ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

كشف عن قيام شخصيات سياسية وعسكرية من شرق البلاد وغربها بـ«التطاول على المال العام»

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا، برئاسة أسامة حماد، الأربعاء، فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية، معتبرة أن بعض الوقائع والاستنتاجات التي تضمنها التقرير «محل نزاع»، وتفتقر إلى أدلة قاطعة.

وكان التقرير الأممي، الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، قد تناول شركة «أركينو» التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، ونسب إليها تصدير النفط الليبي خارج إطار «المؤسسة الوطنية للنفط»، مشيراً إلى أنها تخضع بصورة غير مباشرة لسيطرة الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، إلى جانب إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد.

وفيما لم ترد حكومة «الوحدة» على التقرير الأممي، فإن خطاباً وجّهه حماد إلى رئيس مجلس الأمن، وأعضائه، قال فيه إن حكومته تلقت «تظلّمات قانونية من مواطنين، ومؤسسات وردت أسماؤهم أو أُشير إليهم في التقرير»، موضحاً أن «المتضررين تقدموا بمستندات ووثائق رسمية إلى الجهات المختصة، من بينها مكتب النائب العام، للطعن في بعض الوقائع والاستنتاجات الواردة فيه، أخذاً في الاعتبار أن حكومة «الاستقرار» تعمل في نطاق سيطرة «الجيش الوطني» بشرق البلاد، وأجزاء واسعة من جنوب ليبيا.

رئيس حكومة الاستقرار الليبية المكلفة من البرلمان أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

ورأى حماد أن بعض ما تضمنه التقرير «لا يستند إلى أدلة كافية تبرر اعتماده كاستنتاجات نهائية»، مطالباً بإجراء مراجعة فنية وإجرائية مستقلة، للتحقق من سلامة مصادر المعلومات التي استند إليها التقرير، وتقييم مدى التزام فريق الخبراء بمبادئ الحياد، والاستقلالية، والنزاهة المهنية.

كما دعا إلى «تمكين جميع المتضررين من تقديم ردودهم، وأدلتهم، وإدراجها ضمن السجلات الرسمية، وإعادة فتح قنوات التواصل بين فريق الخبراء والأشخاص أو الجهات المعنية للنظر في تظلماتهم»، مطالباً «بعدم الاستناد إلى النتائج محل الاعتراض لاتخاذ أي تدابير، أو إجراءات دولية قبل استكمال مراجعة مستقلة».

وكان تقرير الخبراء المؤرخ في مارس (آذار) الماضي قد وجّه اتهامات لشخصيات سياسية وعسكرية من شرق ليبيا وغربها بـ«التطاول على المال العام»، وأعاد تسليط الضوء على شركة «أركينو»، متحدثاً عن عمليات تصدير للنفط خارج القنوات الرسمية، وعما وُصف بأنه «نهب واسع لإيرادات النفط»، و«استيلاء لافت على المحروقات».

وذكر التقرير، الذي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن حجم وتنظيم عمليات تصدير النفط غير المشروعة، سواء الخام، أو المنتجات المكررة، بلغا مستويات غير مسبوقة خلال فترة الرصد، معتبراً أن «التدخل المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر أسهم في توفير مظلة من الإفلات من العقاب»، الأمر الذي أضعف قدرة «المؤسسة الوطنية للنفط» على حماية مصالح الدولة الليبية.

وأضاف التقرير موضحاً أن قطاع النفط والوقود بات محكوماً بمنظومة تقوم على الإفلات من العقاب، حيث جرى تمرير معاملات التصدير والاستيراد، واتفاقيات الاستغلال، وعقود الخدمات لخدمة مصالح شبكات متنافسة مرتبطة بجماعات مسلحة. كما أشار التقرير كذلك إلى أن شركة «أركينو» استُخدمت، بحسب وصفه، كـ«حصان طروادة» لتحويل أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسما صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في تقارير أممية؛ إذ سبق أن وردا في تقرير صدر في فبراير (شباط) 2025، ضمن اتهامات تتعلق بتهريب النفط عبر نفوذ غير مباشر من خلال شركة «أركينو».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وينظر مراقبون إلى رسالة حكومة حماد، التي لا تحظى باعتراف دولي، باعتبارها تحركاً استباقياً يهدف إلى «الحيلولة دون فرض عقوبات دولية على شخصيات ليبية، خصوصاً مع اقتراب جلسة مجلس الأمن الدورية بشأن ليبيا خلال الشهر الحالي، والتي من المقرر أن تقدم خلالها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة حول تطورات الملف الليبي».

وفي هذا السياق، رأى الخبير المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، أن الرسالة تعكس حالة قلق متزايدة لدى عدد من الشخصيات المحسوبة على سلطات شرق ليبيا أو المقربة منها، في ظل تنامي احتمالات فرض عقوبات دولية، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الاحتمال لم يعد يُنظر إليه بوصفه تهديداً نظرياً.

وسبق لتيتيه أن استندت في إحاطة أمام مجلس الأمن، خلال أبريل الماضي إلى «نتائج فريق الخبراء لتفسير تراجع قدرة الدولة الليبية على الحكم عبر مؤسسات موحدة، وخاضعة للرقابة»، محذرة من «استنزاف الثروة الوطنية في إطار اقتصاد سياسي مشوّه، يوظف عائدات النفط خارج آليات المساءلة».

وفي مارس الماضي، قدرت مجموعة «الأزمات الدولية» عائدات عمليات تهريب الوقود في ليبيا بأنها تدر ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، موضحة أن «هذه الأموال تُستخدم في تعزيز نفوذ النخب السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها»، على حد قولها.


مقالات ذات صلة

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

شمال افريقيا المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

فرضت «دبلوماسية الاستخبارات» نفسها على المشهد الليبي خلال الأيام الأخيرة، مع انتقال المشاورات الإقليمية المرتبطة بمستقبل الأزمة من القنوات الدبلوماسية التقليدية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

أعادت السلطات في شرق ليبيا ملف الهجرة غير النظامية لواجهة الجدل مجدداً، بعد قرار حظر دخول مواطني 4 دول أفريقية إلى البلاد عبر المنافذ البرية، والجوية، والبحرية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)

تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

أثار سقف زمني حددته «الخريطة» التي طرحها في ليبيا رؤساء مجالس: النواب عقيلة صالح، والرئاسي محمد المنفي، والأعلى للدولة محمد تكالة، شكوكاً في إمكانية تحقيقها.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون يستقلون قارباً صغيراً قبالة سواحل بيرك بفرنسا في محاولة لعبور القنال الإنجليزي... 15 يونيو 2026 (د.ب.أ)

انتشال 11 جثة إضافية لمهاجرين جرفتهم المياه إلى شاطئ ليبي

قالت مصادر طبية وأمنية، الثلاثاء، إن 11 جثة أخرى لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شاطئ مدينة في شرق ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية بعد انقلاب قاربهم في البحر.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا الدبيبة مستقبلاً قالن في طرابلس (مكتب الدبيبة)

زخم دولي متصاعد لتوحيد المؤسسات الليبية

تشهد ليبيا حراكاً دولياً وإقليمياً متسارعاً يستهدف توحيد المؤسسات المنقسمة، ودفع العملية السياسية، وإنقاذ المسار الانتخابي من حالة الجمود.

خالد محمود (القاهرة)

حقوقيون تونسيون يدينون سجن مدافعة عن حقوق المهاجرين

الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
TT

حقوقيون تونسيون يدينون سجن مدافعة عن حقوق المهاجرين

الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)

عدّ «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» تثبيت الحكم الصادر ضد الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين والسود، سعدية مصباح، «ظلماً فادحاً» و«انحداراً خطيراً للعدالة» في تونس، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية».

وثبتت محكمة الاستئناف، الثلاثاء، الحكم الابتدائي بسجن سعدية مصباح، رئيسة جمعية «منامتي»، 8 سنوات مع غرامة مالية 100 ألف دينار تونسي (نحو 34 ألف دولار أميركي).

وأودعت الناشطة السجن منذ مايو (أيار) 2024 في أعقاب حملة للسلطات ضد الهجرة غير النظامية، ورداً على التدفقات الكبيرة للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء على البلاد.

وقال المنتدى إن الحكم يعد «عقوبة قاسية وظلماً فادحاً تعرضت له امرأة، كرست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن كرامة البشر ومقاومة العنصرية والتمييز».

وتابع المنتدى في بيان احتجاج له، مبرزاً أن «هذا الحكم الجائر، الصادر في ظل غياب أركان التهم وتجاهل ضمانات المحاكمة العادلة، يعكس الانحدار الخطير الذي بلغته أوضاع العدالة في تونس، ويؤكد تنامي نزعة تجريم العمل الإنساني والحقوقي، واستهداف المدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات».

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للتنديد بـ«التضييق على الحريات» (رويترز)

وتواجه سعدية مصباح اتهامات بتيسير استقرار المهاجرين غير النظاميين في تونس، وبارتكاب جرائم مالية وضريبية بشأن أنشطة جمعيتها، وهو ما تنفيه الناشطة.

وأضاف المنتدى في بيانه، موضحاً أن «النضال ضد العنصرية ليس جريمة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية ليس تهمة».

ويعد الحكم الصادر ضد سعدية الأحدث من بين سلسلة أحكام صدرت ضد سياسيين معارضين وصحافيين ونشطاء، بتهم في الغالب ترتبط بالتآمر على أمن الدولة، أو بنشر أخبار غير صحيحة أو بجرائم ضريبية.

وكانت محكمة تونسية قد أيدت الثلاثاء حكماً بالسجن 8 سنوات على الناشطة سعدية مصباح بتهم تبييض أموال وإثراء غير مشروع، وفق ما أفاد اثنان من محاميها.

وندّدت «منظمة العفو الدولية» في بيان، نشر قبل أسبوع، بـ«اتهامات جنائية مالية لا أساس لها، ونابعة من عملها في مجال حقوق الإنسان». حضر الجلسة ممثلون للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وألمانيا وفرنسا وبلجيكا.

وكانت الناشطة في طليعة المدافعين عن المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك عقب خطاب حاد ألقاه الرئيس التونسي قيس سعيّد في فبراير (شباط) 2023، حذّر فيه من تدفق «جحافل من المهاجرين»، متحدثًا عن مؤامرة تستهدف «تغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وقالت المحامية حياة الجزّار إن «سعدية مناضلة، وبفضلها تحصلنا على قانون يناهض العنصرية ونحن فخورون به»، عادة أن «خطاب الكراهية هو الذي تسبب في هذه القضية».

من جهته، قال بسام الطريفي، وهو محامٍ آخر من هيئة الدفاع، إن سعدية مصباح اتصلت به في مايو 2024، «وقالت إنها مستهدفة بحملة عنصرية على شبكات التواصل الاجتماعي»، مضيفاً أنها «عبّرت عن خوفها وشعورها بأن أمراً ما سيحدث»، مشيراً إلى أن ذلك كان قبيل فتح التحقيق وتوقيفها.

ومنذ تفرّد الرئيس سعيد بالسلطة في صيف 2021، تندّد منظمات غير حكومية محلية ودولية بانتظام بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
TT

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)

فرضت «دبلوماسية الاستخبارات» نفسها على المشهد الليبي خلال الأيام الأخيرة، مع انتقال المشاورات الإقليمية المرتبطة بمستقبل الأزمة من القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى رؤساء أجهزة الاستخبارات. وقد بدا ذلك واضحاً في تحركات استخباراتية مصرية وتركية وإيطالية متسارعة في كل من طرابلس وبنغازي، ترافقت مع تصاعد الحديث عن مبادرة أميركية لإنهاء الانقسام الليبي.

حراك استخباراتي

يرى خبراء أمنيون ودبلوماسيون أن تصدر الأجهزة الاستخباراتية للدول الثلاث لهذا الحراك، بدلاً من القنوات الدبلوماسية المعتادة، يعكس حساسية التفاهمات المطروحة مع الأفرقاء الليبيين، وحاجة الأطراف المعنية إلى تبادل رسائل وضمانات، يصعب تمريرها عبر المسارات العلنية.

صدام حفتر في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن الاثنين (إعلام القيادة العامة)

وحتى مساء الثلاثاء، كانت طرابلس تشهد لقاءات مكثفة لرئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، الذي عقد لقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وذلك بعد يوم من لقائه بنائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر في بنغازي.

وبدا التحرك الدبلوماسي الاستخباراتي التركي المكثف من وجهة نظر المحلل السياسي التركي، جواد جوك، «انعكاساً لرغبة أنقرة في تثبيت حضورها داخل أي ترتيبات سياسية مقبلة، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على وجود مبادرة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الليبي، بما يحفظ مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف».

وأوضح جوك لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا، التي دعمت السلطات في غرب ليبيا لسنوات، وسّعت خلال الفترة الأخيرة قنوات التواصل مع الجيش الوطني في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، انطلاقاً من إدراكها بأن النقاشات الجارية تتعلق بإعادة صياغة التوازنات السياسية في البلاد، وأن أي تفاهمات مستقبلية ستتطلب حضور جميع الأطراف المؤثرة.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع تزايد الحديث عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، عبر إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، وقد قوبلت هذه المبادرة بترحيب من «الجيش الوطني» في بنغازي، بينما لم تصدر سلطات غرب ليبيا موقفاً معلناً منها حتى الآن.

ويرى مراقبون أن حساسية هذه الترتيبات وما تتطلبه من تفاهمات وضمانات متبادلة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية تفسر تصاعد دور ما يُعرف بـ«دبلوماسية الاستخبارات»، وهو نمط دبلوماسي عدَّه معهد «السياسة الاستراتيجية الأسترالي» أداة فعالة لدعم الدبلوماسية التقليدية، وفتح قنوات اتصال أكثر دقة في الأزمات المعقدة.

الدور الاستخباراتي في إدارة الملفات الخارجية

وفق هذا التقدير، كان لافتاً أيضاً الحضور المصري من خلال الزيارة غير المسبوقة لرئيس جهاز الاستخبارات العامة حسن رشاد إلى طرابلس ولقائه الدبيبة، من دون الكشف عن تفاصيل المباحثات، بالتزامن مع تداول صورة للقاء جمع رشاد وصدام حفتر ومسعد بولس في القاهرة.

وهنا يرى اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز الاستخبارات المصرية الأسبق، أن ليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، بالنظر إلى طول الحدود المشتركة بين البلدين واتساع الجغرافيا الليبية، ما يجعل أي تطورات سياسية أو أمنية داخلها موضع اهتمام مباشر من القاهرة، أخذاً في الاعتبار الدور الاستخباراتي في إدارة ملفات خارجية أخرى، مثل المفاوضات بشأن ترتيبات المستقبل في قطاع غزة.

الدبيبة ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد في لقاء بالعاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وأوضح المسؤول الاستخباراتي السابق لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة الأميركية المطروحة بشأن ليبيا تستحق الدراسة والاستكشاف، لكنه شدد على أن نجاح أي تسوية سياسية سيظل مرهوناً بمعالجة الملفين الأمني والعسكري، خصوصاً في ظل استمرار وجود التشكيلات المسلحة في غرب البلاد، إلى جانب ضرورة إشراك القبائل الليبية، باعتبارها أحد المكونات المؤثرة في المشهد الداخلي.

ويذهب الخبير الأمني المصري، اللواء خالد عكاشة، إلى الربط مباشرة بين هذا الحراك الاستخباراتي ومبادرة بولس، معتبراً أن المشاورات الجارية تستهدف إنهاء حالة الانسداد السياسي، والاستفادة من مخرجات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية.

وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة رشاد إلى طرابلس جاءت في إطار استطلاع مواقف القوى السياسية في غرب ليبيا، ومدى استعدادها للتفاعل مع ترتيبات سياسية جديدة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع بولس وصدام حفتر ومسؤولين إقليميين تعكس جدية المساعي، الرامية إلى بناء توافق سياسي يحظى بقبول الأطراف الرئيسية.

وعزا عكاشة غياب المواقف الرسمية المصرية المعلنة من المبادرة الأميركية إلى ما وصفه بـ«التحفظ الإعلامي المقصود»، في ظل رغبة الأطراف المعنية في اختبار فرص النجاح قبل الانتقال إلى بلورة رؤية متكاملة، والانتقال لمرحلة الإعلان السياسي.

في سياق ذلك، كان لافتاً دخول إيطاليا على خط الاتصالات عبر لقاء جمع رئيس جهاز الاستخبارات والأمن الخارجي الإيطالي، الجنرال جيوفاني كارافيلي، برئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، في مؤشر على اتساع دائرة اهتمام روما بالملف الليبي، وخصوصاً ما يرتبط بملف الهجرة غير النظامية في ظل أي تغييرات محتملة قد تلحق بالمشهد السياسي الليبي.

تساؤلات ليبية واسعة

داخل ليبيا، أثارت هذه «التحركات الدبلوماسية الاستخباراتية» تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية حول دلالاتها وانعكاساتها على السيادة الوطنية، وهو ما عبّر عنه عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، والكاتب الليبي المقرب من النظام السابق مصطفى الفيتوري، في ظل تصاعد دور الأجهزة الأمنية في إدارة الاتصالات المرتبطة بمستقبل الأزمة.

بدوره، يعزو الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، هذا المسار إلى طبيعة الانقسام الليبي نفسه، موضحاً أن وجود حكومتين ومؤسسات متوازية، بينها وزارتا خارجية وأجهزة تنفيذية متنافسة، جعل القنوات الاستخباراتية والأمنية أكثر قدرة على استكشاف المواقف، وتمرير الرسائل وتبادل الضمانات بين الأطراف المختلفة.

وتوقع أبو الرايقة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاورات الاستخباراتية في طرابلس وبنغازي لم تقتصر على ترتيبات السلطة، بل شملت أيضاً ملفات الحدود والأزمة السودانية والهجرة غير النظامية وأمن شرق المتوسط، بما يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الملف الليبي.

أما في تقدير الدبلوماسي الليبي، عادل عيسى، فإن تصاعد «دبلوماسية الاستخبارات» يؤكد أن ليبيا لا تزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تسعى القوى المنخرطة في الملف إلى حماية نفوذها، وضمان موقعها في أي ترتيبات سياسية جديدة قد تعيد رسم المشهد الداخلي.


ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

أعادت السلطات في شرق ليبيا ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة الجدل مجدداً، بعد قرار يقضي بحظر دخول مواطني أربع دول أفريقية إلى البلاد عبر المنافذ البرية، والجوية، والبحرية، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، غير أن هذا القرار أثار تساؤلات حقوقية حول جدواه، وانعكاساته الإنسانية.

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

وفي بلد تتقاسم إدارته حكومتان في شرق البلاد وغربها، أصدر رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، أسامة حماد، قراراً بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا إلى الأراضي الليبية، لكنه استثنى الحاصلين على موافقات رسمية، أو عقود عمل سارية في قطاعي الصحة، والتعليم، إلى جانب العاملين في السفارات، والبعثات الدبلوماسية المعتمدة، وأفراد أسرهم.

كما نص القرار، الذي صدر في وقت متأخر أمس الثلاثاء، على تكليف وزارة الداخلية التابعة للحكومة باتخاذ إجراءات فورية لترحيل الموجودين من حملة هذه الجنسيات، الذين لا يحملون إقامات قانونية سارية.

ويأتي القرار بعد أسابيع من تصاعد احتجاجات ومواقف شعبية في مناطق متفرقة من شرق وغرب ليبيا ضد ما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، وهي القضية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، واستمرار الحرب في السودان المجاور.

وباتت ليبيا خلال السنوات الماضية إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا للمهاجرين الفارين من النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، مستفيدين من حدود صحراوية شاسعة، وصعوبة ضبطها بشكل كامل، وهو الأمر الذي جعل ملف الهجرة محوراً دائماً في العلاقات بين ليبيا والدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا.

جثث مهاجرين سريين تم العثور عليها بأحد شواطئ شرق ليبيا (رويترز)

وفي جنوب ليبيا تتحدث السلطات المحلية بصورة متكررة عن ضغوط متزايدة على الخدمات الأساسية، نتيجة ارتفاع أعداد الوافدين. وقال عميد بلدية الكفرة، محمد بومريز، في تصريحات سابقة، إن تزايد أعداد اللاجئين السودانيين تسبب في أعباء إضافية على المرافق، والخدمات العامة في المدينة التي تعد إحدى أبرز نقاط استقبال الفارين من الحرب السودانية.

كما حذر عميد بلدية تازربو، حسين صالح، من «أزمة مركّبة» تواجهها البلدية، وذلك بسبب تكدس أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينهم نساء، وأطفال، مشيراً إلى محدودية الإمكانات المتاحة لتقديم المساعدات والخدمات لهم.

ورغم الترحيب بقرار حكومة حماد من جانب ما يعرف بـ«حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين»، الذي تصدر مشهد المظاهرات الأخيرة، لكن ناشطين وخبراء في ملف الهجرة شككوا في قدرة القرار على تحقيق أهدافه المعلنة.

وفي هذا السياق قال طارق لملوم، مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة والنزوح، إن إغلاق المنافذ الرسمية أمام بعض الجنسيات «لن يغير بصورة جوهرية من واقع الهجرة غير النظامية في ليبيا».

وأوضح لملوم لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية المهاجرين القادمين من إريتريا وإثيوبيا والصومال يصلون إلى ليبيا عبر شبكات تهريب، ومسارات غير نظامية ممتدة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل تأثير إغلاق المنافذ الرسمية محدوداً، ما لم يترافق مع إجراءات أكثر شمولاً تستهدف شبكات الاتجار بالبشر، والجهات المستفيدة من نشاطها.

ورأى لملوم أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني، معتبراً أنه يوجه رسائل إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إيطاليا، والاتحاد الأوروبي، بشأن استعداد سلطات شرق ليبيا للتعاون في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، وتعزيز الرقابة على الحدود.

وحذر الناشط الحقوقي من أن التداعيات المحتملة للقرار قد تشمل تشديد الإجراءات الأمنية على البوابات الداخلية، والمنافذ الحدودية، خصوصاً في حق السودانيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من الوافدين إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023.

وأضاف الناشط الحقوقي أن السلطات في شرق ليبيا كانت قد تبنت في مراحل سابقة خطاباً مرحباً بالفارين من النزاع السوداني، ما يجعل الحديث حالياً عن ترحيل من لا يحملون إقامات قانونية يثير تساؤلات حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات الأمنية.

في سياق متصل، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا، فجر الثلاثاء، عن ترحيل 41 مهاجراً من مدينة سرت، بينهم 29 من بنغلاديش، و12 من باكستان، بعد نقلهم إلى مركز إيواء بنغازي الكبرى لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر مطار بنينا الدولي.

مهاجرون غير نظاميين قبل ترحليهم من مدينة سرت الليبية الأربعاء (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وتقول السلطات إن هذه الخطوات تأتي ضمن خطة لتنظيم أوضاع الوافدين، ومكافحة الهجرة غير النظامية، بينما يرى مراقبون أن نجاح أي إجراءات جديدة سيظل مرتبطاً بقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الحدود الجنوبية الشاسعة، ومعالجة الأسباب التي تجعل ليبيا محطة رئيسة للمهاجرين، والنازحين القادمين من أفريقيا نحو الضفة الشمالية للمتوسط.