امرأة عرضت الصفقة على «حزب الله»... صحيفة تكشف تفاصيل جديدة في انفجار «البيجر»

مسؤولون إسرائيليون يعتقدون بأن الحزب فحص الأجهزة بالأشعة... لكن المتفجرات غير مرئية

مقاتلو «حزب الله» يحملون أحد نعوش رفاقهم الأربعة الذين قُتلوا يوم الثلاثاء بعد انفجار أجهزة «البيجر» الخاصة بهم في الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان يوم الأربعاء 18 سبتمبر 2024 (أ.ب)
مقاتلو «حزب الله» يحملون أحد نعوش رفاقهم الأربعة الذين قُتلوا يوم الثلاثاء بعد انفجار أجهزة «البيجر» الخاصة بهم في الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان يوم الأربعاء 18 سبتمبر 2024 (أ.ب)
TT

امرأة عرضت الصفقة على «حزب الله»... صحيفة تكشف تفاصيل جديدة في انفجار «البيجر»

مقاتلو «حزب الله» يحملون أحد نعوش رفاقهم الأربعة الذين قُتلوا يوم الثلاثاء بعد انفجار أجهزة «البيجر» الخاصة بهم في الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان يوم الأربعاء 18 سبتمبر 2024 (أ.ب)
مقاتلو «حزب الله» يحملون أحد نعوش رفاقهم الأربعة الذين قُتلوا يوم الثلاثاء بعد انفجار أجهزة «البيجر» الخاصة بهم في الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان يوم الأربعاء 18 سبتمبر 2024 (أ.ب)

كشف تقرير صحافي عن أن عملية تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية «البيجر» في بيروت، هي واحدة من أكثر عمليات الاختراق نجاحاً وإبداعاً التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في التاريخ الحديث.

وأفادت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية بأن عملية تفجير «البيجر» هي نتيجة خطة استمرّت لسنوات، بدأت في مقر الموساد في تل أبيب، وشاركت فيها في نهاية المطاف مجموعة من العملاء في بلدان متعددة.

وقد قُتل أو أُصيب ما يصل إلى 3 آلاف ضابط وعضو في «حزب الله»، إلى جانب عدد غير معروف من المدنيين، عندما قامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) بتفجير الأجهزة عن بُعد في 17 سبتمبر (أيلول).

وأفاد تقرير الصحيفة، استناداً لمسؤولين أمنيين وسياسيين ودبلوماسيين مطلعين على الأحداث، بأن هجوم «البيجر» لم يدمر صفوف قيادة «حزب الله» فحسب، بل شجّع إسرائيل أيضاً على استهداف وقتل الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله.

وذكرت الصحيفة :«عملية (البيجر) ينظر لها، بوصفها عملاً من أعمال التجسس لا مثيل له، ولكن التفاصيل الرئيسية للعملية - بما في ذلك كيفية التخطيط لها وتنفيذها، والجدل الذي أثارته داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وبين الحلفاء - لم تخرج إلى النور إلا الآن».

ووفقاً للصحيفة، فإن قادة «حزب الله» أُعجبوا بأجهزة الاتصال «البيجر»، وطلبوا منها نحو 5 آلاف جهاز، وبدأوا في توزيعها على أفراد الحزب من المستوى المتوسط ​​وأفراد الدعم في فبراير (شباط)، والتي أنتجتها شركة «غولد أبولو».

وكان المسؤولون الإسرائيليون يتابعون بقلق متزايد كيف أضاف «حزب الله» أسلحة جديدة إلى ترسانته القادرة بالفعل على ضرب المدن الإسرائيلية بعشرات الآلاف من الصواريخ الموجهة بدقة.

«حصان طروادة»

وأفادت الصحيفة بأنه وسط قلق قادة «حزب الله» من المراقبة الإسرائيلية والقرصنة، فقد كان الحزب يبحث عن شبكات إلكترونية مقاوِمة للاختراق، وتوصّل الموساد إلى حيلة «حصان طروادة» التي دفعت الحزب إلى شراء أجهزة تبدو مثالية، وهي المعدات التي صممها الموساد، وقام بتجميعها في إسرائيل.

وبدأ الموساد في تفعيل الجزء الأول من الخطة، بإدخال أجهزة اتصال لاسلكية مفخخة، إلى لبنان، منذ نحو عقد من الزمان، في عام 2015.

وتحتوي أجهزة الراديو المحمولة ثنائية الاتجاه على حزم بطاريات كبيرة الحجم ومتفجرات غير مرئية، ونظام إرسال يمنح إسرائيل إمكانية الوصول الكامل إلى اتصالات «حزب الله».

وقال مسؤولون للصحيفة إنه على مدى 9 سنوات، اكتفى الإسرائيليون بالتنصت على «حزب الله»، مع الاحتفاظ بخيار تحويل أجهزة الاتصال اللاسلكية إلى قنابل في أزمة مستقبلية. ولكن بعد ذلك جاءت فرصة جديدة ومنتج جدي: جهاز «بيجر» صغير مزود بمتفجرات قوية.

وفي مفارقة لم تتضح إلا بعد أشهر عدة، انتهى الأمر بـ«حزب الله» إلى دفع أموال غير مباشرة للإسرائيليين مقابل القنابل الصغيرة التي من شأنها أن تقتل أو تصيب كثيراً من عناصره.

امرأة عرضت على «حزب الله» الصفقة

ولأن قادة «حزب الله» كانوا على دراية بالتخريب المحتمل، فلم يكن من الممكن أن تأتي أجهزة الاتصال اللاسلكي من إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي حليف آخر لإسرائيل. لذلك، في عام 2023، بدأت المجموعة تتلقى طلبات لشراء كميات كبيرة من أجهزة الاتصال اللاسلكي التي تحمل علامة «أبولو» التايوانية، وهي علامة تجارية معروفة، وخط إنتاج يتم توزيعه في جميع أنحاء العالم، ولا توجد للشركة روابط واضحة مع المصالح الإسرائيلية، وقال المسؤولون إن الشركة التايوانية لم تكن على علم بالخطة.

وجاء عرض المبيعات من مسؤول تسويق موثوق به من قبل «حزب الله» وله صلات بـ«أبولو». وكانت المسؤولة التسويقية، وهي امرأة رفض المسؤولون الكشف عن هويتها وجنسيتها، ممثلة مبيعات سابقة في الشرق الأوسط للشركة التايوانية، التي أسست شركتها الخاصة وحصلت على ترخيص لبيع مجموعة من أجهزة «البيجر» التي تحمل العلامة التجارية «أبولو». في وقت ما من عام 2023، عرضت على «حزب الله» صفقة لشراء أحد المنتجات التي تبيعها شركتها: «إيه آر 924» المتين والموثوق به.

وقال مسؤول إسرائيلي مطلع على تفاصيل العملية: «كانت على اتصال بـ(حزب الله)، وشرحت لقادته لماذا كان جهاز النداء الأكبر حجماً والمزود ببطارية أكبر أفضل من النموذج الأصلي»، مضيفاً أن «إحدى نقاط الإقناع الرئيسية كانت أن الجهاز يمكن شحنه بكابل، والبطاريات تدوم لفترة أطول».

وكما اتضح، تمت الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج الأجهزة الفعلية، ولم يكن لدى المسؤولة التسويقية أي علم بالعملية، ولم تكن على علم بأن أجهزة النداء تم تجميعها فعلياً في إسرائيل تحت إشراف الموساد، كما قال المسؤولون.

قنبلة غير مرئية

وقال المسؤولون إن مكون القنبلة تم إخفاؤه بعناية شديدة في إنجاز هندسي، لدرجة أنه كان غير قابل للكشف تقريباً، حتى لو تم تفكيك الجهاز. ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون بأن «حزب الله» فكّك بعض أجهزة «البيجر» وربما قام بفحصها بالأشعة السينية.

وكان من الممكن لإشارة إلكترونية من جهاز الاستخبارات أن تؤدي إلى انفجار آلاف الأجهزة دفعة واحدة. ولكن لضمان أقصى قدر من الضرر، كان من الممكن أيضاً أن يتم إحداث الانفجار من خلال إجراء خاص، من خطوتين، مطلوب للاطلاع على الرسائل الآمنة التي تم تشفيرها.

وقال أحد المسؤولين للصحيفة: «كان عليك الضغط على زرين لقراءة الرسالة، وفي الممارسة العملية، كان هذا يعني استخدام كلتا اليدين، وبالتالي ستضرر أيدي المستخدمين وسيكونون غير قادرين على القتال».

عملية سرية

لم يكن معظم كبار المسؤولين في إسرائيل على علم بهذه التفاصيل حتى 12 سبتمبر. وقال مسؤولون إسرائيليون إن ذلك هو اليوم الذي استدعى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستشاريه الاستخباراتيين لعقد اجتماع لمناقشة العمل المحتمل ضد «حزب الله».

وفقاً لملخص الاجتماع بعد أسابيع من قبل المسؤولين المطلعين على الحدث، قدم مسؤولو الموساد لمحة أولى عمّا كانت إحدى أكثر عمليات الوكالة سريةً. وبحلول ذلك الوقت، كان الإسرائيليون قد زرعوا أجهزة استدعاء مفخخة في أيدي وجيوب الآلاف من عناصر «حزب الله».

ومع تصاعد الأزمة في جنوب لبنان، كان هناك قلق متزايد من اكتشاف المتفجرات، واحتمال أن تسفر سنوات من التخطيط الدقيق، بسرعة عن لا شيء.

وقال مسؤولون إن نقاشاً حاداً اندلع في مختلف أنحاء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول العملية ورد الفعل المحتمل من «حزب الله»، وفي نهاية المطاف، وافق نتنياهو على العملية.

«رسالة مشفرة»

قال المسؤولون إن الموساد كان على علم بمكان وجود حسن نصر الله في لبنان لسنوات، وتتبع تحركاته من كثب. ومع ذلك، امتنع الإسرائيليون عن محاولة اغتياله؛ خوفاً من أن يؤدي الاغتيال إلى حرب شاملة، وربما مع إيران أيضاً.

وأفاد التقرير بأنه في السابع عشر من سبتمبر، رنّت أو ارتجت آلاف أجهزة «البيجر» في وقت واحد، في مختلف أنحاء لبنان وسوريا. وظهرت جملة قصيرة باللغة العربية على الشاشة: «لقد تلقيت رسالة مشفرة».

واتبع عناصر «حزب الله» التعليمات بدقة للتحقق من الرسائل المشفرة، بالضغط على زرين. وفي المنازل والمحلات التجارية، وفي السيارات وعلى الأرصفة، مزقت الانفجارات الأيدي وأطاحت بالأصابع. وبعد أقل من دقيقة، انفجرت آلاف أخرى من أجهزة «البيجر» عن بُعد، بغض النظر عمّا إذا كان المستخدِم قد لمس جهازه أم لا.

وفي اليوم التالي، أي في الثامن عشر من سبتمبر، انفجرت مئات من أجهزة اللاسلكي بالطريقة نفسها، مما أسفر عن مقتل وإصابة المستخدمين والمارة.

كانت هذه أول عملية في سلسلة من الضربات التي استهدفت «حزب الله»، وبينما كان الحزب يترنح، وجهت إسرائيل ضربةً أخرى، فقصفت مقر الجماعة وترساناتها ومراكزها اللوجيستية بقنابل تزن ألفَي رطل.

ووقعت أكبر سلسلة من الضربات الجوية في 27 سبتمبر، بعد 10 أيام من انفجار أجهزة «البيجر»، وقد أمر نتنياهو بالهجوم، الذي استهدف مركز قيادة مدفوناً على عمق كبير في بيروت، في أثناء سفره إلى نيويورك لحضور خطاب في الأمم المتحدة. وفي اليوم التالي، 28 سبتمبر، أكد «حزب الله» مقتل نصر الله.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

غيّر «حزب الله» لهجته تجاه رئيس الحكومة نواف سلام غداة زيارته القرى الحدودية وأعلن أمينه العام نعيم قاسم عن «تنظيم الخلاف» مع رئيس الجمهورية جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تعتقل مسؤولاً في «الجماعة الإسلامية» بجنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال عنصر بارز في «الجماعة الإسلامية» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

تحليل إخباري لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

يصر رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي بموعده في مايو المقبل.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثا في عيتا الشعب خلال زيارة تاريخية له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

قاسم يُحكم السيطرة على مفاصل «حزب الله»

يُحاول أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، إحكام السيطرة على مفاصل المؤسسات الإدارية للحزب، التي أدخل إليها مقربين منه كانوا مهمشين في فترة قيادة الأمين العام

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
TT

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

قالت مصادر من الشرطة وأخرى طبية، إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

وقال مهندسون في مجمع مصفاة «بيجي»، على بعد نحو 180 كيلومتراً إلى الشمال من بغداد، إنهم شاهدوا جثة واحدة على الأقل، وإن الدفاع المدني تمكن من السيطرة على الحريق. وأضاف مهندسون في المصفاة أن الحريق لم يؤثر على عمليات الإنتاج.


تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
TT

تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

غضب عارم في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة، راح ضحيته 15 قتيلاً، بينهم عائلات بأكملها، وسقط 8 أشخاص جرحى، انتُشلوا بعد عملية بحث مضنية. وأُخلي مبنى «جوهر» المجاور لهما، وهو آيل للسقوط أيضاً، فيما أُبلغ عن مبنى آخر في باب التبانة، وغيره بمنطقة القلمون.

ويعيش سكان هذه المناطق المحرومة حالة من الرعب؛ بسبب كثرة المباني السكنية المتصدعة والخطرة، فيما لا يجد السكان مأوى بديلاً، وتغيب الميزانيات اللازمة لتدعيم مبانيهم. ويضطر العشرات إلى ترك منازلهم كل يوم خوفاً من الموت تحت الأنقاض، ويتحولون إلى لاجئين في مدينتهم، ويخاطر آلاف آخرون بالبقاء.

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، مساء الاثنين، اجتماعاً موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس.

انهيار مبنيين

قبيل غروب شمس يوم الأحد، شعر سكان في باب التبانة بأن المبنى يرتجّ بهم، ولم يجدوا الوقت الكافي لمغادرته، فانهار على عائلات بأكملها، وارتجت أسس المبنى الملاصق فانهار أيضاً. من حسن الحظ أن بعض الشقق كان فارغاً، وأمكن خلال أقل من 24 ساعة إنهاء عمليات البحث بفضل الفرق التي جاءت من أكثر من منطقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمود صيداوي، الذي كان جدّه قد شيّد أحد المبنيين قبل 60 سنة، إنه سكن هناك لأكثر من 26 عاماً، وإنه قضى طفولته في تلك العمارة. وشرح أن «المبنيين المنهارين متلاصقان إلى حد أننا كنا نقفز من سطح إلى آخر». علماً بأن صيداوي فقَدَ عمه سيف صيداوي وابنة عمه سالي في الانهيار، فيما خرج عمه الآخر الذي يسكن البناية نفسها برفقة ابنته إلى السوق، وعاد ليجد ابنه ميتاً تحت الهدم، فيما نجت زوجته.

صورة أرشيفية للمبنيين اللذين انهارا في مدينة طرابلس مساء الأحد... وتبدو عليهما آثار التهالك (الشرق الأوسط)

ويضيف صيداوي: «العمارة عانت خلال معارك باب التبانة - جبل محسن. أصابها كثير من القذائف والرصاص، وقد اضطررنا إلى تركها بسبب الحروب، وسكنَ في شقتنا صديقي من آل الصايغ الذي قضى نحبه في الحادث هو وزوجته وابنته». ويؤكد أن «كل شارع (سوريا) في باب التبانة، تصدعت عماراته؛ بسبب كثرة القذائف والارتجاجات، وهي تحتاج هدماً وإعادة بناء».

التبليغ عن 600 مبنى

وتعدّ حادثةُ الانهيار تلك الثانيةَ خلال أسبوعين، حيث هوت السقوف على رؤوس الساكنين تحتها في طرابلس، بينما يقدّر عدد المباني الخطرة بالمئات، فيما إيواء العائلات أمر غير متوفر. وتتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، وتقف البلدية عاجزة أمام تراكم سنوات من الإهمال وغياب الآليات اللازمة للإنقاذ، وقلة عدد المهندسين لتلبية تبليغات الأهالي.

عناصر من الدفاع المدني وآليات تشارك في رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (د.ب.أ)

وبينما كانت عمليات البحث جارية عن ناجين، خرج الأهالي بالمئات في مظاهرات احتجاجية عارمة، وتوجهوا إلى مكاتب ومنازل نواب المدينة، ورشقوها بما تيسر، وحاولوا اقتحام المداخل، محملين إياهم مسؤولية الإهمال. وتدخل «فوج المغاوير» في الجيش اللبناني، وسجل انتشاراً كبيراً في المدينة لتهدئة الوضع.

ويقول رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن 105 مبانٍ في طرابلس آيلةٌ للسقوط يتوجب هدمها بالكامل، وإن نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيم أساساتها. ويلفت إلى أن «ما انهار مساء الأحد، لم يكن ممسوحاً أو مهدداً، ولم يُنذَر السكان». وفي رد على أن قاطني المبنى أنذروا البلدية ولم يُستجب لهم، يرد كريمة: «لقد وضعنا الخط الساخن في خدمة الأهالي منذ أسبوعين. منذ حينها أُبلغ عن أكثر من 600 مبنى. ولم تتمكن فرقنا من الكشف على أكثر من 104 مبانٍ، فيما الـ500 الباقية لا تزال في الانتظار»، مؤكداً أن «العدد أكبر بكثير، وطرابلس بحاجة إلى ورشة ضخمة، ومسح شامل للأبنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون بموقع انهيار مبنيين في طرابلس شمال لبنان (إ.ب.أ)

وكان كريمة قد وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، عادّاً أن الوضع بات يتجاوز إمكانيات البلدية. وقال في مؤتمره الصحافي إن «القرار ليس تهرّباً من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير».

وبخصوص هذا الملف الموروث، يقول كريمة: «بذلت البلدية أقصى جهدها، بالتعاون مع نقابة المهندسين، وأعدّت برنامج (كول سنتر) والمسح، لكن المباني التي مسحناها جزء من عدد كبير من المباني، ونتحدث عن حياة الآلاف من أهلنا المهددين؛ جراء أمر مزمن وتقصير من قبل الدولة والسلطات».

هذا يعطي فكرة عن حجم المأساة في مدينة عانت أحياؤها الشعبية إهمالاً طويلاً، ومعارك متلاحقة، وفقراً مدقعاً، وأصبحت مشكلتها تحتاج إلى ورشة كبرى للإعمار والترميم.

تحرك حكومي

إثر الحادثة، دعا رئيس الوزراء، نواف سلام، إلى اجتماع عاجل في منزله بوزيرَيْ؛ الداخلية أحمد الحجار، والعدل عادل نصار، ووجههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق بين الأجهزة العاملة على الأرض، كما عقد اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي يضم جميع المعنيين من وزراء وهيئات محلية للتصدي لقضية الأبنية المتصدعة.

الوضع القاتم لم يمنع التجاذبات السياسية، حيث قال نائب طرابلس، فيصل كرامي، في تصريح: «ما جرى هو نتيجة الإهمال الذي حذّرنا منه مراراً. ولا تكفي عبارات الأسف بعد سقوط الضحايا. كل قطرة دم تُسفك بسبب غياب الدولة هي مسؤولية هذه الحكومة وبرقبتكم»، وأضاف: «من يعجز عن حماية الناس، فلا يحق له الاستمرار في حكمهم. المطلوب إغاثة فورية بالأفعال لا بالكلام، وإلا فلتكن استقالة فورية».

عنصر من الدفاع المدني أمام ركام مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (إ.ب.أ)

أما رئيس الوزراء السابق، ابن المدينة، نجيب ميقاتي، فطالب الحكومة بـ«استكمال الإجراءات التي كانت قد بوشرت في الحكومة السابقة، لا سيما لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة بشأن واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات، إلزام أصحاب الأبنية المتصدّعة بترميمها وتدعيمها في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى أنه في حال تعذّر ذلك لأسباب مادية، فإنه ينبغي على الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيم هذه المباني.

وهو ما حدا برئيس الوزراء، نواف سلام، إلى التذكير بأنه «أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحتراماً لأرواح الضحايا، فإنني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب»، مؤكداً: «أنا وحكومتي لم ولن نتهرب من المسؤولية، وسوف نستمر في القيام بواجباتنا كاملة؛ بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصراً في هذه القضية».


الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً، اليوم الاثنين، بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة.

وذكرت «وكالة الأنباء الفلسطينية» أن القرار يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية، من خلال دعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة، خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.

وبحسب القرار، ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة من لجنة إعداد الدستور المؤقت تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها، حيث سيتم تصنيفها إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيداً لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني.

وأشارت الوكالة إلى أن اللجنة ستعد تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات والتوصيات، ليُرفع إلى الرئيس الفلسطيني لمناقشته واعتماده قبل إعداد النسخة النهائية من مشروع الدستور.