فيضانات كارثية في وسط وشرق أوروبا جراء العاصفة «بوريس»

TT

فيضانات كارثية في وسط وشرق أوروبا جراء العاصفة «بوريس»

أشخاص ينظرون إلى مياه الفيضان جنوب بولندا من خلف سد بأكياس الرمل (رويترز)
أشخاص ينظرون إلى مياه الفيضان جنوب بولندا من خلف سد بأكياس الرمل (رويترز)

هطلت أمطار غزيرة في أنحاء متعددة من أوروبا، مع وصول العاصفة «بوريس» وسط وشرق أوروبا، مما تسبب في فيضانات هائلة في التشيك وسلوفاكيا وبولندا ورومانيا حيث قضى أربعة أشخاص، وسط استنفار فرق الإغاثة والطوارئ وعمليات إجلاء للسكان.

بولندا

وفاض سد في جنوب غربي بولندا في وقت متأخر من أمس السبت إثر هطول أمطار غزيرة، وذكرت بلدية بيسترزيكا كلودسكو في سيليزيا السفلى إن السد في بلدة ميندزيجوزي فاض، رغم الجهود المبذولة لتصريف المياه ومنع ارتفاعها.

سيدة بولندية ترفع قدمها لتعبر فوق أكياس رمل مخصصة للتصدي للفيضانات جنوب بولندا (أ.ف.ب)

ودفعت فيضانات ضربت جنوب غربي بولندا السلطات إلى إجلاء نحو 1600 شخص، إذ تسبب هطول أمطار غزيرة لأيام في ارتفاع منسوب المياه في الأنهار لمستويات قياسية مما تسبب في فيضانات في العديد من البلدات وأودى بحياة شخص غرقاً. وغمرت المياه جزئياً بلدة كلودسكو التي يبلغ عدد سكانها نحو 25 ألف نسمة.

وقال رئيس الوزراء دونالد توسك، للصحافيين، الأحد، بعد اجتماع مع فريق إدارة الأزمة في بلدة كلودسكو: «الوضع مأسوي للغاية، وهو أكثر مأساوية في منطقة كلودسكو».

وانقطعت الكهرباء عن نحو 17 ألف منزل في المنطقة كما انقطعت اتصالات الهاتف الجوال في بعض المناطق.

وأضاف توسك، وفقاً لوكالة «رويترز»: «أدعو السكان إلى التعاون مع خدمات الإنقاذ في الأماكن التي تصدر فيها أوامر إخلاء».

وأعلنت هيئة إدارة المياه الإقليمية في فروتسواف أن الوضع حرج، مما دفع إلى عمليات إجلاء من البلدات المنخفضة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويبلغ ارتفاع السد، الذي تم بناؤه في بداية القرن العشرين في وادي كوتسكو على حدود بولندا مع جمهورية التشيك، 29 متراً. ويمكن أن يستوعب خزان التحكم في الفيضانات نحو مليون متر مكعب من المياه.

سيدة تنظر من شرفتها بينما تتكدس أسفلها أكياس الرمل للوقاية من الفيضان جنوب بولندا (أ.ف.ب)

ومنذ صباح الجمعة، هطلت الأمطار على جنوب غربي بولندا بصورة أكبر مما كانت عليه خلال ما يسمى بفيضان الألفية في عام 1997 الذي ألحق أضراراً جزئية بالبلدة وأودى بحياة 56 شخصاً على مستوى بولندا. وأعلنت 47 محطة قياس في جميع أنحاء البلاد مستوى الإنذار.

النمسا

وفي النمسا، تم إعلان 42 بلدية مناطق كوارث مع استمرار ارتفاع مستويات الفيضانات في البلاد. واتسم الوضع بالتوتر بشكل خاص على طول نهري كامب وكريمبس، اللذين يصبان في نهر الدانوب.

وقال نائب حاكم النمسا السفلى، ستيفان بيرنكوبف، إنه تم تصميم الدفاعات ضد الفيضانات في المنطقة، والتي تم تعزيزها بعد الفيضانات العارمة في عام 2002، بحيث تتحمل الفيضانات التي تحدث مرة واحدة كل 100 عام بحسب الإحصائيات.

ومع ذلك، ومع توقع استمرار هطول الأمطار الغزيرة، حذر خبراء الأرصاد الجوية من أن الوضع قد يزداد سوءاً.

مياه الفيضان تتدفق في إحدى قنوات نهر النمسا (رويترز)

وقال الخبراء، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن نهر الدانوب يمكن أن يصل إلى مناسيب تظهر مرة كل 30 عاماً في منطقتي فاينفيرتل وموستفيرتل في النمسا.

من جانبه، قال ستيفان بيرنكوف نائب حاكم ولاية النمسا السفلى المحيطة بالعاصمة فيينا، لـ«وكالة الأنباء النمساوية»: «الوضع يزداد سوءاً بسبب الأمطار الغزيرة في أنحاء البلاد».

وحذر نائب حاكم الولاية ستيفان بيرنكوبف من أن «خبراء الهيدرولوجيا يتوقعون هطول أمطار غزيرة للغاية خلال الساعات المقبلة، يصل منسوبها إلى 60 ملم»، مشيراً إلى أنه من الممكن وقوع انهيارات أرضية في بعض المناطق، التي غمرت المياه أراضيها بالكامل.

وفي بعض المناطق بشمال فيينا، انتشلت عناصر من جهاز الإطفاء أشخاصاً حوصروا داخل منازلهم خلال الليل.

توقف حركة القطارات ومترو الأنفاق

وطلبت السلطات أن يغادر الأشخاص في الشوارع الواقعة بالقرب من الأنهار منازلهم في عدة بلديات، وصدرت تعليمات بتعليق عمل خطين لمترو الأنفاق جزئياً كإجراء احترازي.

وتوقفت حركة القطارات ليل السبت - الأحد في بعض أنحاء النمسا، وأغلق مترو فيينا جزئياً بسبب العاصفة «بوريس» التي تضرب وسط وشرق أوروبا.

أشخاص ينظفون قاعة كنيسة في بلدة بيكيا في رومانيا بعدما دخلتها مياه الفيضانات (أ.ف.ب)

وقالت شركة السكك الحديد الوطنية النمساوية، في بيان، الأحد: «بسبب الفيضانات، توقفت حركة القطارات على الخط الغربي بين أمستيتن وسانت فالنتان منذ الساعة 1:15 الأحد».

وتم تسيير حافلات بديلة منذ السادسة صباحاً (4:00 ت غ) الأحد، على هذا الخط، الأكثر ازدحاماً في البلاد، والذي يربط العاصمة فيينا بألمانيا.

وأُغلقت محطة مدينة ميلك حيث يقع دير مدرج على لائحة «اليونيسكو» للتراث العالمي، في منطقة فاخاو السياحية، بسبب الفيضانات. ولا تتوقع الشركة المشغلة أي تحسّن قبل مساء الاثنين.

وفي العاصمة، تعطلت الخدمة بشكل جزئي حتى إشعار آخر على خطين لقطار الأنفاق قرب من نهر فيينا المهدد بالفيضان، بحسب «وكالة الأنباء المحلية».

وصنفت منطقة النمسا السفلى (شمال شرق)، الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد بعد فيينا مع 1.72 مليون نسمة، بأنها منطقة كوارث طبيعية.

أشخاص يقفون على ضفة نهر في بلدة يسنيك حيث تتدفق مياه الفيضانات في التشيك (رويترز)

تم تنفيذ ما يناهز 5 آلاف عملية تدخل خلال الليل في النمسا السفلى حيث لا يزال السكان عالقين في منازلهم.

التشيك

وأغلق نحو 40 خط سكك حديدية، في جمهورية التشيك، حيث تم إغلاق العديد من الخطوط في منطقة جيسينيكو.

وقال مارتن كافكا، المتحدث باسم رجال الإطفاء بإدارة السكك الحديدية إن الفيضانات أوقفت الحركة في ممر السكك الحديدية الرئيسي بين براغ وأوسترافا، حسب إذاعة براغ، اليوم الأحد.

وتم إغلاق بعض خطوط السكك الحديدية كإجراء احترازي، بينما تضررت خطوط أخرى، بسبب الفيضانات أو الأشجار المتساقطة. ويقوم العمال في منطقة جيسينيكو بفحص الخطوط المغلقة لاستعادة الخدمة. ونصح مارتن كافكا المواطنين بعدم السفر غير الضروري، مع استمرار الاضطرابات.

أحد عناصر الشرطة يقف بجوار مفترق طرق غمرته مياه الفيضان في التشيك (د.ب.أ)

وكان عمدة مدينة تشيسكي تشين التشيكية الواقعة على الحدود البولندية-التشيكية، قد أمر بإجلاء عدة آلاف من السكان من وسط المدينة خلال الليل، حيث هدد نهر أولزا، أحد روافد نهر أودر، بالفيضان على ضفتيه.

وفي مدينة أوبافا، الواقعة على نهر أوبافا، غادر آلاف الأشخاص منازلهم في وقت سابق جراء خطر حدوث فيضانات عارمة.

سيارة تتبع قسم الإطفاء في التشيك تمر عبر طريق تغمره مياه الفيضانات (د.ب.أ)

ومن بين المناطق المتضررة أكبر مجمع سكني شاهق في المدينة. كما تم نقل الأشخاص إلى بر الأمان في بلدة كرنوف وبلدات أخرى.

رومانيا

وفي رومانيا، لقي أربعة أشخاص على الأقل حتفهم، السبت، بعدما ضربت البلاد أمطار غزيرة وفيضانات.


مقالات ذات صلة

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)
آسيا أفراد من الجيش النيبالي يعملون على بناء جسر من الحديد في المنطقة المنكوبة (رويترز)

فرق الإنقاذ تواصل البحث عن ناجين بعد أكثر من 10 أيام على الفيضانات

تواصل فرق الإنقاذ النيبالية البحث عن ناجين في أنفاق بشمال البلاد بعد عثورها أمس الجمعة على عاملَين كانا عالقَين فيها منذ الفيضانات المدمرة في 26 أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (كاتماندو)
آسيا خلال نقل عامل تم إنقاذه من نفق تريشولي الكهرومائي في مقاطعة راسوا إلى قاعدة تريشولي الجوية بواسطة الجيش النيبالي خلال عمليات الإنقاذ في نُواكوت - نيبال 4 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

انتشال عاملين أحياء من نفق في النيبال بعد أكثر من أسبوع على الفيضانات

انتشلت فرق الإنقاذ الجمعة عاملَيْن على قيد الحياة كانا محاصرين في نفق طمرته الوحول والركام في شمال النيبال بعد أكثر من أسبوع على الفيضانات التي اجتاحت المنطقة.

«الشرق الأوسط» (كاتماندو)
آسيا فريق إنقاذ يبحث عن ناجين بالمناطق المحيطة بنهر تريشولي في نيبال يوم 3 سبتمبر (رويترز)

كارثة نيبال تعزل مناطق منكوبة وتعرقل جهود الإغاثة

وصف وزير خارجية نيبال شيشير خانال كارثة الفيضانات بأنها «تسونامي في الهيمالايا»

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا رجل يرثي أحد ضحايا الفيضانات في شيتوان بنيبال يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

حصيلة قتلى فيضانات جبال الهيمالايا تتجاوز الألف

لا يزال نحو 4500 شخص في عداد المفقودين بعد اجتياح موجة هائلة من المياه الشديدة البرودة والصخور والحطام عدداً كبيراً من القرى والبلدات، متسببة في محوها بالكامل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
TT

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)

حصل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، على 99.85 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بجمهورية الشيشان الروسية الواقعة في منطقة شمال القوقاز.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، الاثنين، أن النسبة التي أعلنتها لجنة الانتخابات جاءت أعلى حتى من النسبة المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2021، التي بلغت 99.73 في المائة.

ويحكم قديروف منطقة الشيشان المضطربة بقبضة حديدية منذ أكثر من 20 عاماً، بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووثق نشطاء في مجال الحقوق المدنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات قتل استهدفت منتقدي النظام.

في الوقت نفسه، تتردد تقارير تزعم أن قديروف يعاني أمراضاً خطيرة، بينما يسعى علناً إلى تهيئة ابنه آدم، البالغ من العمر 18 عاماً، ليكون خليفة «محتملاً» له.

وجاء صعود قديروف إلى السلطة عقب مقتل والده أحمد قديروف في تفجير عام 2004 نفذه متمردون عدّوه منقلباً عليهم.


«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
TT

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

لم تحمل نتائج الانتخابات العامة في روسيا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية في روسيا. ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال عالية للغاية رغم تأثيرات الحرب وتداعياتها في كل المدن الروسية تقريباً، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي تجديداً كاملاً للولاء وتأييد سياساته بعد مرور عامين على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد للبلاد.

ودلت النتائج الأولية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية، صباح الاثنين، إلى أن الحزب الحاكم وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة الأخرى التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربح تصويتاً شعبياً على خياراته السياسية (أ.ف.ب)

سيطرة مطلقة

بهذه النتائج، التي ينتظر أن تُعلن رسمياً في 25 سبتمبر (أيلول) حصد حزب «روسيا الموحدة» رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأخرى التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

ومن المتوقع، وفقاً للنتائج المعلنة، أن يحصد الحزب الشيوعي الذي حل في المرتبة الثانية 40 مقعداً، يليه الحزب الليبرالي الديمقراطي 25 مقعداً، وحزب «الشعب الجديد» 20 مقعداً، ثم حزبا «روسيا العادلة» 4 مقاعد، و«رودينا» (الوطن) بمقعد واحد. واللافت، أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق؛ ما دل إلى أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار. وقد حصل حزب روسيا الموحدة على 57.8 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف خلال مؤتمر صحافي في موسكو الاثنين (أ.ب)

إقبال قياسي

لكن النسب المعلنة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ اذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها إلى حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خياري: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات. ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

وأكدت ايلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات أن الحملة الانتخابية «جرت بأقصى قدر من النزاهة، رغم كل التحديات».

وأشارت إلى مشاركة أكثر من 336 ألف مراقب، من بينهم مراقبون من دول أخرى، في مراكز الاقتراع.

وقالت إنه لم تُسجّل أي حالة إبطال لنتائج التصويت.

علماً بأنه مع غياب المراقبين الغربيين، فقد أشرف على الانتخابات ممثلون عن 12 مؤسسة إقليمية في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

مراسلون وصحافيون يعملون داخل المقر الرئيسي للجنة الانتخابات المركزية بعد إغلاق مراكز الاقتراع في موسكو الأحد (أ.ف.ب)

وقالت بامفيلوفا: «الأمر المثير للدهشة، ورغم كل التحديات والتهديدات والصعوبات والتضحيات، وللأسف، الخسائر البشرية التي تكبدناها، فقد جرت الحملة بأقصى قدر من النزاهة والهدوء».

وأشارت إلى أن التصويت «كان من أصعب الانتخابات بسبب الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة». وشكرت بامفيلوفا أجهزة إنفاذ القانون والخدمات الأمنية على ضمان الأمن. مؤكدة أن مسار هذه الحملة الانتخابية «يُسهم في تعزيز روسيا وتمكينها وتنميتها».

انتخابات تحت النار

وكان اليوم الثالث للانتخابات جرى بشكل متوتر جداً؛ بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات؛ ما أسفر عن مقتل شخصين واندلاع حريق في مصفاة للنفط.

مركز تجاري أصيب بهجوم روسي خلال الليل بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الاثنين (إ.ب.أ)

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق» و«خُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح»، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت أكثر من 1600 مسيّرة، بينها «450 كانت متجهة نحو موسكو».

في المقابل، أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات. وقال: «كان لعملياتنا البعيدة المدى تأثير كبير جداً في منطقة موسكو الليلة الماضية»، مؤكداً استخدام نحو عشرة أنواع مختلفة من الأسلحة. وأعلن زيلينسكي أنه اتفق مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على عقد لقاء في نيويورك، وذلك عقب محادثة هاتفية جرت بينهما الأحد.

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت «أكثر من ألف» موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت «البنية التحتية للاتصالات في روسيا عموماً». وقالت بامفيلوفا إن «الهجمات نفذتها مجموعات محترفة للغاية ومنسقة بشكل جيد تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي»، مشيرة إلى محاولات تحمل «مؤشرات إلى تدخل أوكراني».

شرطيان أمام مبنى سكني أصيب بهجوم طائرة مسيَّرة روسية خلال الليل في مدينة زابوريجيا الأوكرانية الاثنين (رويترز)

استعدادات للمفاوضات

وفي أول رسالة سياسية بعد الانتخابات، واستباقاً للقاء ترمب مع زيلينسكي، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أمل موسكو في العودة إلى المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا.

وقال بيسكوف في تصريحات صحافية، الاثنين: «نحن منفتحون على استئناف المفاوضات الثلاثية. صحيح، نحن نواصل العملية العسكرية الخاصة، وعسكريونا يعملون لتحقيق الأهداف المنشودة. لكننا نأمل في أن نتوصل في النهاية إلى استئناف المفاوضات الثلاثية». وأضاف: «سنقوم بمحاولة أخرى لتحقيق أهدافنا بالوسائل السلمية».

لكنه تجنب في الوقت ذاته التعبير عن تفاؤل بنجاح الجهود الأميركية، وعندما سُئل عن الفرص الحقيقية لتحقيق اختراق سياسي قريباً يطلق جولات تفاوض جديدة قال: «لا، لا يوجد أي تقدم (بهذا الشأن حالياً)».

وفي وقت سابق، صرح جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، أن اللقاءات التي أجراها والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو وكييف منحت الولايات المتحدة تصوراً واضحاً للمسار الذي قد يقود إلى تسوية طويلة الأمد للنزاع، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات أثمرت أفكاراً جديدة يمكن طرحها خلال لقاء ثلاثي يعقد قريباً.


قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وسط تقديرات بأن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا، في حين حذّر مسؤولون آخرون من المبالغة في الحديث عن هجوم وشيك.

وتأتي التحذيرات بعدما أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك البرلمان بأن تقديرات استخباراتية تشير إلى احتمال شن روسيا هجوماً بطائرات مسيّرة أو صواريخ على أراضي «ناتو» خلال الأشهر المقبلة، في محاولة لإثبات أن «المادة الخامسة نظرية أكثر منها عملية». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه التحذيرات بأنها «سليمة وموثَّقة جيداً».

وفي مقابلات أجرتها صحيفة «الغارديان» مع ثلاثة من قادة أجهزة الاستخبارات الأوروبية، قال ميخال كوديلكا، رئيس جهاز الأمن والمعلومات التشيكي، إن التحركات الروسية المحتملة قد تشمل زيادة نشاط المسيّرات أو توغلاً محدوداً داخل أراضي دولة عضو في «ناتو» تُتاخم روسيا.

وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل «توغلاً محدوداً، أو استفزازات تحت راية زائفة، أو حملة تأثير واسعة النطاق»، مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال «أشهر لا سنوات».

في المقابل، أبدى مسؤولون في دول البلطيق حذراً أكبر إزاء احتمال وقوع هجوم قريب. وقال نورموندس ميجفيتس، المدير العام لجهاز أمن الدولة في لاتفيا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لكنه أقرّ بوجود دلائل على أن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا.

وأوضح أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى روسيا خطط مباشرة ومحددة، أم أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لنشر الخوف وعدم اليقين في المجتمعات الغربية.

ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ تتهم أجهزة استخبارات غربية موسكو بتنفيذ حملة تخريب في دول داعمة لأوكرانيا، إلى جانب عمليات يُعتقد أنها تهدف إلى اختبار حدود رد فعل «ناتو».

ووصف كوديلكا النهج الروسي بأنه «التصعيد من أجل خفض التصعيد»، عادَّاً أن موسكو تسعى إلى الضغط على نقاط الضعف في المجتمعات الغربية وتقليص دعمها لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، لا ترى أجهزة استخبارات أوروبية مؤشرات على استعداد موسكو للدخول في مفاوضات سلام جدية بشأن أوكرانيا. وقال توماس نيلسون، رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي: «لم أرَ أي مؤشرات على وجود تفكير جدي في موسكو بشأن مفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واتفق مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثت إليهم الصحيفة على أن عمليات التخريب الروسية في أوروبا قد تتصاعد، مع انتقالها من عمليات عشوائية تهدف إلى إثارة الذعر إلى استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا.

وقال ميجفيتس إن هذه الأهداف تشمل البنية التحتية للسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا، مع تحول متزايد نحو الصناعات الدفاعية.

ويرى المسؤولون أن هذه الأنشطة تهدف، إلى جانب إلحاق أضرار مادية، إلى تقليص الدعم لأوكرانيا وإحداث انقسامات داخل «ناتو» وإثارة القلق في المجتمعات الأوروبية، فضلاً عن استنزاف موارد أجهزة الاستخبارات عبر إجبارها على التعامل مع كل حريق أو عطل بوصفه تهديداً محتملاً.