التضخم يظهر بوضوح على موائد المصريين

معدل متوقَّع عند 27 % للنصف الثاني من العام

امرأة تتسوق في أحد متاجر العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
امرأة تتسوق في أحد متاجر العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
TT

التضخم يظهر بوضوح على موائد المصريين

امرأة تتسوق في أحد متاجر العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
امرأة تتسوق في أحد متاجر العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

«مافيش بيض يا ماما على الفطار... أو حتى خضار... جبنة وعيش بس؟».

هكذا أبدى الطفل يوسف اندهاشه من المائدة التي كانت في يوم من الأيام تمتلئ بأنواع كثيرة من الطعام الصحي. لكن الأم ردت بتلقائية: «البيضة مش كل يوم، (البيضة) بقت بـ7 جنيه، والجبنة فيها فيتامينات اللبن».

تستطيع أن تشعر بتضخم الأسعار في مصر بمجرد أن تجلس على مائدة إفطار أو غداء أو عشاء، إذ تقلص عدد الأصناف بدرجة كبيرة. كما انعكس هذا على موائد المطاعم أيضاً، التي بدأت هي الأخرى في تقليل الأصناف والأحجام، لتخفيض الأسعار نسبياً أو ثباتها على الأقل، من خلال «عروض موسمية» لفترة محدودة.

ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية، لأول مرة منذ 5 أشهر، إلى 26.2 في المائة في أغسطس (آب) من 25.7 في المائة في يوليو (تموز). حسبما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر.

ويعني ارتفاع معدل التضخم بنسبة 26 في المائة أن الأسعار ترتفع بأكثر من الربع على إجمالي المصروفات سنوياً، وهو ما لم ينعكس على معدلات الأجور في مصر بنفس النسبة.

وهذا ما حاولت الأم إيصاله لابنها البالغ 10 سنوات، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع الأسعار قلص عدد أصناف الطعام، وبالتالي الفيتامينات التي يجب أن تقدَّم للطفل في هذه السن... ودائماً ما يشتكون من هذا.. لذلك اضطررت إلى أن ألجأ إلى أصناف (الأكل الكدّابة)! للتغلب على هذه الشكوى... هذا كل ما أستطيع أن أفعله!».

اشتهر في مصر خلال الفترة الحالية بعض الأكلات المسماة «الوجبات الكدّابة»، للتغلب على ارتفاع الأسعار، مثل «البانيه الكدَّاب»، وهو عبارة عن كمية صغيرة من الفراخ البانيه يُزاد حجمها بخلطها بالبطاطس المسلوقة والدقيق، لتعطي مذاقاً مقارباً للفراخ البانيه؛ وباقي الأصناف المرتفعة في الأسعار تقلَّد على نفس المنوال. ولجأت الأمهات إليها مؤخراً للتغلب على ارتفاع الأسعار بعد زيادة «شكوى الأولاد من ساندويتشات زملائهم في المدرسة»، وفقاً لأم الطفل يوسف، الأربعينية، خريجة التجارة.

بلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين في إجمالي الجمهورية 231.1 نقطة لشهر أغسطس 2024، مسجلاً بذلك تضخماً شهرياً قدره 1.9 في المائة.

ويرجع ذلك إلى ارتفاع مجموعة الخضراوات بنسبة 14.3 في المائة، ومجموعة خدمات النقل بنسبة 14.9 في المائة، ومجموعة خدمات البريد بنسبة 6 في المائة، ومجموعة الأجهزة المنزلية بنسبة 2.8 في المائة، ومجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة 2.1 في المائة، ومجموعة خدمات المستشفيات بنسبة 2.8 في المائة، ومجموعة الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 1.4 في المائة، ومجموعة الفاكهة بنسبة 0.9 في المائة، ومجموعة المياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية بنسبة 1.7 في المائة، ومجموعة الملابس الجاهزة بنسبة 1.2 في المائة.

وانخفض الجنيه المصري أمام الدولار من 30.91 جنيه في مارس (آذار) الماضي، إلى نحو 48.5 جنيه، بتراجع نحو 60 في المائة، وهو ما سمح باتفاق مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.

ونتيجة لذلك، رفعت الحكومة أسعار عدد كبير من المنتجات المدعومة للسيطرة على عجز الموازنة الذي بلغ 505 مليارات جنيه (10.3 مليار دولار) في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو (حزيران) الماضي.

ومع اعتزام الحكومة استمرار رفع الأسعار أو بالأحرى رفع الدعم من السلع المدعومة، حتى نهاية عام 2025، من المتوقع أن يبقى التضخم بعيداً عن نطاق البنك المركزي المصري المستهدَف عند 7 في المائة (+/- 2 في المائة).

ومن المقرر أن يعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أرقام التضخم لشهر أغسطس يوم الخميس المقبل.

وتتوقع مؤسسة «فيتش سوليوشنز» أن يظل معدل التضخم السنوي في مصر ثابتاً في النصف الثاني من العام الجاري، بمتوسط 27 في المائة على أساس سنوي، نتيجة الزيادات المقررة في أسعار الكهرباء والوقود والمنتجات الغذائية. متوقعةً تراجع المعدل السنوي للتضخم إلى أقل من 20 في المائة بحلول فبراير (شباط) 2025.

وقررت لجنة السياسة النقديـة للبنك المركزي المصري، خلال اجتماعها الأخير، الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع والإقراض دون تغيير عند 27.25 و 28.25 في المائة بالترتيب، وهذا ما يزيد قليلاً على معدل التضخم السنوي المسجل لشهر أغسطس الماضي.

وتنعكس معدلات التضخم ليس على موائد المصريين فقط، بل على أعمالهم أيضاً، فقد أظهر مؤشر «بارومتر الأعمال»، التابع للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أنه «لا تزال التحديات المرتبطة بارتفاع التضخم تتصدر قائمة المعوقات بالنسبة لجميع الشركات خلال الربع الثاني من العام الجاري، يليها في المرتبة الثانية الارتفاع المستمر في تكاليف الطاقة والمياه، والذي يمثل عبئاً إضافياً على الشركات خصوصاً في ظل توجهات الحكومة لرفع دعم الطاقة كلياً».


مقالات ذات صلة

مصر: تصدير شحنة جديدة من الغاز المسال لصالح «شل»

الاقتصاد الناقلة «METHANE BECKI ANNE» والمتجهة إلى أحد مواني تركيا من مصر (وزارة البترول المصرية)

مصر: تصدير شحنة جديدة من الغاز المسال لصالح «شل»

أعلنت وزارة البترول المصرية، الاثنين، عن تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال لصالح شركة «شل» العالمية، بكمية تصل إلى 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

تصاعدت حدة الجدل في مصر بشأن «خفض الدين العام» وسط تساؤلات حول ما إذا كانت خطة الحكومة المنتظرة في هذا الصدد تتضمن بيعاً لأصول الدولة لتخفيف أعباء خدمة الدين

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مصر: تراجع عجز الحساب الجاري 45 % خلال الربع الأول من العام المالي الجاري

أعلن البنك المركزي المصري، الأربعاء، انخفاض عجز الحساب الجاري بمعدل 45.2 في المائة إلى 3.2 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2025-2026.

صبري ناجح (القاهرة)
الاقتصاد مدبولي خلال ترؤسه الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تتطلع لخفض ديونها في قطاع الغاز إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو

أعلنت مصر سداد نحو 5 مليارات دولار من فواتيرها المتأخرة لشركائها الأجانب في قطاع النفط والغاز، وتطمح إلى خفض المتأخرات المتبقية لـ1.2 مليار دولار بحلول يونيو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أعلنت «ميرسك» ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم الأسبوع الماضي عودتها لقناة السويس (رويترز)

«سي إم إيه - سي جي إم» الفرنسية تقلص رحلاتها عبر قناة السويس

​قررت «سي إم إيه - سي جي إم» الفرنسية للنقل ‌البحري، ​تحويل ‌مسار سفنها العاملة على عدد من الخطوط في الوقت ⁠الراهن لرأس الرجاء الصالح.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

مطلع العام الحالي، شهدت الأسواق العالمية فصلاً جديداً من فصول التذبذب العنيف، حيث قفز الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، قبل أن يصطدما بجدار «الواقع السياسي» الجديد في واشنطن. وبينما تجاوز الذهب حاجز الـ 5500 دولار للأوقية، حققت الفضة قفزات مذهلة فاقت أداء الذهب، ليعيش المستثمرون أسبوعاً من الجنون السعري انتهى بـ«جمعة دامية» أعادت ترتيب أوراق الملاذات الآمنة.

لماذا هرب العالم نحو الذهب؟

لم يكن الارتفاع القياسي للذهب والفضة بمحض الصدفة، بل كان نتيجة تضافر ثلاثة عوامل استراتيجية:

1- ضبابية «ترمب» والحروب التجارية:

أدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية جديدة على دول أوروبية وكندا والصين إلى زعزعة الثقة في النظام التجاري العالمي. وقد ساهمت التوترات حول غرينلاند والتهديدات التجارية ضد ثماني دول أوروبية في دفع المستثمرين للفرار من الدولار نحو الذهب بوصف أنه درع واقٍ من تقلبات السياسة الخارجية الأميركية.

مجوهرات ذهبية معروضة على منصة في معرض فالينزا الدولي للمجوهرات في فالينزا - شمال إيطاليا (رويترز)

2- المخاطر الجيوسياسية المشتعلة:

استمرار الحروب في أوكرانيا وغزة، بالإضافة إلى أحداث درامية، مثل احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خلق مناخاً من عدم اليقين السياسي المطلق. وفي هذا «العالم الفوضوي»، فعل الذهب ما يفعله دائماً؛ حيث قفز على أنه ملاذ آمن وحيد عندما يشعر العالم بالخطر.

3- حمى شراء البنوك المركزية والمستثمرين الجدد:

اتجهت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الصين، نحو زيادة احتياطياتها من الذهب لتقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization)، خوفاً من تجميد الأصول، كما حدث مع روسيا. ولم يقتصر الأمر على المؤسسات، بل دخل لاعبون جدد مثل شركة «تيثير» للعملات الرقمية، التي اشترت كميات هائلة من الذهب جعلت احتياطاتها تفوق احتياطات دول بأكملها.

لماذا سرقت «الفضة» الأضواء؟

بينما ارتفع الذهب بنسبة 30 في المائة، حققت الفضة طفرة مذهلة بنسبة 60 في المائة في شهر واحد، لتصل إلى 120 دولاراً للأوقية. ويرجع ذلك إلى «الشخصية المزدوجة» للفضة؛ فهي ملاذ آمن، ولكنها أيضاً مادة صناعية حيوية للذكاء الاصطناعي، والألواح الشمسية (التي تستهلك 30 في المائة من الطلب العالمي)، والسيارات الكهربائية. وبسبب العجز في الإمدادات لخمس سنوات متتالية، أصبحت الفضة هدفاً للمضاربات العنيفة من قبل صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول مثل «CommSec».

صائغ يثبّت فصاً داخل تاج فضي في ورشة لصناعة المجوهرات في مومباي بالهند (رويترز)

كيفن وورش... السبب الوحيد وراء الانهيار

بينما كان الذهب يحلق فوق الـ5500 دولار، جاءت الأنباء من واشنطن لتقلب الطاولة. فبمجرد ظهور تقارير تشير إلى ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تراجعت الأسعار بشكل حاد.

لماذا؟ لأن الأسواق كانت تخشى تعيين شخص «ينصاع» لضغوط ترمب لخفض الفائدة بشكل مفرط، مما يسبب تضخماً هائلاً. لكن وورش يُنظر إليه على أنه خيار «آمن ونظامي» مقارنة بمرشحين آخرين، مما أعاد الثقة جزئياً في استقرار الدولار، والسياسة النقدية، فباع المستثمرون «الخبر» وجنوا أرباحهم، ليهبط الذهب إلى مستويات دون 5 آلاف دولار، والفضة إلى ما دون الـ75 دولاراً في جلسة واحدة.

عُرض ملصقٌ يُصوّر سبائك ذهبية استثمارية على واجهة أحد تجار الذهب في مدريد (أ.ف.ب)

رغم التراجع الأخير، لا تزال المعادن الثمينة أعلى بكثير من مستوياتها في العام الماضي. ويحذر الأكاديميون والمحللون المستثمرين الأفراد من «مطاردة الزخم»؛ فالذهب والفضة أصول لا تدر عائداً، أو توزيعات أرباح، وقيمتها تعتمد فقط على إعادة البيع بسعر أعلى. ويوصي الخبراء بألا تتجاوز نسبة المعادن الثمينة في المحفظة الاستثمارية ما بين 5 إلى 15 في المائة فقط، لضمان التنويع في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
TT

«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)

في خطوة وُصفت بأنها «إعادة ضبط» شاملة لمنظومة المال الأميركية، أعلن الرئيس دونالد ترمب ترشيح كيفن وورش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو (أيار) المقبل. هذا الاختيار لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل يؤشر على «انقلاب أبيض» في العقيدة الاقتصادية لـ«المركزي الأميركي»؛ حيث يأتي وورش، المعروف بانتقاداته اللاذعة للنهج الحالي، ليكون المهندس الجديد لسياسة نقدية تتماشى مع رؤية «ترمب 2.0» القائمة على النمو المتسارع وتخفيض تكاليف الاقتراض.

من «صقر» التضخم إلى «حمامة» الفائدة

يُعد كيفن وورش (55 عاماً) وجهاً مألوفاً في أروقة الاحتياطي الفيدرالي ومراقبي الأسواق، لكن مسيرته شهدت تحولاً لافتاً. فبينما عُرف كـ«صقر» ينادي برفع الفائدة خلال فترة عضويته في مجلس المحافظين (2006-2011)، أصبح في السنوات الأخيرة من أشد الداعمين لخفض تكاليف الاقتراض. هذا التحول يضعه في تناغم تام مع ضغوط ترمب المستمرة لخفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد، وهو ما فشل باول في تحقيقه بالشكل الذي يرضي البيت الأبيض.

واجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو

يرتكز موقف وورش المؤيد لخفض الفائدة على رؤية اقتصادية حديثة؛ فهو يجادل بأن الولايات المتحدة تشهد طفرة إنتاجية ناتجة عن ثورة «الذكاء الاصطناعي» وابتكارات وادي السيليكون. ويرى وورش أن هذه الثورة تسمح للاقتصاد الأميركي بالنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة الأخرى دون التسبب في اشتعال التضخم، وهو ما يسمح لصناع السياسة بخفض الفائدة لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من التمسك بنماذج اقتصادية «بالية» تعزو التضخم لزيادة إنفاق المستهلكين أو ارتفاع الأجور.

ثورة الميزانية العمومية

أحد أكثر جوانب رؤية وورش راديكالية هو موقفه من الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي والبالغة 6.6 تريليون دولار. يصف وورش هذه الميزانية بـ«المتضخمة» التي صُممت لدعم الشركات الكبرى في حقبة أزمات مضت. ويطالب بتقليصها بشكل كبير، معتبراً أن هذه الأموال يجب أن «تُعاد تعبئتها» في صورة أسعار فائدة منخفضة تدعم المواطن البسيط.

كما يدعو إلى «اتفاقية جديدة» بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي على غرار اتفاقية عام 1951، وذلك لضمان عدم عمل البنك في اتجاهات تعاكس سياسات الخزانة، وهو ما يراه البعض تهديداً لاستقلالية البنك التاريخية. إذ يدعو وورش إلى نسخة عصرية من اتفاقية عام 1951 التاريخية؛ حيث تهدف إلى إيجاد آلية تنسيق رسمية ومباشرة بين وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي بشأن حجم الميزانية العمومية وكيفية إدارة الديون السيادية الضخمة للولايات المتحدة.

هجوم على النماذج التقليدية

يتبنى وورش نهجاً نقدياً يضع اللوم في التضخم على الإنفاق الحكومي المفرط وطباعة النقد، وليس على المستهلك الأميركي. وفي تصريحاته، دعا صراحة إلى «تغيير النظام» داخل الاحتياطي الفيدرالي، مهاجماً النماذج الماكرو-اقتصادية التي يستخدمها البنك حالياً. ويقول بوضوح: «البنك المركزي يعتقد أن التضخم سببه ارتفاع الأجور وإنفاق المستهلكين، وأنا أختلف جذرياً؛ التضخم ينشأ عندما تنفق الحكومة الكثير وتطبع الكثير».

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي في مؤتمر صحافي (رويترز)

عقبات سياسية وتحقيقات قضائية

رغم أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ (53-47)، فإن طريق وورش قد لا يكون مفروشاً بالورود. يواجه الترشيح تعقيدات قانونية مرتبطة بتحقيق وزارة العدل حول شهادة جيروم باول بشأن ترميم مقر الفيدرالي، وهو ما دفع بعض السيناتورات، مثل توم تيليس، للتلويح بمعارضة أي ترشيح للفيدرالي حتى يُحسم التحقيق. كما تلاحق وورش انتقادات من زملائه السابقين الذين يرون في هجومه اللاذع على البنك «تحولاً عن الاستقلالية» لإرضاء طموحاته السياسية.

أصغر محافظ في تاريخ البنك

وصف ترمب وورش بأنه شخصية من «وسط الممثلين» (Central Casting) لوسامته وحضوره. بدأ وورش مسيرته في البيت الأبيض في عهد بوش، قبل أن يصبح في سن الـ35 أصغر عضو في مجلس محافظي الفيدرالي. لعب دوراً محورياً كهمزة وصل بين «وول ستريت» والبنك المركزي خلال أزمة 2008، مما جعله «الرجل الذي لا غنى عنه» في تلك الحقبة. واليوم، وهو في الخامسة والخمسين، يجد نفسه أمام فرصة العمر لتنفيذ رؤيته التي صقلها على مدار عقود كمراقب ومنتقد من الخارج.

وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام عن تقريره حول الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

تأهب في الأسواق العالمية

تستعد الأسواق المالية العالمية لافتتاح أسبوعي يوصف بـ«المضطرب»، حيث ترك هذا القرار المستثمرين في حالة من التحليل المكثف:

- العقود الآجلة والدولار: من المتوقع أن ترحب الأسواق بوورش كونه صوتاً ينادي بخفض الفائدة، إلا أن الدولار قد يواجه ضغوطاً نزولية نتيجة توجهاته التيسيرية وتناغمه مع رغبة ترمب في دولار «غير مبالغ في قوته».

- سوق السندات: تسود حالة قلق لدى «صقور السندات» من أن تؤدي «الاتفاقية المقترحة بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي إلى فقدان البنك المركزي استقلاليته، مما قد يرفع «علاوة المخاطر» ويؤدي لتذبذب في العوائد. ويرى هؤلاء أن «التنسيق» هو مجرد اسم مغلف لـ«التبعية»؛ أي أن الحكومة قد تملي على البنك المركزي إبقاء الفائدة منخفضة فقط لتتمكن من تمويل عجزها المالي الضخم بتكلفة رخيصة. كما يعتبرون أنه إذا فقد الاحتياطي الفيدرالي قدرته على اتخاذ قرارات «مؤلمة» (مثل رفع الفائدة) بسبب التزامه باتفاقية مع الخزانة، فإن التضخم قد يخرج عن السيطرة، مما يؤدي إلى انهيار قيمة السندات طويلة الأجل. ويخشى المستثمرون أن تصبح ميزانية الاحتياطي الفيدرالي أداة لتمويل الأجندات السياسية بدلاً من الحفاظ على استقرار الأسعار.

- الأصول الرقمية: يأتي الترشيح والبتكوين ينزف بنسبة 7 في المائة (82800 دولار). وبينما يرفع خفض الفائدة من شهية المخاطرة، يراقب المستثمرون ما إذا كان عهد وورش سينهي ظاهرة «بيع الخبر» التي طالما أحبطت مستثمري العملات المشفرة في 2025.

- الذهب والتقنية: يترقب الذهب «تغيير النظام» كملاذ آمن، بينما تعد رؤية وورش حول «ثورة الإنتاجية» بمثابة «موسيقى» لآذان شركات وادي السيليكون التي قد تشهد انتعاشاً في تقييماتها.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

يمثل ترشيح كيفن وورش نهاية حقبة «الاستمرارية» التي بدأت منذ عصر آلان غرينسبان. فإذا تم تثبيته، فإن العالم أمام بنك مركزي جديد تماماً؛ بنك يتحالف مع الخزانة، ويتبنى التكنولوجيا، ويضرب بالنماذج التقليدية عرض الحائط، ليحقق حلم ترمب في اقتصاد «فائق السرعة» ومنخفض التكلفة.


نائبة رئيس «الفيدرالي»: تثبيت الفائدة مؤقت وهدفي خفضها 3 مرات هذا العام

بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
TT

نائبة رئيس «الفيدرالي»: تثبيت الفائدة مؤقت وهدفي خفضها 3 مرات هذا العام

بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)

قالت نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف المصرفي، ميشيل بومان، يوم الجمعة، إنها لا تزال ترى ضرورة لخفض أسعار الفائدة، موضحة أن تصويتها لصالح تثبيت السياسة النقدية في اجتماع هذا الأسبوع، كان يهدف فقط لجمع مزيد من البيانات قبل المضي قدماً في التخفيض التالي لتكاليف الاقتراض.

وأشارت بومان إلى أنها تتوقع الحاجة لخفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لثلاث مرات خلال هذا العام. وأكدت أن القرار الذي أعقب اجتماع السياسة النقدية الذي استمر يومين وانتهى يوم الأربعاء، كان يتعلق فقط بـ«توقيت التحرك المقبل»، وليس بالتوجه العام للسياسة.

المفاضلة بين الوتيرة والوقت

بعد تقليص أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال الاجتماعات الثلاثة الأخيرة من عام 2025، قالت بومان في فعالية مصرفية في هاواي: «السؤال في هذا الاجتماع كان حول الجدول الزمني للتنفيذ... والمفاضلة بين الاستمرار في إزالة القيود النقدية للوصول إلى السعر المحايد بحلول اجتماع أبريل (نيسان)، أو التحرك نحو هذا السعر بوتيرة أكثر توازناً طوال العام الحالي».

سوق العمل والبيانات المفقودة

من المقرر عقد اجتماع «الفيدرالي» المقبل في 17 - 18 مارس (آذار). وأوضحت بومان أن تحليلها للمخاطر الاقتصادية لم يتغير؛ حيث ترى أن التضخم يتجه نحو مستهدف 2 في المائة، بينما لا تزال سوق العمل «هشة»، وهو ما يستدعي سياسة نقدية أكثر تيسيراً.

ومع ذلك، وافقت بومان على أن سوق العمل أظهرت بعض علامات الاستقرار. ونظراً لوجود «فجوات في البيانات» ناتجة عن الإغلاق الحكومي الأميركي في الخريف الماضي، رأت أنه من الأنسب الانتظار حتى الاجتماع المقبل للنظر في خفض الفائدة من نطاقها الحالي البالغ 3.50 في المائة - 3.75 في المائة.

الحفاظ على «الذخيرة» لفترة قصيرة

وقالت بومان: «يمكننا تحمل الانتظار لبعض الوقت والاحتفاظ بـ(ذخيرة السياسة جافة) لتقييم كيفية تأثير خفض القيود النقدية السابق على الظروف المالية العامة وتقوية سوق العمل». لكنها شددت في الوقت ذاته على أن أي توقف مؤقت لخفض الفائدة يجب أن يكون «وجيزاً»، محذرة من إعطاء انطباع بأن «الفيدرالي» يعتزم الإبقاء على السياسة الحالية لفترة ممتدة.

يُذكر أن «الفيدرالي» صوت بـ10 أصوات مقابل صوتين لتثبيت الفائدة يوم الأربعاء الماضي، في حين عارض كل من كريستوفر والر وستيفن ميران القرار لصالح خفض الفائدة.

عاجل داخلية غزة: مقتل وإصابة عدد من ضباط وعناصر الشرطة جراء استهداف طائرة إسرائيلية لمركز شرطة الشيخ رضوان بمدينة غزة