اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته بشأن الملء والتشغيل منذ 2024، وسط تصاعد التوترات بين البلدين.
الاتهامات المصرية المتجدِّدة، انعكاس لحالة «الجمود والتعنت» التي تبديها أديس أبابا تجاه ملف السد الذي يحمل «مخاوف كبيرة على حصة مصر المائية المقدَّرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب»، بحسب ما يراه خبراء في الشأن الأفريقي، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين سيناريوهات عدة، منها العودة للمفاوضات.
وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، وتقرَّر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تمَّ تجميدها مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.
اتهامات مصرية
وفي جلسة «منتدى مصر 2026» الحواري الأربعاء، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إن «قضية الأمن المائي وجودية، وأنه لا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف، ونحن نطلب فقط تطبيق قواعد القانون الدولي».
وبالجلسة ذاتها، أشار وزير الري المصري، هاني سويلم، إلى «جهود مصرية بُذلت في فترات سابقة لتأمين الدولة المصرية من مخاطر السد الإثيوبي وآثار أي إجراءات أحادية قد تتُخذ، وتم إنشاء محطات لمعالجة المياه، ومشروعات مختلفة على غرار تبطين الترع، ومشروع الدلتا الجديدة».
وشدَّد على أن «حوض النيل ليس إثيوبيا فقط، (...) والحلول موجودة، إلا أنه يتعيَّن وجود النوايا ذات الصلة من جميع الأطراف».
وفي مداخلة بالجلسة ذاتها، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «ضرورة أن يكون الرأي العام في مصر صلباً وقوياً لأن المخاطر كثيرة، ولا تقتصر على السد الإثيوبي».

ويؤكد نائب المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن إنهاء النزاع القائم حول «سد النهضة الإثيوبي مرهون بتخلي أديس أبابا عن نهجها الأحادي وسياستها القائمة على فرض الأمر الواقع، والتزامها الصريح بالمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة والقانون الدولي».
ويرى خبير الشؤون الأفريقية في «المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التصريحات المصرية بشأن «سد النهضة تهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل المهمة، أولاها؛ تأكيد القيادة السياسية على أن مسألة المياه وجودية، وأن مصر لن تتنازل عن الحفاظ على حقوقها في نهر النيل، وثانيها؛ تمسك مصر بالحلول السياسية خياراً استراتيجياً لحل أزمة المياه، وثالث هذه الرسائل تحميل إثيوبيا مسؤولية فشل المفاوضات الثلاثية، وإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي بعدم التزام إثيوبيا».
وبحسب البحيري «تعكس هذه التصريحات أيضاً محاولة المسؤولين المصريين تفنيد الادعاءات والاتهامات الإثيوبية في ملف مياه النيل، وذلك لمواجهة حملات التصعيد السياسي والإعلامي التي يقوم بها المسؤولون الإثيوبيون، التي تؤثر سلباً على مسارات العلاقات المصرية - الإثيوبية التي أصبحت تتسم بقدر كبير من التوتر والتصعيد بسبب الممارسات والسياسات العدائية الإثيوبية».
مواقف مصرية
ورفعت مصر منسوب التصريحات تجاه إثيوبيا. وأواخر سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في كلمة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الأمن المائي لبلاده «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مؤكداً «احتفاظ مصر بحقها المشروع، والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها».
وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوَّح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».
ولا تزال إثيوبيا تصعِّد عبر منابرها الإعلامية ضد القاهرة، وتحمل وكالة الأنباء الرسمية لديها، مواد هجومية شبه يومية ضد موقف مصر من السد.

وإزاء ذلك الجمود، أوضح حليمة، أن هناك 3 مسارات رئيسية يمكن من خلالها التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة، أولها؛ تغيير الموقف الإثيوبي عبر التخلي عن التصرفات الأحادية والالتزام لقواعد القانون الدولي والتفاهمات المائية، وثانيها؛ عودة الوساطة الدولية، وثالثها اللجوء إلى آليات مجلس الأمن بموجب الفصلين «السادس والسابع»؛ حيث يتيح «الفصل السادس» حل النزاعات بالوسائل السلمية، بينما يضمن القانون الدولي ومبادئه لمصر والسودان، اتخاذ التدابير القانونية والشرعية لحماية أمنهما القومي المائي.
وشدَّد حليمة، على أن «الأضرار الجسيمة الناجمة عن الممارسات الإثيوبية الأحادية تُعدُّ شكلاً من أشكال الاعتداء الذي يكفل لدولتَي المصب حقَّ الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة».
ويتوقَّع البحيري أن «تستمر مصر في التَّحرُّكات الدبلوماسية المكثفة على الأصعدة الإقليمية والدولية كافة، وتوظيف الاستعداد الأميركي الحالي الذي تبديه الإدارة الأميركية منذ يناير(كانون الثاني) الماضي للضغط على إثيوبيا لوقف تصعيدها، ودفعها نحو التَّوصُّل لاتفاق قانوني يحفظ الحقوق المصرية».
وحال لو لم يتم ذلك، يعتقد البحيري، أن «التعنت الإثيوبي الحالي من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التوتر السياسي والدبلوماسي مع مصر، وهو ما يدفع نحو مزيد من التصعيد المتبادل، وربما يشهد ذلك قطعاً للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولتين، إلا أن مصر لن تقوم بذلك أولاً، وستظل متمسكة بالخيارات الدبلوماسية، وتطبيق القانون الدولي بما في ذلك مبدأ المعاملة بالمثل».


