القاهرة تتفادى تصعيداً كلامياً مع «قوات الدعم السريع» السودانية

مشهد من المعارك التي تجددت قبل أيام في أحد أحياء الخرطوم (رويترز)
مشهد من المعارك التي تجددت قبل أيام في أحد أحياء الخرطوم (رويترز)
TT

القاهرة تتفادى تصعيداً كلامياً مع «قوات الدعم السريع» السودانية

مشهد من المعارك التي تجددت قبل أيام في أحد أحياء الخرطوم (رويترز)
مشهد من المعارك التي تجددت قبل أيام في أحد أحياء الخرطوم (رويترز)

تفادت مصر الانخراط في تصعيد كلامي مع «قوات الدعم السريع»، التي اتهمتها، في بيان، مساء الجمعة، بـ«عرقلة الجهود الإقليمية والدولية لتحقيق الاستقرار والسلام في السودان». وقالت إن «القاهرة تعارض في السر والعلن أي خطوات لا تحقق بقاء الجيش السوداني في السلطة».

التصعيد الجديد يأتي بعد أيام من اتهام قائد «قوات الدعم السريع» في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مساء الأربعاء، مصر، بالمشاركة في «غارات جوية ضده». الأمر الذي نفته القاهرة عبر إفادة رسمية حادة اللهجة في حينه، وصفت فيها قوات «حميدتي» بـ«الميليشيا».

وأكدت وزارة الخارجية المصرية أن «الاتهامات تأتي في وقت تبذل فيه مصر جهوداً مكثفة لوقف الحرب في السودان، وحماية المدنيين، وتعزيز الاستجابة الدولية لخطط الإغاثة الإنسانية الهادفة لدعم المتضررين من النزاع». وشددت على أن «القاهرة سوف تواصل تقديم أشكال الدعم الممكنة لكل السودانيين، لمواجهة التحديات الناتجة عن هذه الحرب الغاشمة».

وسعت «الشرق الأوسط» للحصول على تعليق من إحدى الجهات الرسمية المصرية؛ لكن لم يتسن لها ذلك، وهو ما فسره دبلوماسيون سابقون بأن القاهرة لا ترغب في الانجرار إلى تصعيد كلامي مع «ميليشيا الدعم السريع».

آثار الدمار في العاصمة السودانية جراء الصراع المسلّح (د.ب.أ)

ويشهد السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 حرباً داخلية، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع»، بقيادة «حميدتي»، راح ضحيتها آلاف المدنيين، ودفعت نحو 13 مليون سوداني للفرار داخلياً وخارجياً لدول الجوار، حسب تقديرات هيئة الأمم المتحدة.

وقالت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، إنها «كانت أكثر تحفظاً وصمتاً عن إبداء رأيها علانية إزاء كثير من المواقف المصرية المتصلة بالشأن السوداني منذ أوقات سابقة للحرب الحالية»، مشيرة إلى أن «هذا الصمت جاء حرصاً منها على خصوصية العلاقة التي تربط شعبي البلدين». وأضافت أنه «منذ تفجُّر الحرب الحالية في أبريل 2023 كانت مصر شريكاً أساسياً للحركة الإسلامية والجيش في إشعال الحرب». وتابعت أنها «حذرت مصر مراراً، وطالبتها الكف عن الدعم والتدخل في الشؤون السودانية».

واتهمت «قوات الدعم السريع»، سلاح الجو المصري بـ«المشاركة في القتال إلى جانب الجيش السوداني، وقصف معسكرات تابعة لها». وقالت: «لم تتوقف الحكومة المصرية أبداً عن تقديم الدعم العسكري للجيش السوداني». كما رفضت وصفها من جانب مصر بـ«الميليشيا»، وعدَّت ذلك «دليلاً آخر على عدم حياد القاهرة»، محذرة «الحكومة المصرية وأجهزتها من التمادي في التدخل السافر في الشؤون السودانية».

ويصنف مجلس السيادة السوداني، «قوات الدعم السريع»، على أنها «ميليشيا متمردة»، ودعا قائد الجيش السوداني، في كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى تصنيفها «جماعة إرهابية».

ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد العرابي، أن «القاهرة لن تتوقف عند هذه التصريحات من جانب (الدعم السريع)»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا التصعيد «لن يؤثر في موقف مصر الرامي للحفاظ على وحدة أراضي السودان، وأن تقوم السلطة المركزية بواجبها في حماية سلامة الشعب، وضمان تمرير المساعدات إليه».

وقال العرابي: «موقف مصر معروف، ولا يمكن لأحد أن يقيِّمه أو يزايد عليه، ومثل هذه التصريحات لن تؤثر في جهودها والتزامها القاطع بدعم السلام في السودان»، مشدداً: «القاهرة تدعم المؤسسات الوطنية الرسمية ليس في السودان فقط، بل في جميع دول العالم».

وهو ما أكده مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التصريحات من جانب (الدعم السريع) لن توثر في مصر، وهدفها لا يتجاوز التشويش على الدور المصري في القرن الأفريقي وفي السودان».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه ممثلي القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

وكانت مصر قد استضافت في يوليو (تموز) من العام الماضي، قمة دول جوار السودان بمشاركة 7 دول أفريقية، هي: مصر، وليبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وإريتريا، وإثيوبيا. كما استضافت اجتماعات «المجلس المركزي لائتلاف قوى الحرية والتغيير»، التي استهدفت بلورة إطار سياسي من جانب القوى المدنية لوقف الحرب السودانية، وبحث قضايا الانتقال الديمقراطي في البلاد. كما نظمت في يوليو الماضي «مؤتمراً للفصائل السياسية والمدنية المتنازعة» لبحث التوافق على مسار حل سياسي.

متطوع يوزّع الطعام على النازحين في أحد أحياء أم درمان بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وأرجع العرابي ادعاءات «قوات الدعم السريع» في هذا التوقيت إلى ما وصفه بـ«تراجُع قدراتها على الأرض؛ ما دفعها لإلقاء اللوم على القاهرة».

واتفق معه هريدي، وقال: إن «الأزمة في السودان مستمرة منذ أكثر من عام، وتوجيه اتهامات لمصر الآن غير مقنع، ولا يتسق مع تسلسل الأحداث، لكنه يأتي عقب هزائم مُنيت بها (قوات الدعم السريع) على يد الجيش السوداني». وأكد أن «مصر تدعم الشرعية ومؤسسات الدولة الوطنية السودانية، وهذا مبدأ راسخ في عقيدة الدبلوماسية والسياسة الخارجية المصرية»، موضحاً أن «القاهرة لا تدعم شخص البرهان؛ بل تدعم الجيش الوطني السوداني بوصفه مؤسسة وطنية رسمية، وفي المقابل لا يمكن لمصر أن تدعم أي جماعة تنشق على مؤسسات الدولة».

وربط هريدي بين «ادعاءات (الدعم السريع) في هذا التوقيت وبين التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي»، وقال إن «(حميدتي) يستهدف الشوشرة على الدور المصري في السودان والقرن الأفريقي، وتحركاته مرتبطة بشكل أو بآخر بإثيوبيا، التي يخدمها توجيه اتهامات لدور القاهرة».

وشهدت الفترة الأخيرة تحركات مصرية مكثفة في منطقة القرن الأفريقي، كان أحدثها القمة الثلاثية بين قادة مصر وإريتريا والصومال.


مقالات ذات صلة

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

العالم العربي مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

تزامناً مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي تعول الحكومة المصرية على مزيد من التعاون بين القاهرة ونيقوسيا في مجال الطاقة للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين

ينتظر سوريون يقيمون في مصر نتائج التنسيق المتزايد بين البلدين، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على أوضاعهم، في ظل شكاوى من صعوبات في تجديد الإقامات.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتور بدر عبد العاطي وهاكان فيدان خلال اللقاء الأخوي في مدينة العلمين (متحدث الخارجية المصرية)

لقاء سعودي - مصري - تركي يناقش تطورات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي، والتركي هاكان فيدان، المستجدات والتطورات الراهنة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.


تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
TT

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا، بعدما أُعلن عن مساعدة السلطات في شرق البلاد، الخاضعة لسيطرة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، في تأمين إطلاق سراحه، وسط تضارب حول طبيعة الدور الذي لعبته قواته.

وتباينت الروايات التي نقلتها وكالة «رويترز» بشأن الدور الليبي في العملية، لتتحول القضية سريعاً إلى سجال بين مؤيدي حفتر ومعارضيه، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد بين شرق البلاد وغربها.

وتمسك معسكر المؤيدين للجيش الوطني برواية «رويترز»، التي نقلت عن مصدر عسكري، أن «قوة نخبة من الجيش الوطني نفذت مداهمة داخل الأراضي المالية، قبل نقل رايدوت جواً إلى بنغازي».

ورغم أن الوكالة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الرواية، فإن الإعلام الموالي للقيادة العامة ركز عليها، باعتبارها مؤشراً على قدرة قوات حفتر على تنفيذ عمليات تتجاوز الحدود الليبية.

وقال الناشط السياسي عمر بوسعيدة، المقرب من القيادة العامة، إن الإفراج عن الرهينة يجعل المواطن الليبي «يفتخر بجيشه»، في تعبير عن الاحتفاء بالرواية التي نسبت العملية إلى قوات حفتر.

القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

في المقابل، تمسكت أوساط معارضة للجيش الوطني بروايات أخرى، نقلتها «رويترز»، بينها أن الجهود الأخيرة لتأمين الإفراج عن رايدوت قادها شريف ولد طاهر، وهو رجل أعمال مالي من أصول عربية، تربطه صلات بجماعات مسلحة وشبكات تهريب في المنطقة. وقالت إحدى الروايات إن «الجانب الليبي دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، بينما لم يتضح ما إذا كان قد جرى تبادل أموال، أو أي مقابل آخر».

وشكك الناشط فيصل الشريف، أحد معارضي القيادة العامة، في رواية تدخل قوات خاصة تابعة لحفتر، مستبعداً أن تكون قوة ليبية «تخطت النيجر وحررت رهينة أميركياً في مالي». وهكذا لم تعد قضية رايدوت مجرد عملية لتحرير رهينة، بل تحولت إلى اختبار لروايات متنافسة حول مدى نفوذ حفتر وقدرته على التحرك خارج الحدود.

وبينما تصاعد السجال، التزمت المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا الحذر. وامتنع مسؤول عسكري بارز في الجيش الوطني عن التعليق لـ«الشرق الأوسط» على قضية الإفراج عن المبشر الأميركي، متحفظاً على الخوض في ملابساتها.

وقد يكون هذا الصمت من جانب «الجيش الوطني» مقصوداً أكثر مما يبدو، وفق محللين، رأوا أنه إذا كانت العملية تفاوضية، فإن كشف تفاصيلها قد يضر بشبكات الوساطة، التي أتاحت الوصول إلى الخاطفين. أما إذا كانت عسكرية بالفعل، فإن تأكيد تنفيذ قوة ليبية عملية داخل الأراضي المالية يفتح أسئلة سياسية وقانونية وعسكرية، تتجاوز قضية الرهينة نفسها.

وينظر إلى أهمية القضية بالنسبة إلى حفتر في علاقته بواشنطن. فهو يسعى منذ سنوات إلى تقديم قواته باعتبارها شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وقد أصبح، بحسب رواية «رويترز»، طرفاً في تحرير مواطن أميركي، كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب تعدُّ استعادته أولوية أمنية.

وإذا تأكد الدور العسكري، فإن العملية ستعني، حسب مراقبين، أن القدرات الأمنية والعسكرية وشبكات العلاقات، التي بناها حفتر في جنوب ليبيا ومنطقة الساحل، تجاوزت نطاق الصراع الليبي الداخلي إلى ملف ذي صلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي. أما إذا كان الإفراج قد تم عبر وسطاء، فإن ذلك يكشف بدوره عن شبكة علاقات غير رسمية، يمكن أن تمنح حفتر نفوذاً يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية.

وفي الحالتين، يرى مراقبون أن طريقة تحرير الرهينة تبدو أكثر حساسية من النتيجة نفسها. فعملية عسكرية داخل دولة أخرى تحمل دلالات قانونية وسياسية مختلفة تماماً عن اتفاق جرى عبر وسطاء محليين، كما أن كشف تفاصيل أي مسار تفاوضي قد يضر بقنوات الاتصال، التي أدت إلى إطلاق سراحه.

وكان رايدوت قد اختُطف في النيجر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في أثناء توجهه إلى مطار نيامي، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة».

وسبق أن وضعت إدارة ترمب استعادته بين أولوياتها في منطقة الساحل، واتخذت واشنطن خطوات لتسهيل عمليات البحث عنه، من بينها رفع عقوبات عن مسؤولين ماليين كبار، بهدف تأمين مرور الطائرات الأميركية في المجال الجوي المالي.

ولم تؤكد الولايات المتحدة دور حفتر في العملية، واكتفى ترمب بالإعراب عن تطلعه إلى الترحيب بعودة رايدوت إلى بلاده، بينما امتنعت وزارة الخارجية الأميركية عن التعليق، ولم يرد «البيت الأبيض» على طلب للتعليق بشأن مشاركة قوات حفتر، وفق ما أوردت «رويترز».

ولم يكن رايدوت مجرد مواطن أميركي وقع ضحية اختطاف عابر؛ فقد عاش في النيجر قرابة عقدين مع أسرته، وعمل طياراً لدى منظمة إنجيلية، ونقل فرقاً تبشيرية بين نيامي ومناطق أخرى، كما شارك مع زوجته في مشروعات إنسانية، شملت حفر الآبار وتوفير المياه، ومساعدة اللاجئين وبرامج محو الأمية.

وخطف ثلاثة مسلحين رايدوت من خارج منزله في نيامي، واقتادوه باتجاه منطقة تيلابيري غرب البلاد، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، ووقع في أيدي جماعة مرتبطة بـ«داعش».


تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
TT

تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)

فتحت مشاورات وتجمعات حاشدة للمعارضة في الكونغو الديمقراطية باب التصعيد لرفض مشروع قانون يسمح بتعديل الدستور والسماح بولاية ثالثة للرئيس فيليكس تشيسكيدي، في البلد الأفريقي الغارق منذ سنوات في مواجهات مسلحة مع متمردين شرقي البلاد، ويعاني منذ أشهر من تفشي وباء «الإيبولا».

واستبق تشيسكيدي تحركات المعارضة بطلب للبرلمان بإعادة المداولة بشأن القانون المثير للانتقادات بالبلاد، وهذه الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مناورة سياسية لإحباط تنامي الاحتجاجات والتصعيد الجديد من المعارضة.

وبدأ تشيسكيدي (62 عاماً) ولايته الأولى في يناير (كانون الثاني) 2019، واستمرت حتى 2023، قبل انتخابه لولاية ثانية من 2024 إلى 2029، ويُفترض أن تنتهي، وفق الدستور في نهاية عام 2028.

ويُقيد الدستور الحالي، الصادر عام 2006، الرئاسة بفترتين فقط، مدة كل منهما 5 سنوات، ما يعني عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة أغلبية البرلمان وإجراء استفتاء شعبي، تسعى له الموالاة، وقد قوبل هذا المسار برفض واسع من المعارضة على مدار الأشهر الماضية.

وبث المساعد السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية وزعيم المعارضة جان مارك كابوند، السبت، لقطات عبر صفحته بـ«فيسبوك» وسط حشود، قبيل اجتماع لدراسة خيارات مواجهة عدم تحديد السلطة موعداً للحوار الوطني.

وكان ائتلاف المعارضة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، المعروف باسم «الائتلاف 64» حدد أواخر يوليو (تموز) الماضي، مهلة تنتهي في 15 أغسطس (آب) 2026 كي يدعو تشيسكيدي رسمياً إلى حوار وطني شامل، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وحذر الائتلاف من أنه «إذا لم ينعقد في الموعد المحدد، أو بقيت التعهدات دون ترجمة ملموسة، فإنه سيدعو الكونغوليين إلى استئناف التحركات المدنية السلمية». ودعا إلى تنظيم مظاهرة حاشدة في 15 أغسطس الحالي احتجاجاً على مشروع تعديل الدستور، بعد نحو شهرين من تصعيد مماثل في يونيو (حزيران) الماضي شهد فض المظاهرات بالقوة من الشرطة.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، أن طلب تشيسكيدي إعادة المداولة في قانون تنظيم الاستفتاء، «لا يبدو في ضوء توقيته ومضمونه تراجعاً عن مسار إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، بقدر ما يبدو تراجعاً تكتيكياً ومدروساً لتخفيف الضغط وإعادة ترتيب المسار».

وجاء الطلب قبل يوم فقط من انتهاء المهلة التي حددها ائتلاف المعارضة، وتلويحه بتعبئة الشارع إذا لم يتراجع الرئيس عن مشروع الإصلاح الدستوري ويفتح حواراً وطنياً شاملاً.

ولذا يعد عيسى ذلك «عدم تراجع، خاصة أنه لم يطلب سحب قانون الاستفتاء، بل إعادته إلى البرلمان لمداولة جديدة في ضوء ملاحظات المحكمة الدستورية. وهذا الفارق مهم؛ لأن المحكمة الدستورية أقرت القانون في 28 يوليو الماضي، مع إبداء تحفظات على عدد من مواده، ما يجعل إعادة المداولة أقرب عملياً إلى تصحيح النص وإعادة تحصينه قانونياً منها إلى التخلي عن فكرة الاستفتاء».

الرئيس تشيسكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة (صفحة الرئاسة على إكس)

ومن المقرر أن يعود الملف إلى البرلمان خلال دورة سبتمبر (أيلول) المقبل، وهذا يراه الخبير في الشؤون الأفريقية، «يمنح الرئاسة هامشاً زمنياً لاحتواء التوتر ومراقبة ردود فعل المعارضة والشارع، لذلك يمكن اعتباره تراجعاً أمام الضغوط، وجساً للنبض السياسي أو مناورة سياسية أكثر منها تغييراً في الاتجاه أو تراجعاً عن الهدف النهائي».

«وسيترقب تشيسكيدي نبض الشارع، فإذا هدأت الاحتجاجات يمكن استئناف المسار في سبتمبر المقبل من موقع أقوى، وإذا تصاعدت يمكن استخدام إعادة المداولة كبادرة حسن نية وفتح باب التفاوض، وإذا نجح في تعديل القانون بما يبدد التحفظات القانونية، فسيكون قد حافظ على أداة أساسية لإعادة تشكيل قواعد اللعبة»، وفق عيسى.

ويضيف: «ستكون الاحتجاجات المسار الأرجح في مواجهة ترشح فيليكس تشيسكيدي لولاية ثالثة»، ويشير إلى أنه في هذه الحالة، تتعدد السيناريوهات.

وتتمثل أبرز الاحتمالات، بحسب عيسى، «في تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها، ورفع مستوى التوتر بين الشارع وقوات الأمن، وقد تتجه الأزمة كذلك إلى مواجهة سياسية ومؤسساتية، مع استمرار الأغلبية البرلمانية في دعم مسار التعديل مقابل رفض المعارضة، لينتقل الصراع إلى البرلمان والمحكمة الدستورية والمؤسسات الانتخابية... والسيناريو الثالث هو الحوار والتسوية السياسية، عبر تقديم السلطة ضمانات بشأن الانتخابات المقبلة وحدود الولايات الرئاسية لاحتواء الاحتقان».