مصادر لـ«الشرق الأوسط»: لا تأثير لانسحاب المقداد أثناء كلمة فيدان على التطبيع مع دمشق

تقرير أممي: تركيا والفصائل الموالية لها ترتكب انتهاكات في سوريا

وزير الخارجية السوري فيصل المقداد انسحب خلال إلقاء وزير الخارجية هاكان فيدان كلمته في اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
وزير الخارجية السوري فيصل المقداد انسحب خلال إلقاء وزير الخارجية هاكان فيدان كلمته في اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: لا تأثير لانسحاب المقداد أثناء كلمة فيدان على التطبيع مع دمشق

وزير الخارجية السوري فيصل المقداد انسحب خلال إلقاء وزير الخارجية هاكان فيدان كلمته في اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
وزير الخارجية السوري فيصل المقداد انسحب خلال إلقاء وزير الخارجية هاكان فيدان كلمته في اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة الثلاثاء (الخارجية التركية)

تجاهلت تركيا التعليق على مغادرة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد قاعة اجتماع وزراء الخارجية العرب في دورته العادية 162، الثلاثاء، أثناء إلقاء وزير خارجيتها هاكان فيدان كلمته، خلال الاجتماع الذي عادت إليه تركيا بعد غياب 13 عاماً.

ولم يصدر أي تعليق رسمي عن أنقرة، كما لم تتطرق وسائل الإعلام القريبة من الحكومة إلى الواقعة، وأعطت إشارة سلبية جديدة من جانب دمشق تجاه الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات مع تركيا.

أيضاً لم تتوقف وسائل الإعلام غير الموالية للحكومة التركية كثيراً عند الحدث الذي نقلته عن وسائل إعلام أجنبية.

وعلّق وزير الخارجية التركي الأسبق، علي باباجان، الذي يتولى حالياً رئاسة حزب «الديمقراطية والتقدم» المُعارض، على الواقعة خلال مقابلة تلفريونية، الأربعاء، قائلاً: «إن إعادة العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها يستلزم تمهيد الأرضية لذلك».

وأضاف باباجان: «سوريا الآن دولة مجزّأة، وهناك قوى كثيرة على الأرض، فالولايات المتحدة لها وجود وسيطرة في شمال شرقي سوريا، وروسيا تشكّل القوة التي دعمت الرئيس السوري بشار الأسد، وجعلته قادراً على الصمود حتى الآن، وهناك إيران أيضاً، وكذلك يمكن أن يلعب العراق دوراً، ولا بد لتركيا من التواصل مع جميع هذه الأطراف، من أجل تهيئة المناخ الملائم لعودة العلاقات مع دمشق، وهو أمر سيستغرق وقتاً».

وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يغادر اجتماع وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة (رويترز)

وعَدَّ باباجان مغادرة المقداد، ليُقلّل من تمثيل الوفد السوري خلال إلقاء فيدان كلمته، تعبيراً عن رفض دمشق مشاركة تركيا في الاجتماع، على الرغم من أن مشاركة وزير الخارجية التركي يفترض أنها تمّت بعد موافقة جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية على حضوره الاجتماع.

وفي تصريحات قبل الاجتماع، أعطى المقداد رسائل متناقضة؛ إذ رحّب، السبت، بتصريحات للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اقترح فيها تشكيل محور من تركيا ومصر وسوريا في مواجهة المشاريع التوسّعية لإسرائيل بالمنطقة، قائلاً إنه يأمل أن «تتحقّق تصريحات الرئيس التركي، وأن تكون هذه رغبة تركية صادقة وحقيقية».

وزير الخارجية التركي أثناء إلقاء كلمته بالجامعة العربية الثلاثاء (الخارجية التركية)

وفي الوقت ذاته، جدّد التمسك بمطالب دمشق بشأن تطبيع العلاقات مع أنقرة، قائلاً: «إذا أرادت تركيا أن تكون هناك خطوات جديدة في التعاون السوري – التركي، وأن تعود العلاقات إلى طبيعتها، فعليها الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلّتها في شمال سوريا وغرب العراق».

وأضفى انسحاب المقداد مزيداً من الغموض حول موقف دمشق من الجهود التي تقودها روسيا؛ لإعادة العلاقات التركية السورية إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 2011، التي يبدو أنها باتت أقرب من أي وقت مضى لتحقيق نتائج ملموسة خلال الفترة المقبلة.

وقالت مصادر دبلوماسية تركية لـ«الشرق الأوسط»، إن أنقرة عازمة على المضي قُدماً في استعادة علاقاتها بدمشق، مستبعِدة أن يكون لموقف المقداد في الجامعة العربية تأثير كبير على مسار تطبيع العلاقات.

أطفال أمام خيمة في مخيم للنازحين ضرّه هطول أمطار شديد بإدلب يناير 2023 (د.ب.أ)

انتهاكات متعدّدة

في شأن متصل، حذَّر تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، من اشتداد حدة القتال على عديد من خطوط جبهات النزاع السوري، في منطقة تعيش على وقع المخاوف من حرب واسعة النطاق.

كما حذّرت من أن سوريا تنزلق أكثر باتجاه أزمة إنسانية مقلقة تهدّد بأن تصبح خارج السيطرة، وخلال السنة الحالية لم يتم تمويل سوى ربع الاحتياجات الإنسانية التي بلغت أعلى مستوى لها منذ بدء النزاع، حيث يواجه 13 مليون سوري حالة حادة لانعدام الأمن الغذائي، ويُظهر أكثر من 650 ألف طفل علامات تدل على توقف النمو، الناجم عن سوء التغذية الحادّ.

ووثّقت اللجنة قوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في أنحاء سوريا، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري» الموالي لأنقرة، حيث يُستهدَف المدنيون، وتكثفت العمليات العسكرية والهجمات ضد المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي دمّرت البنية التحتية في المنطقة، وتركت السكان المحليين في وضع صعب.

وحسب التقرير، تسبّبت الهجمات المتزايدة للفصائل المدعومة من تركيا، في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ويونيو (حزيران) 2023، بالمناطق التي يعيش فيها الأكراد بكثافة، في مقتل مدنيين، وخلقت تهديداً أمنياً خطيراً.

مسيّرات تركية قصفت محطة الكهرباء في الدرباسية شمال الحسكة (منصة «إكس»)

وفي إشارة إلى أن القوات التركية نفّذت عديداً من العمليات ضد «قسد» في شمال شرقي سوريا، قالت اللجنة إنها اطّلعت على الغارات الجوية التي استهدفت توربينات محطة كهرباء السويدية، وبعض المرافق الصحية بالحسكة في يناير الماضي.

وقال بينهيرو، خلال اجتماع للجنة في جنيف، ليل الثلاثاء - الأربعاء، لاستعراض التقرير، إن سوريا تشهد «موجات جديدة من الأعمال العدائية». وأشار بينهيرو إلى أحدث قتال في شمال شرقي سوريا بين «قسد» المدعومة أميركياً، والقوات الحكومية والقبائل العربية والميليشيات المدعومة من إيران.

قوات من «قسد» في شمال شرقي سوريا (إكس)

في جهة أخرى، أشار التقرير لاستخدام القوات الحكومية السورية ذخائر عنقودية محظورة دولياً في شمال غربي البلاد، ما أسفر عن مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 150 شخصاً، نصفهم من النساء والأطفال، وتقول اللجنة إن هذه الأعمال ترقى لأن تكون جرائم حرب.

النساء وأطفالهن في مخيم روج لعائلات «داعش» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

وتتهم اللجنةُ، الحكومةَ السورية بتعذيب السجناء، كما أنها تَدِين حقيقة أن «قوات سوريا الديمقراطية» التي تقودها ميليشيات كردية، تحتجز نحو 30 ألفاً من القُصّر في معسكرات منذ أعوام عدة في أحوال سيئة؛ لأنها تعتقد بأن آباءهم يدعمون تنظيم «داعش».

توتر «قسد» والفصائل

وفي سياق متصل، استهدفت «قسد»، الأربعاء، قاعدة «المكسورة» التركية في ريف تل أبيض الغربي بـ4 صواريخ، ما دفع «الجيش الوطني» الموالي لتركيا إلى إعلان حالة استنفار كامل، حسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

كما نفّذت فصائل «الجيش الوطني» عملية تسلّل، ليل الثلاثاء - الأربعاء، على محور في قرية الجات بريف منبج، ضمن مناطق سيطرة قوات «مجلس منبج العسكري» شرقي حلب.

وعلى أثر ذلك، اندلعت اشتباكات مسلحة بين الطرفين، ما أسفر عن خسائر بشرية في الجانبين.


مقالات ذات صلة

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

المشرق العربي عنصر من الأمن الداخلي مع عنصر من «قسد» يحرسان وفداً من الداخلية السورية وصل إلى مطار القامشلي الدولي شرق سوريا يوم الأحد (أ.ب)

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

هل سيطبق الاندماج بين «قوات سوريا الديمقراطية» ومؤسسات الدولة السورية بسلاسة أم سيعوقه عائق؟ وهل ستتخلى «قسد» فعلاً عن سلطة خبرتها لأكثر من عشر سنوات من النفوذ؟

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي إحدى آبار النفط في حقل «العمر» النفطي بريف محافظة دير الزور بسوريا (إ.ب.أ)

الحكومة السورية تتسلم حقل «الرميلان» وتتعهد بأن نفط سوريا للجميع

باشرت الحكومة السورية، الاثنين، إجراءات تسلم حقل الرميلان بالحسكة شمال شرقي سوريا، رسمياً، بعد تسلم مطار القامشلي، الأحد، وفق الخطة التنفيذية للاتفاق مع «قسد».

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من «قسد» في القامشلي (أ.ب)

قائد الأمن الداخلي في الحسكة يصل إلى مطار القامشلي تمهيداً لتسلُّمه من «قسد»

أفادت مديرية إعلام الحسكة، اليوم (الأحد)، بأن وفداً حكومياً بقيادة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، وصل إلى مطار القامشلي، تمهيداً لتسلُّمه من «قسد».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

وجه المحافظ الجديد للحسكة خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.