«حرب لبنان» تظهر تغييراً كبيراً في نظرة أميركا تجاه إيران

إدارة بايدن لم تختلف مع إسرائيل بل تدرّجت في دعم حروبها

القصف وأعمدة الدخان في جنوب لبنان (رويترز)
القصف وأعمدة الدخان في جنوب لبنان (رويترز)
TT

«حرب لبنان» تظهر تغييراً كبيراً في نظرة أميركا تجاه إيران

القصف وأعمدة الدخان في جنوب لبنان (رويترز)
القصف وأعمدة الدخان في جنوب لبنان (رويترز)

منذ اندلاع «حرب مساندة» غزة التي أطلقها «حزب الله» قبل نحو سنة، كانت المؤشرات كلها توحي بأن حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل رداً على «هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، ستنتقل عاجلاً أو آجلاً إلى لبنان، في ظل إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يخوض «حرباً ستكون طويلة لتغيير خريطة الشرق الأوسط». ومع ذلك، كانت معظم التحليلات تتكلّم عن «مأزق» إسرائيل «المأزومة»، وعن خلافاتها في الداخل ومع الخارج، ولا سيما الولايات المتحدة، ما سمح للبعض بالترويج أن أهداف هذه الحرب لم تتحقق، وقد لا تتحقق، سواء في غزة والأراضي الفلسطينية، أو في لبنان. لكن على أرض الواقع، كان من الواضح أن ما حقّقته إسرائيل حتى الآن من حربها على غزة يتجاوز كثيراً الردّ على «هجوم أكتوبر».

بعدما نجحت إسرائيل في تعزيز «صورة» ربط حربها التهجيرية في غزة بأنها «صراع وجود» مع إيران وأذرعها الساعين إلى تدميرها، وفّرت تلك الحرب للإسرائيليين أيضاً غطاءً دولياً واسعاً، ليس لإطالة حرب الإبادة ضد الفلسطينيين فقط، بل الانتقال أيضاً إلى حرب إبادة أخرى ضد لبنان.

هذا الأمر طرح تساؤلات عن حقيقة الموقف الأميركي تجاه أهداف إسرائيل، وعمّا إذا كانت حربها لتغيير «المشهد الإقليمي» ممكنة من دون موافقة أميركية. بيد أن الوقوف على المتغيرات الدراماتيكية التي طرأت على سياسة واشنطن يظهر تغييراً كبيراً في مقاربتها ونظرتها تجاه إيران، مع التغييرات التي طرأت على المشهد الدولي منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

«فرصة استراتيجية» لأميركا

قبل الدخول في ما عدّه البعض «تجاهلاً» من تل أبيب للمساعي الأميركية لفرض وقف لإطلاق النار في حربها المتصاعدة ضد «حزب الله»، روّجت تحليلات العديد من الصحف الأميركية ولا تزال لـ«خلافات» بين واشنطن وتل أبيب. إلا أن دينيس روس، المبعوث الرئاسي السابق في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، رأى أن ما جرى حتى الآن «يُعد فرصة استراتيجية لأميركا، ليس لتغيير المنطقة فقط، بل تغيير الوضع في لبنان أيضاً بعد اغتيال حسن نصر الله وإضعاف (حزب الله)». وخلال ندوة في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، حضرتها «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، وشاركت فيها دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع السابقة لشؤون الشرق الأوسط في إدارة بايدن، وديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة ترمب، أضاف روس: «بات بمقدور أميركا اتخاذ إجراءات رادعة مباشرة، ليس ضد إيران فقط، بل المشاركة قبل ذلك في ضرب أذرعها مباشرة وملاحقتهم».

وبحسب روس، فإنه بعدما تمكّنت إسرائيل من ضرب و«تحييد» الخطر الذي يمثله «حزب الله» و«حماس»، يمكن لواشنطن الآن «ضرب وملاحقة الحوثيين، كإشارة إلى أننا قادرون على تعريض ما نعتقده نحن مصالح مهمة لها، وخصوصاً برنامجها النووي، وليس المصالح التي تعتقد إيران أنها مهمة بالنسبة لها فقط».

تغيير مسار المنطقة

من جهتها، قالت سترول، إن إرسال الأصول العسكرية الأميركية، منذ اندلاع الحرب قبل نحو سنة، وخصوصاً في الفترة الأخيرة «لا يُعبّر عن تصميم إدارة بايدن على مواجهة التهديدات الإقليمية، والدفاع عن إسرائيل، ومنع توسّع الحرب فقط، بل تغيير المسار في المنطقة أيضاً». وأضافت: «كل الأحداث التي وقعت منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) حتى الآن، بما فيها تصفية قوة (حماس) وضرب (حزب الله) وتوجيه ضربات لإيران، لم يكن بالضرورة مخطط لها. لكن اليوم، بعد كل الذي جرى، ينبغي أن نستغل ما حصل لنمضي في مسار مختلف، بما يعيد الاستقرار والسلام إلى المنطقة، وإعادة مسار العلاقات الإسرائيلية العربية إلى مسارها الذي انقطع بعد 7 أكتوبر».

من ناحيته، قال شينكر: «ثمة فهم خاطئ لتفسير ما تعنيه المطالبة بوقف إطلاق النار، سواء في غزة أو لبنان، وذلك لأن الأهداف التي وضعت لا يمكن تحقيقها من دون تغيير الديناميات السابقة». وأردف أنه بمعزل عن الإدارة الجديدة التي ستأتي بعد الانتخابات الأميركية، وسواء أكان الفائز فيها كامالا هاريس أم دونالد ترمب، لا شك أنه «سيكون من الصعب العودة إلى السياسات الأميركية السابقة تجاه إيران وأذرعها وبرنامجها النووي». وأكد أن أميركا «ستلعب دوراً رئيسياً في إعادة تشكيل وترتيب الأوضاع بعد حرب غزة، التي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، وكذلك في لبنان».

وهكذا، أمام هذه «الرؤية» التي تعكس حقيقة الموقف الأميركي للصراع الجاري، إن إصرار البعض على اعتباره إذعاناً وارتباكاً أميركياً أمام رغبات إسرائيل، قد يكون من الضروري قراءة «التحولات» التي طرأت على موقف إدارة الرئيس جو بايدن، منذ اندلاع الحرب.

تقديرات مختلفة للحرب في لبنان

كانت هناك تقديرات مختلفة داخل إدارة بايدن عن طبيعة الأخطار التي يمكن أن تواجهها «العملية» العسكرية التي أطلقتها إسرائيل ضد «حزب الله»، وعن قدراته العسكرية الحقيقية التي جرى تضخيمها. ولكن، بدلاً من تبيّن صحة تلك التقديرات، انتهى الأمر بتبنّي العديد من المسؤولين الأميركيين النجاح الذي حقّقته إسرائيل في سعيها - بزخم مذهل - إلى إضعاف «حزب الله». وهو ما بدا أنه يتناسب مع نمط إدارة بايدن، التي لطالما تدرّجت في التعبير عن مواقفها من الأحداث السياسية الخارجية.

إذ بعدما تحثّ إسرائيل على لجم اندفاعاتها، كانت لا تلبث أن تتراجع لاحقاً. وبعدما أوضح بايدن رغبته في «الوقف الفوري» للقتال في لبنان، وتحفّظه عن التوغّل البرّي، ظهر انقسام بين المسؤولين الأميركيين حول «الحكمة» من الحملة الإسرائيلية ضد «حزب الله»، خاصة منذ مقتل زعيمه حسن نصر الله، في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي. ففي حين ركّز البعض كثيراً على المخاطر، قال آخرون إنه إذا أمكن توجيه ضربة قوية للحزب من دون إثارة صراع إقليمي أوسع يجذب إيران فإن ذلك قد يُعدّ نجاحاً.

واليوم، يذهب كثيرون إلى القول إن وجهة النظر الأخيرة هي التي تغلبت في النهاية، وعبّرت عنها تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن، «غير المعهودة» من كبير الدبلوماسيين، حين تكلّم عن «العدالة» التي نفّذت بحق نصر الله.

الضغط العسكري يدعم الدبلوماسية

يوم الاثنين الماضي، قال ماثيو ميللر، الناطق باسم الخارجية للصحافيين: «نحن بالطبع نواصل دعم وقف إطلاق النار، ولكن في الوقت نفسه، هناك أمران آخران صحيحان أيضاً: الضغط العسكري يمكن في بعض الأحيان أن يمكّن الدبلوماسية. وطبعاً، قد يؤدي أيضاً إلى سوء التقدير... يمكن أن يؤدي إلى عواقب غير مقصودة، ونحن نتحادث مع إسرائيل حول كل هذه العوامل الآن».

وحقاً، حتى الاتفاق الذي قيل إنه حصل بين أميركا وفرنسا وإسرائيل ودول عدة توصُّلاً إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، لمدة 3 أسابيع، بدا أن واشنطن قد تخلت عنه.

هذا ما بدا بعدما رأى مسؤولون في إدارة بايدن أن إسرائيل تحاول توجيه ضربة حاسمة لـ«حزب الله» عبر اغتيال زعيمه، بعد الضربات الساحقة التي نفّذتها على امتداد الأشهر الماضية، وتوجّت بما سُمي بهجوم «البيجر»، وبتصفية العديد من قياداته العليا والوسطى.

ورغم اتهام بنيامين نتنياهو بأنه هو الذي عاد عن الاتفاق الذي وافق عليه، فإن «الصمت» الأميركي الذي تلا اغتيال نصر الله، كاد يؤدي إلى تأجيل حتى إلغاء زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى لبنان، التي أصرّ قصر الإليزيه عليها في نهاية المطاف، تعبيراً عن «غضب» فرنسا، الذي قابلته إسرائيل بقصف هدف في العاصمة بيروت، للمرة الأولى يوم الأحد الماضي.

الحسم في تفكيك بنية «حزب الله»

بعدها، يوم الاثنين، في إشارة واضحة لحسم التردد ودعم العملية الإسرائيلية، قال «البنتاغون» إن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن اتفق مع نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت «على ضرورة تفكيك البنية التحتية الهجومية على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، لضمان عجز (حزب الله) عن شنّ هجمات على غرار هجمات 7 أكتوبر على المجتمعات الإسرائيلية في تلك المنطقة». وأردف «البنتاغون» أن أوستن «راجع التطورات الأمنية والعمليات الإسرائيلية» مع غالانت، وأكد مجدداً «دعم الولايات المتحدة لحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد إيران و(حزب الله) و(حماس) والحوثيين وغيرها من المنظمات الإرهابية المدعومة من إيران».

ورغم تأكيد أوستن على أهمية «التحول في نهاية المطاف من العمليات العسكرية إلى المسار الدبلوماسي لتوفير الأمن والاستقرار في أقرب وقت ممكن»، فإنه أوضح أن واشنطن في وضع جيد للدفاع عن أفرادها وشركائها وحلفائها في مواجهة تهديدات إيران والمنظمات الإرهابية المدعومة منها، وأنها عازمة على منع أي جهة فاعلة من استغلال التوترات أو توسيع الصراع. كذلك ناقش أوستن مع غالانت ما سمّاه «العواقب الوخيمة» التي ستتحمّلها إيران في حال اختارت شنّ هجوم عسكري مباشر ضد إسرائيل.

ومقابل تركيز إدارة بايدن كثيراً من مساعيها منذ ما يقرب من سنة على منع التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله»، أعجب بعض المسؤولين بالإنجازات الإسرائيلية. ومع شلل الحزب وتراجع قدراته «الإقليمية»، بات هؤلاء يعتقدون أن الوضع بات الآن مختلفاً تماماً، مشيرين إلى أن إسرائيل في أقوى موقف لها منذ بدأ الجانبان تبادل إطلاق النار منذ 8 أكتوبر بعد فتح «جبهة الإسناد» لغزة.

ولكن، مع ذلك، قال مسؤولون كبار إنهم كانوا ينصحون إسرائيل بألّا تشنّ غزواً برّياً للبنان، ويحذرون من أن خطوة كهذه يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، تتمثّل ببناء الدعم السياسي لـ«حزب الله» داخل لبنان وإطلاق العنان لعواقب غير متوقعة على المدنيين والتدخل الإيراني.

لا كلام عن وقف التصعيد

من جهة ثانية، مع الهجمات الصاروخية الإيرانية «المحسوبة» ضد إسرائيل، رداً على قتل إسماعيل هنية وحسن نصر الله، بدا لافتاً أن الرئيس بايدن لم يتكلّم - للمرة الأولى - عن ضرورة «وقف التصعيد» و«ضبط النفس». بل العكس، أكّد أن واشنطن «تدعم بالكامل» إسرائيل بعد الهجوم الذي جرى صدّه بدعم أميركي و«أثبت انعدام فاعليته»، وأن المناقشات مستمرة مع إسرائيل بشأن الردّ، مضيفاً أن «العواقب على إيران لم تُحدد بعد».

موقف بايدن لم يكن وحيداً، إذ اندفع المشرّعون الأميركيون من الحزبين مؤيدين مواقف أكثر حزماً من إيران، وداعين إلى تبني سلسلة من التدابير المحددة والمصمّمة لشلّ القوى العسكرية لطهران ووكلائها، وإلى تمرير تمويل إضافي لإسرائيل في أعقاب هجوم إيران.

وبالفعل، يرى كثرة من المسؤولين الأميركيين اليوم، أن إدارة بايدن تحوّلت من محاولة منع اتساع حرب غزة إلى إدارة «الحرب الشاملة»، في ظل رؤية غدت موحّدة مع إسرائيل تجاه الأهداف المأمول تنفيذها. وتساءلت صحيفة «النيويورك تايمز» عن المدى الذي يمكن أن تبلغه الحرب، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستنخرط فيها بشكل مباشر، في ظل مخاوف من احتمال أن ترد إسرائيل على صواريخ إيران باستهداف منشآتها النووية، ما قد يؤدي إلى خروج الحرب عن السيطرة.

لكن بايدن عاد وأوضح، يوم الأربعاء، أنه لا يدعم أي استهداف إسرائيلي للبرنامج النووي الإيراني، فاتحاً المجال أمام تكهنات عن بدء مفاوضات للتوصل إلى تسوية بين الطرفين. وهذا، بالتوازي مع تقديم مزيد من المساعدات لإسرائيل لإنهاء الحرب ضد «حماس» في غزة، والتصدّي للهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي في اليمن ضد إسرائيل والملاحة في البحر الأحمر والمضائق الدولية القريبة، ودعم غزوها البرّي للبنان «لتفكيك البنية التحتية» لـ«حزب الله».

تساؤلات مع تغيير أميركا نبرتها واستراتيجيتها

> وسط تحذيرات من أن يكون لبنان هو ساحة «الحرب الشاملة» بين إسرائيل وإيران، أشار مسؤول أميركي كبير إلى المشاورات الواسعة النطاق مع إسرائيل، بما في ذلك مع مكتب بنيامين نتنياهو لصوغ الاستجابة المناسبة، من دون أن يشير إلى «الخلافات» القديمة بين الرئيس جو بايدن ونتنياهو على طريقة تعامل إسرائيل مع حرب غزة، وانتقال المعركة إلى لبنان. وأضاف المسؤول: «لكن بعد دخول إيران المعركة بشكل مباشر، التي تشكل (تهديداً مدمراً) لإسرائيل، تغيّرت نبرة أميركا واستراتيجيتها». أما «النيويورك تايمز» فنقلت عن جوناثان بانيكوف، مدير «مبادرة سكوكروفت للأمن في الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي»، قوله إن «الحرب الشاملة حتى الحرب الأكثر محدودية، يمكن أن تكون مدمّرة للبنان وإسرائيل والمنطقة. ولكن من خلالها ستأتي فرص غير متوقعة أيضاً لتقويض النفوذ الإيراني الخبيث في المنطقة، من خلال عرقلة جهودها لإعادة تشكيل (حزب الله)، مثلاً. وبالتالي، ينبغي للإدارة الجديدة أن تكون جاهزة للاستفادة من هذه الفرص». لكن مع المفاجأة التي تعرّضت لها إسرائيل أخيراً خلال «توغّلاتها» البرّية، وسقوط العديد من جنودها بين قتيل وجريح من قبل مقاتلي (حزب الله)، طرح العديد من التساؤلات... منها عمّا إذا كانت ستعيد النظر بخططها العسكرية وبحساباتها فيما يتعلق بكيفية إقامتها «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، تطبيقاً للقرار 1701؟ وأيضاً، هل ستكثّف قصفها الوحشي والتدميري، بما يؤدي بتلك التوغّلات إلى احتلال جديد، أو تحويل المنطقة إلى «أرض محروقة»؟ وهل سيكون متاحاً مرة أخرى أمام الحزب واللبنانيين عموماً، إعادة تنظيم «مقاومة» ما، على قاعدة توافق سياسي ينهي سلطة «حزب الله» لمصلحة الدولة... أم أن المقوّمات مستعصية في ظل الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه لبنان؟


مقالات ذات صلة

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

لمسات الموضة بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا علي أكبر يبيع نسخ الصحف في الحي اللاتيني بباريس في 16 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

علي أكبر... بائع الصحف الباريسي الذي يطوي آخر فصل من زمن المناداة على العناوين

يتنقل الباكستاني علي أكبر يومياً بين الباحات الخارجية للمقاهي في وسط باريس، حيث ألِف الرواد وجه هذا المسنّ، وهو آخر بائع صحف ينادي عليها بصوته في عاصمة فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
لمسات الموضة ريكاردو بيلليني (فالنتينو)

دار «فالنتينو» الإيطالية تعين ريكاردو بيلليني رئيساً تنفيذياً جديداً لها

أيام قليلة مرت على إعلان دار «فالنتينو» خروج رئيسها التنفيذي السابق جاكوبو فينتوريني، حتى أعلنت تعيين ريكاردو بيلليني خليفة له. رجل مخضرم في صناعة الموضة، عمل…

«الشرق الأوسط» (لندن)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.