خطاب شعبوي يطغى على خطط ترمب وهاريس لمعالجة الاقتصاد

مع اقتراب موعد أول مناظرة رئاسية بينهما في 10 سبتمبر

صورة مركّبة للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
صورة مركّبة للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
TT

خطاب شعبوي يطغى على خطط ترمب وهاريس لمعالجة الاقتصاد

صورة مركّبة للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
صورة مركّبة للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)

مع اقتراب موعد أول مناظرة رئاسية بين الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، ونائبة الرئيس الحالي، كامالا هاريس، في 10 سبتمبر (أيلول) المقبل، وتحول السباق إلى منافسة متقاربة بينهما، تجهد حملتاهما الانتخابيتان لإظهار استعداداتهما لمناقشة أهم قضية تقلق الناخب الأميركي؛ ألا وهي الاقتصاد.

وغني عن القول أن كلتا الحملتين تتسم بنزعة شعبوية، بحيث يكاد من الصعب التمييز بين الأفكار اليسارية واليمينية، على الرغم من محاولة ترمب اتهام هاريس بأنها ترغب في فرض «ضوابط شيوعية على الأسعار». وفي الواقع، لا يملك الرئيس إلا القليل من الأدوات اللازمة لمعالجة ارتفاع الأسعار، كما أن تحويل الاقتراحات إلى قوانين يحتاج موافقة الكونغرس، في حين أن خفض التضخم وتحديد أسعار الفائدة التي تؤثر على أسعار المستهلك، مهمة بنك الاحتياطي الفيدرالي.

ترمب يتحدث خلال المؤتمر العام الـ146 لجمعية الحرس الوطني في الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

ويركز ترمب هجماته على هاريس، سواء الشخصية منها، أو السياسية، في محاولة لوقف صعودها، الذي طغت عليه الحماسة والتفاؤل. ويبدو أنها نجحت في ذلك، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تعادلها أو حتى تقدمها على ترمب في أكثر الولايات أهمية بالانتخابات المقبلة.

وأظهرت نتائج استطلاع أخير للرأي أجرته جامعة ميشيغان، إحدى ولايات «ساحات القتال»، أن الأميركيين يثقون بهاريس اقتصادياً أكثر مما يثقون بترمب، وهو أمر لم يحققه بايدن أبداً عندما كان مرشحاً. مع الإشارة هنا إلى أن برنامج هاريس الذي سمي أيضاً «مشروع 2025» الاقتصادي تم إقراره في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأسبوع الماضي.

كامالا هاريس تظهر على خشبة المسرح خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي (أ.ب)

ويُطرح أيضاً تساؤل عن مدى استعداد هاريس للتميز عن بايدن في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، رغم أنه أطلق كثيراً من خطط الاستثمار الضخمة ومشروعات بنى تحتية هائلة. لكن عهده بالنسبة إلى كثير من الأميركيين يبقى مرادفاً لغلاء المعيشة.

وفي أول استعراض لاقتراحاتها الاقتصادية، كشفت هاريس الأسبوع الماضي عمّا سمته أجندتها التطلعية لإقامة «اقتصاد الفرص»، لمنح الأميركيين فرصة حقيقية للنجاح. واتهمت ترمب بأنه يركز فقط على مساعدة الأثرياء والشركات الكبرى.

وفي المقابل، يحمّلها ترمب مع بايدن، المسؤولية عن ارتفاع التضخم والأسعار، ووعد بإعادة الشركات للاستثمار في أميركا، لخلق مزيد من فرص العمل.

فما أبرز القضايا التي سيتم التطرق إليها، سواء في مناظراتهما الرئاسية، أو في حملاتهما الانتخابية، من الآن وحتى موعد الانتخابات في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؟

الضرائب على البقشيش

بحسب تقرير لشبكة «سي إن إن»، دعا كل من ترمب وهاريس إلى إنهاء الضرائب الفيدرالية على الإكراميات (البقشيش) التي يحصّلها عمال الضيافة والخدمات. وهي فكرة اتهم ترمب هاريس بسرقتها منه، كما يدعم أيضاً إلغاء الضرائب الفيدرالية على الدخل والرواتب، وهو اقتراح أكثر تأثيراً من الناحية المالية.

صورة تظهر فاتورة - بها نقود للإكرامية - متروكة على طاولة مطعم (أ.ف.ب)

ووفقاً لمختبر الموازنة في جامعة ييل، فقد عمل نحو 4 ملايين شخص في مهن ذات إكرامية في عام 2023، أو نحو 2.5 في المائة من إجمالي العمالة. كما أن صندوق ضرائب الرواتب الفيدرالي هو صندوق الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية ويبلغ إجماليه 15.3 في المائة، يدفع نصفها أصحاب العمل. وإذا تم إلغاء كل من ضرائب الدخل الفيدرالية والرواتب، فسيؤدي ذلك إلى انخفاض الإيرادات بمقدار 150 مليار دولار إلى 250 مليار دولار على مدى عقد من الزمن. وإذا ألغيت ضرائب الدخل الفيدرالية على الإكراميات فسيؤدي إلى خسارة نحو نصف هذا المبلغ أيضاً.

ضرائب على الضمان الاجتماعي

كما عرض ترمب إعفاءً ضريبياً لكبار السن، وهي كتلة تصويتية مؤثرة. حالياً، لا يدين كبار السن بضرائب على استحقاقاتهم إذا كانوا يكسبون أقل من 25 ألف دولار للفرد، أو 32 ألف دولار للأزواج. ومن شأن إلغاء هذه الضريبة خفض الضرائب بمتوسط ​​550 دولاراً، على الرغم من أن الأسر ذات الدخل المنخفض لن ترى فائدة تذكر في العام المقبل. ومع ذلك، فإن الاقتراح سيضر ببرنامج الاستحقاقات الشعبية، وكذلك الرعاية الطبية والموازنة الفيدرالية، وقد يزيد العجز الفيدرالي بما يتراوح بين 1.6 تريليون دولار و1.8 تريليون دولار حتى عام 2035. ويمكن أن يتضرر كثير من كبار السن في نهاية المطاف إذا جفت الصناديق الائتمانية للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية.

التعريفات الجمركية

يدعو ترمب إلى فرض مزيد من الرسوم الجمركية، قائلاً إنها ستعيد الوظائف وتزيد الإيرادات للبلاد. لكن الاقتصاديين يتفقون بشكل عام على أن التعريفات الجمركية هي وسيلة مكلفة لتعزيز بعض الشركات الأميركية. وقد تكلف الاقتصاد خسارة 675 ألف وظيفة، وتزيد من تفاقم التضخم وتقلص الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 0.6 نقطة مئوية.

وفي حين أن هاريس لم تتحدث عن خططها التجارية، لكن إدارتها مع بايدن، أبقت على كثير من التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب سابقاً، وزادت عليها لبعض المنتجات الصينية، بما في ذلك الفولاذ والألومنيوم وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية، على مدى العامين المقبلين. ودعا ترمب إلى إضافة تعريفة لا تقل عن 10 في المائة على كل الواردات من كل البلدان، فضلاً عن تعريفة أخرى تزيد على 60 في المائة على كل الواردات الصينية. لكن من المحتمل أن يكلف ذلك الأسر متوسطة الدخل 1700 دولار سنوياً. واقترح ترمب أيضاً أنه سيفرض تعريفة جديدة بنسبة 100 في المائة على جميع السيارات المصنوعة خارج الولايات المتحدة.

التخفيضات الضريبية

لدى ترمب وهاريس وجهات نظر مختلفة حول كيفية التعامل مع انتهاء أكثر من 3.4 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية للدخل الفردي والعقارات والشركات في العام المقبل. وفي حين وعد ترمب، حال انتخابه، بتجديد القانون الذي أقر عام 2017، قال إنه سيعمل على خفض معدل الضريبة على الشركات من 21 إلى 15 في المائة (رغم إقراره بصعوبة الأمر لأنها تحتاج موافقة الكونغرس).

لكن هاريس قالت إنها ستواصل تعهد بايدن بعدم زيادة الضرائب على أي شخص يقل دخله عن 400 ألف دولار سنوياً، منتقدة ترمب لرغبته في تمديد جميع التخفيضات الضريبية لعام 2017، خصوصاً على الشركات. وقالت: «ترمب يناضل من أجل المليارديرات والشركات الكبرى... أنا سأكافح من أجل إعادة الأموال إلى الأميركيين من الطبقة العاملة والمتوسطة».

وكشفت هاريس عن خطة لخفض الضرائب على الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المنخفض لأكثر من 100 مليون أميركي كجزء من سياستها الاقتصادية. وقالت إنها ستعيد التوسعة الشعبية لخطة الإنقاذ التي سنتها إدارة بايدن في العامين الأولين من عهده، للإعفاء الضريبي للأطفال إلى ما يصل إلى 3600 دولار، ارتفاعاً من 2000 دولار، وجعلها دائمة. وستضيف أيضاً ائتماناً ضريبياً جديداً للأطفال يصل إلى 6 آلاف دولار للأسر من الطبقتين متوسطة ومنخفضة الدخل التي لديها أطفال، في السنة الأولى من حياتهم.

خفض الأسعار

تركز حملتا هاريس وترمب على معالجة أسعار البقالة والمواد الاستهلاكية اليومية، التي تعد أبرز مظاهر التضخم الذي يشعر به المواطنون، رغم تراجع نسبته. فقد أعلن ترمب أنه سيوقع أمراً تنفيذياً في أول يوم من عهده الجديد، يوجه رؤساء الوكالات والوزراء المعنيين «باستخدام كل أداة وسلطة تحت تصرفهم لهزيمة التضخم وخفض أسعار المستهلكين بسرعة». ودعا إلى زيادة إنتاج النفط والغاز، لخفض تكلفة الاستهلاك.

شخص في أحد المحال الكبرى للمأكولات في شيكاغو (رويترز)

غير أن أسعار الطاقة تعتمد بشكل كبير على سوق النفط العالمية وتتأثر بأشياء خارجة عن سيطرة الرئيس، مثل الحروب الخارجية أو قرارات منظمة «أوبك» بخفض إنتاج النفط. كما أن إنتاج النفط الأميركي وصل إلى مستويات قياسية في عهد بايدن. ورغم ذلك، لم تنخفض أسعاره في أميركا.

من ناحيتها، دعت هاريس إلى فرض حظر فيدرالي على التلاعب بالأسعار في محاولة لاستهداف الشركات وخفض أسعار البقالة، متهمة إياها باستخدام معدلات التضخم المرتفعة ذريعة لتلاعب العملاء بالأسعار، بينما تحقق هوامش ربح قياسية. لكن الأبحاث التي أصدرها بنك الاحتياطي الفيدرالي بسان فرنسيسكو في مايو (أيار) لم تجد سوى قليل من الأدلة التي تشير إلى أن التلاعب بالأسعار كان السبب الرئيسي وراء ارتفاع التضخم.

توسيع البناء وأسعار السكن

أعلنت هاريس عن خطة من 3 أقسام لمعالجة نقص الإسكان بأسعار معقولة في البلاد: تقديم مساعدة بقيمة 25 ألف دولار، وائتمان ضريبي بقيمة 10 آلاف دولار، لدعم الدفعة الأولى لمشتري المنازل أول مرة؛ ودعم بناء 3 ملايين وحدة سكنية جديدة، عبر تحفيز ضريبي لشركات البناء لإطلاق مشروعات تباع للمشترين لأول مرة، أو لبناء مساكن للإيجار بأسعار معقولة، وإنشاء صندوق ابتكار جديد بقيمة 40 مليار دولار لتحفيز بناء المساكن المبتكرة؛ والإفراج عن بعض الأراضي الفيدرالية وإتاحتها للإسكان بأسعار معقولة، على غرار المقترحات التي طرحها بايدن وترمب.

منازل قيد الإنشاء بمشروع تطوير جديد في برامبلتون بفيرجينيا (أ.ف.ب)

وروّج ترمب لاستخدام الأراضي الفيدرالية للمساعدة في تخفيف النقص بالمساكن. بالإضافة إلى ذلك، يقول برنامج اللجنة الوطنية الجمهورية إن الحزب سوف «يعمل على تعزيز ملكية المساكن من خلال الحوافز الضريبية ودعم المشترين لأول مرة، وخفض القيود التنظيمية غير الضرورية التي ترفع تكاليف الإسكان»، فضلاً عن «خفض معدلات الرهن العقاري من خلال خفض التضخم».


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

وأشاد الشيراوي -في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض- باستضافة السعودية فعاليات «أسبوع الطاقة»، الذي انطلقت أعماله بالاجتماع الوزاري للمنتدى، موضحاً أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وقال إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

وأكد أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.


رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
TT

رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

قال رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، إن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

تأتي تصريحات ميراس لـ«الشرق الأوسط»، على هامش أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في الرياض على هامش أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يمتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وتتصدّره أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للطاقة، إلى جانب اجتماعات وزارية دولية تبحث أمن الإمدادات ومستقبل منظومة الطاقة.

وتستضيف الرياض اليوم الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة وزراء ومسؤولين في قطاع الطاقة، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». ويركز الاجتماع على تعزيز استقرار الأسواق، وتنسيق الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودعم الاستثمارات، وتحسين شفافية بيانات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.

وأوضح ميراس أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صورة عامة من مكان انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، أوضح ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.


«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

توسّع «أرامكو السعودية» استثماراتها في الصناعات والخدمات المرتبطة بأعمالها الأساسية عبر برنامج «نماءات أرامكو»، الذي استقطب استثمارات تقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار)، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة منذ إطلاقه في عام 2021، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط». ويعكس البرنامج توجّه الشركة إلى بناء شراكات صناعية محلية وعالمية، تستهدف توطين التصنيع والتقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد، فيما بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار).

و«نماءات أرامكو» هو برنامج للاستثمارات الصناعية والشراكات الاستراتيجية، أطلقته الشركة السعودية بهدف جذب الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في المملكة، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص عمل للسعوديين، ودعم تنويع الاقتصاد بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، أسهم برنامج «نماءات أرامكو» في ترسيخ دور الشركة في التميّز والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، والانتقال من نجاح إلى آخر، مستفيداً من المزايا الفريدة التي تقدمها الشركة في الجوانب التقنية والتجارية والتنفيذية.

ورسمت هذه الأعوام الخمسة علامة فارقة، تمثلت في تحويل الأفكار المبدعة والواعدة في مجال الأعمال إلى فرص استثمارية ملموسة على أرض الواقع، لتحوّل بذلك ما كان حلماً بالأمس إلى مشروعات صناعية ناجحة اليوم لمستقبل مزدهر ومستدام.

المهندس أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو» يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (واس)

حديث الأرقام

ووفق معلومات تحصّلت عليها «الشرق الأوسط»، نجح «نماءات أرامكو» في تجسيد نقطة الالتقاء بين الطموح والتنفيذ الميداني؛ حيث أسهم البرنامج في إطلاق 58 شركة جديدة عاملة، وجذب استثمارات بما يقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار)، وهو ما يعكس الدور المحوري للبرنامج في تعزيز الاقتصاد المحلي، وتوطين القدرات الصناعية الرئيسية، وخلق فرص وظيفية لأبناء وبنات الوطن.

منظومة متكاملة

ويعدّ «نماءات أرامكو» أداة فاعلة لـ«أرامكو السعودية» في بناء شراكات استثمارية صناعية؛ حيث ينصب التركيز الاستراتيجي للبرنامج على خلق القيمة من خلال 3 محاور رئيسية، وهي: المرونة التشغيلية لـ«أرامكو السعودية»، والمرونة التقنية، والصناعات المتنوعة الجديدة، وذلك مع الإسهام الفعّال في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الشركات الوطنية، وإيجاد القيمة من خلال منظومة الشركة، وذلك في 4 مجالات رئيسية: التصنيع، والخدمات الصناعية، والرقمنة، والاستدامة.

وظهر أثر البرنامج في تمكين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الوثيق مع شركاء عالميين ومحليين، وساعد ذلك في استحداث فرص استثمارية واسعة النطاق، وتأسيس شركات رائدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ما عزّز مرونة سلسلة الإمداد واستدامتها.

كما أن العديد من هذه الاستثمارات مدعومة من قبل برامج المملكة التحفيزية التي تمكّن الشركات من رفع معدل استثماراتها المحلية. وبدورها، أتاحت تلك المبادرات فرصاً جديدة لشركاء الاستثمار الصناعي عبر تمكينهم من المشاركة في الاستفادة من فرص النمو بالشركة على المدى البعيد.

توقيع شركة «أرامكو» مع إحدى الشركات الفرنسية ضمن برنامج «نماءات أرامكو» (أرامكو)

الخدمات الصناعية

ونجح برنامج «نماءات أرامكو» منذ إطلاقه في تحقيق إنجازات بارزة في المجالات الأربعة التي يعمل فيها، وأسهم في تشكيل مستقبل توطين الصناعة والتنويع الاقتصادي بالمملكة، ففي قطاع التصنيع، دعم البرنامج التصنيع المحلي لكابلات الطاقة البحرية عالية الجهد، وتصنيع الأوعية ذات الجدران السميكة، وأنابيب الفولاذ المقاوم، ما أتاح توطين القدرات التصنيعية الاستراتيجية والحيوية.

ويعمل البرنامج كذلك على إنشاء مركز عالمي متطور في المملكة، يتخصص في استصلاح المعادن بتقنيات حديثة، وتصنيع محفزات التكرير المتقدمة.

وتضع هذه المبادرة الاستراتيجية المملكة في موقع إقليمي ومركزي رائد في مجال استعادة الموارد المستدامة، والإنتاج الصناعي عالي القيمة، وحلول الطاقة النظيفة، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويُعزز التزام المملكة باقتصاد أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.

وفي قطاع الخدمات الصناعية، دعم برنامج «نماءات أرامكو» توطين منشأة صب وتشكيل المعادن، ما ساعد في دعم التصنيع الوطني لمنتجات بالغة الأهمية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الصناعية.

وأسهم البرنامج في تطوير شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات الوطنية، وزيادة قدراتها على تنفيذ مشروعات موثوقة وتنافسية في الأسواق داخل وخارج المملكة.

الرقمنة والاستدامة

وواصل برنامج «نماءات أرامكو» جهوده في التنمية الوطنية من خلال تنفيذ مبادرات رئيسية في مجال الرقمنة، ومن أبرز هذه المبادرات: توطين التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل تأسيس شركة وطنية لخدمات تقنية المعلومات؛ تهدف إلى تقديم حلول متكاملة في تطوير البرمجيات والاستشارات والدعم الفني، لتلبية المتطلبات التقنية لمختلف القطاعات، وشركة الاتصالات الموحدة، بوصفها خدمة «زوم»، وأكثر من 7 شركات في المركز الرقمي في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، مثل «هانيوي» و«إيمرسون» وغيرها.

وكان للبرنامج إسهاماته الواضحة في مجال الاستدامة، مثل مشروع توطين إنتاج الزجاج المتخصص. ودعم شركة «زجاج غارديان» عبر المشروع المشترك «غلف غارد»، لتوسيع نطاق تصنيع الزجاج المتخصص في المملكة.

ويركز هذا المشروع على الزجاج المعماري عالي الأداء، بما يدعم الطلب الإقليمي المتزايد على المباني الموفِّرة للطاقة. وشمل التعاون إضافة خطوط إنتاج جديدة للزجاج المسطح المصقول، وخطوط معالجة الزجاج في مدينة الجبيل الصناعية، ما عزّز سلسلة الإمداد المحلية بمنتجات متطورة، وحقّق مكتسبات ذات قيمة في مجال التوطين التقني.

ملامح المستقبل

وبعد كل هذه النجاحات التي تحققت، يمضي برنامج «نماءات أرامكو» نحو المرحلة المقبلة، وفي أولوياته تطوير الفرص الصناعية الاستراتيجية التي تُعزز منظومة «أرامكو السعودية»، بالتوازي مع تسريع التحول الصناعي في المملكة، والسعي نحو مزيد من الابتكار، ودعم الصناعة المحلية، وتنويع الاقتصاد، وتشجيع الطموح والأفكار الواعدة، وتعزيز بناء سلاسل إمداد مرنة، وتوطين التقنيات الحيوية والمتقدمة.

ويستمر في جذب مزيد من الشركاء العالميين للإسهام في إنشاء قدرات صناعية جديدة، إلى جانب توسيع نطاق إنشاء القدرات الرقمية والتصنيعية المتقدمة، وتسريع تبنّي الحلول الصناعية والرقمية في القطاعات الناشئة، ليكون البرنامج جزءاً من قصة نجاح أكبر، تحكي عن الإنجازات في قطاعات الطاقة والصناعة والابتكار في المملكة والمنطقة.