تواصل الدعم العسكري الأميركي لمصر وسط اضطرابات إقليمية

واشنطن وافقت على بيع صواريخ «ستينغر» للقاهرة بـ740 مليون دولار

وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر يشهد حفل تخرج دفعة جديدة من ضباط الاحتياط (المتحدث العسكري)
وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر يشهد حفل تخرج دفعة جديدة من ضباط الاحتياط (المتحدث العسكري)
TT

تواصل الدعم العسكري الأميركي لمصر وسط اضطرابات إقليمية

وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر يشهد حفل تخرج دفعة جديدة من ضباط الاحتياط (المتحدث العسكري)
وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر يشهد حفل تخرج دفعة جديدة من ضباط الاحتياط (المتحدث العسكري)

تواصل الدعم العسكري الأميركي إلى مصر، عبر موافقة واشنطن على بيع صفقة سلاح جديدة إلى القاهرة، بعد أيام من فك حظر كان مفروضاً على جزء من منحة عسكرية سنوية.

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الثلاثاء، موافقة واشنطن على بيع صواريخ «ستينغر» لمصر مقابل 740 مليون دولار، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط اضطرابات وتوترات أمنية زائدة.

وربط محللون بين المساعدات العسكرية الأميركية للجانب المصري، وبين جهود البلدين للتهدئة في المنطقة، والوساطة لوقف «حرب غزة»، مبرزين أن «متطلبات المرحلة الحالية تدفع واشنطن لتعزيز شراكتها مع مصر والحفاظ عليها، خصوصاً مع اتجاه القاهرة لتنويع مصادر تسليحها».

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية - الأميركية زخماً خلال الفترة الحالية، حيث ترأس وزيرا خارجية البلدين جولة للحوار الاستراتيجي المشترك في القاهرة الأسبوع الماضي، وسبق ذلك موافقة واشنطن على «تقديم المساعدات العسكرية الكاملة للقاهرة، البالغ قيمتها 1.3 مليار دولار»، والتي تحصل عليها مصر منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل.

وقال الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، إن الولايات المتحدة «تعول على مصر لدفع جهود الاستقرار والتهدئة في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، ومنع التصعيد في الجبهة اللبنانية».

وأشار فرج في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن إتمام واشنطن صفقة سلاح الصواريخ، بجانب الحصول على المعونة العسكرية كاملة للقاهرة، يأتي من أجل «استهداف دعم القدرات العسكرية المصرية، بما يمكنها من دعم جهود الاستقرار والتهدئة بالمنطقة». موضحاً أن «الولايات المتحدة أدركت قوة وتأثير مصر في محيطها الإقليمي، وهي تستهدف دعم استقرارها وأمنها حتى يتحقق الأمن الإقليمي»، كما أوضح أن «التوترات المستمرة في المنطقة تفرض على القاهرة الجاهزية، وتعزيز قدراتها لمواجهة أي أخطار تؤثر على أمنها واستقرارها».

وتعد صواريخ «ستينغر» من أهم منظومات الدفاع الجوي المحمولة، ووفق وزارة الدفاع الأميركية فإن شركة «آر تي إكس» ستكون المتعاقد الرئيسي لصفقة الصواريخ مع القاهرة.

وكان كثير من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد قدم طلبات هذا الصيف لشراء صواريخ «ستينغر». ومع إضافة الطلب المصري، ستمتد قائمة الطلبات المتراكمة في خطوط الإنتاج حتى عام 2029.

وقال وزير الدفاع المصري، الفريق أول عبد المجيد صقر، الأربعاء، إن التحديات الإقليمية والدولية والصراعات التي تحيط ببلاده من كل الاتجاهات «تفرض أن يكون الجيش المصري دائماً على أهبة الاستعداد والجاهزية».

وأشار صقر خلال مراسم الاحتفال بتخرج الدفعة 166 من كلية ضباط الاحتياط، إلى أن «القوات المسلحة المصرية لا تدخر جهداً في توفير الإمكانات كافة لبناء أجيال جديدة، قادرة على حماية الوطن وصون مقدساته»، وفق إفادة للمتحدث العسكري المصري.

ختام فعاليات التدريب البحري المصري-الأميركي "النسر المدافع" الأسبوع الماضي (المتحدث العسكري)

وتقدم تصريحات وزير الدفاع المصري ثلاث رسائل، وفق اللواء فرج: الأولى للقوات المسلحة المصرية «بضرورة الاستعداد المستمر لتحقيق الاستقرار وتأمين الحدود الاستراتيجية»، والثانية «طمأنة الشعب المصري بجاهزية الجيش»، أما الثالثة فهي «رسالة تحذير لكل من يريد أن يعبث بالأمن المصري».

من جهته، توقف المحلل السياسي الأميركي، ماك شرقاوي، عند أهمية قرار الإدارة الأميركية ببيع صواريخ «ستينغر» لمصر، مشيراً إلى أن حصول مصر على هذه الصواريخ، رغم أنها لم تكن على أجندة المفاوضات العسكرية بين البلدين «رسالة مهمة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في ضوء التوترات بالمنطقة». وقال إن واشنطن «تريد التأكيد على دعمها للقاهرة»، عادّاً أن صفقة (الصواريخ) «يمكن أن تحجم اليد العسكرية الطولى لإسرائيل، وهي سلاح الطيران».

وعدّ شرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «العلاقات المصرية - الأميركية على المستوى العسكري لا تتأثر كثيراً بمتغيرات سياسة البيت الأبيض صعوداً وهبوطاً»، وقال إن القاهرة «على خريطة التدريبات العسكرية الأميركية المشتركة، بواقع مناورتين في العام، وذلك بشكل منتظم».

واختتمت فعاليات التدريب البحري المشترك المصري - الأميركي «النسر المدافع»، الأسبوع الماضي، الذي استمرت فعالياته لعدة أيام بنطاق الأسطول الجنوبي بالبحر الأحمر، بمشاركة عناصر من القوات البحرية المصرية والأميركية، وفق إفادة من المتحدث العسكري المصري.

جانب من فعاليات التدريب البحري المصري- الأميركي الأسبوع الماضي (المتحدث العسكري)

وتربط مديرة برنامج الأمن وقضايا الدفاع في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، دلال محمود، بين الدعم العسكري الأميركي لمصر، واتجاه القاهرة لتنويع مصادر تسليحها مؤخراً، وقالت إن «حصول مصر على مقاتلات J - 10C الصينية مؤخراً، بدلاً من طائرات إف 16 الأميركية، دفع واشنطن للموافقة على مد مصر بصواريخ (ستينغر)»، مشيرة إلى أن الإدارة الأميركية «تريد الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الجانب المصري».

في بداية شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، أعلن رئيس الجناح الصيني المشارك في معرض مصر الدولي للطيران والفضاء بمدينة العلمين المصرية، أن «الصين ومصر وقعتا اتفاقية لتصدير طائرة مقاتلة صينية إلى القاهرة»، وفق تقارير إعلامية.

والتقى قائد القوات الجوية المصرية، محمود فؤاد عبد الجواد، نظيره الصيني، تشانغ دينغ تشيو، في شهر يوليو (تموز) الماضي في العاصمة الصينية بكين «لتعزيز الشراكة والتعاون بين القوات الجوية لكلا البلدين في مجالات التدريب والتصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا المتقدمة»، وفق إفادة للمتحدث باسم القوات المسلحة المصرية.

وعدّت دلال محمود أن «تطورات الأوضاع في المنطقة تدفع واشنطن لعدم الضغط على القاهرة بأي اتجاه، وأن تحافظ على مسار العلاقات الدافئة مع مصر، في ضوء جهودها في الوساطة الخاصة بالحرب على غزة، ووقف التصعيد بالمنطقة». موضحة أن «متطلبات المرحلة الحالية دفعت الإدارة الأميركية لعدم استخدام أوراق ضغط على القاهرة، مثل ملف حقوق الإنسان الذي تجعله عادة ذريعة لحجب مساعدات عسكرية واقتصادية»، وأشارت في هذا السياق إلى أن «واشنطن تستخدم تلك الأوراق عند اللزوم للضغط على مصر، غير أن مشهد التوترات بالمنطقة، قبل الانتخابات الأميركية، لا تجعل الإدارة الحالية تتخذ سياسات خارجية جريئة».

وخلال السنوات الماضية، ربطت الإدارة الأميركية المساعدات العسكرية باشتراطات تتعلق بملف حقوق الإنسان، حيث قامت بتعليق نحو 320 مليون دولار من قيمتها المقدمة لمصر.

وتقوم مصر والولايات المتحدة مع قطر بجهود الوساطة للتوصل لوقف القتال بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة، على مدى الأشهر الماضية.


مقالات ذات صلة

«حماس» تعلن تسليم رد الفصائل على «خريطة الطريق» لغزة

المشرق العربي عناصر إنقاذ فلسطينية في موقع غارة إسرائيلية استهدفت خان يونس جنوب غزة يوم الأحد (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» تعلن تسليم رد الفصائل على «خريطة الطريق» لغزة

أعلنت حركة «حماس» أنها سلمت، السبت، رد الفصائل الفلسطينية على خطة «خريطة الطريق» التي كانت قد تسلمتها من ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف في أبريل الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

«حماس» تسلّم رد الفصائل على «خريطة طريق» للمرحلة الثانية من خطة ترمب

أعلنت حركة «حماس»، اليوم (الأحد)، أن الفصائل الفلسطينية سلمت ردها الموحد على خريطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يزيلون الرمال والحطام عقب غارة عسكرية إسرائيلية استهدفت خيامهم (أ.ف.ب)

«صحة غزة» تحذر من أزمة متفاقمة في بنوك الدم

حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم (الأحد)، من التحديات المتزايدة التي تواجه بنوك الدم والمختبرات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة يوم الجمعة (رويترز)

«ثورة 26 يونيو»... دعوات لحراك ضد «حماس» في غزة

دعا ناشطون فلسطينيون عبر شبكات التواصل الاجتماعي لحراك ضد حركة «حماس» وبقائها في حكم قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
رياضة عالمية المتظاهرون رفعوا شعارات تطالب بطرد إسرائيل من الفيفا (رويترز)

احتجاجات في تورنتو تطالب بطرد إسرائيل من «الفيفا»

رفع متظاهرون الجمعة لافتة حمراء ضخمة فوق شعار كأس العالم بالقرب من طريق سريع مزدحم في تورونتو، تنديداً بارتباط الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
TT

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)

نفى جهاز أمني بالعاصمة الليبية ما تردد بشأن إلقاء القبض على «بلوغر» عراقية لضلوعها في مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكانت السلطات في طرابلس قد أعلنت عن مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر إطلاق النار عليها في منطقة السراج، دون توجيه اتهامات لأحد بالتورط في قتلها.

صورة متداولة لجثمان المدونة الليبية خنساء مجاهد بعد اغتيالها بطرابلس في 21 نوفمبر الماضي (وسائل إعلام محلية)

ووجّه عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في حينه، بتشكيل فريق تحقيق «عالي المستوى»، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

وكانت صفحات على وسائل التواصل الليبية قد ذكرت، الأحد، أن «جهاز دعم المديريات بالمناطق» في غرب البلاد، ألقى القبض على «البلوغر» العراقية (د.ف) على خلفية الاشتباه بوجود صلة لها بقضية مقتل خنساء مجاهد، لكن الجهاز سارع ونفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وقال «جهاز دعم المديريات بالمناطق» - من دون الإشارة إلى اسم «البلوغر» العراقية - إن «ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ضبط بعض المتهمات اليوم، وأنهنّ متورطات في جريمة قتل وقعت خلال الفترة الماضية، هو خبر عارٍ من الصحة تماماً».

وأضاف الجهاز: «أي تفاصيل حول حالات الضبط سيتم نشرها لاحقاً إذا لزم الأمر، فور استكمال الإجراءات القانونية اللازمة».

واستغرب مصدرٌ أمني بطرابلس تحدث لـ«الشرق الأوسط» الربط بين مقتل «المدونة» الليبية وبين «البلوغر» العراقية، وقال إن «التحقيقات لا تزال جارية في القضية لكشف الملابسات، والتأكد من صحة المعلومات المتداولة».

وعبّر نشطاء حقوقيون عن غضبهم مما سموه «صمت بعض الجهات المعنية بحقوق المرأة حيال الجريمة»، مطالبين بموقف واضح تجاه القضية.

وسبق أن أدان «منبر المرأة الليبية من أجل السلام» جريمة اغتيال خنساء. وقال إن مثل هذه الجرائم «تعكس ازدياد العنف ضد المرأة في أثناء النزاع وبعده، وتدهور الوضع العام، وانعدام توفر آليات الوقاية والإنذار المبكر وإجراءات الحماية. وهذا يعد إنذاراً شديداً لتدهور حالة العنف ضد النساء في بلادنا».

وكانت قبيلة «القمامدة» - التي تنتمي إليها خنساء مجاهد - قد أعربت عن غضبها إزاء مقتلها، وحمّلت النائب العام ووزير داخلية «الوحدة» مسؤولية الواقعة، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف، وكشف الفاعلين والمتورطين وإعلان النتائج للرأي العام.


حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
TT

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم الجندي المصري محمد صلاح، الذي قتل فيه ثلاثة جنود إسرائيليين عقب عبوره الحدود، تتحدث تقارير عبرية عن تحولات جذرية في أسلوب تعامل الجيش الإسرائيلي مع الملف الحدودي وسط مخاوف من تكرار مثل هذا الحادث، فيما ذكر عسكريون مصريون سابقون أن الواقعة ربما غيّرت بعض الترتيبات الأمنية اليومية، لكنها لم تغير القواعد العامة في العلاقات الأمنية، التي تحكمها اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها.

ووفق منصة «مكور ريشون» الإخبارية الإسرائيلية، الأحد، فإن الجيش الإسرائيلي أحيا في الأسبوع الماضي الذكرى الثالثة للهجوم الحدودي الذي وقع في الثالث من يونيو (حزيران) 2023.

حينها كان الجندي صلاح يقضي خدمته العسكرية بالقرب من معبر العوجة حين عبر الحدود وتبادل إطلاق النار مع الجنود الإسرائيليين فقتل ثلاثة منهم قبل أن يُقتل هو الآخر خلال اشتباكٍ مسلّحٍ مع جنود آخرين.

«الهاجس الأمني»

قال نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، لـ«الشرق الأوسط»: «الإعلام العبري يتحدث يومياً عن إجراءات إسرائيلية متطورة لتأمين خط الحدود مع مصر من معبر كرم أبو سالم شمالاً حتى العلامة الدولية 91 جنوباً، والمعروفة بمنطقة طابا، حيث توجد القوات الإسرائيلية المسؤولة عن التأمين في المنطقة (د)، وتقابلها قوات الشرطة المدنية المصرية في المنطقة (ج)، عدا الجزء المقابل للحدود مع غزة فتوجد به قوات حرس حدود مصرية طبقاً للاتفاق المبرم عام 2005».

نقطة تأمين بالحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وأضاف: «مع زيادة الهاجس الأمني الإسرائيلي عقب هجمات (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شددت إسرائيل إجراءاتها لتأمين الحدود مع مصر بوضع دوريات ومراقبة إلكترونية وموانع مركبة ومدقات ودوريات سيارة مزودة بقصاصي الأثر، بالإضافة لرادارات أرضية وطائرات مسيرة؛ وفي المقابل توجد قوات شرطة مدنية مصرية ووسائل مراقبة وتأمين».

تطالب مصر، من جانبها، بزيادة الإجراءات الخاصة بالتأمين من أجهزة وردارات متقدمة لضمان عدم تكرار حادثة محمد صلاح، لكن «إسرائيل تتهرب وتماطل في الموافقة على الطلب المصري لرفع كفاءة وقدرات قوات الشرطة المصرية لتأمين الحدود»، وفقاً لكامل.

«نقطة فاصلة»

وحسب منصة «مكور ريشون»، فإن القيادة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي استخلصت دروساً من الواقعة، «ما أدى إلى تحسينات كبيرة في الجاهزية وتغييرات عميقة في المفهوم العملياتي».

وقالت المنصة إن الحادثة أصبحت «نقطة فاصلة»، ونقلت عن مسؤول كبير في القيادة الجنوبية قوله إن الجانب الإسرائيلي «يفعل كل شيء للحفاظ على الحدود هادئة وبناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة، لكنه لا ينخدع ويدرك أن الهجمات يمكن أن تأتي من كل الاتجاهات».

رئيس أركان الجيش المصري يتفقد عدداً من الارتكازات الأمنية بمدينة رفح (المتحدث العسكري)

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال: «على الرغم من عدم صدور تصريحات رسمية مصرية في هذا الشأن، فإن هذا الحادث أدى قطعاً لتغيير في الترتيبات الأمنية، من حيث المراقبة ودوريات المرور والتفقد الأمني على الحدود، وتغييرات أيضاً في ترتيبات اختيار الجنود نفسياً مع الحرص على ألا تكون لهم توجهات سياسية».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ذلك، لم يغير الحادث من القواعد العامة في العلاقات الأمنية بين البلدين، التي تظل تحكمها بنود اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها».

واستطرد: «هناك وفد أمني زار مصر عقب الحادث، وتم التأكيد على أنه فردي لا يعبر عن سياسات القوات على الحدود. ثم جاءت حرب غزة وارتفع التنسيق الأمني بين البلدين، وكان مُنصبّاً على ضبط الحدود المشتركة وخصوصاً الحدود المصرية - الفلسطينية ومحور فيلادلفيا».

ونوه إلى أن الحادث زاد أيضاً «من حالة الاستنفار الأمني من الجانبين، وجعل هناك التزاماً بمسافات معينة بحيث لا يقترب الجنود من بعضهم البعض؛ فهي ترتيبات تتعلق بالوضع الأمني اليومي وليس تغييراً جوهرياً في البنود الأمنية المتفق عليها بين البلدين بشكل عام».

«اختلاق مشكلات»

وخلال العامين الماضيين، دأبت أصوات إسرائيلية على التحذير مما تَعُدُّه بناء مصر قوة عسكرية كبيرة بالقرب من الحدود مما قد يمثل «تهديدات حقيقية»، ويخالف اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في 1979، حسب وصفها.

لكن في رأي كامل، «دأب الجانب الإسرائيلي على اختلاق بعض المشكلات الحدودية مع مصر من وقت لآخر للضغط عليها للقيام بالمزيد من الإجراءات لتأمين خط الحدود الدولية».

وهو نفس ما ذهب إليه عبد الواحد الذي قال: «إسرائيل كعادتها تحاول استغلال الحادث كما تفعل عادة لتصوير نفسها مهددة، وتمارس عمليات ابتزاز عاطفي لتصور للمجتمع الدولي أن كل خروقاتها على الحدود بدافع حماية نفسها؛ لكن مصر تنتبه لذلك جيداً».