«مُسيّرات التنين» الحارقة تدخل الحرب الروسية - الأوكرانية

أصبحت تنتج من قبل الطرفين في سباق تسلح عاجل للابتكار لطائرات أكثر فتكاً وتحلق سريعاً وبعيداً بشكل جماعي

طائرات مسيّرة روسية خلال معرض دفاعي (أ.ب)
طائرات مسيّرة روسية خلال معرض دفاعي (أ.ب)
TT

«مُسيّرات التنين» الحارقة تدخل الحرب الروسية - الأوكرانية

طائرات مسيّرة روسية خلال معرض دفاعي (أ.ب)
طائرات مسيّرة روسية خلال معرض دفاعي (أ.ب)

كانت مشكلة معتادة ومزعجة، إذ كان الجنود الروس يستخدمون الغطاء الكثيف من خطوط الأشجار استعداداً لاقتحام الخنادق الأوكرانية. وقال النقيب فياتشيسلاف (30 عاماً)، قائد سرية الطائرات المسيرة التابعة للواء «جيغر 68»، والمعروفة باسم «هورنتس دوفبوش»: «لقد استخدمنا كثيراً من الموارد لمحاولة إخراجهم وتدميرهم». لكنهم لم يتمكنوا من تنفيذ ذلك، كما قال في مقابلة أجريت معه الشهر الماضي. لذلك منحوا سلاحاً جديداً منعطفاً حديثاً، إذ ألحقوا أسطوانات رذاذ الثرمايت الحارق بالطائرات المسيرة وصنعوا سلاحاً قادراً على نفث معدن منصهر يحرق عند 4400 درجة فهرنهايت (2426.7°C). وأصبحوا يطلقون عليها «طائرات التنين المسيرة».

جنديان أوكرانيان يطلقان طائرة استطلاع مسيّرة قرب الجبهة في دونيتسك (رويترز)

الثرمايت، الذي تم تطويره قبل قرن من الزمن للحام مسارات السكك الحديدية، هو مزيج من الألومنيوم وأكسيد الحديد. وعندما يشتعل، ينتج تفاعلاً ذاتي الاستدامة يجعل إخماده مستحيلاً تقريباً. وقد استخدم هذا الأسلوب لتأثيره المدمر في الحربين العالميتين. وفي أوكرانيا، جرى استخدامه في المقام الأول بقذائف المدفعية والقنابل اليدوية.

والآن، يتم إلحاقه بالطائرات المسيرة التي تجتاح المواقع الدفاعية الروسية، فتمطر المعدن المحترق على العدو قبل أن تتحطم. تشعل النيران النباتات التي تستخدمها القوات الروسية للتغطية وتحرقها، مما يعرضها ومعداتها للهجوم المباشر.

ولا تزال طائرات التنين المسيرة خطوة أخرى في ثورة حرب الطائرات المسيرة التي غيرت ساحة المعركة. وأصبح دورها مختبراً للارتجال والتكيف سمةً مميزةً لهذه الحرب.

طائرات مسيّرة روسية خلال معرض دفاعي (أ.ب)

قال فياتشيسلاف: «لقد نجحت المهمة بشكل جيد للغاية». واشترط أن يستخدم اسمه الأول فقط وفقاً للبروتوكول العسكري، ونشر مقاطع فيديو لطياريه لاختبار الطائرات المسيرة واستخدامها في القتال خارج بوكروفسك، شرق أوكرانيا.

وفي الأسابيع الأخيرة، ومع ازدياد أعداد هذه الطائرات المسيرة في سماء الجبهة، بدأ الجنود الأوكرانيون في نشر عشرات من مقاطع الفيديو للهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل إثارة الخوف إلى جانب إطلاق النار. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يبدأ الروس في إنتاج طائرات التنين المسيرة الخاصة بهم.

ونشر أندريه ميدفيديف، السياسي من موسكو، الشهر الماضي، شريط فيديو على «تلغرام» يُظهر القوات الروسية تستخدم طائرات مسيرة لصب النار على الجنود الأوكرانيين. وقد تضمن المقطع اقتباساً من «لعبة العروش»: «الأحلام لم تجعلنا ملوكاً. هذا ما فعلته التنانين».

مسيرات روسية انفجرت فوق كييف (أ.ف.ب)

ولا يحظر القانون الدولي استخدام مادة الثرمايت، ولكن استخدام هذه الأسلحة الحارقة في المناطق المدنية محظور بموجب «اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة»، وهي إرشادات صدرت في حقبة الحرب الباردة تحت رعاية الأمم المتحدة. لم تكن هناك انتقادات ذات بال لطائرات التنين المسيرة، التي من المعروف أنها استخدمت فقط ضد أهداف عسكرية، وليس ضد المدنيين.

ولا تمثل طائرات التنين المسيرة سوى جزء ضئيل من الأساطيل سريعة التوسع التي يستخدمها كلا الجيشين في الوقت الذي ينخرطان فيه بسباق تسلح عاجل للابتكار والإنتاج الضخم للطائرات المسيرة التي تحلق سريعاً وبعيداً بشكل جماعي، مع كونها أكثر فتكاً.

مبنى سكني متضرّر بعد هجوم بطائرة مسيّرة في رامينسكوي بمنطقة موسكو (أ.ف.ب)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الشهر، إن بلاده تسير على خطى إنتاج 1.5 مليون طائرة مسيرة هذا العام، ويريد زيادة الإنتاج إلى 4 ملايين طائرة سنوياً. وقد أنشأت أوكرانيا هذا العام «قوة الأنظمة المسيرة»، وهي أول فرع عسكري في العالم مخصص لحرب الطائرات المسيرة.

ومن جانبها، حولت روسيا اقتصادها فعلياً إلى دعم مجمعها الصناعي العسكري، فأعلنت مؤخراً عن ميزانية مقترحة للعام المقبل بزيادة بنسبة 25 في المائة في الإنفاق العسكري، لكي تتجاوز 145 مليار دولار. نتيجة لذلك، فإنها قادرة على إنتاج الطائرات المسيرة بسرعة غير عادية. وقال فياتشيسلاف: «لقد أخذوها إلى مستوى أكثر رسمية، ويبدو أن إمداداتهم أفضل بكثير».

بوتين يزور مصنعاً للطائرات المسيَّرة (رويترز)

والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع اللجنة الصناعية العسكرية الروسية في سبتمبر (أيلول)، لتسليط الضوء على الجهود المبذولة لتوسيع نطاق إنتاج الطائرات المسيرة. وفي حين أن الشركات الروسية سلمت نحو 140 ألف طائرة مسيرة فقط العام الماضي، قال بوتين إنها زادت الإنتاج 10 أضعاف إلى 1.4 مليون طائرة مسيرة في عام 2024.

وقالت مارينا ميرون، الباحثة بقسم دراسات الحرب في كلية كينغز كوليدج بلندن، إن الروس كانوا «بطيئين للغاية في البداية»، لكنهم الآن ينفقون مبلغاً كبيراً على البحث والتطوير، ويمكنهم توسيع نطاق الابتكارات الجديدة بسرعة أكبر من الأوكرانيين. ثم استطردت: «لقد تحركوا بسرعة». كما تلقت روسيا دعماً كبيراً من إيران، التي يقول المسؤولون الأميركيون إنها ترسل الطائرات المسيرة إلى موسكو لاستخدامها في أوكرانيا. جدير بالذكر أن العشرات من أنواع المسيرات قيد الإنتاج. تساعد طائرات المراقبة المسيرة التي تحلق عالياً في السماء طواقم المدفعية والصواريخ على تحديد الأهداف. وقد استخدمت أوكرانيا الطائرات البحرية المسيرة لإحداث تأثير مدمر، مما ساعد في طرد البحرية الروسية من جزء كبير من البحر الأسود. ويستخدم كلا الجانبين بانتظام، الطائرات المسيرة الهجومية بعيدة المدى الموجهة ملاحياً بالأقمار الاصطناعية لضرب أهداف على بعد مئات الأميال.

عمال إنقاذ يحاولون إطفاء النيران قريباً من كييف (إ.ب.أ)

وعلى مقربة من الأرض، تمتلئ السماء بطائرات الهجوم المسيرة رخيصة الثمن نسبياً والقابلة للاستنفاد، والمعروفة باسم «إف بي في»، وتعني التحكم بالمسيرة عن بُعد. ويجري توجيهها بواسطة طيار يرتدي سماعة رأس تعرض بثاً مباشراً للفيديو من الطائرة، ويمكنها الآن ضرب أهداف على بعد أكثر من 10 أميال من موقع المُشغل. يطير بعضها مباشرة إلى الهدف وينفجر. بينما يمكن إعادة استخدام البعض الآخر فيحلق فوق الهدف، ويسقط قنابل يدوية أو قنابل صغيرة على قوات العدو.

جنود يجهزون سرية الطائرات المسيرة التابعة للواء 28 (رويترز)

وتصفح فياتشيسلاف كتالوغ الفيديو للهجمات الأخيرة التي كان يحتفظ بها على هاتفه الجوال، حيث كانت صور الموت والدمار تتخلل على نحو صارخ مقاطع فيديو لأصدقائه وعائلته. ثم قال: «هذا ما نسميه (اللهيب الأبيض). إنه يحرق كل شيء بما يزيد على 10 كيلوغرامات من المتفجرات. وهذا يُسمى (ديمنتور)، كما في روايات (هاري بوتر). إنه أسود، وهو عبارة عن قذيفة هاون عيار 120 ملم. نحن فقط نعيد استخدامه. وهذا هو (كاردونيتيك) - الرجال يحبونه حقاً». والقائمة مستمرة.

الكشافات الأوكرانية تبحث في سماء كييف عن المسيرات الروسية (رويترز)

وقال فياتشيسلاف إنه منذ وصول وحدته إلى منطقة بوكروفسك في أبريل (نيسان) الماضي، قتلت أكثر من 3000 جندي روسي. وقال: «هذه وحدتي أنا فقط». ومن المتعذر التحقق من ادعاءاته بشكل مستقل. كما أنه شارك مقاطع فيديو تُظهر فاعلية الطائرات الروسية المسيرة. وقال فياتشيسلاف، وقد أعاد عرض شريط فيديو يصور رجلاً جريحاً حال إجلائه من الجبهة: «أحد جنودنا كان مصاباً بحروق بنسبة 40 في المائة من جلده. كنت أنا من أوصله بالسيارة». وأضاف أنه في حين أن كلا الجانبين في طريقه إلى إنتاج ملايين الطائرات المسيرة، فإن الطيارين المهرة يصبحون أكثر قيمة ويصعب استبدالهم. وقال فياتشيسلاف أخيراً: «الطيارون مثل المتخصصين - يستحقون وزنهم ذهباً - ومن المهم للغاية حمايتهم. بمجرد تحديد موقعهم، فإن العدو لا يدخر أي جهد أو موارد في تدمير الموقع».

* مادة خاصة بـ«نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أميركا توافق على بيع صواريخ باتريوت لأوكرانيا مقابل 2.1 مليار دولار

العالم منظومة صواريخ «باتريوت» أميركية الصنع في تايبيه خلال تدريب للجيش التايواني (أ.ف.ب)

أميركا توافق على بيع صواريخ باتريوت لأوكرانيا مقابل 2.1 مليار دولار

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، أنها وافقت على بيع أوكرانيا 500 صاروخ «باتريوت باك - 3» مقابل 2.1 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث في افتتاح لقاء وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا (إ.ب.أ)

روبيو يستقبل نظراءه في مجموعة الـ20 وسط انقسامات حول أوكرانيا وإيران

افتتح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، اجتماعاً مع نظرائه في مجموعة الـ20، بمن فيهم سيرغي لافروف، في ظل انقسامات حول أوكرانيا وإيران.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
أوروبا من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب) p-circle

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً ولافروف يطرح رؤية بلاده لـ«أمن غير قابل للتجزئة في عالم متعدد الأقطاب»

رائد جبر (موسكو )
الاقتصاد حفارتا نفط وشعار شركة «إكسون موبيل» في صورة توضيحية (رويترز)

أرباح «إكسون» و«شيفرون» تنتعش بفضل طفرة قطاع التكرير وارتفاع الأسعار

تجاوزت شركتا النفط الأميركيتان العملاقتان «إكسون موبيل» و«شيفرون» توقعات المحللين بشأن أرباحهما الفصلية، الجمعة، وذلك جراء تداعيات حربَي إيران وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الخميس، نقلا ​عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
TT

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)

دعت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى تولي امرأة منصب رئيس ألمانيا لتخلف فرانك فالتر شتاينماير، عند انتهاء ولايته الثانية التي تستمر خمس سنوات في مارس (آذار) المقبل.

وذكرت ميركل، في مقابلة مع قناة «ماجينتا تي في» أُذيعت يوم الجمعة: «يمتد تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى 77 عاماً، ولم تتولَّ امرأة منصب الرئيس طوال هذه المدة».

وقالت السياسية المنتمية إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، خلال البرنامج الحواري «بستبِزِتسونج»، إنه ينبغي للجميع أن يسألوا أنفسهم: «ألم يحن الوقت لذلك الآن؟». وشددت ميركل قائلة: «أعرف نساء موجودات بالفعل، وهن قادرات على تولي هذا المنصب».

لكنها رفضت ذكر أي أسماء، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 يناير (كانون الثاني)، ستنتخب الجمعية الاتحادية الرئيس المقبل للدولة، وهي هيئة دستورية خاصة ومؤقتة تُشكَّل حصرياً بغرض انتخاب الرئيس كل خمس سنوات.

ومنذ أشهر، يطالب ماركوس زودر، رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الشريك البافاري للحزب المسيحي الديمقراطي، باختيار إيلزه آيغنر، رئيسة برلمان ولاية بافاريا، خلفاً لفرانك فالتر شتاينماير في منصب رئيس ألمانيا.

وتشمل الأسماء الأخرى المتداولة داخل التكتل المحافظ رئيسة البرلمان الاتحادي جوليا كلوكنر، ووزيرة التعليم كارين براين، والرئيسة السابقة للحزب المسيحي الديمقراطي أنجريت كرامب-كارنباور.


ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
TT

ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

أثار المقترح التاريخي الذي تقدمت به رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي في السادس عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعادت تأكيده في قمة مونتريال المشتركة التي اختتمت الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، لمنح كندا صفة «عضو منتسب» أو شريك استراتيجي فائق، زلزالاً في أروقة الدبلوماسية الدولية، كونه يعيد تعريف مفهوم الحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي عبر نموذج قانوني مستحدث يقع وسطاً بين العضوية الكاملة والاتفاقيات التجارية التقليدية.

وفي العمق السياسي، لا يعني هذا التقارب انضماماً جغرافياً أو سياسياً كاملاً يمنح أوتاوا حق التصويت أو الفيتو في بروكسل، بل يتأسس بموجبه «مجلس وزاري دائم بين كندا والاتحاد الأوروبي» يتمتع بصلاحيات تنسيقية عليا لتوحيد السياسات الخارجية تجاه الأزمات الدولية قبل صدورها.

وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في تحديد صيغة «شراكة هي الأقرب لصفة العضوية» لبناء مظلة أمان دولية تحمي بلاده من تقلبات السياسة الأميركية، مع الحفاظ الصارم على السيادة الكندية، حيث لن تشهد هذه الشراكة إلغاءً للحدود، أو منحاً لحرية التنقل والإقامة التلقائية للمواطنين، كما لن تلتزم كندا بقوانين المفوضية التشريعية إجبارياً، بل ستظل تدير شؤونها كدولة مستقلة تتناغم مصالحها الهيكلية مع القارة العجوز.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم للمؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

المعادلة المالية وموازين القوى وبند التمويل الموجه

في الشق المالي، لا يفرض هذا التحالف على أوتاوا دفع رسوم العضوية التقليدية المنهكة المترتبة على الدول الأعضاء لدعم الدول الأقل نمواً في القارة، كما أنه لا يمس بقرينتها النقدية، إذ ستحتفظ كندا بالدولار الكندي كعملة سيادية بعيداً عن منطقة اليورو ومخاطرها المرتبطة بالتضخم الأوروبي.

وتعتمد الصياغة المالية الدقيقة على آلية «التمويل المشروط بالبرامج»، حيث تدفع كندا مبالغ محددة للاشتراك في صناديق استراتيجية تابعة للاتحاد، مثل صندوق «أفق أوروبا» (Horizon Europe) للبحث العلمي وصناديق الابتكار الدفاعي، مما يمنح علماءها وشركاتها نفس حقوق الملكية الفكرية والدعم المالي المتاح للأوروبيين.

وتسعى هذه الميزانيات المشتركة المستحدثة إلى ضخ استثمارات أوروبية ضخمة في البنية التحتية الكندية وتأمين سلاسل التوريد، مما يخلق بيئة استثمارية محمية من الهزات السياسية تمنح المستثمرين على ضفتي الأطلسي ثقة استراتيجية طويلة الأجل.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (أسوشييتد برس)

الاندماج في السوق الرقمية الموحدة وتدفق التكنولوجيا

تكمن دقة هذا الانضمام في قطاعات حيوية معينة تتجاوز حدود التجارة البسيطة، حيث يتيح الاتفاق لكندا الانضمام الكامل إلى «السوق الرقمية الموحدة للاتحاد الأوروبي» (EU's Digital Single Market).

وبموجب هذا البند القانوني، تُعامل شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الكندية كأنها شركات أوروبية داخل الحدود، وتخضع للمعايير التنظيمية الصارمة نفسها مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي وقواعد حماية البيانات (GDPR).

هذا التوافق التنظيمي يسمح بنقل البيانات وتدفق الاستثمارات التكنولوجية بحرية كاملة، وهو امتياز استثنائي لا تمتلكه أي دولة خارج القارة العجوز، مما يعزز ريادة الطرفين في قيادة قطاعات التكنولوجيا الفائقة والابتكار الرقمي على الساحة الدولية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم إلى قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أ.ف.ب)

بروتوكول المعاملة الوطنية وتأمين المعادن الحيوية

يمثل ملف الطاقة والمعادن الحيوية حجر الزاوية في هذا التقارب الدبلوماسي؛ إذ ينظر الاتحاد الأوروبي إلى كندا باعتبارها طوق النجاة لتأمين احتياجاته من العناصر النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية الثقيلة، بعيداً عن الهيمنة الصينية والروسية.

ويتضمن الاتفاق بنداً قانونياً يُعرف بـ«المعاملة الوطنية المتبادلة»، يمنح الشركات الأوروبية الحق في التقدم للمناقصات الحكومية الكندية الكبرى بالشروط والأفضليات نفسها الممنوحة للشركات المحلية والمثل بالمثل للشركات الكندية في أوروبا. وتضمن هذه الشراكة تفاصيل دقيقة تتعلق بتسهيل تدفق الليثيوم والنيكل والكوبالت الكندي إلى المصانع الأوروبية بأسعار تفضيلية وإجراءات جمركية مبسطة، في مقابل استفادة أوتاوا من التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة في مجالات الهيدروجين الأخضر وتقنيات خفض الانبعاثات الكربونية.

اجتماع موسع مع وفدي الاتحاد الأوروبي وكندا في قمة مونتريال الجمعة 30 أكتوبر 2026 (أسوشييتد برس)

اتفاقية «سيتا» المعدلة وآليات التحكيم المرنة

يتجاوز الاتفاق الجديد حدود اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والاقتصادية «سيتا» التي عانت لسنوات من تباطؤ التصديق عليها في بعض البرلمانات الأوروبية والتحفظات القانونية في دول مثل ألمانيا.

فالصيغة الدبلوماسية المطروحة اليوم تسعى لتجاوز ثغرات المقاضاة التقليدية بين الشركات والدول، واستبدال آليات تحكيم مرنة وسريعة بها، تضمن تدفق السلع والخدمات بلا عوائق بيروقراطية.

وتهدف هذه المعالجة القانونية إلى توحيد البيئة القانونية للاستثمار وتكامل الأسواق وتوحيد معايير السلامة المهنية والبيئية، مما يسمح للشركات الكندية بالدخول إلى السوق الأوروبية كلاعبين شبه محليين، ويمنح الصادرات الأوروبية ميزة تنافسية كبرى داخل الأسواق الكندية في وقت تتزايد فيه الحمائية التجارية حول العالم.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

ظلال ترمب ومناورة التنويع الكندية الكبرى

لا يمكن قراءة هذا التحالف بمعزل عن الديناميكيات السياسية في واشنطن، حيث يشكل الصعود المتجدد للرئيس الأميركي وسياساته الحمائية القائمة على فرض رسوم جمركية مشددة، الدافع الأكبر وراء الهروب الكندي نحو أوروبا. وتدرك حكومة كارني أن الاعتماد شبه المطلق على السوق الأميركية بات يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي، مما جعل من تنويع الشراكات ضرورة قصوى للأمن القومي الكندي.

ويمثل هذا التقارب رسالة دبلوماسية واضحة لواشنطن مفادها أن أوتاوا تمتلك بدائل استراتيجية واقتصادية قوية، وهو ما يمنح المفاوض الكندي أوراق ضغط إضافية في أي مراجعة مستقبلية لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

مفهوم الحدود الذكية وحركة العمالة المتخصصة

رغم أن الانضمام لا يلغي تأشيرات السفر أو يمنح حرية التنقل المطلقة لشعوب الطرفين كشأن دول شنغن، فإنه يستحدث نظاماً دقيقاً يُعرف بـ«الممرات المهنية السريعة» لإدارة الهجرة العمالية المتخصصة.

يسهل هذا النظام اعتراف الطرفين بالشهادات الجامعية والاعتمادات المهنية بشكل متبادل وفوري للأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا الفائقة.

ويهدف هذا الإجراء إلى خلق سيولة مدروسة في حركة العمالة الماهرة لمواجهة نقص الأيدي العاملة في القطاعات الحيوية، مما يجعله اندماجاً بشرياً منتقى بعيداً عن إحداث أي اختلالات ديموغرافية عشوائية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

مستقبل التنسيق الدفاعي وحماية القطب الشمالي

يمتد البعد الجيوسياسي لهذا الاتفاق إلى التنسيق الدفاعي والأمني المكثف في مناطق التماس الحيوية، وعلى رأسها منطقة القطب الشمالي والممرات البحرية الاستراتيجية التي تشهد تنافساً محموماً مع روسيا والصين.

ويتضمن المحور الأمني تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحساسة، مثل كابلات الإنترنت البحرية وشبكات الطاقة المشتركة.

ورغم أن كندا والعديد من دول الاتحاد والتكتل ينضوون تحت لواء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن هذا الإطار الدبلوماسي الجديد يمنحهم مرونة أكبر للتحرك وبناء منظومة دفاعية وتكنولوجية موازية تضمن استمرارية التنسيق العسكري حتى في حال تراجع الالتزام الأميركي بالدفاع عن الحلفاء التقليديين.


إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)

كثّفت إسبانيا جهودها، الجمعة، لتحديد هويات ضحايا حادث تصادم قطارين أودى بـ69 شخصاً على الأقل، الأربعاء، في وسط البلاد، في محاولة لتخفيف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر أي خبر عن أحبائها، وسط رفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عقب اجتماع مع فرق الإنقاذ قرب مدينة أوردا حيث وقع الحادث، إن «كل أجهزة الدولة تعمل بلا كلل (...) لمحاولة تزويد عائلات الضحايا بأكبر قدر من المعلومات، في أسرع وقت وبأعلى قدر من الموثوقية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا ثاني حادث تصادم قطارين تشهده البلاد في أقل من عام، بعد حادث مماثل في يناير (كانون الثاني) أودى بـ46 شخصاً.

وأكد سانشيز مجدداً «التزام» الدولة بإبقاء العائلات على «اطلاع دائم بمصير ذويهم مع استمرار عملية تحديد هويات ضحايا هذا الحادث المروع» الذي وقع عندما اصطدم قطار تابع لشركة «رينفي» الرسمية بقطار آخر لشركة «إيريو» الخاصة، كان متوقفاً على السكة الحديد على بُعد 150 كيلومتراً جنوب مدريد.

«48 عملية تشريح»

وقال خافيير باريو الذي يبحث عن زوجته التي كانت على متن أحد القطارين: «نحاول التماسك قدر الإمكان، لكننا نبكي. طفلاي إلى جانبي ويقدّمان لي دعماً كبيراً، ومع ذلك نمرّ بأوقات عصيبة جداً».

وأضاف الرجل الموجود في توليدو: «لم أتلقَّ تأكيداً بوفاتها»، لكنه أقرّ بأن «احتمالات العثور عليها على قيد الحياة ضئيلة جداً».

وقال إميليانو غارسيا-باجي، رئيس حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا حيث وقع الحادث، إن السلطات تلقت 70 بلاغاً عن أشخاص مفقودين، قد يكونون من بين القتلى.

ولتسهيل عملية تحديد الهويات، قدّمت عائلات المفقودين عينات من الحمض النووي.

وقال غارسيا-باجي: «لا يُستبعد أن يكون عدد القتلى أكبر»، موضحاً أن فرق الإنقاذ انتشلت «جثامين كاملة»، وجمعت «ما يصل إلى 31 كيساً تحوي أشلاء بشرية، وذلك، كما يمكنكم أن تتصوروا، يجعل عملية تحديد الهويات معقدة جداً».

وأعلنت الهيئة القضائية المكلّفة هذه المهمة، مساء الخميس، إجراء «48 عملية تشريح»، وإبلاغ عائلات الضحايا بنتائج تحديد هويات خمسة منهم.

وأضاف غارسيا-باجي أن 39 جريحاً لا يزالون في المستشفيات، لكن حالتهم الصحية «تشهد تحسناً».

وتواصلت، الجمعة، عمليات البحث عن الضحايا بين حطام عربات القطار التي تحوّلت إلى كتل من الحديد، بمساعدة ثلاث رافعات ضخمة بيضاء وكلاب، رغم أنه «لم يعد هناك الكثير مما يمكن العثور عليه»، وفق ما قالت إستر باديّا، الناطقة باسم حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا، لتلفزيون «تي في إي» الرسمي.

وزير النقل يرفض دعوات الاستقالة

بالتوازي مع عمليات تحديد هويات الضحايا، يتواصل التحقيق في أسباب الحادث وسط حالة من الذهول تعمّ إسبانيا، حيث يُعدّ القطار من وسائل النقل الأكثر استخداماً.

وأوضح وزير النقل أوسكار بوينتي أن الحادث بدأ بعطل في نظام معلوماتي أجبر عدداً من القطارات على التوقف، مشيراً إلى احتمال وقوع «خطأ بشري» في ظل «ملابسات يكتنفها الغموض».

لكن وفق المعطيات الأولية، صدرت بعد وقت قصير من العطل «تعليمات خاطئة» من مركز المراقبة تقضي باستئناف قطار «رينفي» رحلته.

واصطدم هذا القطار بعد ذلك بالقطار الآخر المتوقف «بسرعة تُقدّر بين 160 و200 كيلومتر في الساعة»، وفق مذكرة أولية صادرة عن الهيئة الإدارية المستقلة المكلّفة التحقيق في حوادث القطارات.

وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي (أ.ف.ب)

ورفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته على خلفية ثاني حادث قطارات كبير خلال فترة ​توليه منصبه. وندد نواب من مختلف الأطياف السياسية بالوزير لإرجاعه سبب الحادث إلى ‌إخلال مشغلي ‌مركز التحكم بالبروتوكول بدلاً من ​تحمل ‌المسؤولية، ⁠فيما ​طالبت نقابات ⁠عمال السكك الحديدية بإقالته فوراً.

وقال بوينتي في مؤتمر صحافي، الجمعة: «واجبي الآن ليس التركيز على مناقشة ما إذا كنت ‌سأبقى في منصبي، وإنما على حل المشكلة، وتحديد ما حدث بالضبط، وتقديم تفسيرات ⁠واضحة».

وقال سانشيز، الجمعة، إن «الثقة في نظام القطارات العالية السرعة في بلادنا قد اهتزّت»، في ظل تصاعد انتقادات المعارضة اليمينية قبل أقل من شهر على الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي يسعى فيها الزعيم الاشتراكي إلى الفوز بولاية جديدة، رغم تقدّم منافسيه عليه في استطلاعات الرأي.

وختم سانشيز قائلاً إن «دور الحكومة لا يقتصر على تشخيص الوضع، بل يشمل أيضاً معرفة الأسباب وتقديم حلول تحول دون تكرار مأساة بهذا الحجم».

اقرأ أيضاً