تأخير الضربة الإسرائيلية لإيران: هل أثَّرت الحسابات الإقليمية والدولية؟

نتنياهو في اجتماع لوفد رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى في مكتب رئيس الوزراء في القدس الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
نتنياهو في اجتماع لوفد رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى في مكتب رئيس الوزراء في القدس الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
TT

تأخير الضربة الإسرائيلية لإيران: هل أثَّرت الحسابات الإقليمية والدولية؟

نتنياهو في اجتماع لوفد رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى في مكتب رئيس الوزراء في القدس الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
نتنياهو في اجتماع لوفد رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى في مكتب رئيس الوزراء في القدس الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن «تأخير الرد الإسرائيلي على القصف الصاروخي الإيراني لا يعدُّ مجرد حرب نفسية أو محاولة لشد الأعصاب، بل هو مرتبط بأسباب موضوعية تتعلق بالتحضير الدقيق للضربة، وتحديد أهدافها بدقة، بالإضافة إلى حسابات دولية وإقليمية». وأضافت هذه المصادر، في تسريبات للإعلام، أن «الضربة المقبلة مؤكدة، وعلى الإيرانيين أن يخشوا منها، ولكن على إسرائيل أن تخشى أيضاً من عواقبها».

ووفقاً للخبراء في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، فإن تحقيق نجاح كامل في الضربة ضد المنشآت النووية قد يتسبب بكارثة بيئية نتيجة تسرب إشعاعات نووية، في حين أن نجاحاً جزئياً يعني فشل الضربة وفقدان إسرائيل قوتها الردعية. لذا، يجب أن تكون الحسابات عميقةً ودقيقةً لتجنب الضربات الاستراتيجية الخطيرة، والتركيز على استهداف مواقع عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري» دون تعريض الأوضاع للمخاطر الكبرى.

في بداية الشهر الحالي، تعرضت إسرائيل لهجوم بنحو 200 صاروخ باليستي أطلقت من إيران، وتمكنت القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية والإسرائيلية من تدمير 85 في المائة منها. إلا أن بعض الصواريخ تخطت الرادارات وسقطت في إسرائيل، منها ما سقط في مناطق مفتوحة دون أضرار، وبعضها أصاب مواقع حساسة، بما في ذلك ثلاثة مطارات حربية ومصانع للأسلحة، مسببة أضراراً ماديةً.

القبة الحديدية تتصدى للصواريخ الإيرانية التي استهدفت العمق الإسرائيلي في مطلع أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

احتدام الموقف

وأعلنت إسرائيل أنها سترد حتماً على الهجوم، وتحدث قادتها عن ضرب أهداف استراتيجية في إيران لا تعلم طهران أن إسرائيل تعرفها. ولكن على الرغم من توقعات الرد خلال أسبوع، كما حدث في الرد على الضربة الإيرانية الأولى في 13 أبريل (نيسان)، مرّ أسبوعان دون رد إسرائيلي. وفي هذه الأثناء، بدأت جهود أميركية ودولية وإقليمية لمنع الضربة أو تقليص حجمها.

وفي الوقت نفسه، أرسلت إيران عبر الوسطاء رسالةً إلى تل أبيب مفادها أنها ستتجاوز ضربةً خفيفةً، ولن ترد عليها، لأنها لا تسعى إلى تصعيد الحرب. غير أن إسرائيل عدّت هذه الرسالة دليلاً على ضعف إيران، وهددت بضربة قاصمة. وردت إيران بأن الهجوم الإسرائيلي قد يضطرها إلى تجاوز الخطوط الحمراء، خصوصاً إذا طال المنشآت النفطية أو النووية.

جندي يقف أمام منصة صواريخ لمنظومة «ثاد» بعد وصول تعزيزات أميركية إلى منطقة الشرق الأوسط أكتوبر العام الماضي (الجيش الأميركي)

رد متناسق

في هذا السياق، رفعت الإدارة الأميركية من جهودها لإقناع إسرائيل بأن يكون الرد متناسقاً معها، بحيث يكون محدوداً ومحسوباً. وأكدت مصادر سياسية أن واشنطن أكدت دعمها للدفاع الإسرائيلي، لكنها تخشى أن يكون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخفي خدعة لها، ويسعى لتوريطها في الحرب، كي تهاجم المشروع النووي الإيراني. ولفتت نظره إلى أن الاستفزاز الزائد لإيران قد يكشف قدرات غير معروفة لهما لضرب إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد قررت أن يكون ردها مقتصراً على ضرب أهداف عسكرية إيرانية. وأشارت مصادر إسرائيلية إلى وجود خلافات في الرأي بين إسرائيل والولايات المتحدة حول أهداف الضربة وتوقيتها، لكن التنسيق الكامل لا يزال قائماً بينهما. وذكرت هذه المصادر أن «رئيس حركة (حماس)، يحيى السنوار، يعرقل المفاوضات حول صفقة تبادل الأسرى، لأنه ما زال يبني على دخول إيران إلى الحرب بشكل مباشر، وقد يكون هذا التوجه نابعاً من معرفته بالأضرار التي قد تلحق بإسرائيل وبالولايات المتحدة ودول المنطقة»، محذرةً من انجرار إسرائيل إلى «لعبته».

وفي محاولة لتعزيز التنسيق، وافقت الولايات المتحدة على دراسة نقل بطارية نظام الدفاع الجوي «ثاد» إلى إسرائيل، إذ سيشغلها جنود أميركيون، وذلك بهدف اعترض الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية من إحدى قواعدها إلى إسرائيل.

وهذه الصواريخ تعدُّ فعالةً في إسقاط الصواريخ البالستية، مثل منظومة «حيتس» الإسرائيلية الأميركية. وتكمن أهميتها في أنها تضاعف قدرات إسرائيل على تدمير الصواريخ وهي في الفضاء، قبل أن تعود إلى الغلاف الجوي. لكنها تعني دخول الولايات المتحدة إلى القتال. وقد هدد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، باستهداف الجنود الأميركيين الذين قد يشغلونها.

في الوقت نفسه، لم يتخذ الكابينت السياسي والأمني الإسرائيلي قراراً نهائياً بشأن توقيت وطبيعة الرد على إيران، لكنه يواصل متابعة التحضيرات. ومن المفترض أن يجتمع المجلس في وقت لاحق، الأحد، لمناقشة هذه المسألة، وتكليف نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت باتخاذ القرار النهائي. وكان يفترض أن يسافر غالانت لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الأمنيين في واشنطن غداً، ضمن تحديد مواقع الضرب لإيران. لكن يبدو أن رحلته ستتأجل مرة أخرى. ومع ذلك، قالت تقارير إسرائيلية إن الخلافات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تقلصت كثيراً حول الهجوم المرتقب في إيران. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تضغط لتلطيف حدة الرد، لكنها تبدي تفهماً حول الهجوم المتبلور.

ورغم تهديدات إسرائيل المتواصلة، تشهد تل أبيب تحذيرات داخلية من عواقب «الغرو والاستعلاء» الذي قد يؤدي إلى حسابات خاطئة وكوارث. ووفقاً لد. راز تسيمت، الباحث المختص بدراسات إيران في «معهد بحوث الأمن القومي»، فإن النجاحات الإسرائيلية الأخيرة ضد «حزب الله» و«حماس» تستوجب الحذر من «التطلعات الزائدة إزاء ايران». وأضاف: «تعاظم قوة إيران بمنظومات عسكرية استراتيجية، بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، أتاح لها تعويض ضعفها التقليدي. وفي ظل الوضع الحالي، قد يتجدد الحديث في إيران حول الحاجة لتعزيز الردع ضد إسرائيل، بما في ذلك النظر في تغيير عقيدة البرنامج النووي».

وفي الأيام الأخيرة، قدم عشرات النواب الإيرانيين رسالة رسمية إلى المجلس الأعلى للأمن القومي يدعون فيها إلى تغيير عقيدة الدفاع الإيرانية فيما يخص البرنامج النووي. كما تحدث حسن خميني، حفيد مؤسس النظام، عن الحاجة إلى تحسين الردع العسكري ضد إسرائيل، ملمحاً إلى احتمال تطوير إيران لقدراتها النووية.

إعلان مناهض لإسرائيل في طهران يظهر صواريخ إيرانية أبريل الماضي (إ.ب.أ)

التحديات الداخلية والخارجية

تعكس هذه التحذيرات المخاوف من أن تكون إسرائيل قد وقعت في «فخ الغطرسة»، كما أشار جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس»، مؤكداً أن المبالغة في الثقة قد تنتهي بكارثة. وفي صحيفة «معاريف»، كتب آفي أشكنازي عن التعقيدات التي تواجهها إسرائيل في اتخاذ قرار بشأن الهجوم على إيران، بسبب الضغوط الدولية والوضع الإقليمي وحسابات النفط والغاز، وتأثير هذه الأحداث على الانتخابات الأميركية المقبلة.

وكتب ليفي في صحيفة «هآرتس» معلقاً: «لقد عادت الغطرسة الإسرائيلية بقوة. من كان يتخيل أنه بعد مرور عام على أحداث 7 أكتوبر، ستعود بهذه القوة؟ بعد أن هزمنا (حماس) ودمرنا غزة، نسعى الآن لهزيمة (حزب الله) وتدمير لبنان، ووجهتنا التالية هي إيران».

وأضاف «في الخطاب الإسرائيلي، يتحدثون الآن عن تغيير النظام هناك وحتى تصفية علي خامنئي، ويواجهون تردداً بين استهداف المنشآت النووية أو النفطية. إسرائيل تعيش حالةً من الغطرسة، من قاع الانكسار بعد هزيمة 7 أكتوبر، والتي قارنوها بكارثة يهود أوروبا، إلى ذروة الوقاحة في السعي لتغيير الأنظمة ونقل الشعوب في كل أرجاء الشرق الأوسط. كل هذا خلال عام واحد. ولكن هذه النهاية ستكون بالبكاء والدماء، لأن طبيعة الغطرسة، كما هو معروف، هي أنها تقود إلى كارثة. ومن طبيعة التحركات المتطرفة كهذه، من كارثة متخيلة إلى نصر متخيل، أن تنتهي بالانهيار».


مقالات ذات صلة

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

شؤون إقليمية رضا بهلوي خلال مقابلة صحافية في يناير 2018 (رويترز) play-circle

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، إن زعيم المعارضة الإيرانية رضا بهلوي «يبدو لطيفاً للغاية»، لكنه عبر عن شكوكه بشأن قدرة ‌بهلوي على حشد ‌الدعم داخل ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

قالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة أن تتّخذ «إجراءات محددة» بحق المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة «الحرس الثوري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)

الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

إجراءات الأوروبيين إزاء إيران محدودة وأشدها فرض عقوبات إضافية ويتمسكون برفض تغيير النظام الإيراني بتدخل خارجي كما يتخوفون من ضرب استقرار المنطقة في حال حصوله.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية  ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب) play-circle

الجيش الأميركي يسحب أفراداً من قواعد رئيسية في المنطقة

باشرت الولايات المتحدة إجراءات احترازية شملت سحب مئات الجنود والأفراد من بعض قواعدها الرئيسية في الشرق الأوسط، من بينها قاعدة العديد الجوية في قطر.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

إيران تلوِّح برد يتجاوز حدودها إذا تعرضت لهجوم

تقترب طهران من منعطف أمني وسياسي مع اتساع الاحتجاجات واحتدام السجال مع واشنطن، وحذرت من استهداف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط إذا تعرضت لهجوم.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».


إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

في العاشر من يناير (كانون الثاني) شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً. وقال الإيراني البالغ 44 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف من ألمانيا؛ حيث يعيش: «سمعت صوت طلقات... ورأيت بأم العين 3 أشخاص يسقطون أرضاً».

وأضاف الرجل بعدما شهد القمع العنيف لحركة الاحتجاج في بلده الأم، أن رجلاً بجانبه كان يصرخ ويده ملطخة بدماء رفيقته، غير مصدق أنها أصيبت. وأكد «كيارش» الذي لم يرغب في ذكر اسمه كاملاً، أن المشهد «صار كابوساً» يراوده كل ليلة، مؤكداً قناعته بأنه «لو كان مطلق النار أعسر لكنتُ ميتاً».

وشارك «كيارش» في الاحتجاجات بعد ساعات من مشاهدته عن قرب ألم العائلات في مقبرة «بهشت زهرا» (جنة الزهراء) الشاسعة في جنوب طهران؛ حيث تكدست أكياس الجثث مع توافد الآلاف لتسلم جثامين أحبائهم، ومنهم سيدة صرخت طالبة المساعدة في نقل جثمان ابنها.

وروى الموظف السابق في شركة لوجستية أن: «أكثر من 1500 جثة؛ بل ما قد يصل إلى ألفين، كانت في مستودع واحد». وتذكر أيضاً الهتافات التي تؤبِّن الموتى، وتُندِّد بالمرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد.

لم تتدخل قوات الأمن في الدفن، ولكنها منعت توثيق المشاهد، وفق «كيارش». ولفت إلى نداءات التبرع بالدم لكثير من الجرحى الذين أصيب معظمهم في أقدامهم، في مدينة آمل شمال إيران؛ حيث تعيش عائلته.

«لم يتفرَّق الناس»

إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ومنذ الثامن من يناير، حجبت السلطات بشكل كامل الاتصال بالإنترنت، فباتت بعض مقاطع الفيديو التي تتسرب عبر منصات التواصل، أو شهادات من فرُّوا من إيران، الوسيلة الوحيدة لتبيان بعض مما يجري. وتحدثت منظمة «نتبلوكس»، يوم السبت، عن عودة «محدودة جداً» للإنترنت في إيران. أما الاتصالات الدولية فباتت ممكنة من يوم الثلاثاء، ولكن فقط للمكالمات الصادرة.

ومن خلال تعطيل انتشار صور الاحتجاجات، ومنع المتظاهرين من التنظيم، سمح التعتيم للسلطات بإخفاء مدى القمع الذي أودى بحياة آلاف، وفق ما أكدت منظمات غير حكومية وخبراء.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ مقراً لها في النرويج، إنها تلقت: «روايات مروعة مباشرة عن قتل متظاهرين في أثناء محاولتهم الفرار، واستخدام أسلحة حربية، وإعدام متظاهرين جرحى في الشارع».

وروى «كاوه» (اسم مستعار) أن الأجواء في طهران كانت غير معتادة يوم الخميس الماضي. فمع حلول الظلام، خلت الشوارع المزدحمة عادة، وأُغلقت المحال، وسرعان ما قُطع الاتصال بالإنترنت. في ذلك المساء، وعلى غرار مدن إيرانية أخرى، نصب متظاهرون عوائق، وأضرموا النار في حاويات قمامة، حسبما قال الشاب البالغ 33 عاماً من بريطانيا، بعد مغادرته بلاده مؤخراً.

وتذكَّر أنه بعث رسالة نصية إلى زوجته يقول فيها: «لا يوجد إنترنت، أنا بخير، أحبك». ولكن الرسالة لم تصل. ولم يمنع الحجب تسريب مقاطع فيديو على وسائل التواصل، غالباً باستخدام إنترنت متصل بالأقمار الاصطناعية. وتظهر في بعضها سيارات شرطة ومساجد محترقة، ويُسمع في أخرى دوي انفجارات.

وأكد «كاوه» الذي شارك في مظاهرات طهران يوم التاسع من يناير، وقوع «إطلاق نار من بنادق هجومية ورشقات نارية»، وقال: «كنا نسمع سلسلة من الطلقات النارية كل 10 دقائق»، رغم أنه لم يشهد مباشرة إطلاق نار، ولكنه أضاف أن «الناس لم يتفرقوا. وعادة بعد إطلاق النار يتفرق الناس، ولكن هذه المرة بقوا في أماكنهم».

التعرف عليه من خلال وشومه»

إيرانيون يتظاهرون أمام السفارة الإيرانية في أثينا باليونان تضامناً مع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بلادهم (أ.ب)

من جانبه، وصف فنان يبلغ 39 عاماً طلب عدم كشف هويته، طهران، في رسالة إلى صديق، بأنها «تبدو كمنطقة حرب». وبالمثل، روى مصور صحافي يُدعى محمد «خوفه من اندلاع حرب أهلية، نظراً للتحول العنيف للغاية الذي شهدته هذه المظاهرات السلمية في البداية».

وأكد صالح علوي زاده -وهو ممثل ومخرج إيراني يقيم في فرنسا- لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن شخصين من معارفه قُتلا خلال الاحتجاجات، قائلاً: «أُصيب ممثل مسرحي شاب برصاصة في رأسه. ولأن ملامح وجهه لم تعد قابلة للتمييز، اضطروا إلى التعرف عليه من خلال وشومه». وأضاف: «في البلاد، يعرف الجميع على الأقل شخصاً واحداً قُتل في هذه الاحتجاجات».

وتراجع زخم الاحتجاج في الأيام الماضية، ولم تقدم السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى حتى الآن، وتُندد بـ«مخربين ومثيري شغب»، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة بدعمهم.

وتبثُّ وسائل الإعلام الرسمية باستمرار مشاهد مسيرات دعم للحكومة، ومراسم تشييع تكريماً لعناصر من قوات الأمن قُتلوا في الاحتجاجات. وتعرض لافتات في العاصمة صوراً لمركبات تعرضت للتخريب مع رسالة تقول: «هذه ليست احتجاجات»، و«يتضاءل أملنا».

ومنذ عودة الاتصالات الهاتفية، تمكَّن المغتربون الإيرانيون الذين عرفوا القلق لأيام من الحصول على أخبار من أقربائهم، عبر مكالمات قصيرة مكلفة مادياً، وقد تنطوي على مخاطر أمنية. ويكتفي الإيرانيون عموماً باستخدام كلمات بسيطة لطمأنة أحبائهم، خشية اعتراض السلطات الرسائل عبر خدمة «ستارلينك» أو الخطوط الأرضية، واستخدامها لاتهامهم بالتعامل مع دول أجنبية.

أعطى «كاوه» أصدقاءه المشتركين في خدمة «ستارلينك» قائمة بأرقام هواتف للاتصال بأصحابها، وقال لهم: «أخبروني إن كانت أمورهم على ما يرام أم لا فقط، من دون الخوض معهم في التفاصيل».

ورغم حملة القمع الشديدة، يرى إيرانيون أن اندلاع مزيد من الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر. ويؤكد «كاوه» أن الحراك الأخير «منح الأمل لكثيرين، ولكن مع كل فشل للاحتجاج يتضاءل أملنا أكثر فأكثر». ولكن «كيارش» يرى أمراً أكيداً ردده لنفسه في طريقه نحو المطار لمغادرة إيران، وهو: «لن يبقى شيء على ما كان عليه».


ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب الزعيمَ الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بـ«التدمير الكامل لبلاده... وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة» في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في مناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهاجم ترمب النظام الإيراني، وقال لموقع «بوليتيكو» الإخباري إن طهران «تعتمد على القمع والعنف» في الحكم، وإن إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم؛ بسبب «سوء القيادة».

كان خامنئي وصف ترمب، في وقت سابق اليوم، بأنه «مجرم»؛ بسبب الخسائر والأضرار التي ألحقها بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة دعمت ما وصفها بـ«الفتنة» في إيران بوصفها مقدمةً لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية مصاعب اقتصادية، وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإسقاط نظام الحُكم في إيران.

وهدَّد ترمب مراراً بالتدخل، وتوعَّد باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أعدمت إيران محتجين.

لكنه شكر قادة طهران، أمس (الجمعة)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إنهم تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي. وقالت إيران إنه لم تكن هناك «خطة لإعدام الناس شنقاً».

وقالت جماعات حقوقية إن حملة ​القمع العنيفة التي شنَّتها قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص.