خيارات القادة بين الاستراتيجي والتكتيكي... «حماس» في معادلة إيران «بيدق تضحية»

«جبهة الإسناد» لم تتمكن من تخفيف الضغط عن جبهة غزّة

مقاتلون من «حزب الله» خلال تدريبات عسكرية بمنطقة جزين بجنوب لبنان في مايو 2023 (أ.ب)
مقاتلون من «حزب الله» خلال تدريبات عسكرية بمنطقة جزين بجنوب لبنان في مايو 2023 (أ.ب)
TT

خيارات القادة بين الاستراتيجي والتكتيكي... «حماس» في معادلة إيران «بيدق تضحية»

مقاتلون من «حزب الله» خلال تدريبات عسكرية بمنطقة جزين بجنوب لبنان في مايو 2023 (أ.ب)
مقاتلون من «حزب الله» خلال تدريبات عسكرية بمنطقة جزين بجنوب لبنان في مايو 2023 (أ.ب)

في الحروب لا يمكن فصل مستويات التخطيط، بدءاً من الاستراتيجي إلى العملياتي، وصولاً إلى المستوى التكتيكي. فهي، أي المستويات، ليست سوى إطار فكريّ يُعدّ قبل بدء الحرب، ليُشكّل خريطة طريق للتنفيذ. في هذه الخريطة، يُشكّل المستوى التكتيكي، وبامتياز، ساحة التنفيذ الفعليّ للأفكار. فيه تُختبر الأفكار والخطط والاستعدادات، ويُقاس مدى الجهوزيّة.

يحتلّ المستوى الجيوسياسيّ مرتبة أعلى من المستوى الاستراتيجيّ. فيه تُرسم المسلّمات الجيوسياسيّة للأمّة. في هذه المسلّمات يدرسُ القادة التقييدات والقدرات والمحيط المباشر، وكذلك تحديد العدو الدائم، والعدو المؤقّت، كما الصديق الدائم والصديق المؤقّت. يلعب التاريخ والجغرافيا دوراً مهمّاً في تحديد هذه المُسلّمات، لكن القرب الجغرافي بين القوى العظمى يجعل هذه المُسلّمات تتضارب وتتقاطع مع بعضها البعض، الأمر الذي قد يؤدّي إلى الصدام - روسيا وأوروبا مثلاً.

أمثلة تاريخية

تبوّأ نابليون العرش الفرنسي، وأراد مقارعة بريطانيا، فاعتمد استراتيجيّة المواجهة غير المباشرة. فإذا لم يستطع مقارعة الأسطول الانجليزيّ في البحر، فلماذا لا يحتل كل البرّ الأوروبيّ، ويمنع هذا الأسطول من الرسوّ على شواطئ القارة العجوز؟ تكتّلت أوروبا ضدّ نابليون فأسقطته. وخاضت إسبانيا ضدّه حرباً لا تماثليّة، فابتكرت مبدأ «حرب العصابات» (Guerilla)، وهي كلمة تعني الحرب الصغيرة. لا تزال فرنسا تعاني من عقدة العظمة (Grandeur). فهل يعدّ نابليون مفكّراً وقائداً استراتيجيّاً، أم أن الأمور بخواتيمها؟ لا بد من التذكير هنا أن نابليون كان من أهمّ المفكّرين العسكريّين على المستويين العملانيّ والتكتيكي، لكن خطأه الأكبر أنه ذهب إلى الامتداد الأقصى لقدراته (Overstretched).

أراد هتلر بناء الرايخ الثالث، تيمناً بالرايخ الأول مع الإمبراطوريّة الجرمانيّة المقدّسة، والرايخ الثاني مع بسمارك. قلب هتلر الأوضاع في أوروبا. توسّع شرقاً وغرباً وشمالاً، واحتلّ باريس، عاصمة فرنسا، لكنه سقط بعد ذلك، لأنه وصل إلى الامتداد الأقصى. أراد هتلر بناء إمبراطوريّة كونيّة على غرار بريطانيا بوصفها مُسلّماً جيوسياسيّاً. سقط الرايخ الثالث بعد سنوات فقط (1939-1945). جلبت الحرب الكوارث على ألمانيا. فهل يُعدّ هتلر قائداً ومفكّراً استراتيجيّاً، أم أنه يُحكم على الأمور بخواتيمها؟

عناصر من «كتائب القسّام» في حركة «حماس» خلال تشييع قيادي اغتالته إسرائيل بجنوب لبنان يوم 10 أغسطس الحالي (رويترز)

الاستراتيجيّة والتكتيك في غزّة

إن أسوأ تخطيط استراتيجيّ هو الذي يعتمد في نجاحه على استراتيجيّة الآخر، حتى لو كان حليفاً، ففي وقت من الأوقات، وعندما تتناقض الاستراتيجيتان مع بعضهما البعض، سيدفع الثمن حتماً مَن هو أضعف في معادلة القوّة.

يرتبط نجاح استراتيجيّة «حماس» على الديناميكيّة المُتبدّلة باستمرار لاستراتيجيّة إيران في المنطقة، وذلك من ضمن ما يُسمّى باستراتيجيّة «وحدة الساحات». فما هو استراتيجيّ لإيران في هذه المعادلة، هو حتماً مسألة حياة أو موت لـ«حماس»؛ لذلك تُشكّل «حماس» في هذه المعادلة ما يُسمّى في لعبة الشطرنج بـ«بيدق التضحية»، أو بيدق المناورة (Gambit Pawn) لاستراتيجيّة إيران الكبرى، خصوصاً أن «حزب الله» في لبنان يُشكّل جوهرة التاج ومركز الثقل الأساسيّ لمشروع إيران الإقليميّ. ويُستخدم عادة بيدق المناورة بوصفه تضحية، وذلك بهدف تحسين التموضع (Positioning) على رقعة الصراع.

في المقابل، يعتمد نجاح استراتيجيّة إسرائيل في المنطقة، خصوصاً ضدّ إيران، على استراتيجيّة الولايات المُتّحدة الأميركيّة وأهدافها في المنطقة. فما هو جيوسياسيّ لإسرائيل، يُصنّف على المستوى الاستراتيجيّ للولايات المتحدة، فأميركا تنظر إلى غزّة، كما إلى الأزمة الإيرانيّة، من ضمن الصورة الكبرى، ومن ضمن الصراع مع روسيا والصين، وكيف ستؤثّر التحالفات بين هذه الدول على المشروع الأميركيّ الكونيّ.

غزّة مقابل «جبهة الإسناد»

ربط «حزب الله» اللبنانيّ جبهة لبنان بما يجريّ في غزّة، وذلك تحت مُسمّى «جبهة إسناد»، فإذا ما حلّلنا هذه المقاربة على المستوى الاستراتيجي والعسكري، فقد يمكن استنتاج ما يلي:

• تهدف جبهة لبنان إلى إشغال الجيش الإسرائيليّ، وتثبيت بعض وحداته العسكريّة على هذه الجبهة.

• لم تؤثّر هذه الجبهة، سواء تكتيكيّاً أو عملانيّاً، على سير الحرب المُدمّرة في قطاع غزّة، فالقطاع قد دٌمّر بنسبة أكثر من 80 في المائة. ولم تتمكن «جبهة إسناد» من تخفيف الضغط عن جبهة غزّة.

• تخوض «حماس» اليوم حرباً وجوديّة (Existential) في قطاع غزّة. ويخوض «حزب الله»، في المقابل، حرباً ذات بُعدين مهمّين هما:

- على المستوى اللبنانيّ، يريد تثبيت نفسه الآمر والناهي في كلّ المسائل. يريد خلق منظومة ردعيّة لمنع إسرائيل من تكرار تجربة حرب يوليو (تمّوز) العام 2006. يُجرّب ويختبر الحزب منظومته العسكريّة في حرب حيّة، وليس عبر المحاكاة، كما يُجرّب الأسلحة التي تزوّده بها إيران، وقد يُمكن القول إن الحزب يريد تجنّب حرب إسرائيليّة عليه لأن الأمر يُعدّ مسألة حياة وموت.

- على المستوى الإقليميّ، يقدّم «حزب الله» خدمات ذات بُعد وقيمة جيوسياسيّة للأصيل الذي يرعاه.

يقول الخبراء إن كل حرب ستنتهي في وقت ما. وهي، أي الحرب، ليست فعلاً مستمرّاً في الزمان والمكان، وفق ما يقول المفكّر البروسي كارل فون كلوزفيتز. وعندما تتوقّف الحرب، وجب ترجمة نتائجها على البُعد السياسيّ. فلنُسلّم جدلاً بأن حرب غزّة توقّفت اليوم، فمن سيجلس حول طاولة التفاوض؟ وكيف، ومن سيُترجم نتيجة أرض المعركة إلى المستويين السياسي والجيوسياسي؟ وما هو دور «حماس» في هذه اللعبة؟ وهل يمكن تعويض خسائر القطاع في الحجر والبشر؟

كل حرب ستنتهي في وقت ما. الحرب ليست فعلاً مستمرّاً في الزمان والمكان

المفكّر البروسي كارل فون كلوزفيتز


مقالات ذات صلة

«شرفة هتلر» في فيينا... جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد نحو 90 عاماً على «الأنشلوس»

أوروبا قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)

«شرفة هتلر» في فيينا... جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد نحو 90 عاماً على «الأنشلوس»

لا تزال الشرفة الشهيرة المطلة على ساحة الأبطال في العاصمة النمساوية فيينا تثير جدلاً واسعاً حول كيفية التعامل مع أحد أكثر رموز الماضي النازي حساسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا طائرة ركاب من طراز إيرباص تابعة لشركة «لوفتهانزا» تقلع من مطار مالقة كوستا ديل سول في مالقة بإسبانيا 3 مايو 2024 (رويترز)

مجموعة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران تقر بأنها كانت جزءاً من الحكم النازي

أقرت مجموعة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران بمسؤوليتها التاريخية خلال فترة الحكم النازي في ألمانيا (1933 - 1945).

«الشرق الأوسط» (برلين)
أفريقيا زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر (يمين) والسياسي من ناميبيا أدولف هتلر أونونا (أرشيفية - أ.ف.ب - مجلس أوشانا الإقليمي)

«أدولف هتلر» يغير اسمه مع اقتراب فوزه بالانتخابات في ناميبيا

ذكرت صحيفة محلية في ناميبيا، أن سياسيّاً كان يعرف من قبل باسم «أدولف هتلر أونونا»، قام بتغيير اسمه، حيث حذف كلمة «هتلر» من اسمه في الوثائق الرسمية.

«الشرق الأوسط» (ويندهوك )
يوميات الشرق أدولف هتلر (يمين) يركب في سيارة مع الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني (يسار) أثناء الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

باحثون يحللون الحمض النووي لهتلر... ماذا كشف؟

قام باحثون بتحليل عينة من الحمض النووي يُعتقد أنها تعود لأدولف هتلر، والتي يقولون إنها تكشف عن أن ديكتاتور ألمانيا النازية كانت لديه علامة وراثية لاضطراب نادر.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا شعار «غروك» مساعد الذكاء الاصطناعي المطور من شركة «إكس إيه آي» الناشئة المملوكة لإيلون ماسك (رويترز)

انتقادات تطول برنامج الذكاء الاصطناعي «غروك» بعد تحديثه الأخير

شكّل «غروك» مساعد الذكاء الاصطناعي المطوَّر من شركة «إكس إيه آي» الناشئة المملوكة لإيلون ماسك، محور جدل واسع بسبب ردود أشاد فيها بهتلر، أو احتوت على ألفاظ مسيئة

«الشرق الأوسط» (باريس)

العراق: استكمال خطة لحصر السلاح

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
TT

العراق: استكمال خطة لحصر السلاح

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

أعلن رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، أمس، استكمال الخطة المخصصة لتسلم سلاح «سرايا السلام»؛ الفصيلِ التابع لـ«التيار الصدري»، مشيراً إلى أن حركة «عصائب أهل الحق» التابعة لقيس الخزعلي، أحد قادة «الإطار التنسيقي» الحاكم، «سوف تسلم سلاحها أيضاً».

وأضاف الزيدي، في تصريحات صحافية، أن الحكومة لن تسمح لأي جهة بامتلاك السلاح خارج إطار الدولة، وأن احتكار السلاح واستخدام القوة سيكونان بـ«يد الدولة حصراً».

في سياق متصل، أعلن «التيار الصدري»، بزعامة مقتدى الصدر، خطوات لإعادة هيكلة جناحه المسلح «سرايا السلام»، عبر فصلها تنظيمياً عن «التيار» وتحويل العناصر المرتبطة بها إلى مؤسسات مدنية، على أن يكتمل تنفيذها الأسبوع المقبل.

إلى ذلك، عرض المسؤول الأمني في «كتائب حزب الله» بالعراق، على الفصائل التي تنوي تسليم سلاحها للدولة، أن تسلّم فصيله «الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة والمضادة للدروع»، معرباً عن الاستعداد لـ«دفع ثمنها».


خيارات معقدة لقيادة «القسام»


فلسطينيون يلقون نظرة أخيرة على جثمان جمال أبو عون في مستشفى بدير البلح وسط غزة أمس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (أ.ب)
فلسطينيون يلقون نظرة أخيرة على جثمان جمال أبو عون في مستشفى بدير البلح وسط غزة أمس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (أ.ب)
TT

خيارات معقدة لقيادة «القسام»


فلسطينيون يلقون نظرة أخيرة على جثمان جمال أبو عون في مستشفى بدير البلح وسط غزة أمس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (أ.ب)
فلسطينيون يلقون نظرة أخيرة على جثمان جمال أبو عون في مستشفى بدير البلح وسط غزة أمس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (أ.ب)

وضعت الاغتيالات الإسرائيلية المتتابعة لقيادات «كتائب القسام»، الجناح المسلح لـ«حماس»، الحركة أمام خيارات معقدة، لملء الفراغ في رئاسة أركان الكتائب.

وقتلت إسرائيل خلال أقل من أسبوعين قائد «القسام»، عز الدين الحداد، وخليفته محمد عودة، بعد عقود من الملاحقات.

وتحدثت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، عن خيارات الحركة ومن بينها «القيادة الجماعية» لـ«القسام»، على غرار المجلس القيادي الذي يدير شؤون «حماس» راهناً.

واتفقت 3 مصادر من «حماس» في غزة، على أن قرار اختيار أو إعلان رئيس جديد للأركان قد يحتاج هذه المرة وقتاً أطول مقارنة بسرعة تحويل القيادة من الحداد إلى عودة، لأسباب مختلفة منها «ملاحقة إسرائيل لكل من يتم اختياره».

ومن بين الأسباب وفق أحد المصادر، «تأثير الاغتيالات داخلياً على الحركة، والحاجة للتفكير والتأني»، في حين رجح المصدر الثالث أن «اختيار قائد جديد سيكون قريباً، لكن بشكل أكثر سرية».


الجيش الإسرائيلي إلى تغيير وجهه عبر «سلاح الروبوت»

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
TT

الجيش الإسرائيلي إلى تغيير وجهه عبر «سلاح الروبوت»

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)

يعمل الجيش الإسرائيلي على تشكيل «سلاح روبوتات متكامل» يضم روبوتات مقاتلة قادرة على مهاجمة الأهداف وحدها، وتمشيط مناطق شاسعة فوق وتحت الأرض، وناقلات مدرعة، وطائرات مخصصة لإسقاط الوحدات في المناطق القتالية.

ووصفت القناة 12 الإسرائيلية ذلك المسار لتعزيز حضور الروبوتات في المنظومة العسكرية الإسرائيلية بأنه «ثورة تتحقق فعلاً»، وهي إحدى «العبر المستفادة من حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في قطاع غزة».

وقال تقرير مطول في القناة الإسرائيلية إن الحرب في غزة حولت «الروبوتات» في الجيش الإسرائيلي من مجرد أدوات في تجربة تجريها وحدات خاصة إلى ثورة حقيقية.

ويرصد التقرير كيف أن (حظيرة طائرات) في قاعدة غير معروفة نسبياً في «تل هشومير» وسط إسرائيل، لا يتوقف العمل بها ليل نهار في المركز المعروف بأنه مركز إعادة التأهيل والصيانة، ويضم الوحدة المسؤولة عن تجميع وإصلاح وتجديد المركبات القتالية المدرعة.

تغيير الموازين

ويشرح كيف يتم هناك إعادة إحياء مدرعات متضررة وأخرى قديمة عُدت لسنوات «خردة لا قيمة لها»، كي تعود إلى ساحة المعركة ليس بصفتها مركبات قتالية عادية، بل روبوتات.

وقال الرائد «أ» وهو رئيس قسم الأنظمة الروبوتية: «نسمي ذلك تحويل النفايات إلى ذهب».

ويتضح من حديث الرائد «أ» أن الخسائر التي ألحقتها «حماس» بناقلات الجند في حرب عام 2014 كانت نقطة التحول الرئيسية «عندما بدأوا يسألون كيف يمكن أن يستفيدوا من هذه الناقلات التي لم تعد تصلح للاستخدام».

مدرعات لم تعد تعمل يجري تحويلها إلى روبوتات (الجيش الإسرائيلي)

وبعد تجارب لا تحصى وعدة حروب لاحقة، بدأ استخدام الروبوتات بشكل موسع في الحرب الحالية، في واحد من أبرز التحولات الدراماتيكية التي شهدها الجيش الإسرائيلي، منتقلاً من «جيش يستخدم الروبوتات» إلى «جيش يبدأ في بناء عقيدة قتالية روبوتية متكاملة»، حسب وصف التقرير.

وقال التقرير إن الحرب الأخيرة غيّرت الموازين، إذ «كان الهجوم المفاجئ في السابع من أكتوبر، الذي أبرز قصور الاعتماد على التكنولوجيا وحدها، هو ما دفع هذا التوجه قُدماً».

أول حرب روبوتية... في غزة

وأوضح يارون ساريج، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي التابع للجيش أن حرب 7 أكتوبر هي «أول حرب روبوتية».

ووفقاً له، فقد تم دمج «عشرات الآلاف من الأدوات، من أسراب الطائرات المسيّرة إلى فرق الروبوتات الأرضية المناورة»، في ساحة المعركة. ولم يقتصر الأمر على الأرض.

كان الهدف، حسب الجميع، هو تقليل المخاطر، عبر إرسال الروبوتات أولاً إلى مناطق القتال والمناطق المفخخة، وتنفيذ مهام خطرة، والاستفادة منها في توفير تفوق عملياتي في ساحة معركة معقدة، وكانت النتيجة قفزة نوعية دراماتيكية في حجم الاستخدام، والتعقيد، وانتشار الروبوتات في ميدان القتال على نطاق واسع بواسطة قوات المناورة نفسها.

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائيلي)

لقد أثبتت حرب غزة أن ساحة المعركة تغيّرت، ووفق ذلك أمر رئيس الأركان إيال زامير في فبراير (شباط) الماضي، بإنشاء سلاح الروبوتات في الجيش الإسرائيلي، في جزء من أخذ العبر والدروس من أحداث 7 أكتوبر.

جاء قرار زامير أيضاً في ضوء معطيات مهمة، بعد نجاح تشغيل آلاف الأدوات الروبوتية في غزة، جواً وبحراً وبراً وتحت الأرض، بعضها نفذ فعلاً عمليات هجومية فعلية، وأخرى نفذت مهاماً لوجستية، ومسحت أنفاقاً، وفتحت الطرق والمحاور.

وقالت القناة 12 إنه مع أن الجيش لا يزال بعيداً عن تلبية جميع احتياجاته، فهذه الثورة بدأت بالفعل.

وقال نائب قائد وحدة «رفائيم» (الأشباح) إنه إذا كانت الحروب الأخيرة قد جعلت الطائرات المسيّرة أداة أساسية لكل قوة قتالية تقريباً، فإن «الحملة المقبلة ستكون من نصيب الروبوتات القتالية».

وأضاف: «الطموح هو تحويل هذه الأدوات من شيء معقد إلى بسيط ومتاح للجميع».

اختبار روبوتات لتحييد المتفجرات

واختبر الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة روبوتات صغيرة تُرسل لتحييد المتفجرات وناقلات جند مدرعة من دون سائق تتقدم أمام القوات، مثل جرافات D9، وكل واحد منها مصمم لأداء مهمة واحدة بسيطة: جعل المقاتل ليس أول من يدخل.

وقال الرائد (أ): «كانوا يقولون إنه مستحيل أن يتقدم روبوت أمام المقاتلين، واليوم، هناك قادة لا يتقدمون إلى المناطق قبل إدخال الروبوت».

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» (الجيش الإسرائيلي)

ويُعدّ «الوحش الحديدي» أحد الأنظمة التي استخدمها الجيش بكثرة، وهي مركبة آلية قادرة على نقل المتفجرات، واختراق الطرق، وتنفيذ مهام داخل مناطق القتال، مستفيدة من هيكلها الفولاذي الضخم والكاميرات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم عن بُعد المثبتة عليها من كل جانب.

وحسب الرائد «أ»، في بداية الحرب بلغ مدى التحكم بها بضعة كيلومترات، ثم عشرات ومئات الكيلومترات.

وأنتج مركز إعادة التصنيع حسب قائد وحدة العمليات الخاصة «40 وحدة العام الماضي، ومن المتوقع أن نصل إلى 65 وحدة هذا العام، والعدد في ازدياد مستمر».

ومن بين الروبوتات التي تعمل في غزة، جرافة باندا الآلية الضخمة التي تزن عشرات الأطنان، واستخدمها الجيش في شقّ الطرق، وإزالة العوائق، وهدم المباني، والعمل في الأراضي الوعرة، بينما يجلس المشغل بعيداً.

وأيضاً الروبوتات الصغيرة مثل «روني» وهو روبوت تحول إلى جزء لا يتجزأ من العمليات القتالية، حسب القناة 12، إذ تدخل هذه الروبوتات الأنفاق، وتزيل القنابل والعبوات الناسفة، وتفحصها بالكاميرات وأجهزة الاستشعار، وتجمع المعلومات الاستخباراتية.

وقال الرائد «أ» إن هذا الروبوت حمى جنوداً بتلقيه العبوات بدلاً منهم. وأضاف أن «الروبوت ليس لديه أم نطرق بابها». (ليبلغوها بوفاة ابنها).

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميلهم الذي قُتل خلال حرب غزة في مقبرة عسكرية بالقدس فبراير 2024 (إ.ب.أ)

وإضافة إلى المدرعات والمركبات خارج الخدمة التي تستخدم في هذه الصناعات الجديدة يستخدم الجيش أشياء مدنية ويحولها إلى عسكرية. ويقول الرائد «أ»: «نأخذ أبسط جهاز ونحوله إلى قدرة عسكرية».

حافز من أوكرانيا

وقال التقرير إن القفزة التكنولوجية الهائلة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والقدرات المستقلة، والانتقال إلى التقنيات المدنية الرخيصة والمتاحة للجميع، تساعد في كل ذلك.

لقد كانت الطائرات الصغيرة التي أوقفت دبابات في الحرب الروسية الأوكرانية حافزاً للجيش الإسرائيلي، وكذلك ما كشفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن قواته استولت على موقع روسي دون وجود جنود على الأرض عندما «أسر روبوت أوكراني ثلاثة جنود روس».

وحسب التقرير هذا ما تسعى إليه إسرئيل «منظومة قتالية متكاملة تضم طائرات درون، وروبوتات مقاتلة وطائرات مسيّرة طبية وأخرى لإجلاء الجرحى». وقال الرائد «أ»: «هذا لم يعد خيالاً علمياً. إنه يحدث بالفعل». ولا يستهدف الجيش روبوتات قتالية فقط.

خدمات طبية موسعة

وقال التقرير المطول إنه في جانب مختلف تماماً، يجري العمل على نوع مختلف من الروبوتات. ويشرح الرائد شارون أوجين، رئيس قسم البحث والتطوير في الفيلق الطبي، أنهم يعملون على إيصال وحدات الدم بسرعة إلى الجنود الجرحى.

ومن هنا ولدت فكرة أخرى: طائرة مسيّرة تحمل وحدات دم مبردة، وتصل إلى منطقة القتال، ثم تهبط بها باستخدام مظلة ذكية تُفتح على الارتفاع المناسب تماماً.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)

وهذا جزء من نظام طبي متكامل يجري العمل عليه، ويقوم على إنشاء سلسلة معلومات متكاملة، تبدأ من الطبيب في الميدان وتنتهي في غرفة الطوارئ.

وإضافة إلى ذلك يختبر جنود أمام شاشة مزودة بخوذة تغذية عصبية متصلة بجهاز كمبيوتر (ذكاء صناعي)، كيفية الوصول إلى هدوء نفسي، في مسعى أوسع من جانب الجيش إلى إدخال تقنيات متطورة في مجال الصحة النفسية.

ورغم كل هذا التقدم، يتحدث خبراء الروبوتات في الجيش الإسرائيلي بحذر. ولا أحد منهم مستعد لتحديد موعد دقيق لرؤية قوات روبوتية ذاتية التشغيل بالكامل تهاجم وحدها أهدافاً بعينها. لكن عندما تسأل الرائد (أ)، يبتسم ويقول: «هذا حلمي الذي أتمناه». مضيفاً: «التكنولوجيا باتت على وشك الاكتمال».