لماذا تستهدف إسرائيل الضفة الغربية الآن؟

كاتس: يجب أن نعمل على إجلاء مؤقت للسكان

TT

لماذا تستهدف إسرائيل الضفة الغربية الآن؟

قوة إسرائيلية تتحقق من أوراق ركاب سيارة إسعاف فلسطينية في جنين الأربعاء (إ.ب.أ)
قوة إسرائيلية تتحقق من أوراق ركاب سيارة إسعاف فلسطينية في جنين الأربعاء (إ.ب.أ)

إذا كان صحيحاً ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صباح الأربعاء، بأن إيران تقف وراء التصعيد والعمليات في الضفة الغربية، وإن «العملية العسكرية فيها جاءت لإفشال مخطط طهران إنشاء جبهة شرقية ضد إسرائيل في الضفة على غرار نموذج غزة ولبنان، من خلال تمويل وتسليح الشبان وتهريب الأسلحة المتطورة من الأردن»؛ فإن إسرائيل تكون قد انجرّت بالكامل إلى الملعب الإيراني. وبدلاً من الإفلات من المكائد، عمّقت ووسّعت حرب الاستنزاف التي علقت بها في وحل غزة ولبنان إلى جبهة أخرى إضافية.

لكن كاتس، الذي لا يوصف بأنه من القادة الأذكياء في تل أبيب، كشف عن نوايا أخرى إضافية عندما قال: «يجب أن نعمل على إجلاء مؤقت للسكان من الضفة الغربية، علينا أن نتعامل مع التهديد في الضفة تماماً كما نتعامل مع البنية التحتية في غزة، هذه حرب ضد كل الصعاب». وعلى طريقة رئيسه، بنيامين نتنياهو، قال: «علينا أن ننتصر فيها».

آليتان إسرائيليتان تسدان مدخل مخيم طولكرم للاجئين (أرشيفية - أ.ف.ب)

والحقيقة أن إسرائيل تدير حربها على الضفة الغربية قبل ما تقول إنه «المخطط الإيراني» بكثير. ففي أواخر مارس (آذار) 2022، في زمن حكومة يائير لبيد، قصيرة العمر، بدأت تنفيذ حملة اعتقالات ضخمة أطلقت عليها اسم «كاسر الأمواج»، بدعوى «منع تنفيذ عمليات تفجير داخل إسرائيل». والمنطق وراء الحملة هو أن الحكومة كانت ذات تركيبة غريبة، من أقصى اليمين وحتى الحركة الإسلامية. وقد بثت نوعاً من الضعف؛ لأنها قررت عن سبق تعمد وإصرار الامتناع عن الدخول في مفاوضات لتحريك المسار السياسي. وهذا الموقف، الذي أغضب كل الفلسطينيين، فُسّر لدى التنظيمات الفلسطينية المسلحة على أنه فرصة لاستئناف العمليات المسلحة داخل المدن الإسرائيلية الكبرى. وفي هذه الأثناء سقطت حكومة لبيد وجرت انتخابات فاز فيها اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، التي ضمت أحزاباً تخطط لتصفية القضية الفلسطينية. والخطة التي تسمى «خطة الحسم» ووقّع عليها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تضع أربع مراحل: إحداث فوضى في الضفة الغربية، ثم إسقاط السلطة الفلسطينية، ثم تصفية الحركة القومية الفلسطينية، ثم المرحلة الرابعة: ترحيل الفلسطينيين.

جنود إسرائيليون يداهمون مخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طولكرم في الضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

حملة الاعتقالات تمت طيلة سنتين ونصف السنة، وما زالت مستمرة بلا توقف حتى اليوم. ففي كل ليلة تنتشر قوات الجيش والمخابرات في بلدات عدة في آن، كل مرة لاعتقال «مجموعة مطلوبين». وترافقت الحملة بعمليات بطش وقمع شرسة. وقال الجيش، في بيان رسمي عنها، يومها: «حملة ضد أوكار إرهابية فلسطينية في مناطق يهودا والسامرة، في أعقاب سلسلة من الاعتداءات والعمليات التخريبية، نفذها مخرّبون فلسطينيون في كل من أورشليم العاصمة ومدن إسرائيلية أخرى: بني براك، خضيرا، بئر السبع، تل أبيب، أريئيل وإلعاد، مسفرةً عن مقتل وإصابة مدنيين إسرائيليين. خلال الحملة تقوم قوات الجيش والأجهزة الأمنية بعمليات تفتيش واعتقالات ضد مطلوبين أمنيين في مناطق يهودا والسامرة والذين ينتمون إلى منظمات إرهابية متطرفة».

في البداية، جرى التركيز على نشطاء «حماس» و«الجهاد». وعندما تبين أن الشباب الفلسطيني، وعلى عكس قياداته التي تجنح للانقسام، يقيم وحدة صف مدهشة في الميدان من جميع الفصائل، أصبحت العمليات تجابه بمقاومة شديدة وظهرت تنظيمات فلسطينية تُعرَف باسم «عرين السود» و«كتائب طولكرم» و«كتائب جبع» وغيرها من الكتائب الوحدوية، التي شملت أيضاً عدداً من الفتحاويين وحتى بعض الضباط العاملين في أجهزة الأمن الفلسطينية.

آلية عسكرية إسرائيلية خلال اقتحام مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اتخذت هذه الحملة طابعاً تصعيدياً كبيراً. فقد قررت القيادة العسكرية منع الفلسطينيين من فتح جبهة حرب في الضفة. واستغلت الحرب على غزة لتباشر استخدام وسائل لم تستخدمها في السابق، مثل غارات الطائرات المقاتلة من طراز «إف - 16» التي قصفت بلدات ومخيمات لاجئين عدة، من أريحا جنوباً وحتى جنين شمالاً، وخلالها دخلت الدبابات والجرافات الضخمة (D9)، إلى مخيمات اللاجئين، بشكل خاص جنين، وبلاطة، ونور شمس والعوجا، ولم يعد الاعتقال هو الهدف، بل الاغتيال. وهدمت مئات البيوت ومعظم البنى التحتية.

بحسب إحصائيات الجيش، خلال الحرب نُفذت 11 عملية مسلحة في إسرائيل والمستوطنات وتم إجهاض 111 عملية أخرى قبل وقوعها. وبعد اغتيال إسماعيل هنية والعملية الأخيرة في تل أبيب، أعلنت «حماس» استئناف العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية. فقررت إسرائيل أن تأخذ بجدية هذه التهديدات وتبادر إلى هجمة إضافية هذه الأيام. وفي حين يعدّ الفلسطينيون هذه الهجمة، عملية تصعيد تستهدف زرع الفوضى في الضفة الغربية تنفيذاً لخطة سموتريتش، يقول الجيش إن هذه الهجمة تقصد منع التدهور حتى لا تنفذ عمليات يستغلها اليمين المتطرف لإحداث الفوضى.

مدرّعة عسكرية إسرائيلية تغلق طريقاً أثناء مداهمة في مخيم الفارعة للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طوباس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولكن، في الحالتين، عمليات الجيش تخدم سموتريتش وخطته؛ لأن الشعب الفلسطيني يتعرض لموجة تنكيل إضافية تفاقم الوضع وتدهوره أكثر مما هو متدهور، وهذه العمليات هي التي تنشئ جيشاً من المناوئين لإسرائيل، يتمتع بقدرات عالية أكثر من الأجيال السابقة من تنظيمات المقاومة. فسياسة القيادة العسكرية، المبنية على القوة، وإذا لم تنفع فمزيد من القوة، فشلت ليس فقط في إسرائيل، بل في كل مكان آخر في العالم.

وإذا كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية تريد استعراض عضلاتها أمام حكومة اليمين، التي تهاجم هذه القيادة وتتهمها بالفشل والإخفاق والجبن والتخلي عن عقيدة القتال والإقدام والصدام، فإن ما تفعله في الضفة سيزيد من الاستخفاف بها في الحكومة. فالمتطرفون في إسرائيل لا يشبعون، وكلما يضرب الجيش أكثر سيطالبونه بالمزيد. وفي الحساب النهائي تبقى النتيجة في غير صالحها: فهي، التي تقود جيشاً جباراً من ثلاثة أرباع مليون جندي وتمتلك أحدث الأسلحة الفتاكة، تحارب 11 شهراً ضد تنظيم صغير مثل «حماس» ولا تسمح لها الحكومة بإنهاء هذه الحرب. والآن تدخل وحلاً جديداً، مهما كانت نتيجته، لن تكون مشرّفة، ولن يكون فيه شيء من حماقة البحث عن انتصار.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

جددت القاهرة إدانتها للاعتداءات على الدول الخليجية الشقيقة مشددة على أهمية وقفها فوراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».