مأدبة رئيس «الوحدة» الليبية لمسلحين تطرح تساؤلات حول تعهده بـ«انتهاء زمن الميليشيات»

جمعت قيادات تشكيلات سبق أن توعد الدبيبة بـ«اجتثاثهم»

الدبيبة مستقبلاً أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية (الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية (الوحدة)
TT

مأدبة رئيس «الوحدة» الليبية لمسلحين تطرح تساؤلات حول تعهده بـ«انتهاء زمن الميليشيات»

الدبيبة مستقبلاً أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية (الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية (الوحدة)

أظهرت مأدبة إفطار أقامها عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، ضمّت قادة تشكيلات مسلحة بارزة، «تغيراً في المواقف»، وطرحت تساؤلات عدة عن حقيقة تعهده السابق بـ«انتهاء زمن الميليشيات».

ففي فندق شهير بالعاصمة طرابلس، وقف الدبيبة لاستقبال المدعوين من أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية، بحضور النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ووكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي؛ غير أن حضور شخصيات مسلحة محل انتقادات أثار حالة من السخط في أوساط الليبيين.

وبجانب شخصيات عديدة من مصراتة، استضاف الدبيبة قادة تشكيلات مسلحة من مدينة الزاوية، من بينهم عثمان اللهب، آمر «الكتيبة 103» المعروفة باسم «السلعة»، ومحمود بن رجب آمر «اللواء 52 مشاة»، إلى جانب رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» حسن بوزريبة، ورمزي القمودي قائد «كتيبة أمن المطار». كما حضر ممثلون عن محمد السيفاو، آمر «القوة المساندة لوحدة المعلومات والتحري والقبض» في الزاوية، ومحمد كشلاف الملقب بـ«القصب»، والملاحق دولياً بتهم تتعلق بـ«تهريب البشر».

الدبيبة في مقدمة مستقبلي أعيان وعمداء وقيادات الزاوية وقادة تشكيلات (حكومة «الوحدة»)

وتأتي هذه الدعوات على خلفية احتقان حاد بين مجموعات مسلحة بالزاوية وعماد الطرابلسي، وزير الداخلية بحكومة «الوحدة»، لكن الدبيبة، العائد من رحلة علاج، يسعى لاحتواء التوترات الحاصلة من خلال محاولة استمالة قادة الميليشيات «النافرة» مجدداً، في إطار ما يوصف بأنه «إعادة ترتيب للولاءات».

وعلى خلفية هذه الخلافات، حرص عثمان اللهب، الذي سبق أن توعد حكومة الدبيبة، على تسجيل موقف عبر حسابه على «فيسبوك»، عدّه متابعون رسالة موجهة للطرابلسي، حيث قال: «اليوم نوجد في عاصمتنا الحبيبة رداً على مَن كان يتهم الساحل الغربي بالإجرام؛ ولنثبت أنه أكبر من مجرد شخص في منصب وزير داخلية يثرثر بالكلام؛ فالزاوية مع العاصمة وأهلها دائماً، ولن تقف موقف المتفرج».

يشار إلى أن اللهب سبق أن وجه انتقادات حادة إلى حكومة «الوحدة»، وشجع على التظاهر ضدها، معتبراً أن «الزاوية تنتفض ضد حكومة الفساد».

وكان لافتاً حرص الدبيبة على توجيه دعوة مباشرة لمحمد بحرون، الشهير بـ«الفار»، الذي تغيب عن الإفطار، حيث قال: «كلموا البحرون وقولوا له تعال؛ والله ما يقدر واحد يحرك شعرة منك.. أنت ولدنا».

وكان قد صدر حكم بتبرئة «الفار» من الدائرة الجنائية الخامسة بمحكمة استئناف طرابلس منتصف الشهر الماضي، من تهمة اغتيال آمر الأكاديمية البحرية عبد الرحمن سالم، المعروف بـ«البيدجا» لعدم كفاية الأدلة.

وأبدى عديد من الليبيين استغرابهم إقامة إفطار يضم قادة تشكيلات مسلحة، سبق أن توعد الدبيبة بـ«اجتثاثهم»؛ إذ قال الحقوقي ناصر الهواري إن الدبيبة يقيم مأدبة إفطار على شرف قادة مسلحين من الساحل الغربي. فيما عدّ الناشط الليبي جعفر الحشاني أن الهدف من وراء هذا الإفطار هو «إنشاء تحالفات جديدة ومحاولة شراء ذمم، والمشاركة في إنهاء (قوة الردع الخاصة)، التي تقف أمام هيمنة القوات الموالية للدبيبة على جميع أحياء طرابلس».

جانب من الإفطار الذي أقامه الدبيبة في أحد فنادق طرابلس لأعيان وعمداء وقيادات الزاوية (حكومة «الوحدة»)

وكان الدبيبة قد صعّد نبرته في يوليو (تموز) الماضي ضد المجموعات المسلحة، مبدياً تمسكه بخطة «بسط سلطة الدولة»، وتفكيك هذه المجموعات في طرابلس، وقال في فعاليات عدة: «ماضون في خطتنا الأمنية، ولن نتراجع عن تفكيك الميليشيات والتشكيلات المسلحة». مضيفاً: «أنا أمهد الطريق للحكومة المقبلة حتى تدخل دون مشاكل، وحتى لا تجد العصابات مسيطرة على الدولة».

ويُرجّح متابعون ونشطاء ليبيون أن الدبيبة، الذي يواصل استقبال وزراء جدد في حكومته، يعمل على إعادة تموضع سياسي في مواجهة خصومه بشرق ليبيا، عبر تقريب عدد من التشكيلات المسلحة، لا سيما في مدينة الزاوية، التي تُعد «شوكة قوية» في خاصرة حكومته.

وشهد اللقاء الذي أقيم في فندق «ريكسوس» بالعاصمة تبادل كلمات، شددت على أهمية وحدة الصف وتعزيز مشروع «المصالحة الوطنية» وتوحيد الكلمة، بما يسهم في دعم الاستقرار، وترسيخ التوافق بين مختلف المدن والمكونات الليبية.

وفي إطار ما وُصف بمحاولات ترضية الزاوية الغاضبة من حكومة «الوحدة»، اجتمع وزير المواصلات محمد الشهوبي مع عمداء بلديات الزاوية، بحضور رؤساء الأجهزة والجهات التنفيذية؛ لمتابعة سير المشروعات الخدمية والتنموية تنفيذاً لتعليمات الدبيبة.

وتناول الاجتماع، حسب الحكومة، استعراض أبرز التحديات، التي تواجه تنفيذ عدد من المشروعات، وبحث آليات تسريع وتيرة العمل بالمشروعات الجارية، وإعادة تفعيل المتوقف منها، وفق أولويات الاحتياج، مع التأكيد على تعزيز التنسيق بين الجهات المختصة لتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

الدبيبة مستقبلاً وزير الإسكان والتعمير الجديد عصام التموني (حكومة «الوحدة»)

وفي سياق استكمال مقابلته للوزراء الجدد، أعلن مكتب الدبيبة استقباله لوزير الإسكان والتعمير الجديد، عصام جمعة التموني، بمناسبة تسلمه مهام عمله، مشيراً إلى مناقشة أولويات المرحلة المقبلة في قطاع الإسكان، وخطط استكمال المشروعات المتوقفة، ودعم برامج التنمية العمرانية.

واستعرض الوزير رؤيته لإعادة تنظيم العمل بالوزارة، وتسريع وتيرة تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتطوير آليات الإشراف والمتابعة لرفع كفاءة الأداء. وعدّ مكتب الدبيبة هذا اللقاء ضمن مسار التعديلات الحكومية، التي أعلن عنها مؤخراً، والهادفة إلى «تعزيز فعالية الأداء التنفيذي من خلال إسناد المسؤوليات إلى كفاءات متخصصة قادرة على الارتقاء بالعمل المؤسسي في القطاعات الحيوية».


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.