«الغزال العراقي» نجم مزاد «سوذبيز» للفن الإسلامي في لندن

إلى جانب مخطوطات نادرة ونماذج تاريخية من الفخار

مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
TT

«الغزال العراقي» نجم مزاد «سوذبيز» للفن الإسلامي في لندن

مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)
مجسّم لغزال من العراق في العصر الأموي (سوذبيز)

تعيش لندن في شهر أكتوبر (تشرين الأول) في أجواء فنية بامتياز؛ حيث تقدم المتاحف والغاليريهات عروضها الضخمة، وتفرد حديقة «ريجنت بارك» جانباً مهماً لمعروضات سوق الفنون «فريز» بجناحيه المعاصر والحديث. ولا تغيب دور المزادات عن هذه الاحتفالية، فالشهر يتميز بمزادات فنون العالم الإسلامي التي تفتح خزانات المقتنين لعرض عدد من أجمل وأندر القطع التي تعكس جماليات وفخامة وعراقة ما نفَّذته أيدي كبار الخطاطين والفنانين، من أرجاء العالم الإسلامي القديم، من المخطوطات وقطع الخزف والمعادن، وصولاً للمجوهرات والحلي.

الغزال العراقي

في مزادها الذي يعقد يوم 23 أكتوبر الحالي، تقدم «سوذبيز» مجموعة من القطع المميزة، سواء بتاريخ مهم أو بحرفة وصناعة يد ماهرة، يتصدرها مجسم فائق الجمال لغزال من البرونز من العراق، من القرن الثامن الميلادي، تقدّر قيمته بنحو مليونين إلى 3 ملايين جنيه إسترليني، وهو يظهر في المزاد لأول مرة.

ما يميز الغزال العراقي الرشيق كثير، سواء من حيث جمال الشكل والصناعة، أو من ناحية أنه يحمل اسم صانعه والشخص الذي أمر بصناعته (يحمل توقيع عبد الله بن ثابت، وصنع لعُبيد الله بن جابر)، وهو أمر نادر. تتميز القطعة أيضاً بتاريخ صنعها؛ حيث تعود للعصر الأموي في القرن الثامن الميلادي؛ حيث تعد مثالاً للمنحوتات البرونزية الباقية من العصر الأموي ومطلع العصر العباسي المبكر، وتمثل إضافة كبيرة لفهم النحت التصويري في القرن الثاني من الإسلام. إلى جانب كل ذلك تتميز بجمال التصوير الظاهر في جمال ورشاقة الغزال البادية في العنق والعيون. نعرف أن القطعة استُخدمت إناءً للشرب مميزة بمقبض صنع من ذيل الغزال. وربما لكل هذه الصفات تحمل القطع سعراً تقديرياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه إسترليني.

مصحف ياقوت المستعصمي

القطعة الثانية تأخذنا لإبداعات الخط العربي والزخارف الجمالية التي تزين المخطوطات الإسلامية، وهنا نرى نموذجاً فائقاً يجمع بين اسم الخطاط الماهر ذي السمعة القوية، وهو الخطاط الكبير ياقوت المستعصمي من بغداد، وبين الفترة التاريخية المهمة التي كُتب فيها؛ حيث يعود تاريخه إلى عام (674 هـ/ 1275- 1276م). يعد ياقوت المستعصمي من أبرز ممارسي الخط العربي، ويعده الخبراء أشهر خطاط في تاريخ الفن الإسلامي. وكانت أعماله لأكثر من 700 عام من أكثر الأمثلة المرغوبة على فنون الكتابة الإسلامية.

مصحف بخط ياقوت المستعصمي من بغداد (سوذبيز)

ويشكل هذا المصحف إضافة مهمة إلى مجموعة صغيرة للغاية من المخطوطات المنسوبة على نحو موثوق إلى الخطاط، كما يوفر نظرة ثاقبة على أعمال ورش الكتابة الملكية في بغداد أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. لا نعرف من أمر بنسخ المصحف، ولكن الخطاط كان يعمل في البلاط الملكي، وبالتالي يمكن تخمين أنه صنعه لأمر شخصية رفيعة. يعرض المصحف بقيمة تقديرية: 600- 800 ألف جنيه إسترليني

مخطوطة ثانية تتألق بين المعروضات، وهي مصحف بخط عبد الله بن حافظ محمد الشيرازي من بلاد فارس، يتميز بجماليات عالية من الخط، ومن الزخارف البديعة، ولكن هناك نقطة أخرى مميزة لهذه التحفة الفنية، فهي تحمل تاريخاً محدداً يعود لـ20 رمضان عام 933 هـ، وهو أمر لافت؛ حيث من النادر أن تحمل المصاحف التي أُنتجت في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي توقيعاً أو تاريخاً. تتجلى براعة الخطاط هنا في الجمع بين الثلث والمحقق والنسخ بمجموعة متنوعة من الألوان. وترفل صفحة الفاتحة من المصحف في اللون الذهبي والنقوشات الدقيقة المنمقة، ما يشير لبراعة الخطاط والفنان الذي تولى الزخرفة. تقدر الدار للقطعة سعراً يتراوح ما بين 200 ألف و300 ألف جنيه إسترليني.

مصحف بخط عبد الله بن حافظ محمد الشيرازي من بلاد فارس يعود لعام 933 هجري (سوذبيز)

خزف ونحاس

كنموذج لفنون الخزف الإسلامي نرى إبريقاً يعود للقرن الـ13 باللون التركوازي فارسي الصنع، ويشهد على الابتكارات المذهلة في فن الخزف التي ترسخت بقوة في بلاد فارس بحلول نهاية القرن الثاني عشر الميلادي. يحمل الإبريق زخارف على هيئة سعف النخيل تقطعها شرائط عرضية تحمل كتابات بالخط الكوفي. وما يلفت في الإبريق هو ثبات اللون الأزرق، وأيضاً الحالة الجيدة التي يبدو عليها، ما يشير إلى الاهتمام به من مُلاك سابقين. يُعرض الإبريق بسعر تقديري بين 100 ألف و150 ألف جنيه إسترليني.

إبريق فخاري مطليّ بالفيروز من كاشان - بلاد فارس (سوذبيز)

من القطع اللطيفة في تأثيرها محبرة نحاسية مطعمة بالفضة والنحاس، تعود إلى خراسان الكبرى في القرن الثالث عشر الميلادي، تحمل نقوشاً لأشخاص في أوضاع مختلفة، نكاد نلمح تعبيرات وجوه بعضهم، وإن كان ذلك أمراً يحتاج إلى تدقيق، كما يتميز غطاء المحبرة أيضاً بنقوش لطيور وزخارف مختلفة. من الكتابات المنقوشة نقرأ حول الغطاء، بخط متصل: «العز والإقبال والدولة، والسلامة والسعد والشفاء، ولصاحبه المجد والرخاء والغنى والرفاهية والسعادة وشفاعة النبي» وحول حافة الغطاء، بالخط الكوفي: «عمل ناصر بن أسعد نيشابوري، البركة والدولة والسلامة لصاحبه». (السعر التقديري 30- 40 ألف جنيه إسترليني).

محبرة نحاسية مطعمة بالفضة والنحاس - خراسان الكبرى - القرن الثالث عشر (سوذبيز)

تحتل القطع النحاسية من العصر المملوكي مكانة بارزة في أي محفل للفن الإسلامي، وفي المزاد نموذج منها يتمثل في شمعدان نحاسي يحمل نقشاً في داخله، يسجل أن الشمعدان صُنع لأمر سيف الدين حاتم دودار، وهو من أقارب السلطان المملوكي قنصوه الغوري في عام 1500، ويعده خبراء الدار نموذجاً نادراً على استمرار صناعة القطع المعدنية في دولة المماليك حتى أوائل القرن السادس عشر الميلادي. وتقدر قيمة الشمعدان بما بين 60 و80 ألف جنيه إسترليني.

العراق وبلاد فارس

تبرز أكثر من قطعة في المزاد، منها مجموعة من 12 طبقاً فخارياً، تعود للعصر العباسي (في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). وتظهِر هذه المجموعة الأنيقة من الأوعية تقنية الزخرفة باستخدام الفخار اللامع -من أكثر التقنيات تطوراً وتكلفة وصعوبة في تلك الفترة- التي يُعتقد أنها نشأت في العراق العباسي خلال القرن التاسع الميلادي، على يد فناني الخزف الذين سعوا إلى تقليد بريق الذهب. وتقدم هذه الأمثلة الجميلة مجموعة غنية من التصاميم، من الزخارف الحيوانية إلى سعف النخيل المجردة. (القيمة التقديرية: 40- 60 ألف جنيه إسترليني).

مجموعة من 12 طبقاً فخارياً تعود للعصر العباسي (سوذبيز)

في المزاد أيضاً ورقة مرسومة مزدوجة الجوانب من كتاب «خواص الأشجار» لديسقوريدس؛ بلاد ما بين النهرين، العراق، من القرن الثالث عشر الميلادي. (القيمة التقديرية: 20- 30 ألف جنيه إسترليني) وتُعد واحدة من الأمثلة القليلة المتفرقة لمنمنمات «مدرسة بغداد»، وتمثل الجسر بين الأسلوب البيزنطي الكلاسيكي المتجذر في رسم الكتب في فترة أواخر العصور القديمة، ونشأة ما أطلق عليه العلماء الغربيون فيما بعد «الرسم الفارسي» في القرن الرابع عشر الميلادي.

ورقة مرسومة مزدوجة الجوانب من كتاب «خواص الأشجار» لديسقوريدس من بلاد ما بين النهرين - العراق (سوذبيز)

ننهي جولتنا بمعاينة إبريق من البرونز يعود للقرن الثامن أو التاسع، وقد يكون مصنوعاً في العراق أو بلاد فارس، وهو ينتمي إلى مجموعة من الأباريق المنسوبة إلى العصر الإسلامي المبكر، وتتميز بجسم على شكل كمثرى وزخارف نباتية جريئة ونقشة سعف النخيل المنمقة. الإبريق يتميز بزخارفه المعقدة والغنية المنحوتة والمزخرفة على شكل أوراق الشجر. (القيمة التقديرية 40- 60 ألف جنيه إسترليني).


مقالات ذات صلة

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

للمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق قطعة تحوّلت إلى أسطورة (سوذبيز)

«فرس نهر» من نحاس يصبح الأغلى في تاريخ المزادات

حطَّم عمل فنّي نادر صاغه المُصمّم الفرنسي الراحل فرنسوا كزافييه لالان، على شكل بارٍ مُجسّد في هيئة فرس نهر، الرقم القياسي في مزادات الديزاين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.