لماذا تصبح أكثر حكمة مع تقدمك في العمر؟

رجلان مسنان يلعبان الشطرنج الصيني بحديقة في بكين (أ.ف.ب)
رجلان مسنان يلعبان الشطرنج الصيني بحديقة في بكين (أ.ف.ب)
TT

لماذا تصبح أكثر حكمة مع تقدمك في العمر؟

رجلان مسنان يلعبان الشطرنج الصيني بحديقة في بكين (أ.ف.ب)
رجلان مسنان يلعبان الشطرنج الصيني بحديقة في بكين (أ.ف.ب)

أكدت دراسة جديدة نشرت في مجلة «ساينتفك أميركان» أن المتعارف عليه عن كبار السن أنهم يبدأون للتحول إلى مفكرين بطيئين ومتبلدين مع التقدم في العمر، إلا أنهم يصبحون أكثر مهارة في حل المشكلات وأكثر استقراراً عاطفياً.

فأدمغتهم الناضجة تعني أن لديهم المزيد لتقديمه أكثر من أي وقت سابق في حياتهم.

وتقول لورا كارستنسن، المديرة المؤسسة لمركز ستانفورد لطول العمر إن «الملخص حول كبار السن هو أنهم جميعاً متشابهون إلى حد ما، وأنهم يرتعشون، وأن الشيخوخة هي هذا المنحدر المستمر إلى الأسفل، وهذه النظرة هي سوء فهم كبير للواقع».

وبينما لا شك أن بعض كبار السن يتباطأون في الوظيفة التنفيذية، حيث يُظهر عدد منهم علامات الارتباك أو الخرف نحو نهاية حياتهم، ولكن البعض يعانون من العكس، وفقاً لما ذكرته صحيفة «التليغراف» البريطانية.

ويقول جون رو، أستاذ السياسة الصحية والشيخوخة في جامعة كولومبيا: «من بين الأفراد الذين شاهدتهم، والذين بلغ متوسط ​​أعمارهم 77 عاماً، أظهر ثلاثة أرباعهم ممن لم يُعانوا من الخرف القليل من التدهور المعرفي أو لم يظهروا أي تدهور إدراكي على الإطلاق»، وأكمل: «لقد وجدنا بوضوح شديد أن الأمور تتحسن مع تقدم العمر. على سبيل المثال، تتعزز القدرة على حل النزاعات. كما ترتبط الشيخوخة برفاهية عاطفية أكثر إيجابية إضافة للاستقرار العاطفي».

ويأتي هذا في أعقاب دراسة أجريت عام 2010 ونشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم البريطانية، حيث أظهرت أن البالغين الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً كانوا أكثر عُرضة للاعتراف بوجهات النظر المتعددة، والتنازل، والاعتراف بحدود معرفتهم، إذن ما الأسباب وراء ذلك؟

نمو «الحكمة العاطفية»

توضح عالمة النفس سوزان كويليام (74 عاماً)، وهي أيضاً مؤلفة وخبيرة في العلاقات، ولديها أكثر من 40 عاماً من الخبرة في مجالها، أنه «منذ ستينات القرن العشرين، كنا نعيش في عصر يتميز بالشباب، ولكن لم يكن الأمر كذلك دائماً. لمدة عشرة آلاف عام تقريباً عرفنا أن كبار السن لديهم معرفة أكبر للنجاح في الحياة، ولحُسن الحظ يدرك الناس أن (شيخ القرية) لا يزال لديه الكثير ليقدمه».

وتوضح كويليام أنه مع تقدمنا ​​في السن، يبدأ عنصر المخاطرة في دماغنا في التلاشي، ونصبح أقل سيطرة على إملاءات هرموناتنا، ويتم استبدال هذا من خلال حدة ذهنية أكثر تطوراً، وتقول: «نعرف المزيد، ونصبح أكثر تأملاً، ونعوض عن انخفاض قوتنا البدنية بالوعي بالعالم والحكمة العاطفية».

وتتفق ماجي (65 عاماً) وهي ضمن كثير من كبار السن الذين شاركوا في الدراسة، مع هذا الرأي. وتقول: «أحياناً أنسى الأسماء، لذا أشكر الله على الجوالات الذكية. ولكن هذا يعوضني عن الحكمة التي اكتسبتها من مجرد مراقبة الناس في الحياة؛ إذ ترى الأنماط، وتفهم كيف تتطور الأمور».

القدرة على حل المشكلات والتعلم

يجاهد كبار السن أحياناً في تذكر الأسماء أو استخدام التكنولوجيا الجديدة، ولكنهم غالباً ما يجدون أنفسهم أكثر مهارة في حل المشكلات العميقة مقارنة بما كانوا عليه عندما كانوا أصغر سناً.

وتقول كويليام: «هذا يرجع إلى الخبرة، يتعلم البشر تطوير استراتيجيات التعامل، ففي المرة الأولى التي يحدث فيها شيء ما، نجد أنه مشكلة، ولكن في المرة الثانية، نردد: لقد تغلبت على هذا، وهذا ما تعلمته».

وتقول جين التي تبلغ من العمر 70 عاماً: «أصبحت أقل تشتيتاً مما كنت عليه في الماضي. أحب تعلم اللغات، وأبلي بلاءً حسناً مقارنة بما كنت عليه في العشرينات من عمري؛ لأنني أعرف كيف تتم عملية التعلم، وأين تكمن الصعوبات، وما الأدوات التي يجب استخدامها للتعامل معها»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «التليغراف» البريطانية.

ويتفق آخرون أن تجربتهم الحياتية جلبت لهم الهدوء، مما يسمح لهم بالتركيز على أشياء أخرى.

ويقول أوليفر، الذي يبلغ من العمر الآن 65 عاماً: «نظراً لأنني تخليت عن المشتتات غير المفيدة مثل (المقارنة واليأس)، فقد أصبحت لدي الآن مساحة أكبر في دماغي لتقدير الفن والأدب والثقافة. وأستطيع التركيز بشكل أفضل وتذكر المزيد».

الشعور بمزيد من الاستقرار العاطفي

وتقول جوديث: «لقد بلغت الآن سن الثانية والسبعين، واختفى كثير من مخاوفي. فما كان يُطلق عليه في السابق افتقاري إلى اللباقة يُنظر إليه الآن على أنه شجاعة، ويرى بعض الناس أنني دبلوماسية، وهي صفة لم أتمتع بها قط في شبابي».

وتؤيد كويليام فكرة أن كبار السن يميلون إلى التمتع بمزيد من الاستقرار العاطفي، وأوضحت: «نجد في النهاية مكاناً لا تطغى عليه مشاعرنا. نتعلم من النجاة من المواقف الصعبة، ونصبح أقل خوفاً عندما نواجه ظروفاً مماثلة. وكما كُنا آباء وأجداداً وموظفين، فنحن أيضاً أفضل في حل النزاعات».

وتوضح أن كبار السن يرون العالم أقل بالأبيض والأسود، «كلما زاد عدد الأشخاص الذين قابلناهم، وكلما زاد عدد المواقف التي وجدنا أنفسنا فيها، ندرك أن هناك موضوعات وسياقات مختلفة. نتعلم دروساً في الحياة، مثل هذا أيضاً سيمر».

وتشير إلى أن أولئك الذين لديهم خبرة هم أيضاً أكثر ثقة في أنفسهم وأقل تأثراً بوجهات النظر السائدة في المجتمع. وتقول لويز (68) عاماً: «لا أهتم كثيراً بما يعتقده الناس عني. لستُ خالية من كل الطموحات، لكن طموحاتي تغيرت بالتأكيد لتصبح أكثر تحديداً فيما يهمني بالفعل بدلاً مما قد يثير إعجاب الآخرين. أصبحت أقل انتقاداً للآخرين».

وتضيف: «أحب العمل مع الشباب والتعرف عليهم، لكنني لا أرغب في أن أكون واحدة منهم».

الشعور برفاهية أكبر

تقول كويليام إن «الفترة من الستينات إلى الثمانينات من عمرك هي وقت رائع لإعادة ترتيب الأولويات، فالناس لا يعتمدون عليك كما كانوا من قبل، وتتخلص من الأعباء ويمكنك الاعتناء بنفسك».

وبينما تعترف بأن الناس سيحتاجون إلى دعم الأسرة والأصدقاء مع تقدمهم في السن وتعرضهم للخطر، تقول إن هناك فترة ذهبية يمكن الاستمتاع بها في وقت لاحق من الحياة.

وتشير: «في سن (74 عاماً) أجد نفسي أكثر سعادة وامتناناً لكل شيء، أعتز بكل رحلة خارجية، وكل برنامج تلفزيوني وكل اتصال بشخص آخر. أعلم أن وقتي محدود أكثر، لذلك أجد قيمة أكبر في كل شيء».

وتعتقد كويليام بأنه بمجرد أن يدرك الناس أن لديهم سنوات أكثر (خلفهم) مما لديهم (أمامهم)، فإنهم غالباً ما يبدأون في تقييم الأمور بهذه الطريقة الإيجابية.

وتوافق جيني، 63 عاماً، على أن هذا المنظور جلب لها السعادة وتقول: «كان بلوغي سن الستين نقطة تحول كبيرة بالنسبة لي. لقد أدركت فجأة أن وقتي على الأرض أصبح محدوداً للغاية الآن، ما لم يتم اختراع معجزة مضادة للشيخوخة قريباً، أصبحت على الفور أكثر حزماً فيما يتعلق بما يجب أن أفعله وما لا يجب أن أفعله».

وتضيف: «بعض الأشياء الجيدة في كوني بهذا العمر هي أنى أشعر بثقة أكبر في أفكاري من أي وقت مضى، وأعطي الآخرين فرصة الشك أكثر مما تعودت عليه في السابق، وأتحمل المزيد من المخاطر في إطلاق النكات. لم تعد لسعة اللحظات المحرجة تدوم طويلاً الآن بعد أن أصبحت أكبر سناً، وأضحك على نفسي بحرية كبيرة».

ويجد ميك، 72 عاماً، راحة في عدم الاضطرار إلى الركض على آلة العمل والإنجاز المهني وقال: «في النهاية، هناك هدوء، مما يجلب معه الاستعداد لاتخاذ وجهة نظر أفضل».

ويكمل: «مهما كانت المصاعب اليومية التي يواجهها أطفالي وأحفادي، فإنني أستطيع أن أرى أنهم سيكونون على ما يرام على المدى الطويل. إنهم محبوبون ولديهم الموارد، لذلك أشعر بالاطمئنان. ولعل هذا هو ما يقصده الناس عندما يتحدثون عن حكمة العصر».


مقالات ذات صلة

حمية تحسّن سكر الدم لدى الأطفال

صحتك طفل يخضع لفحص لرصد مستوى السكر في الدم (جامعة ستانفورد)

حمية تحسّن سكر الدم لدى الأطفال

أظهرت دراسة دولية واسعة النطاق أن اتباع الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول لنظام غذائي شديد الانخفاض في الكربوهيدرات قد يسيطر على مستويات سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خطوات قد تترك أثراً أبعد من المسافة (جامعة أركاديا)

المشي يترك أثره في دماغ المراهق وصحته النفسية

خلصت دراسة دولية إلى أنّ المراهقين الذين يمشون خطوات أكثر يومياً في بداية مرحلة المراهقة قد يعانون مشكلات نفسية أقل في العام التالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية في الهند (جامعة بون - مؤسسة سانكارا للعيون في الهند).

استخدام الهواتف الذكية لفحص شبكية العين

أظهرت دراسة حديثة قادها فريق من الباحثين الألمان أن الهواتف الذكية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الكشف المبكر عن أمراض العيون.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق قد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك وإنما بكيفية شعورك تجاهه (بكسباي)

الطلاب أصحاب الجداول المزدحمة أقل عرضة للاكتئاب

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة كولورادو بولدر الأميركية أن الطلاب الذين كانت جداولهم أكثر ازدحاماً كانوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق قدمان لا تعرفان أنهما قطعتا كلّ هذه المسافة (أ.ب)

كم يمشي طفل في الثالثة؟ الرقم يُفاجئ البالغين

يتحرَّك الأطفال الصغار أكثر بكثير مما يعتقد كثير من البالغين، إذ يقطع الأطفال في سنّ الثالثة والرابعة نحو 18 ألف خطوة يومياً في المتوسّط...

«الشرق الأوسط» (برلين)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
TT

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.

في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)

أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.

ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)

عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.

حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.

شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.

درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)

فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.

بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.

أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)

فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.

تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.

وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.

كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.

مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.


«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
TT

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز» (Arab Views)، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات العامة السعودية والسفير الأسبق لدى المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويهدف البرنامج، الذي يحمل بالعربية معنى «وجهات نظر عربية»، إلى استضافة شخصيات وأصوات مؤثرة من الشرق الأوسط، إلى جانب خبراء دوليين، لمناقشة أبرز القضايا والتطورات التي تشهدها المنطقة.

ويتناول الأمير تركي الفيصل في الحلقة الأولى عدداً من الملفات الإقليمية، بينها علاقة السعودية بإيران، والحرب في اليمن، إلى جانب قضايا راهنة أخرى، في سياق يستعرض توجهات السياسة السعودية على المدى الطويل ومقاربتها للموازنة بين ضبط النفس والردع.

وقال عباس إن الهدف من «عرب فيوز» هو تقديم «شروحات مطولة وشرح السياق في وقت نحن في أمسّ الحاجة إليه»، في ظل التدفق المتسارع للأخبار العاجلة والمنشورات المقتضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن البرنامج «سلسلة قصيرة مستقلة» تهدف إلى التكامل مع المحتوى الذي تنتجه «عرب نيوز» يومياً بمختلف لغاتها ومنصاتها وبرامجها.

ووصف عباس البودكاست بأنه «مجرد الخطوة الأولى لمبادرة أوسع بكثير»، مضيفاً: «نؤمن بأنه حان الآن، وربما أكثر من أي وقت مضى، الوقت لأن نُسمع صوتنا للعالم».

وسيتوافر «عرب فيوز» عبر قنوات مستقلة خاصة به، إضافة إلى حسابات «عرب نيوز» على منصات التواصل الاجتماعي وموقعها الإلكتروني وقناتها على «يوتيوب».

كما ستُعرض حلقات مختارة منه باللغة العربية على شاشة «الشرق بلومبرغ» ومنصاتها الرقمية.


ضوابط مصرية جديدة لظهور الأطباء إعلامياً لـ«منع خداع الجمهور»

بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
TT

ضوابط مصرية جديدة لظهور الأطباء إعلامياً لـ«منع خداع الجمهور»

بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)
بحث ضوابط لظهور الأطباء إعلامياً (فيسبوك)

تتجه مصر لوضع ضوابط جديدة لظهور الأطباء على وسائل الإعلام، بما يضمن «حماية سمعة مهنة الطب، ومكافحة المعلومات المضللة، ومنع خداع الجمهور، والقضاء على ظواهر سلبية تنتشر في بعض وسائل الإعلام».

وتتمثل الضوابط الجديدة في مشروع لائحة قدمته نقابة أطباء مصر إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يستهدف تنظيم الظهور الإعلامي للأطباء، وفق ما أعلنه «الأعلى للإعلام» في بيان. ومن المقرر أن يدرس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مشروع اللائحة، ويقوم بإرسال رأيه بشأنه إلى نقابة الأطباء، قبل انعقاد الجمعية العمومية للنقابة في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لبحث إقرار اللائحة.

وبحسب البيان، يتضمن المشروع عدداً من الضوابط المنظمة لظهور الأطباء في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، من بينها الالتزام بتعريف الطبيب بنفسه وبصفته المهنية وتخصصه العام والدقيق، وعدم استغلال الظهور الإعلامي في الترويج لمصالح شخصية أو لجهة أخرى، أو الإفصاح عن أي علاقة قد تنطوي على تضارب مصالح، وكذلك عدم الإساءة إلى سمعة المهنة أو الزملاء أو المؤسسات الطبية، وعدم استخدام الظهور الإعلامي للإعلان عن تحقيق نتائج علاجية غير مؤكدة، أو تقديم ادعاءات مضللة للجمهور.

كما تحظر اللائحة المقترحة تقديم معلومات طبية مضللة أو غير دقيقة، أو الترويج لعلاجات ونتائج غير مثبتة علمياً، أو الادعاء بتحقيق قدرات علاجية غير مؤكدة، إلى جانب حظر الترويج لأدوية أو أنظمة غذائية أو علاجية غير معترف بها رسمياً من الجهات المختصة.

نقابة أطباء مصر (فيسبوك)

وتؤكد اللائحة على حماية سرية المعلومات الطبية وخصوصية المرضى؛ إذ تحظر نشر أو تداول أي بيانات أو صور أو معلومات طبية تتعلق بهم إلا بموافقة كتابية صريحة منهم أو في الحالات التي يجيزها القانون، وكذلك حظر استغلال الأطفال في أي محتوى دعائي أو إعلامي طبي، مع الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الأطفال.

وتمنع اللائحة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أو أي وسائل رقمية حديثة لإنشاء أو تعديل أو نشر محتوى مرئي أو صوتي أو رقمي يتضمن بيانات غير صحيحة أو مضللة بما قد يؤدي إلى خداع الجمهور أو الإيهام بوقائع غير حقيقية.

ويرى نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء الدكتور صلاح سلام، أن هذه اللائحة المقترحة إذا تم تطبيقها بطريقة صارمة وتحت رقابة دقيقة من نقابة الأطباء والمجلس الأعلى للإعلام، فمن شأنها أن تضبط الظهور الإعلامي للأطباء بشكل كبير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب هذه اللائحة المقترحة هو حالة الفوضى والعشوائية والتلاعب بالجمهور التي يمارسها البعض تحت اسم خبراء تغذية أو تخسيس أو (لايف كوتش) أو غيرها من الأسماء التي توهم الجمهور بأنهم أطباء وهم ليسوا كذلك، وغالباً ما ينشرون معلومات مضللة أو نتائج مبالغاً فيها لنجاحاتهم، وهو أمر يتطلب رقابة صارمة».

ويشير إلى أن البعض يدّعي أنه طبيب ويقدم وصفات أو طرقاً للعلاج غير صحيحة بالمرة، ويتابع: «من الضروري أن تكون هناك آلية تسمح للمجلس الأعلى للإعلام بالتأكد من أن من يظهر على الشاشة ويتحدث في أمور طبية مؤهل لذلك وعضو نقابة الأطباء، كما يجب مواجهة ووقف الإعلانات التي تروج لأدوية لا علاقة لها بالطب، وهو أمر يتطلب متابعة ورقابة صارمة من النقابة والمجلس».

وتؤكد المتخصصة في الإعلام الرقمي بجامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي، أن «هذه اللائحة كان يجب إقرارها من فترة طويلة ووضع ضوابط تمنع الفوضى التي تشهدها برامج كثيرة تدّعي تخصصها في الطب وتروج لأدوية وعقاقير ووصفات غير صحيحة، فضلاً عن ظهور أطباء للدعاية فقط، وكأن التلفزيون أو وسائل الإعلام تمنحهم شرعية».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن تتضمن الضوابط عدم الترويج للأطباء بعرض بيانات عياداتهم على الشاشة، وقصر الحديث على الجانب الطبي للقضية التي يتحدث فيها الطبيب، مع ضرورة التأكد من أهلية الطبيب وقيده في نقابة الأطباء، والتفرقة بين الطبيب والصيدلي وأصحاب التخصصات الأخرى التي يمكن أن تتقاطع مع الطب».