الصومال وخريطة التأثير والنفوذ... «كنز استراتيجي» تحيط به «التوترات»

شرطي صومالي يستعد لتفجير محكوم للألغام المستردة على مشارف مقديشو (رويترز)
شرطي صومالي يستعد لتفجير محكوم للألغام المستردة على مشارف مقديشو (رويترز)
TT

الصومال وخريطة التأثير والنفوذ... «كنز استراتيجي» تحيط به «التوترات»

شرطي صومالي يستعد لتفجير محكوم للألغام المستردة على مشارف مقديشو (رويترز)
شرطي صومالي يستعد لتفجير محكوم للألغام المستردة على مشارف مقديشو (رويترز)

بات الصومال محوراً لاهتمام وسائل الإعلام الدولية في الآونة الأخيرة، لا سيما بداية العام مع رفضه توقيع الجارة الغربية إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم انفصالي لديه، انتهاء بأنباء وصول قوات مصرية لمقديشو ضمن اتفاق دفاعي وقوات حفظ سلام، تحفظت عليه أديس أبابا التي لها خلافات مع القاهرة في الملف المائي.

وبالعودة لخريطة الصومال وموقعه الجغرافي، وتاريخه الذي تحاصره عقود من الاستعمار والحروب الأهلية، يقول خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إنه بمثابة «كنز استراتيجي» أغرى فاعلين محليين بينهم حركة «الشباب» الإرهابية، ودول جوار أفريقية وأخرى إقليمية، بتشكيل خريطة تأثير ونفوذ، متوقعين أن تتحول مقديشو وفق المتغيرات الجديدة للتواجد لساحة تجاذبات وتوترات «قد تصل لصدامات وحروب بالوكالة».

الأهمية

تأتي أهمية الصومال من موقعه الجغرافي الذي يعد «استراتيجياً وبوابة رئيسية لمنطقة القرن الأفريقي، يقع عند التقاء البحر الأحمر ومنطقة المحيط الهندي وخليج عدن ويقترب من مضيق باب المندب ملتقى آسيا وأفريقيا وله دور محوري بتسهيل طرق الشحن البحري الدولي بين أوروبا وآسيا بجانب تمتعه بساحل على مسافة 3333 كيلومتراً، يعد الأطول بأفريقيا بخلاف وفرة من الاحتياطات والموارد غير المستغلة لا سيما النفط والغاز»، وفق معلومات الخارجية الصومالية، عبر موقعها الإلكتروني.

شرطي صومالي خلال احتجاجات ضد صفقة ميناء إثيوبيا-أرض الصومال في مقديشو (رويترز)

وبحسب مدير مركز شرق أفريقيا للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، عبد الله إبراهيم، فإن الصومال في «موقع جغرافي استراتيجي حاسم يوفر رابطاً بحرياً سريعاً بين المنطقة الأورومتوسطية والشرق الأوسط وشرق أفريقيا والمحيط الهندي».

وفي الوقت الحالي، فإن ما يقدر بنحو 10 في المائة من التجارة العالمية بما في ذلك أكثر من 6 ملايين برميل من النفط يومياً تمر عبر شواطئ الصومال، وهذا يجعل المنطقة «مركزاً جيواستراتيجياً رئيسياً» للدول في جميع أنحاء العالم، بحسب إبراهيم.

يتفق معه الباحث في شؤون القرن الأفريقي، عبد القادر كاوير، بأن الموقع الاستراتيجي ذا الساحل الكبير للصومال وتأثيراته على التجارة العالمية والموارد الغنية غير المستغلة التي يختزنها بين غاز ونفط وذهب عززت أهمية الدولة الأفريقية وبات هناك «تطلع تواجد إقليمي ودولي للاستفادة منها».

نظام الحكم

تأسس الصومال، في يوليو (تموز) 1960، عقب نيل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، واعتمد أول دستور عام 1961، وهو عضو مؤسس في الاتحاد الأفريقي، وعضو بمنظمة التعاون الإسلامي منذ 1969، وبجامعة الدول العربية منذ 1974.

نظام الحكم في الصومال، حسب إبراهيم، فيدرالي مكون من 6 ولايات وهي جوبالاند، بونتلاند، وجلمدك، وهيرشبيلى، وجنوب غربي الصومال، والعاصمة مقديشو، تدير شؤون نفسها، أما الحكومة الفيدرالية فدورها في السياسة الخارجية والنظام المالي والدفاع.

بالصومال 103 أحزاب أغلبها غير مؤثر ومبنية على القبلية وسط نظام حزبي غير مكتمل ووسط مساعٍ من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ساهمت في قصرها على 3 أحزاب فقط لتكون فاعلة.

ولا توجد أحزاب بالشكل المتعارف عليه، وفق الباحث الصومالي، محمد ابتدون، فلا مقرات ولا أنشطة إلا في فترة الانتخابات، وأبرز تلك الأحزاب حالياً، حزب السلام والتنمية الحاكم برئاسة الرئيس الحالي، وحزب هملو برئاسة الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، وحزب نبد ونلل برئاسة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مكتبه في مقديشو (رويترز)

نظام الحكم القائم في الصومال منذ 2000 برلماني معقد وفق «كاوير»، يختار فيه مندوبون من القبائل أعضاء البرلمان الذين بدورهم يختارون الرئيس لاحقاً، وهذا تم تغييره في مارس (آذار) 2024 بإجازة التحول للنظام الرئاسي بالاختيار المباشر من الناخبين، واعتماد تكوين 3 أحزاب رئيسية بالبلاد، و«سوف ننظر لأي مدى ينجح هذا النظام في تغيير الخريطة السياسية في الصومال».

إقليم انفصالي

بخلاف الولايات الست، هناك إقليم أرض الصومال الانفصالي، الممتد على ساحل خليج عدن، عاصمته هرغيسا، والذي انفصل عن الصومال في 1991 عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق سياد بري، ولا يحمل أي اعتراف دولي، ولم تحسم مفاوضات في 2020 مع مقديشو أي بادرة منه للتوحد.

زاد التوتر بين مقديشو وهرغيسا في مطلع 2024 عقب توقيع الأخيرة مع إثيوبيا مذكرة تفاهم تستخدم أديس أبابا بمقتضاها أحد موانئ الإقليم المطل على البحر الأحمر لمدة 50 عاماً، وقوبلت المذكرة بإصدار الصومال قانوناً يلغي المذكرة، ودعمت الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية سلامة أراضي الصومال.

وبحسب كاوير، فإن الإقليم الانفصالي أحياناً يستخدم كـ«ورقة ضغط» من جانب إثيوبيا وقوى خارجية من الفاعلين على مقديشو.

ووفق محمد ابتدون، لا تريد هرغيسا الاستجابة لجهود التوحد و«صارت منقلبة سياسياً» بعد توقيع المذكرة، موضحاً أن الفترة المقبلة ستشهد انتخابات رئاسية في هذا الإقليم قد تحمل بوادر تغيير للرئيس الحالي موسى بيهي عبدي الذي يشغل منصبه منذ ديسمبر (كانون الأول) 2017، لافتاً إلى أن ذلك يعني إمكانية انتهاء أثر تلك المذكرة بتغييره، أو يشهد ذلك الإقليم أزمات أمنية إن لم يحدث ذلك.

أعضاء البرلمان الصومالي يرفعون أيديهم للتصويت على قرار بشأن القواعد الإجرائية للتغييرات الدستورية في مقديشو يناير الماضي (رويترز)

وبحسب عبد الله إبراهيم، «تعيش أرض الصومال تفككاً» مع توجه بعض مدنها للتمتع بدعم الحكومة الفيدرالية كولاية خاتمة تندرج من قبيلة هرتي، موضحاً أن «هذا التفكك دفع الانفصاليين للاستشعار بأنه ليس لهم تأثير في البلاد لذا بدأوا مناقشة مع إثيوبيا حول صيغة منفذ بحري مقابل الاعتراف».

التأثير والنفوذ

كون الصومال دولة لها تواجد عربي وأفريقي، جعلها بحسب كاوير «محل تجاذبات استراتيجية وصراع بين الفاعلين والمؤثرين داخلياً وأفريقياً وإقليمياً»، وكانت البداية عقب انهيار نظام سياد بري في 1991، ودخولها حرباً أهلية، مما شكل خريطة تأثير ونفوذ.

وبحسب الباحث إبراهيم، ينشط حالياً عدد كبير من اللاعبين الخارجيين في الصومال، منها القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة (مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، بالإضافة إلى الوافدين الجدد نسبياً القادمين من الشرق الأوسط. (مثل تركيا)، إضافة إلى آسيا (مثل اليابان والصين)، وأيضاً الولايات المتحدة.

وانضمت مصر مؤخراً مع أنها كانت أقرب دولة صديقة للصومال ويعتبر الدور المصري الجديد في الصومال «إيجابياً» دعماً لاستقراره الأمني والسياسي وحفاظاً لسيادته، بخلاف مؤثرين إقليميين من مجموعة شرق أفريقيا، وفق إبراهيم.

ووفق مدير مركز شرق أفريقيا للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، فإن دور الاتحاد الأفريقي يقف عند حفظ السلام، بينما لا تزال حركة الشباب قادرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق في الصومال والدول المجاورة مما يجعلها فاعلاً داخلياً يمثل تهديداً صامداً ومزعزعاً للاستقرار في الصومال.

التصويت خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الصومالية في مايو 2022 (رويترز)

المستقبل

كاوير يرى أن «التقاطعات الإقليمية لها أهمية كبيرة في تحديد مستقبل الصومال في ضوء تطورات المعطى الجديد المرتبطة بمذكرة التفاهم التي دفعت مقديشو للبحث عن حلفاء إقليميين جدد».

وباعتقاد كاوير، فإن الاتفاقات التي أغلبها دفاعية مع الولايات المتحدة وتركيا ومصر «قد تزيد من حدة التوتر بالصومال، وقد تؤدي لحروب بالوكالة، ونشاط إضافي لحركة الشباب استغلالاً لتلك التطورات، وتقارب منها مع الحوثيين باليمن».

ورجح إبراهيم استمرار الخلافات بين العدوين التقليديين إثيوبيا والصومال، وحذر من نشوب حرب، مؤكداً أن «الدور المصري الجديد سيشجع الصومال في معارضة الأطماع الإثيوبية»، ويتوقع الباحث ابتدون أن تتجه منطقة القرن الأفريقي إلى أزمات مع التموضع المصري الجديد والذي يواجه برفض إثيوبي.


مقالات ذات صلة

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

شمال افريقيا من العاصمة الصومالية مقديشو (رويترز)

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

أثارت خريطة جديدة طرحها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، استياء واسعاً في الصومال الذي قال إنها مست وحدته وسيادته.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

تتواصل التحركات الإريترية الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارة إريتريا في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية الإريترية في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

تصعيد آبي أحمد ضد إريتريا... تهديد للردع أم بداية مواجهة طويلة؟

برزت لهجة تصعيد إثيوبية جديدة تجاه أسمرة، بعد نحو شهر من اتهامات البلدين بشأن المواجهات في إقليم تيغراي، تضمنت توعدها بـ«مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة».

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.