارس

تبرز أكثر من قطعة في المزاد، منها مجموعة من 12 طبقاً فخارياً، تعود للعصر العباسي (في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). وتظهِر هذه المجموعة الأنيقة من الأوعية تقنية الزخرفة باستخدام الفخار اللامع -من أكثر التقنيات تطوراً وتكلفة وصعوبة في تلك الفترة- التي يُعتقد أنها نشأت في العراق العباسي خلال القرن التاسع الميلادي، على يد فناني الخزف الذين سعوا إلى تقليد بريق الذهب. وتقدم هذه الأمثلة الجميلة مجموعة غنية من التصاميم، من الزخارف الحيوانية إلى سعف النخيل المجردة. (القيمة التقديرية: 40- 60 ألف جنيه إسترليني).

مجموعة من 12 طبقاً فخارياً تعود للعصر العباسي (سوذبيز)

في المزاد أيضاً ورقة مرسومة مزدوجة الجوانب من كتاب «خواص الأشجار» لديسقوريدس؛ بلاد ما بين النهرين، العراق، من القرن الثالث عشر الميلادي. (القيمة التقديرية: 20- 30 ألف جنيه إسترليني) وتُعد واحدة من الأمثلة القليلة المتفرقة لمنمنمات «مدرسة بغداد»، وتمثل الجسر بين الأسلوب البيزنطي الكلاسيكي المتجذر في رسم الكتب في فترة أواخر العصور القديمة، ونشأة ما أطلق عليه العلماء الغربيون فيما بعد «الرسم الفارسي» في القرن الرابع عشر الميلادي.

ورقة مرسومة مزدوجة الجوانب من كتاب «خواص الأشجار» لديسقوريدس من بلاد ما بين النهرين - العراق (سوذبيز)

ننهي جولتنا بمعاينة إبريق من البرونز يعود للقرن الثامن أو التاسع، وقد يكون مصنوعاً في العراق أو بلاد فارس، وهو ينتمي إلى مجموعة من الأباريق المنسوبة إلى العصر الإسلامي المبكر، وتتميز بجسم على شكل كمثرى وزخارف نباتية جريئة ونقشة سعف النخيل المنمقة. الإبريق يتميز بزخارفه المعقدة والغنية المنحوتة والمزخرفة على شكل أوراق الشجر. (القيمة التقديرية 40- 60 ألف جنيه إسترليني).


مقالات ذات صلة

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

للمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق قطعة تحوّلت إلى أسطورة (سوذبيز)

«فرس نهر» من نحاس يصبح الأغلى في تاريخ المزادات

حطَّم عمل فنّي نادر صاغه المُصمّم الفرنسي الراحل فرنسوا كزافييه لالان، على شكل بارٍ مُجسّد في هيئة فرس نهر، الرقم القياسي في مزادات الديزاين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».