في قطاع غزة المدمر... إحصاء ضحايا الحرب يشكل تحدياً حقيقياً

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمخيم المغازي للاجئين بعد غارة إسرائيلية في 25 ديسمبر 2023 وسط معارك مستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمخيم المغازي للاجئين بعد غارة إسرائيلية في 25 ديسمبر 2023 وسط معارك مستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)
TT

في قطاع غزة المدمر... إحصاء ضحايا الحرب يشكل تحدياً حقيقياً

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمخيم المغازي للاجئين بعد غارة إسرائيلية في 25 ديسمبر 2023 وسط معارك مستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمخيم المغازي للاجئين بعد غارة إسرائيلية في 25 ديسمبر 2023 وسط معارك مستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)

يشكّل إحصاء الضحايا تحدّياً حقيقياً يومياً في قطاع غزة الذي يتعرّض للقصف منذ قرابة السنة والذي تحوّل جزء كبير منه إلى دمار، ما يثير أسئلة بشأن الطريقة التي تعتمدها وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» لتحديد حصيلة القتلى التي تكاد تصل إلى 42 ألفاً.

بحسب مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية» الذين زاروا مستشفيات غزة مرّات عدّة، يتمّ التعرّف على الرفات إمّا من خلال أغراض عُثر عليها معه وإما عبر أحد الأقارب.

بعد ذلك، يتمّ إدخال المعلومات الشخصية للقتيل في قاعدة بيانات محوسبة تابعة لوزارة الصحة في قطاع غزة، تتضمّن اسم المتوفّى وجنسه وتاريخ ميلاده ورقم بطاقة هويته.

وعندما لا يتمّ التعرّف على الجثث، إن بسبب تشوّهها أو احتراقها، أو لأنّ أحداً لا يأتي للمطالبة بها في ظلّ مقتل عائلات بأكملها في بعض الأحيان في ضربة واحدة، يقوم مقدّمو الرعاية الصحية بتسجيلها بأرقام، وفقاً لأكبر قدر ممكن من المعلومات التي تمكّنوا من جمعها.

وفي إطار هذه المعلومات، يتمّ تصوير أيّ مجوهرات أو ساعات أو هواتف محمولة أو علامات خلقية على أنّها أدلّة. وقد شهد مراسلا «الصحافة الفرنسية» تقديم مؤسسات صحية معلومات بهذا الصدد إلى نظام وزارة الصحة.

سجلّ مركزي

وشرحت وزارة الصحة في غزة في عدد من البيانات الصادرة عنها، تفاصيل العملية المتّبعة لإعداد حصيلة الضحايا.

بالنسبة للمستشفيات الحكومية التابعة لإدارة حركة «حماس» التي تتولّى السلطة في قطاع غزة منذ عام 2007، يتمّ إدخال «المعلومات الشخصية ورقم هوية» كلّ فلسطيني قُتل في أثناء الحرب في قاعدة بيانات المستشفى المحوسبة، بعد وصول الجثة أو بعد وفاة المصابين، وفقاً للوزارة. بعد ذلك، يتمّ نقل هذه البيانات «يومياً» إلى «السجل المركزي للشهداء» التابع للوزارة.

أمّا بالنسبة إلى القتلى الذين ينقلون إلى مستشفيات خاصّة، فإنّ المعلومات الشخصية حولهم تُسجّل في استمارة تُرسل «خلال 24» ساعة إلى الوزارة لدمجها في قاعدة البيانات المركزية.

ويتولّى «مركز المعلومات»، وهو جهاز خاص بالوزارة، مسؤولية التحقّق من المعلومات المقدّمة من المستشفيات «الحكومية» والخاصّة «للتأكّد من عدم احتوائها على تكرار أو أخطاء»، قبل تسجيل الأسماء في قاعدة البيانات.

إضافة إلى ذلك، تدعو السلطات أهالي قطاع غزّة إلى الإبلاغ عن مقتل أحد الأقرباء عبر موقع وزارة الصحة التي تستخدم هذه البيانات لإجراء عمليات التحقّق.

ويعمل في هذه الوزارة موظفون حكوميون تابعون لكلّ من السلطة الفلسطينية التي يقع مقرّها الرئيسي في رام الله ولحركة «حماس».

علاقة قوية

وأظهر تحقيق أجرته منظمة «إيروورز» (Airwars) غير الحكومية المتخصّصة في تأثير الحروب على المدنيين والتي قامت بتحليل نحو ثلاثة آلاف اسم لأشخاص قُتلوا، «علاقة قوية بين البيانات الرسمية... وما أفاد به مدنيون فلسطينيون على الإنترنت؛ إذ 75 في المائة من الأسماء المعلنة عبر الإنترنت موجودة في قائمة وزارة الصحة».

من جهة أخرى، أشارت المنظمة إلى أنه مع تقدّم الحرب، أصبحت إحصاءات الوزارة «أقل دقّة»، لافتة إلى أن الأضرار التي لحقت بالنظام الصحي جعلت المهمّة أكثر صعوبة.

على سبيل المثال، من بين 400 جهاز كومبيوتر في مستشفى ناصر الذي يعدّ إحدى آخر المؤسسات الصحية العاملة جزئياً في جنوب قطاع غزة، لا يعمل سوى 50 جهازاً، وفق ما أوضح مدير المستشفى عاطف الحوت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أنّ السلطات الإسرائيلية تشكّك بإحصاءات «حماس» التي لا تفصل عدد القتلى المدنيين من المقاتلين، وترى أنّه تمّ التلاعب بهذه الأرقام، فإن الجيش ورئيس الحكومة لا يشككان في حجم الخسائر الإجمالية.

في غزة، أعلنت وزارة الصحة التابعة لـ«حماس»، الأربعاء، «ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 41495 شهيداً و95006 مصابين منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

وتشير تقديرات المكتب الإعلامي التابع لحركة «حماس» إلى أن نحو 70 في المائة من القتلى هم من النساء والأطفال.

في إسرائيل، أسفر الهجوم غير المسبوق الذي نفّذته حركة «حماس» في السابع من أكتوبر 2023 عن مقتل 1205 أشخاص غالبيتهم من المدنيين، وفقاً لتعداد أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» بالاستناد إلى بيانات رسمية إسرائيلية.

مثير للجدل أحياناً

وقوبلت الحصيلة الصادرة عن وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في بعض الأحيان بالتشكيك، لا سيما مثلاً من الرئيس الأميركي جو بايدن في بداية الحرب.

لكن بايدن أشار في مارس (آذار) الماضي إلى مقتل «آلاف وآلاف» من المدنيين، من دون التعليق أكثر من ذلك على صحّة إحصاءات الوزارة.

وتستند غالبية المنظمات الدولية والعديد من الوكالات التابعة للأمم المتحدة إلى الحصيلة الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة في بياناتها وتقاريرها، لا سيما منها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لافتة إلى أنها إحصاءات ذات مصداقية.

في نهاية أكتوبر، قال المفوّض العام لـ«الأونروا» فيليب لازاريني، «في الماضي، كانت الإحصاءات المتعلّقة بجولات الصراع الخمس أو الست في قطاع غزة تعدّ ذات مصداقية. لم يشكّك أحد على الإطلاق بهذه البيانات».


مقالات ذات صلة

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أيزنكوت يسعى لإزاحة نتنياهو وترؤس الحكومة

أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الثلاثاء، إطلاق حملته الانتخابية سعياً لخلافة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يشيِّعون رضيعة قُتلت مع أمها بغارة إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

خاص مصدر مصري: 4 ملفات في محادثات القاهرة للتعجيل بتنفيذ «اتفاق غزة»

حدد مصدر مصري مطلع على مسار مفاوضات تستضيفها القاهرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، 4 بنود مطروحة في الاجتماعات قال لـ«الشرق الأوسط» إنها «رئيسية ومصيرية».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيات يبكين في جنازة علي اسبيتان (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين بقطاع غزة

قُتل 5 أشخاص بينهم طفل، وأصيب عشرات بجروح، في غارتين جويتين إسرائيليتين استهدفتا دير البلح وخان يونس في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني محرَّر من السجون الإسرائيلية مبتور الساق يسير مع ابنتيه في مخيم للنازحين بمدينة غزة (إ.ب.أ)

غزة تبني بيوتاً من الطين والركام... بحثاً عن مأوى وسط الدمار

يحاول فلسطينيون في غزة مواجهة أزمة السكن ببناء منازل من الطين والركام، في ظل استمرار منع دخول مواد البناء، في مشهد يجسد الإصرار على البقاء رغم الدمار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (د.ب.أ) p-circle

تركيا تندد باعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن

ندّدت تركيا، الأحد، باعتراف إسرائيل بالمجازر التي تعرّض لها الأرمن بوصفها إبادة جماعية، معتبرة أن القرار «سياسي» يرمي إلى التغطية على «جرائم» الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )

عون يدعو المعترضين على «اتفاق الإطار» إلى تقديم البديل

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
TT

عون يدعو المعترضين على «اتفاق الإطار» إلى تقديم البديل

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)

كثف لبنان تواصله مع المسؤولين الأميركيين، للضغط على إسرائيل، من أجل المضي قدماً في تنفيذ الانسحابات التي تم التوافق عليها في «اتفاق الإطار» الذي وقَّعه الجانبان في واشنطن نهاية الأسبوع الماضي، بعد مؤشرات إسرائيلية «مقلقة» حيال تأجيل الانسحاب، واتخاذ خطوات مخالفة، كوضع بوابات عبور في المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان.

وقالت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» إن قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» براد كوبر، وضع مع المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الأخيرة الأسس التي سيتم اعتمادها في المناطق التجريبية التي ستنسحب منها إسرائيل». وكشفت عن أن أحد كبار مساعديه بقي في لبنان من أجل متابعة التنفيذ، موضحةً أن لبنان «لم يتبلغ بتأجيل الانسحاب أو أي ما يخالف ما اتفق عليه مع الأميركيين». وأكدت المصادر أن لبنان لا يزال مصراً على «عدم التواصل المباشر مع الإسرائيليين في هذا الخصوص، وأن التواصل قائم عبر الأميركيين فقط».

وخرج الرئيس اللبناني جوزيف عون، الأربعاء بتصريحات دافعت عن صيغة الإطار الموقَّعة في واشنطن، والتي أكد أنها «تضمنت بنوداً تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وحتى جثامين اللبنانيين الموجودة في إسرائيل»، لافتاً إلى أنها ليست اتفاقاً بل إطار.

وأشار إلى أن لبنان مشكلته مع إسرائيل، وهو دولة ذات سيادة، واتخذ قراراً بالتفاوض عن نفسه، وهو لم يتنازل عن ثوابته قضائياً وسياسياً وميدانياً في صيغة الإطار كما يروّج البعض، منوّهاً بالدور الذي يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري «الذي وضع خطين احمرين أساسيين باعتبار أن الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان. ونحن جميعنا متفقون على هذين الأمرين».

لبناني يعبر بين ركام الأبنية الناتجة عن القصف الإسرائيلي في بلدة فرون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ودعا عون المعترضين على المفاوضات وصيغة الإطار إلى تقديم البديل أو عرض آرائهم ضمن المؤسسات، مجدداً التأكيد على أن حق الاختلاف مقدس، «فلنتناقش بالسياسة ولكن الخلاف ممنوع. ولا يقربنَّ أحد إلى الشارع ولا يشوهنَّ الحقيقة لإقناع بيئته بأن ما حصل استسلام وذل له».

ونفى رئيس الجمهورية كل ما يشاع عن وجود نية لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل أو قادة الأجهزة الأمنية باستثناء مدير عام الأمن العام، مشيداً بدورهم والجهود التي يقومون بها، ومؤكداً أن مثل هذه الشائعات هدفها ضرب الجيش والقوى الأمنية وليس تعزيز دورها وحضورها.

القرارات السيادية

وتناول رئيس الجمهورية مفهوم القرارات السيادية، وقال: «فليفسروا لي معنى سيادة الدولة؟ إن سيادة الدولة تكمن في قراراتها المستقلة التي تتخذها عن قناعة. وهنا يكمن لب المشكلة، لأننا أخذنا قراراً مستقلاً بالتفاوض عن أنفسنا، ولم نسمح لأحد بأن يفاوض عنّا مما أزعج، للأسف، الكثيرين ». وأضاف: «لقد كررت مراراً أنه بين خياري الحرب والمفاوضات، فلنذهب إلى المفاوضات لأننا سبق وجربنا الحروب ولم تحقق نتيجة، والأفضل للطرفين أن يجلسا ويتحدثا ويتفاهما. لقد أخذنا خيار المفاوضات وعملنا على صيغة الإطار التي فسروها عن قصد أو غير ذلك، بطريقة مغلوطة بهدف تشويهها. فإذا لم يكونوا يريدونها فليعطونا البديل».

وتابع: «طالبنا لنحو عام بإعطائنا الخيار البديل، وعندما بدأنا المفاوضات وعارضوها طالبنا مجدداً بذلك، لكن ليس هناك من بديل. حسناً، لا يريدون صيغة الإطار؟ ماذا يريدون في المقابل؟ أن يفاوض غيرنا عنّا؟ ولماذا تفاوض هذه الدولة او تلك عنّا؟ أليس باستطاعتنا أن نفاوض عن أنفسنا؟ إن مشكلتنا مع إسرائيل، ونحن نفاوض عن أنفسنا، فإذا كنتم لبنانيين، فإن الدولة اللبنانية هي التي تفاوض، ويشارك الجميع معنا في المفاوضات ويضعون آراءهم وملاحظاتهم، لكنهم لا يريدون المشاركة بل الانتقاد والتشويه».

الاتهامات بتشريع الاحتلال

ورد عون على الاتهامات بتشريع الاحتلال، قائلاً: «قالوا إننا شرعنّا الاحتلال الإسرائيلي، فيما تنصّ كل البنود على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وضرورة أن يكون الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية، فأين تحدثنا عن تشريع الاحتلال؟ تحدثنا عن عودة النازحين والأسرى وإعادة الجثامين التي لديهم وعن الدعم الدولي، وقد وُضع كل ذلك في صيغة الإطار. وهنا أكرر أن الإطار ليس مثالياً لأن كل طرف أراد أن يحصل ما أمكنه لمصلحته، لكنه كان أفضل الممكن ضمن الثوابت اللبنانية».

وسأل رئيس الجمهورية: «لو لم نقْدم على المفاوضات فهل تتصورون كيف كان الوضع وما كان الثمن؟»، وأضاف: «يقولون إنه مشروع فتنة. أين ذُكر مشروع الفتنة؟ إذا كانوا غير موافقين فهم أحرار لأن لبنان بلد ديمقراطي وبإمكان المرء أن يعارض في السياسة. فهل إذا لم يتوافق بعضنا مع بعض على امر ما يعني أننا أمام مشروع فتنة؟».

وأكد عون: «سنكمل ما بدأناه؛ لا لتسجيل مواقف بل من أجل البلد، واليوم هناك فرصة لنا ولن نفوّتها، وإذا كان هناك من بديل فليخبروني به. إذا كانوا يريدون الحرب فليبينوا لنا ماذا حقق لهم الميدان. في عام 2000 استرددنا قرية الغجر اللبنانية، وعدنا وخسرناها في عام 2006، وفي عام 2023 خسرنا خمس نقاط، وفي العام الحالي أصبح أكثر من 66 بلدة تحت الاحتلال».

Your Premium trial has ended


لبنان: الصمت الإيراني حيال «صيغة الإطار»... بين انتظار «الدوحة» وتوزيع الأدوار مع الحلفاء

يهودان من طائفة «الحريديم» (المتشددين دينياً) يقفان بجوار العلمين الإسرائيلي واللبناني في موقع عند الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (أ.ف.ب)
يهودان من طائفة «الحريديم» (المتشددين دينياً) يقفان بجوار العلمين الإسرائيلي واللبناني في موقع عند الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (أ.ف.ب)
TT

لبنان: الصمت الإيراني حيال «صيغة الإطار»... بين انتظار «الدوحة» وتوزيع الأدوار مع الحلفاء

يهودان من طائفة «الحريديم» (المتشددين دينياً) يقفان بجوار العلمين الإسرائيلي واللبناني في موقع عند الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (أ.ف.ب)
يهودان من طائفة «الحريديم» (المتشددين دينياً) يقفان بجوار العلمين الإسرائيلي واللبناني في موقع عند الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (أ.ف.ب)

يثير الغموض الذي يحيط بالموقف الإيراني من «صيغة الإطار» الذي أُعلن في واشنطن بين لبنان وإسرائيل نهاية الأسبوع الماضي، جملة من التساؤلات في ظل التزام طهران الصمت حياله، مقابل تصاعد المواقف الرافضة له من قبل حلفائها في لبنان، وفي مقدمهم «حزب الله» ورئيس مجلس النواب نبيه بري، اللذان يتمسكان بالتفاهم الذي توصلت إليه إيران والولايات المتحدة في سويسرا باعتباره المرجعية التي ينبغي الالتزام بها فيما يتصل بالوضع اللبناني.

فحتى الآن، لم يصدر عن أي مسؤول إيراني موقف واضح يؤيد أو يرفض صيغة الإطار التي خرجت بها المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن. ويكتفي المسؤولون الإيرانيون، في كل تصريحاتهم المتعلقة بلبنان، بالإشارة إلى مذكرة التفاهم التي أُبرمت مع الولايات المتحدة في سويسرا، والتي تنص على إنهاء الحرب في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، من دون أي تعليق على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن.

مصادر وزارية: احتمالان يفسران الصمت

وتتوقف مصادر وزارية عند هذا الصمت، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الأمر يثير الاستغراب، ولا سيما أن طهران لا تكاد تفوت مناسبة تتناول فيها الشأن اللبناني فيما اختارت عدم التعليق على صيغة الإطار، مقابل استمرارها في التأكيد على أن التفاهم الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة هو الذي أفضى إلى وقف الحرب.

وتلفت المصادر إلى أن «أحداً لا يستطيع الجزم بما إذا كانت الإدارة الأميركية قد أطلعت إيران مسبقاً على الصيغة التي خرجت بها مفاوضات واشنطن»، وتطرح احتمالين لتفسير هذا الصمت. الأول، أن تكون طهران تتريث بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات الفنية غير المباشرة التي تعقدها مع الولايات المتحدة في الدوحة، قبل أن تحدد موقفها النهائي من صيغة الإطار. أما الاحتمال الثاني، فهو أن إيران لا تعترف أساساً بالمسار التفاوضي المباشر الذي قادته الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ولذلك تتجنب التعليق عليه، وتتعمد حصر خطابها بالتفاهم الذي توصلت إليه مع واشنطن في سويسرا، وبخلية مراقبة وقف إطلاق النار التي اتفق على إنشائها، والتي يفترض أن تضم ممثلين عن إيران والولايات المتحدة ولبنان وقطر، في محاولة لتكريس هذا المسار باعتباره المرجعية الوحيدة، وكأن المسار اللبناني الذي انتهى إلى صيغة الإطار لا يعنيها.

علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود بين إسرائيل ولبنان (أ.ف.ب)

ويحصر المسؤولون الإيرانيون حديثهم بالاتفاق الذي أُنجز في سويسرا، وهو ما كان واضحاً في الاتصال الذي أجراه رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الأحد الماضي، بتشديده وفق وكالة «تسنيم»، على أن إنهاء الحرب وصون سيادة لبنان هما جزء أساسي من البند الأول من مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية، مؤكداً أن إنهاء الحرب في لبنان وعودة النازحين وانسحاب إسرائيل من الجنوب يشكل هدفاً لإيران.

توزيع أدوار بين طهران وحلفائها

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة في الصمت الإيراني الذي يقابله اعتراض حلفاء طهران في لبنان على «صيغة الإطار» أنه «توزيع للأدوار أكثر منه اختلاف في الموقف». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «حزب الله» يتولى التعبير عن هواجس المحور الإيراني داخل لبنان، بينما تحرص طهران رسمياً على إظهار التزامها بالتفاهم مع الولايات المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق باحترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. لذلك تتجنب إيران إعلان معارضة مباشرة للاتفاق حتى لا تبدو وكأنها تتراجع عن التزاماتها، في حين تترك لحلفائها اللبنانيين التعبير عن الاعتراضات السياسية والأمنية. وبهذا المعنى، فإن معارضة «حزب الله» و«حركة أمل» يمكن النظر إليها باعتبارها موقفاً منسجماً مع المصالح الإيرانية، لكنه يتيح لطهران في الوقت نفسه الحفاظ على التزامها الرسمي بمبدأ احترام سيادة الدولة اللبنانية.

وفيما يرى سلامة أن المسارين مترابطان أكثر مما هما منفصلان، يضيف: «الجانب اللبناني يمتلك إطاراً تفاوضياً خاصاً به يعالج العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية وترتيبات السيادة والأمن، لكنه يرتبط سياسياً بالإطار الأوسع للتفاهم الإيراني - الأميركي»، موضحاً: «فإذا التزم الطرفان في الاتفاق الإيراني - الأميركي بالمبدأ الوارد في مادته الأولى، والقائم على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، يصبح الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي الإطار التنفيذي الذي يترجم هذا الالتزام على الأرض من خلال إعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية، وإنهاء النزاع، وتنظيم الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل. وبذلك، فإن نجاح المسار اللبناني يبقى مرتبطاً باستمرار التزام الأطراف الإقليمية، ولا سيما الولايات المتحدة وإيران، بمقتضيات التفاهم الأشمل واحترام سيادة لبنان واستقلال قراره».

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل دُمِّرت جراء ضربات إسرائيلية في قرية بجنوب لبنان قرب الحدود بين البلدين (أ.ف.ب)

«حزب الله» يتمسك بالمرجعية الإيرانية

وفي مقابل هذا الصمت الإيراني، يواصل «حزب الله» رفع سقف اعتراضه على «صيغة الإطار». وشنّ عضو كتلة «حزب الله» النائب إبراهيم الموسوي هجوماً عليه وعلى الدولة اللبنانية، وقال إن «اتفاقية الإطار هي اتفاقية الذل والعار والخنوع والاستسلام»، وإنها «منعدمة ولا قيمة لها وهي مخالفة للقانون والدستور والميثاقية وتتناقض مع اتفاق الطائف». واتهم السلطة اللبنانية بأنها «قدمت نفسها رخيصة وبالمجان، وخضعت للإملاءات الأميركية وخدمت المشروع الصهيوني»، مؤكداً أن «المعادلة الإقليمية التي فرضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية تصب في مصلحة لبنان لناحية وقف إطلاق النار وانسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية».

ووصف زميله النائب حسين جشي «الصيغة» بـ«قمة الانحلال»، وقال إن «الاتفاق الإيراني الذي جاء لمصلحة لبنان، لم تتعامل معه السلطة اللبنانية بالشكل المطلوب، بل سارعت إلى منح الاحتلال الإسرائيلي فرصة للتملص من الالتزامات والالتفاف على الاتفاق الأميركي الإيراني، ويزيد من ذلك أن السلطة في لبنان أقرت عملياً باستمرار الاحتلال عبر ما يسمى (المنطقة الصفراء)».


تحقيقات «صولة الفجر» تتواصل في العراق وسط جدل «التسويات»

عربات «هامفي» عراقية عند أحد مداخل «المنطقة الخضراء» فجر يوم 28 يونيو 2026 (متداولة)
عربات «هامفي» عراقية عند أحد مداخل «المنطقة الخضراء» فجر يوم 28 يونيو 2026 (متداولة)
TT

تحقيقات «صولة الفجر» تتواصل في العراق وسط جدل «التسويات»

عربات «هامفي» عراقية عند أحد مداخل «المنطقة الخضراء» فجر يوم 28 يونيو 2026 (متداولة)
عربات «هامفي» عراقية عند أحد مداخل «المنطقة الخضراء» فجر يوم 28 يونيو 2026 (متداولة)

تتواصل في العراق التحقيقات مع شخصيات برلمانية وسياسية أُلقي القبض عليهم خلال الأيام الماضية، ضمن حملة أُطلق عليها اسم «صولة الفجر»، في وقت أكدت فيه «هيئة النزاهة» استمرار الإجراءات بحق المتهمين في قضايا فساد، بينما أثارت أحاديث عن إمكان إجراء تسويات مالية مع متهمين نقاشاً سياسياً وقانونياً بشأن حدود تلك الإجراءات.

يأتي ذلك بالتزامن مع توسع الحملة من العاصمة بغداد إلى عدد من محافظات الوسط والجنوب، في إطار ما تصفه السلطات بأنه تصعيد لجهود مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة.

وقالت «هيئة النزاهة»، الأربعاء، إن الحملة «ستستمر لملاحقة كبار الفاسدين»، في حين تشير مواقف صدرت عن قوى سياسية متهمة بالفساد، إضافة إلى ما أكدته قوى «الإطار التنسيقي» خلال اجتماعها الأخير بحضور رئيس الوزراء، علي الزيدي، بشأن مواصلة ملاحقة الفساد، إلى إمكانية اللجوء إلى تسويات قانونية مع بعض المتهمين شريطة إعادة الأموال المختلسة؛ مما أثار تساؤلات في الشارع العراقي بشأن مدى اتساع الحملة وحدودها.

في هذا السياق، أعلن رئيس «هيئة النزاهة» الاتحادية، محمد علي اللامي، خلال لقائه رئيس «جهاز الأمن الوطني»، باسم البدري، أن «إطاحة كبار المتهمين واسترداد مليارات الدنانير إلى خزينة الدولة جاء نتيجة التكامل الرقابي والقضائي».

وذكرت «الهيئة»، في بيان، أن هناك «تنسيقاً بين (الهيئة) و(الجهاز)، لا سيما في تنفيذ الأوامر القضائية»، مضيفة أن «عمليات الضبط تسهم في الحد من حالات المساومة والابتزاز التي قد يتعرض لها المواطنون مقابل الحصول على الخدمات أو إنجاز معاملاتهم».

وأضاف البيان أن رئيس «جهاز الأمن الوطني»، باسم البدري، «أكد استعداد (الجهاز) لتكثيف مستوى التعاون والتنسيق مع (الهيئة) بما يعزز حماية المواطنين من جرائم الفساد»، مشيداً بعمليات الضبط الأخيرة ودورها في «تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة».

وتقول مصادر حكومية وقضائية إن الحملة لا تزال مستمرة، وإن التحقيقات تشمل عدداً من الشخصيات البرلمانية والسياسية، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات في محافظات عدة، بينها محافظات في وسط وجنوب البلاد، حيث تتواصل عمليات التفتيش والتحقيق، بما في ذلك الكشف عن مبالغ مالية كبيرة عُثر عليها في منزل أحد المسؤولين المحليين، فضلاً عن إجراءات مماثلة في محافظتي ميسان وذي قار.

صورة مأخوذة من فيديو وثقه ناشطون لدبابة عراقية داخل «المنطقة الخضراء» بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

جدل الاختصاص الدستوري

ويرى النائب السابق حيدر الملا أن النقاش الدائر بشأن مكافحة الفساد يشوبه خلط بين صلاحيات السلطات المختلفة. وقال الملا، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «إذا أردنا أن نرسم إطاراً لملف مكافحة الفساد، فعلينا أن نفك الاشتباك والتداخل في المفاهيم بشأن الجهة المسؤولة عن مكافحة الفساد، ومحاولات إقحام جهات عدة في هذا الملف».

وأضاف: «وفقاً للدستور العراقي والقوانين النافذة، فإن الجهة الوحيدة التي تملك صلاحية مكافحة الفساد هي السلطة القضائية حصراً، ولا دور للسلطة التنفيذية بشقيها؛ رئاسة مجلس الوزراء، ورئاسة الجمهورية؛ لأن ملفات التحقيق تُفتح أمام قضاة التحقيق في المحاكم المختصة، وأوامر القبض تصدر ضمن مظلة السلطة القضائية، كما أن طلبات رفع الحصانة تصدر عنها وتُحال إلى السلطة التشريعية، فيما يقتصر دور الحكومة على تنفيذ الأوامر القضائية».

وأكد الملا أن «الحملة يجب ألا تستثني أحداً؛ لأن أي استثناء يعني إفراغ الملف من مضمونه».

ورداً على ما يُتداول بشأن احتمال وجود تسوية مالية أو سياسية، قال: «هذه مفاهيم لا وجود لها بهذا الوصف، وإنما قد تلجأ السلطة القضائية، وفي إطار الإجراءات القانونية خلال التحقيق، إلى تسويات مالية مع من يثبت تورطه بالاعتداء على المال العام، من خلال إعادة نسبة من الأموال المختلسة، بوصفها جزءاً من تسوية قانونية وقضائية، وليست صفقة سياسية كما يُشاع».

من جانبه، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي إن الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم، سواء أكانوا نواباً أم مسؤولين، «لا تنطبق عليهم أحكام قانون العفو العام رقم (27 لسنة 2016) - التعديل الثاني، فيما يتعلق بإجراء تسوية سياسية أو مالية لاسترداد الأموال، كما أشارت المادة (1/ ثالثاً) والمادة (2/ عاشراً) إلى أن قانون العفو يسري على الجرائم التي وقعت قبل نفاذه».

وبشأن إمكان استرداد الأموال ضمن تسوية، قال السعدي: «قد يُفرج عن المتهم بكفالة، لكن ذلك لا يعفيه من المساءلة القانونية أو من تنفيذ الإجراءات الجزائية بحقه؛ لأن من يرتكب جناية أو جنحة لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية أو إجراء تسوية بشأنها إلا بنص قانوني صريح».

صورة عرضها القضاء العراقي تُظهر أموالاً ومقتنيات كانت مخبأة في منزل وكيل وزارة النفط علي معارج البهادلي

استرداد عشرات المليارات

وفي بيان منفصل، أعلن رئيس «هيئة النزاهة» الاتحادية، محمد علي اللامي، الأربعاء، أن «التنسيق المشترك والتكامل بين الأجهزة الرقابية و(جهاز الأمن الوطني) أسهما في الإطاحة بكبار المتهمين بالفساد واسترداد عشرات المليارات من الدنانير إلى خزينة الدولة».

وقالت «الهيئة» إن عمليات الضبط الأخيرة «أسهمت في الحد من الابتزاز والمساومة التي يتعرض لها المواطنون لإنجاز معاملاتهم»، فيما أكد رئيس «جهاز الأمن الوطني» استعداد جهازه لتكثيف التعاون مع «الهيئة» لحماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

وفي تطور منفصل، أعلن «المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى» أن وثيقة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم صدور «نشرة حمراء» من «منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)» بحق وزير الداخلية السابق عبد الأمير الشمري، «مزورة وغير صحيحة».

وقال المجلس، في بيان، إن «(المركز الإعلامي) رصد منشوراً يتضمن (نشرة حمراء) نُسب صدورها إلى رئاسة الادعاء العام، ويؤكد أن الوثيقة مزورة وغير صحيحة»، محذراً من «ممارسة مثل هذه السلوكيات المخالفة للقانون»، ومؤكداً أن الجهات المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية بحق المسؤولين عنها.