طموحات محدودة لمؤتمر دعم لبنان في باريس

مصادر دبلوماسية: تراجع واشنطن عن مبادرتها المشتركة مع فرنسا لوقف النار يضعف رسالة المؤتمر

القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
TT

طموحات محدودة لمؤتمر دعم لبنان في باريس

القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)

ستكون الدول الأوروبية والمفوضية حاضرة في المؤتمر، الذي دعت إليه باريس يوم 24 الحالي لمساعدة ودعم لبنان، والذي وضعت له 4 محاور رئيسية. المحور الأول محور إنساني، عنوانه مزدوج وفق ما شرحت مصادر رئاسية فرنسية، إذ سيتناول وضع القطاع الصحي والاستجابة لحاجة لبنان التمويلية المباشرة (427 مليون دولار) ودعم القطاع الصحي والاستشفائي وتوفير الأدوية.

والجانب الذي يجد لبنان نفسه عاجزاً أيضاً إزاء فداحته، يتركز على ملف النازحين، الذين تقدرهم المصادر الحكومية بـ1.4 مليون شخص اضطروا لترك منازلهم وقراهم المدمرة في غالبيتها.

وهذا التناول، في مرحلته الراهنة، لا يتناول إعادة بناء ما تهدم، إذ الحرب ما زالت دائرة رحاها، ولائحة التدمير الطويلة لم تختتم. وترى المصادر الرئاسية الفرنسية أن «هناك حاجة للتنسيق بين الدول الراغبة في تقديم المساعدات الإنسانية إلى لبنان». وليس من المستبعد أن تتشكل لجنة لهذه الغاية، علماً أن غالبية الدعم الإنساني والمالي سيأتي من الدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص.

أولوية دعم الجيش

أما المحور الثاني فيتركز على دعم الجيش اللبناني، وهو محل إجماع نظراً للدور المنتظر منه عندما تضع المعارك أوزارها، وتتم العودة إلى القرار الدولي رقم 1701، سواء بصيغته الراهنة أم المعدلة ودور الجيش في فرض احترامه، إلى جانب قوات «اليونيفيل» الموجودة في لبنان منذ عام 1978.

بحث عن ناجين الجمعة في بيروت بعد ضربة جوية إسرائيلية هدمت بناية كاملة (أ.ب)

والحال أن القاصي والداني يعيان أن الدولة اللبنانية لا تمتلك الإمكانات لتطويع مزيد من الجنود، ولا لنشرهم، ولا لتسليحهم، فضلاً عن أن الجيش الذي يعدّ العمود الفقري للمحافظة على الدولة اللبنانية مطلوب منه اليوم القيام بمهام متعددة، من بينها المحافظة على الأمن الداخلي ومراقبة الحدود والانتشار على كل الأراضي اللبنانية.... ومع الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت لبنان منذ عام 2019، تهاوت رواتب العسكريين واضطرت قيادة الجيش للبحث عن موارد تمويل وهبات متعددة المصادر.

من هنا، ينتظر أن يحظى دعم القوات المسلحة اللبنانية على إجماع المؤتمرين، علماً أن السنوات الأخيرة شهدت كثيراً من المؤتمرات لدعم الجيش، وتقوم إيطاليا برئاسة لجنة مخصصة لهذه الغاية.

وفي هذا السياق، واستجابة لالتزام الحكومة اللبنانية بنشر قوات الجيش جنوب نهر الليطاني، فإن باريس أكدت بصوت مندوبها لدى الأمم المتحدة، نيكولا دو ريفيير، بمناسبة انعقاد جلسة مجلس الأمن، الخميس، العمل على «ضمان سيادة لبنان». الأمر الذي يمر بدعم القوات المسلحة اللبنانية.

وقال دو ريفيير لاحقاً: «نريد زيادة الدعم للمؤسسات اللبنانية، خاصة القوات المسلحة اللبنانية... نريد انتشار القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب والقيام بمهمتها... ما نحتاج إلى فعله هو التأكد من أن القوات المسلحة اللبنانية مجهزة ومدربة بشكل صحيح».

وفي هذا السياق، قال نائب المندوب الأميركي روبرت وود، في إطار اجتماع مجلس الأمن: «إن على المجتمع الدولي أن يركز جهوده على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله مقر اجتماع القادة الأوروبيين مصافحاً رئيس الجمهورية القبرصية نيكوس مريستودوليديس بمناسبة قمة مجموعة التسع الأورومتوسطية (إ.ب.أ)

وأضاف وود: «حلّ هذه الأزمة ليس بإضعاف لبنان... وإنما بالذهاب إلى لبنان قوي وذي سيادة حقيقية بحماية من قوة أمنية شرعية تتمثل في القوات المسلحة اللبنانية». وبحسب مصادر دبلوماسية في باريس، فإن دعم الجيش اللبناني محل إجماع، وينتظر أن تصدر عن المؤتمرين مقررات قوية بهذا الشأن.

الفراغ الرئاسي

يقوم المحور الثالث للمؤتمر، وفق ما شرحته المصادر الرئاسية، على الدفع باتجاه معالجة الأزمة المؤسساتية التي يعاني منها لبنان منذ عامين، مع الفراغ الرئاسي من جهة، ووجود حكومة تصريف أعمال، وشلل المجلس النيابي، وضعف أداء الحكومة والإدارة، خصوصاً في ظروف الحرب التي تلفّ لبنان.

وقالت المصادر الرئاسية ما حرفيته: «إن الرسالة التي سيروج لها الشركاء الدوليون عنوانها تقديم الدعم للمؤسسات اللبنانية وتشجيع الشركاء اللبنانيين من أجل إيجاد سلطة تنفيذية، عنوانها الأول انتخاب رئيس للجمهورية».

وتجدر الإشارة إلى أن باريس تجهد، منذ ما قبل حلول الفراغ في قصر بعبدا، على القيام بوساطة تسهل انتخاب رئيس للجمهورية، بشكل منفرد أو من خلال اللجنة الخماسية، التي تضم إلى جانب فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية والمملكة السعودية ومصر وقطر، إلا أن جهودها لم تثمر، كما أن محاولات الخماسية تدور في فراغ.

وتأخذ باريس على السياسيين اللبنانيين، كما تقول مصادر فرنسية معنية، «تغليبهم مصالحهم الشخصية والحزبية والمذهبية على المصلحة الوطنية، وانقساماتهم التي تغذي بعضها جهات خارجية». ومن المرتقب أن يلحظ البيان الختامي للمؤتمر فقرة خاصة بهذا الملف، الذي تبدو الحاجة لإغلاقه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، بسبب حالة الحرب التي يعيشها لبنان والحاجة إلى جهات كاملة الصلاحيات تخوض التفاوض باسم لبنان، عندما تنطلق المفاوضات.

هدف واشنطن

يبقى أن كل هذه المحاور ستبقى قاصرة من غير توقف لإطلاق النار وإطلاق العملية السياسية الدبلوماسية، وتسوية الخلافات الحدودية بين لبنان وإسرائيل. والحال أن الاجتماع الأخير لمجلس الأمن اقتصر على كلمات المندوبين، ولكن لم يصدر أي بيان أو أي قرار.

ويجدر التذكير بأنه خلال أسبوع القادة، في بداية أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، توصلت الولايات المتحدة وفرنسا إلى إطلاق مبادرة دعمها كثير من الدول الأوروبية والعربية، تقوم على الالتزام بهدنة من 21 يوماً يجري خلالها البحث في العودة إلى التنفيذ الحرفي للقرار 1701 والتزام الحكومة اللبنانية بالعمل بمقتضياته، بما في ذلك إرسال قوة كبيرة من الجيش اللبناني إلى جنوب الليطاني.

خيبة كبرى

جاء التزام الحكومة اللبنانية مع ضوء أخضر من «حزب الله» بقبول وقف إطلاق النار، ما يعني عملياً فكّ الارتباط بين الجبهة اللبنانية وغزة، وهو الخط الذي سار عليه الحزب منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي. بيد أن هذه الجهود، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، أصيبت بخيبة كبرى عندما سحبت واشنطن يدها من المبادرة التي أطلقتها مع فرنسا، مفسحة المجال لإسرائيل لتحقق أهدافها من الحرب على لبنان. وبدا ذلك جلياً من خلال غياب الدعوة لوقف إطلاق النار في كلمة نائب المندوب الأميركي في مجلس الأمن، كما غابت أيضاً عن تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن من لاوس، حيث كان يشارك في اجتماع دولي لبلدان جنوب شرقي آسيا.

بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الإسباني (يمين) ووزير الخارجية القبرصي كونستنتينوس كامبوس في مدينة بافوس القبرصية بمناسبة القمة الأورومتوسطية (رويترز)

فالمندوب الأميركي روبرت وود أفاد أن بلاده «تعمل على التوصل الى حل دبلوماسي»، لكنه لم يشر إلى وقف إطلاق النار.

وتسعى باريس إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المبادرة الفرنسية الأميركية، وستعمل للاستفادة من المؤتمر للدفع في هذا الاتجاه. وسوف تدل نوعية المشاركة الأميركية، التي تريدها باريس على مستوى وزراء الخارجية، على مدى الاهتمام الأميركي بالجهد الجماعي المرتقب من المؤتمر المرتقب.

وكشف المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، الأربعاء، عما تطمح إليه واشنطن في لبنان، بقوله: «نريد أن يقرر الشعب اللبناني هوية قادته». مضيفاً: «نحن بالتأكيد لا نريد أن نملي على الشعب اللبناني من هو زعيمهم، ولن نفعل ذلك... نريدهم أن يكونوا قادرين على القيام بذلك في غياب منظمة إرهابية تصوب مسدساً إلى رؤوسهم، وهو الوضع الذي يعيشه لبنان منذ عقود حتى الآن». وختم قائلاً: «في نهاية المطاف، نأمل أن يتم إضعاف (حزب الله) بما فيه الكفاية بحيث يصبح أقل قوة في السياسة اللبنانية».

وكان من الممكن لباريس أن تراهن على موقف أوروبي موحد. والحال أن الانقسامات، التي برزت بشأن حجب السلاح عن إسرائيل، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية الأسبوع الماضي، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الجمعة، تُبين عمق الانقسامات الأوروبية، وتُظهر أن الرافعة الجماعية الأوروبية معطلة، خصوصاً عندما يعلن المستشار الألماني، في الفترة عينها، معاودة بلاده تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، بعد تجميد غير معلن، منذ بداية العام الحالي.


مقالات ذات صلة

سلام لـ«الشرق الأوسط»: «حزب الله» ارتكب خطأ استراتيجياً

المشرق العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يتحدث إلى الصحافيين في مقر الحكومة في بيروت 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

سلام لـ«الشرق الأوسط»: «حزب الله» ارتكب خطأ استراتيجياً

قال رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إن «حزب الله» ارتكب خطأ استراتيجياً بدخوله في الحرب، مشيراً إلى أن التشدد في موضوع التأشيرة للإيرانيين، مرده المعلومات

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي لبناني يقود سيارته بجوار مبانٍ متضررة ويتصاعد منها الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز) p-circle

لبنان: نزوح أكثر من 450 ألف شخص منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل

أحصت السلطات اللبنانية نزوح أكثر من 450 ألف شخص منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، ممن سجلوا أسماءهم رسمياً لدى الحكومة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي طائرة تابعة لخطوط طيران الشرق الأوسط (رويترز) p-circle

يواجهون المسيرات والصواريخ والتوتر... الحروب تفاقم المخاطر على الطيارين

واجه طيارو الخطوط الجوية مخاطر متصاعدة في السنوات القليلة الماضية من جراء تسلل الطائرات المسيرة إلى مسارات الطيران المتقلصة بسبب الصراعات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أنقاض المباني المدمرة في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي برج البراجنة في الضاحية الجنوبية (أ.ف.ب)

وزارة الصحة: نحو 300 قتيل حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان

قتل نحو 300 شخص جراء الغارات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان منذ بداية الحرب مع «حزب الله»، الاثنين الماضي، حسب تعداد لوزارة الصحة اللبنانية السبت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة التُقطت خلال جولة إعلامية نظّمها «حزب الله» تظهرالدمار الذي لحق ببلدة النبي شيت عقب عملية عسكرية إسرائيلية في سهل البقاع بلبنان (أ.ف.ب)

عملية إنزال إسرائيلية دامية في شرق لبنان بحثاً عن جثة رون أراد

نفذ الجيش الإسرائيلي عملية إنزال على طول الحدود اللبنانية السورية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

رغم بُعد ساحة الحرب الإيرانية الدائرة حالياً عن أفريقيا، فإن تداعياتها تمتد لمساحات جغرافية أبعد لتُعقد أزمات القارة أمنياً واقتصادياً، وتسهم بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» في اتخاذ مواقف يغلب عليها «التحوط الاستراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل» مع أي من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، أو طهران على الجانب الآخر.

وفور بدء الحرب، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في بيان، إلى «ضبط النفس»، مُعرباً عن «قلقه البالغ»، إزاء ما وصفه بـ«التصعيد الخطير في الأعمال العدائية». وحذّر الاتحاد الأفريقي من تداعيات التصعيد التي «تُهدّد بزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي». كما حذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من «عواقب وخيمة على السلام العالمي وسلاسل الإمداد» نتيجة «تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي».

التحوط الاستراتيجي

بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، فإن «علاقات إيران الوثيقة مع بعض الدول الأفريقية تخلق شبكة مُعقّدة من التفاعلات التي تجمع بين الضغوط الدولية، والحسابات الأمنية، والتوازنات الاقتصادية، والعوامل الاجتماعية الداخلية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حرب إيران «لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تحوّلت إلى مُتغيّر يُعيد تشكيل بيئة صنع القرار في أفريقيا، ويجبر الدول على إعادة تقييم موقعها في خريطة الاصطفافات الدولية».

وأوضح أن «الدول الأفريقية التي ترتبط مع إيران بعلاقات تاريخية أو اقتصادية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة؛ الحفاظ على قنوات التعاون مع طهران من جهة، وتجنب الاصطدام مع القوى الغربية من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن «هذا الوضع يدفع دولاً مثل تنزانيا وأوغندا إلى تبنِّي سياسة الحذر، بينما قد ترى زيمبابوي في عزلة إيران فرصة لتعميق التعاون معها، وإن كان ذلك محفوفاً بمخاطر العقوبات الثانوية».

أما جنوب أفريقيا، ذات الإرث الطويل في التعاون مع طهران، فتواجه معضلة أكثر تعقيداً تتعلق بضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية الواسعة مع الغرب، وفقاً لإدريس. وأكد «أن التطورات الراهنة تدفع العديد من الدول إلى تبنِّي سياسة التحوّط الاستراتيجي بدلاً من الاصطفاف، في محاولة للحفاظ على أكبر قدر من المرونة في بيئة دولية مضطربة».

وغلبت صيغة التحذير والإدانة والدعوة لضبط النفس على بيانات العواصم الأفريقية المختلفة، فأدانت كينيا والصومال وإثيوبيا الضربات الإيرانية على دول الخليج. وأعلنت السنغال رفضها استخدام العنف، داعية إلى «ضبط النفس وتغليب لغة الحوار». بينما أعربت جنوب أفريقيا عن «قلقها البالغ إزاء التصعيد»، ودعا رئيسها سيريل رامافوزا، في بيان، إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي. وقال إن «الدفاع عن النفس لا يُسمح به إلا في حالة تعرُّض دولة لغزو مسلح. أما الدفاع الاستباقي عن النفس، فهو غير مسموح به بموجب القانون الدولي، ولا يمكن أن يستند إلى افتراضات أو توقعات».

ودعت نيجيريا وغانا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، كما حثت أوغندا رعاياها على مغادرة الأراضي الإيرانية، بينما أوصت تنزانيا رعاياها في المناطق المتأثرة بالتوتر بممارسة أقصى درجات اليقظة والحذر.

دعوات لضبط النفس

وقال إدريس إن «التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتعريض الممرات البحرية للخطر، ما يؤثر على اقتصادات تعتمد على هذه الممرات مثل إثيوبيا وتنزانيا»، مشيراً إلى أن «المشهد يزداد تعقيداً، مع الأخذ في الحسبان وجود تيارات متعاطفة مع إيران في غرب أفريقيا؛ ما قد يؤدي لتوترات داخلية حال تصاعد الصراع».

ردود الأفعال الأفريقية تراوحت ما «بين الدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية وبعض البلدان، واختارت دول موقف الحزم ضد طهران، بينما اختارت أخرى مبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية، وعمدت ثالثة إلى مبدأ التحوط»، بحسب تقرير نشره دكتور مجدي محمد محمود آدم في مجلة «قراءات أفريقية»، أشار فيه إلى «حرص الدول الأفريقية على اختيار كلماتهم بعناية محاولين تجنّب استعداء أيٍّ من الطرفين».

لقاء بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرستوغ (حساب الرئيس الإسرائيلي على منصة إكس)

ويؤكد الرئيس التنفيذي لمركز (BRCSOM) للدراسات الاستراتيجية في الصومال، شافعي يوسف عمر، أن «تأثير الحرب لن يتوقف عند إيران، بل سيمتد حتماً ليغير خريطة شرق أفريقيا، ويخلق كيانات وهمية على الحدود، تمهيداً للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا «أسوأ سيناريو كارثي كان بالإمكان تجنبه بالكامل لو توفرت الإرادة السياسية الدولية». وأضاف: «نحن في أفريقيا لسنا طرفاً في صنع هذه الحرب، ولم نُستشر في قراراتها، لكننا مع الأسف أول ضحاياها وأكثر المتضررين منها».

تداعيات اقتصادية وخيمة

منذ اندلاع الحرب، تتوالى التحذيرات في دول القارة من تداعياتها الاقتصادية على الأسعار وعلى سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود والتخوف من أزمة طاقة عالمية والتأثير في ممرات الملاحة الدولية.

«على الصعيد الاقتصادي، تؤدي الحرب إلى اضطراب أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن؛ ما ينعكس مباشرة على الدول الأفريقية المستوردة للنفط، كما أن التوتر في البحر الأحمر يهدد سلاسل الإمداد، ويزيد هشاشة الاقتصادات الأفريقية»، بحسب إدريس.

بدوره، يلفت عمر إلى «تأثير الحرب على الصومال التي تعاني من موجة جفاف قاسية تهدد حياة 6.8 مليون إنسان، ترافقت مع ارتفاع الأسعار بفعل تأثير الحرب على سلاسل الإمداد»، كما يشير إلى أن «الحرب قد تزيد من عمق الصراعات الداخلية في إثيوبيا»، محذراً من استغلال التوتر الحالي في «إشعال المنطقة». وقال إن «الدول الفقيرة هي أول من يدفع الثمن عبر ارتفاع جنوني في الأسعار، وشُحّ في السلع الأساسية، وانهيار في سلاسل التوريد، وفوق هذا كله جفاف يضرب القرن الأفريقي، ويهدد ملايين البشر بالمجاعة».

وفي رأي الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، فإن «تأثير الحرب الإيرانية لا يمكن فهمه بمعزل عن التداخل بين العوامل الخارجية والداخلية. فالدول الأفريقية ليست مجرد أطراف متلقية للضغوط الدولية، بل فاعلون يحاولون إعادة صياغة مصالحهم في بيئة عالمية مضطربة».


تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
TT

تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)

برزت مؤشرات على تخبط داخل مؤسسات الحكم في طهران بشأن استهداف دول الجوار، بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً لتلك الدول مع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني.

وتعهد بزشكيان وقف الهجمات على دول الجيران ما لم تستخدم أراضيها لشن هجمات على إيران، في حين واصلت القيادات العسكرية إطلاق تهديدات بتوسيع الأهداف. وأقر بأن «الحرس الثوري» اتخذ قرارات ميدانية بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة في بداية الحرب.

وأثار الاعتذار سجالاً سياسياً داخل طهران؛ إذ شدد رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين محسني إجئي على أن «الهجمات الشديدة ستستمر» لأن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت في خدمة العدو». كما تمسكت غرفة عمليات هيئة الأركان بمواصلة الهجمات، قائلة إن أي نقطة تُستخدم لشن هجوم على إيران «ستعد هدفاً مشروعاً»، وهو ما كرره رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

تزامن ذلك مع تصعيد ميداني واسع وغارات إسرائيلية مكثفة على طهران ومدن إيرانية أخرى، قابلها إطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه إسرائيل وقواعد في المنطقة.

وتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات أشد و«قوية جداً»، قائلاً إن واشنطن تدرس استهداف «مناطق وأشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافهم». وقال إن اعتذار بزشكيان لدول الجوار يعكس تراجعاً تحت ضغط الضربات، مضيفاً أنه «اعتذر واستسلم لجيرانه ووعد بعدم استهدافهم».

ميدانياً، شنّت إسرائيل موجة غارات شاركت فيها أكثر من 80 طائرة مقاتلة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في طهران وأصفهان، بينما دوت انفجارات في مطارات مهرآباد وشيراز وأصفهان وهمدان، وشملت الضربات أجزاء من مصفاة طهران.

وأطلقت إيران دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، فيما أعلن «الحرس الثوري» إطلاق صواريخ «فتاح» و«عماد» و«خيبر»، مستهدفاً مصفاة حيفا، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية مياه في جزيرة قشم، محذراً من «عواقب وخيمة».


ترمب يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران

ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
TT

ترمب يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران

ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)
ترمب يتحدث في معهد «أميركا أولاً» في 26 يوليو 2022 (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يستبعد انضمام الأكراد إلى الحرب مع إيران، وأضاف أنهم يرغبون في ذلك، ولكن «الحرب معقدة بما فيه الكفاية»، وأضاف: «نريد اختيار رئيس في إيران لا يقودها إلى الحرب».

وكذلك ذكر ترمب أن بريطانيا تفكر بجدية في إرسال ‌حاملتي ‌طائرات ​إلى الشرق ‌الأوسط، ⁠لكنه ​أوضح أنه ⁠لا يحتاج إليهما في الحرب مع إيران.

وكتب ⁠ترمب في ‌منشور ‌على ​منصة ‌«تروث سوشيال»: «لا ‌بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا بحاجة ‌إليهما بعد الآن، لكننا لن ⁠ننسى... لسنا ⁠بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نحقق فيها الانتصار بالفعل!».

وفي سياق متصل، أشرف ترمب على مراسم قصيرة على مدرج قاعدة دوفر الجوية (شمال شرقي) لإعادة جثامين الجنود الأميركيين الستة الذين قتلوا في الحرب على إيران.

ووضع الرئيس قبعة بيضاء تحمل أحرف «يو إس إيه» مذهّبة، وأدى التحية العسكرية مع مرور النعوش المغطاة بالعلم الأميركي ونقلها من طائرة عسكرية إلى مركبة.

كان العناصر الستة الذين قتلوا في أعقاب شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، جنود احتياط تم نشرهم في الكويت، وكانوا تابعين لقيادة الدعم 103 التي تتخذ من دي موين بولاية أيوا مقراً لها.