الأطراف الشيعية الحاكمة في العراق تواجه أخطر أزماتها

بعد عقدين من إسقاط حكم صدام حسين

السوداني مع بزشكيان في بغداد (رويترز)
السوداني مع بزشكيان في بغداد (رويترز)
TT

الأطراف الشيعية الحاكمة في العراق تواجه أخطر أزماتها

السوداني مع بزشكيان في بغداد (رويترز)
السوداني مع بزشكيان في بغداد (رويترز)

على الرغم من كونها أكثر كتلة برلمانية عدداً وتنتمي إلى المكون المذهبي الأكبر في البلاد، لا تبدو قوى «الإطار التنسيقي» التي تمثّل الحاكمية الشيعية في العراق في أحسن حالاتها؛ ففي الوقت الذي لا يمرّ أي رئيس جمهورية أو رئيس برلمان إلا من خلال موافقتها، سواء كانت داخل البرلمان كونها الأكثرية في البرلمان، أو بالفضاء الوطني كون الشيعة يمثلون غالبية عدد سكان العراق؛ فإن أصعب المشاكل التي بدأت تعانيها ليست مع الشركاء (الكرد والعرب السنّة) مثلما كانت عليه الحال عقب سقوط النظام السابق عام 2003، بل من داخلها. يعرف مُتابع الشأن العراقي أن القوى الشيعية تحتكر المنصب الأول في الدولة، ألا وهو رئاسة الحكومة، وهذا احتكار عُرفي لا وجود له في الدستور. والشيء نفسه ينطبق على منصب رئيس الجمهورية المحجوز للكُرد، ورئاسة البرلمان المخصّصة للعرب السنّة. بيد أن الخلاف بشأن منصب رئيس الوزراء داخل أوساط القوى الشيعية دبّ منذ أيام رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي؛ ذلك أن الكاظمي جاء عقب مظاهرات كبرى هزّت النظام السياسي في البلاد، وأدّت فضلاً عن استقالة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، إلى سقوط مئات القتلى وعشرات آلاف الجرحى، معظمهم من المناطق و«الحواضن» الشيعية التي تقول الحاكمية الشيعية إنها تمثّلهم. والحال أن الأوضاع السياسية في العراق، أثّرت كثيراً على البعد الاجتماعي والوطني، وعبّرت عنها الشعارات التي رفعتها مظاهرات تشرين الأول (أكتوبر)، وأبرزها: «نريد وطناً».

مقتدى الصدر (ا ف ب/غيتي)

يمكن القول إن العملية السياسية التي أسّسها الوجود الأميركي عام 2003، بعد إسقاط الرئيس السابق صدام حسين ونظامه، لم تنتج حتى الآن بعد مرور 21 سنة «نظاماً سياسياً مؤسساتياً». وهذا، مع أن ما أُنتج «شكل نظام» يقوم على قواعد عمل ديمقراطية تحكمها انتخابات دورية ثابتة، وتفرز حكومات تتشكّل في ضوء نتائج الانتخابات. وصَدَق هذا على الانتخابات الأخيرة، التي فاز فيها «التيار الصدري» بزعامة رجل الدين الشيعي الشاب مقتدى الصدر بأكبر عدد من المقاعد (73 مقعداً)؛ إذ تمكّن الصدر من تشكيل الحكومة بـ«تحالف وطني عابر» قوامه تياره (الشيعي)، متحالفاً مع كتلة سنّية كبيرة تضم حزب «تقدّم» بزعامة محمد الحلبوسي، وكتلة كردية كبيرة متمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، ومع ذلك لم يتمكن من تشكيل الحكومة التي أرادها الصدر أن تكون حكومة غالبية وطنية «لا شرقية ولا غربية» طبقاً للشعار الذي رفعه، وهو الأمر الذي أدّى إلى انسحابه من البرلمان.

هذا الانسحاب جاء مع تعزيز القوى الشيعية المعارضة له مكانتها. ولكن هذا التطوّر لم يترجَم إلى تحوّل هذه القوى إلى كتلة سياسية تعمل بموجب نظام داخلي وسياقات عمل تنظيمية واضحة المعالم. وللعلم، تنضوي هذه القوى في كتلة «الإطار التنسيقي» التي تضم أبرز القوى الشيعية المعروفة مثل: «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«فيلق بدر» بزعامة هادي العامري، و«عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، وتيار «الحكمة» بزعامة عمّار الحكيم، و«النصر» بزعامة حيدر العبادي، وشخصيات شيعية أخرى مثل فالح الفيّاض وهمام حمودي.

الخوف من السودانيبعد انسحاب الصدر، الذي «ترك الجمل بما حمل» لقوى «الإطار التنسيقي»، اختارت الأخيرة محمد شيّاع السوداني، المهندس الزراعي ورجل الدولة، ليرأس الحكومة. وميزة السوداني لجهة اختلافه عن معظم القيادات العراقية التي تولّت مناصب عليا، بما فيها رئاسة الحكومة، أنه تدرّج في الوظيفة العمومية من أدنى مستوياتها إلى أعلاها؛ إذ بدأ موظفاً زراعياً في زمن صدام حسين، ثم أصبح قائمقاماً لأحد أقضية محافظة ميسان بعد عهد صدام، ثم محافظاً لميسان، فوزيراً لنحو 5 وزارات قبل تكليفه بتشكيل الحكومة أواخر عام 2022.

أيضاً من المُفارقات في وضع السوداني أنه رُشّح لرئاسة الحكومة مع أن كتلته تضم نائبين فقط في البرلمان، وكذلك أنه حقق سلسلة نجاحات خلال السنتين الأخيرتين، بدأت تثير المخاوف لدى الأوساط السياسية الشيعية. فالرجل نجح في إنجاز نسب كبيرة من برنامجه الحكومي، وحاز رضًى سياسياً ووطنياً عاماً تمثّل بدعم كامل من قبل العرب السنّة والكرد. وفي المقابل، صار الخوف الأكبر لدى قوى «الإطار التنسيقي» هو أن يشكّل السوداني في أي انتخابات مقبلة كتلة كبيرة تهدّد مكانة العديد من تلك القوى، وقد تمهّد لحصوله على ولاية ثانية. وما حصل أخيراً على صعيد ما سُمّي بـ«شبكة جوحي»، التي على أثرها اعتُقل عدد من الموظفين في مكتب السوداني، خلط الأوراق كثيراً داخل المكوّن الشيعي بالدرجة الأولى.

حول هذه المسألة، بالذات، لا علاقة للكرد والعرب السنّة بهذه القصة، التي تتضمّن تسريبات صوتية وتسجيلات تتعلّق بقيادات شيعية. وهو ما عدّه كثيرون بمثابة تهديد للمكانة التي يحتلها موقع رئيس الحكومة في العراق بوصفه المنصب التنفيذي الأول في البلاد. وبغض النظر عن كون التسريبات - التي هي الآن أمام القضاء - محصورة بقيادات شيعية فقط، فإن أي تأثير على موقع رئاسة الحكومة قد يؤثر على مجمل العملية السياسية، وبالتالي يُلحق الضرر بالقوى السياسية من مختلف المكوّنات. وفي هذا السياق، مع أنه لم تظهر نتائج التحقيقات في هذه القضية بعد، تُبذل حالياً مساعٍ مستمرة بين القيادات الشيعية للملمة الأمر ومنع توسّعه؛ لأن من شأن أي تداعيات أخرى لهذا الملف تهديد الحاكمية الشيعية بالدرجة الأولى، التي باتت تعاني الآن أخطر أزمة منذ تولّيها السلطة عام 2003.

صمت الصدر لتاريخه، لم يعلّق مقتدى الصدر على ما حصل خلال الأيام الأخيرة داخل «البيت الشيعي»، الذي يُعد هو وتياره الكبير جزءاً أساسياً منه، حتى وإن لم يعُد جزءاً من كتلة «الإطار التنسيقي» التي شُكّلت بعد انسحاب الصدر أواخر عام 2021. وللعلم، كان «البيت الشيعي» قد مرّ خلال العقدين الماضيين من التغيير في العراق بعدة مراحل على صعيد الوصف الذي يحدّد مكانته داخل العملية السياسية في العراق.

في المرحلة الأولى، بعد تغيير النظام، تشكّل ما سُمّي «البيت الشيعي» الذي برز فيه رئيس «المؤتمر الوطني العراقي» الراحل أحمد الجلبي (تُوفّي عام 2015)، مع أن الجلبي ترأس تجمّعاً سياسياً طابعه العام علماني. غير أن قصة «البيت» لم تستمر طويلاً بعد تراجع أهمية الجلبي، الذي كان يرى دوره هو الأهم على صعيد إقناع الأميركيين بإسقاط نظام صدام حسين؛ ذلك أنه بعد بروز الأحزاب الإسلامية التقليدية، مثل «حزب الدعوة» و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«التيار الصدري» و«بدر» و«عصائب أهل الحق»، بقي الجلبي على الهامش حتى وفاته المفاجئة والغامضة عام 2015. وإثر انتهاء ما سُمّي «البيت الشيعي» الأصلي، شُكّل «الائتلاف العراقي الموحّد» الذي حصد معظم نتائج انتخابات عام 2005، ومن بعده تشكل «التحالف الوطني» الذي انتهى عملياً عام 2018.

ثم، بعد المظاهرات الكبرى، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، انقسمت القوى الشيعية، خصوصاً، بعد صعود «التيار الصدري» وزعيمه مقتدى الصدر، الذي ظل يتصدر نتائج الانتخابات حتى عام 2021؛ إذ حصل على 73 مقعداً. وبعدما انسحب، اضطرت القوى الشيعية إلى تكوين ما يُطلق عليه اليوم «الإطار التنسيقي» كجهة تنسيقية توحّد مواقف القوى الشيعية الرئيسية، وهي عملياً الكتلة البرلمانية الكبرى تمثيلاً التي جاءت برئيس الوزراء الحالي السوداني.

زعيم «التيار الصدري»، الذي يُنظر إليه كقائد لأكبر تيار شيعي، لم يعلن بعد موقفاً واضحاً من إمكانية مشاركته في الانتخابات المبكرة. لكنه عندما أعلن العام الماضي عن تغيير تسمية «التيار الصدري» إلى «التيار الوطني الشيعي»، شعرت القوى السياسية - وفي مقدّمها القوى الشيعية - أنه عائد لا محالة إلى الانتخابات المقبلة المقررة بنهاية عام 2025. لكن الأهم أن الصدر لم يعلّق على أقوى «هزّة» تعرض لها البيت الشيعي الحاكم منذ عام 2003، والتي تمثلت بسلسلة من الفضائح المالية والسياسية غير المتوقعة بالطريقة التي حصلت بها أو تداعياتها المنتظرة.

ومع أن الحراك السياسي خلال السنة قبل الأخيرة من حكم السوداني اتجه نحو الانتخابات، سواء كانت مبكرة أو في موعدها بنهاية العام المقبل - فضلاً عن الجدل حول القانون الانتخابي - فإن القاسم المشترك على صعيد هذا الحراك هو الصدر. وهذا مع أن الصدر، كما سبق، لم يعلن رسمياً اعتزامه المشاركة في الانتخابات، لا هو شخصياً ولا أي من القيادات الصدرية المعروفة.

«الإطار التنسيقي»أما «الإطاريون»، قبيل سلسلة الهزات التي لحقت بهم أخيراً، فكانوا يتسابقون على تقديم ما يبدو «رغبات قوية» في التحالف مع الصدر، وعلى رأسهم «دولة القانون» بزعامة المالكي... الذي يرى أن الخطر الأكبر عليه في الانتخابات المقبلة يأتي من السوداني لا من الشركاء الآخرين في «البيت الشيعي».

وللتذكير، السوداني كان محسوباً على «دولة القانون» و«حزب الدعوة» قبيل انشقاقه عن المالكي، إلا أنه تحوّل الآن إلى رقم صعب بعد النجاحات التي حققها كرئيس للحكومة؛ ولذا تحاول القوى الشيعية المنافسة الحد من قوته بعد ظهور «شبكة جوحي». من جهة أخرى، في حال نسج تحالف بين السوداني والصدر، فإن هذا يعني بروز ائتلاف كبير ولو كان تحت اسم «شيعي»، قد يكرّر تجربة «التحالف الثلاثي» بين الصدر والبارزاني والحلبوسي... الذي فشل بسبب «الثلث المعطّل».

مع هذا، المتغير الأهم على صعيد هذه المسألة أن خطورتها لم تعُد تقتصر على المالكي وائتلافه، بل تشمل كل قوى «الإطار التنسيقي». وبالفعل، اندفعت قيادات «الإطار» إلى البحث عن نقاط خلل في أداء السوداني وتطلعاته، بدءاً بقضية انسحاب القوات الأميركية من العراق، ومروراً بسلسلة من القضايا الأخرى، ووصولاً إلى «سرقة القرن» وهروب نور زهير (المتهم الرئيسي فيها) وتأجيل محاكمته، الأمر الذي عدّته بعض قوى «الإطار» خللاً تتحمل مسؤوليته الحكومة. وهكذا، جاءت قصة التسريبات في مكتب رئيس الحكومة «هدية من السماء» لبعض القيادات الشيعية في «حربها» على السوداني.

هدية خامنئي... وصواريخ بزشكيان

* تتواصل داخل «البيت الشيعي» العراقي مساعي احتواء أزمة التسجيلات التي يمكن أن تضعف القوى الشيعية، بل وتهدد مكانتها في قيادة البلاد. وبالتوازي، عقدت قوى «انتفاضة تشرين عام 2018»، اجتماعاً لها أخيراً بمناسبة قرب ذكرى الانتفاضة، لبحث مسار عملها المستقبلي. وبينما كانت أنظار الجميع تتجه نحو زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى العراق، كأول محطة له بعد تسلمه منصبه، بُذلت وتُبذل محاولات لاحتواء قضية التسريبات أو هروب المتهم الرئيسي بما سُمّي «سرقة القرن»، والاتهامات التي وجّهها رئيس «هيئة النزاهة» حيدر حنون إلى القضاء بتعطيل مسار عمل الهيئة اتخذت سياقات مختلفة. وفي حين سعت قيادات شيعية إلى احتواء الأزمة تماماً والخروج منها بأقل الخسائر، مع الاستمرار في دعم الحكومة ورئيسها محمد شياع السوداني، فإن أطرافاً شيعية أخرى داخل «البيت الشيعي» إما تميل إلى تقليص صلاحيات رئيس الحكومة ورفض منحه ولاية ثانية، أو ترفض أي طروحات لا تذهب باتجاه إقالة السوداني. مع أن شيئاً من ذلك لم يظهر إلى العلن، فهذا ما يدور في الغرف السرية للقيادات الشيعية. وإذا كان بعض هذه القوى ينتظر قرارات القضاء كي يحدد موقفه النهائي، فإن المسار العام للأحداث، طبقاً لكل المؤشرات، يتجه نحو التهدئة، لا سيما عقب الزيارة التي قام بها إلى العراق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. زيارة بزشكيان يراها خصوم السوداني الشيعة أنها تصب في مصلحته، غير أن هذه القيادات أياً كانت مكانتها في العراق لا تستطيع في النهاية التأثير في القرار الإيراني. ومن جانب آخر، لم تخلُ زيارة بزشكيان من مفارقات، منها ما لها دلالات رمزية مهمة والأخرى خطيرة. فمن ناحية، ما إن هبطت طائرة بزشكيان واكتملت مراسم الاستقبال الرسمية، حتى تلقى رئيس الوزراء العراقي هدية نادرة من المرشد الإيراني علي خامنئي حملها إليه الرئيس الإيراني. والهدية هي عبارة عن لوحة مكتوبة باللغة العربية من خامنئي شخصياً يشيد فيها بالجهود التي بذلتها الحكومة العراقية في تأمين زيارة محرم الأخيرة، لا سيما المعاملة الحسنة للزوّار الإيرانيين، وهو ما اعتبره مراقبون بمثابة رضًى إيراني كامل ومن أعلى سلطة (أي سلطة المرشد) عن السوداني. مقابل ذلك، قبيل هبوط طائرة الرئيس الإيراني في مطار بغداد بساعات معدودة، استُهدف موقع دعم لوجستي تابع للسفارة الأميركية في بغداد ضمن المطار نفسه. وأدى ذلك إلى إرباك قوي، وإثارة عشرات التساؤلات حول مَن هو المستفيد من إفشال الزيارة ما دام الرئيس الإيراني قريباً من الفصائل المسلحة. وفي هذا السياق، رأت «كتائب حزب الله» - إحدى أبرز هذه الفصائل - على لسان الناطق باسمها أن الضربة الصاروخية على المطار عشية زيارة بزشكيان تهدف إلى التأثير سلباً على الزيارة، داعية بغداد إلى التحقيق فيما حدث.


مقالات ذات صلة

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

بيئة صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في ‌العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي في بغداد (أ.ف.ب)

الأمن العراقي يتهم صهر صدام بالتخطيط لاغتيال مسؤول بارز

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي أنه «أحبط مخططاً» لاغتيال رئيسه وعدد من الضباط من «خلية معارضة» مرتبطة بصهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

قد يفتح التفاهم الذي أعلنت باكستان التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران نافذة جديدة أمام العراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

هل تخرج حكومة الزيدي من مظلة إيران تدريجياً؟

اتخذت الحكومة العراقية خطوات تشير إلى إعادة تموضع تدريجية في السياسة الخارجية، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول العربية.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عالمية أمير العماري لاعب منتخب العراق (أ.ف.ب)

العراقي أمير العماري: سنظهر للعالم في المونديال قدرتنا على النهوض

تحدّث أمير العماري، لاعب منتخب العراق لكرة القدم، عن عودة منتخب «أسود الرافدين» للمشاركة في كأس العالم بعد غياب دام 40 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.