عمالة الأطفال في صنعاء تتفاقم... والعون القانوني والاجتماعي مفقود

الحوثيون أوقفوا أنشطة الحماية والجهات الأممية غيّرت أولوياتها

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
TT

عمالة الأطفال في صنعاء تتفاقم... والعون القانوني والاجتماعي مفقود

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)

لم يعرف طه فؤاد المدرسة، ولا يعلم عنها سوى أن عدداً من أقرانه اليمنيين في العاصمة المختطفة صنعاء يرتادونها، فيما يتشارك هو وأصدقاء كُثر في مثل عمره الحياة التي يقضونها في عدد من الأعمال والمهن المختلفة، وليست لديهم نية للالتحاق بالمدارس.

منذ عام تقريباً يعمل فؤاد المولود في 2016 في بيع المياه المعدنية لسائقي السيارات في تقاطعات الشوارع والإشارات المرورية وسط صنعاء، وقبلها كان يعمل في كافتيريا وسط حي تجاري غربي المدينة، ومهمته نقل طلبات الأغذية والمشروبات إلى المحلات التجارية، وهو يعيل والدته وشقيقه الأصغر منه بعد وفاة والده.

آلاف الأطفال في اليمن يتسربون من التعليم لمساعدة عائلاتهم من خلال الأعمال الشاقة (رويترز)

وتشير قصة فؤاد إلى توسع عمالة الأطفال في صنعاء بسبب الأوضاع المعيشية المتردية بفعل الانقلاب الحوثي والحرب، إذ تتضاعف حاجة العائلات إلى استخدام أطفالها في كسب الرزق، خصوصاً بين أطفال العائلات النازحة، أو تلك التي فقدت معيلها، مع تراجع المعونات المقدمة من الجهات المحلية والدولية والأممية وغياب الحماية القانونية والاجتماعية للأطفال، والافتقار إلى المساعدة لإلحاقهم بالمدارس.

وتصنف عدد من الجهات المحلية والأممية اليمن في المرتبة الأولى عربياً في عمالة الأطفال، والتي تتركز في البيع المتجول وغسيل السيارات وأعمال البناء والميكانيكا والنظافة والزراعة، وبحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية منذ ثلاثة أعوام فإن نسبة عمالة الأطفال في اليمن بلغت 13.6 في المائة، متفوقة على السودان والعراق ومصر.

ويتحسر وهبي علوان، وهو معلم ممن توقفت رواتبهم منذ ما يقارب الثمانية أعوام، لاضطراره إلى منافسة الأطفال في عدد من المهن التي عمل فيها خلال السنوات الماضية، فبينما يسعى هو إلى توفير الطعام لأطفاله، يجد نفسه يزاحم أطفالاً آخرين، لم ينعموا بطفولتهم، ولم يكتسبوا خبرات حياتية.

وينوه في شهادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الأطفال في صنعاء باتوا يعملون في مختلف الأنشطة، خصوصاً تلك الشاقة والمرهقة، ويفضلهم أصحاب الأعمال على غيرهم من الشباب والمتقدمين في السن، لسهولة اقتناعهم بفتات الأجور، وإمكانية خداعهم أو معاقبتهم، إلى جانب طاعتهم العمياء، في غياب حماية القانون، واستغلال سلطات الجماعة الحوثية لهم.

نهب الموارد

طبقاً لتقارير وإحصائيات منظمات أممية خلال الأعوام الماضية؛ تبلغ نسبة الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عاما 11 في المائة، وتزيد النسبة مع التقدم في العمر إلى 28.5 في المائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عاماً و39.1 في المائة لمن هم دون الثامنة عشرة، حيث يقدر عدد الأطفال في الفئة السنية ما بين 5 أعوام و18 عاماً، بأقل من 8 ملايين طفل وطفلة.

طفل يبيع الورد في أحد شوارع العاصمة صنعاء وجواره آخر يبيع المياه المعدنية (إكس)

ويحظر قانون حقوق الطفل اليمني عمل الأطفال دون سن الرابعة عشرة، كما يمنع استخدامهم في أعمال شاقة وخطرة، مثل الأعمال الصناعية، بعد هذه السن، إلا أن مخالفة هذا القانون كانت شيئاً معتاداً قبل الانقلاب، بحسب المحامي مجيب الشرعبي الذي أشار إلى أنه لم تتوفر الآليات والوسائل لحماية الأطفال وفق هذا القانون.

ويؤكد الشرعبي لـ«الشرق الأوسط» أن ما بعد الانقلاب لا يمكن مقارنته بأي شكل مع ما قبله، فعمالة الأطفال تحولت إلى سلوك إجباري لغالبية العائلات نتيجة الظروف المعيشية القاسية التي خلفتها الحرب، وبعد أن كانت المنظمات المحلية والدولية تبحث في كيفية معالجة المشكلة، أصبحت تهتم، وبشكل طفيف، بمساعدة الأطفال العاملين والتخفيف من معاناتهم.

وتلفت محامية عملت في عدد من برامج حماية الطفولة قبل الانقلاب، وفضلت عدم ذكر اسمها، إلى أن الجهات الحكومية والمنظمات سعت في السابق إلى تطوير القانون وتوفير حماية واسعة للأطفال من مختلف الانتهاكات التي تطالهم، لكن الوضع الحالي يدفع باتجاه حماية الأطفال من انتهاكات الحرب وغياب الدولة فقط.

فبحسب المحامية توقفت الجهات الرسمية المعنية بالطفولة عن تقديم خدماتها بعد سيطرة الجماعة الحوثية عليها، وهي المتهم الرئيسي بتجنيد الأطفال واستغلالهم، ونهبت التمويلات والموارد الخاصة بحماية الطفولة، بينما توقفت التمويلات الدولية أو تراجعت إلى حد بعيد للتركيز على برامج الإغاثة.

توقف التمويل

تبرز صنعاء كأكثر مدينة يمنية تتوسع فيها عمالة الأطفال، وحيثما وجه المرء عينيه يجد صغاراً يفنون طفولتهم في مساعي كسب القوت لعائلاتهم، ويتوزعون على مختلف المهن، وساهم النزوح في مفاقمة الظاهرة، بعد أن استقبلت المدينة خلال الأعوام الماضية نازحين من مناطق نزاع مشتعلة في عدد من المحافظات.

صبي يعمل في ورشة للسيارات في العاصمة صنعاء (إكس)

وبعد أن كانت العائلات تظن نزوحها مؤقتاً وطارئاً، اضطرت لاحقاً لمواجهة قساوة المعيشة بكل الوسائل المتاحة، بما فيها عمالة أطفالها.

وتقول الناشطة أمل عبد النور إن المنظمات المحلية أو الدولية تعجز فعلياً عن التعاطي مع عمالة الأطفال في مختلف مناطق اليمن، لكن هذا العجز يظهر بشكل واضح في صنعاء، حيث يصعب إجراء إحصائيات شاملة، كما يبدو من غير الممكن تحديد نسب الأطفال العاملين وتقسيمهم بحسب الأعمار أو المهن التي يزاولونها.

وتوضح عبد النور، وهي موظفة سابقة في عدد من المنظمات، لـ«الشرق الأوسط» أن الجهات الدولية والأممية، على كثرتها، لم تعد تعطي عمالة الأطفال اهتماماً كافياً نظراً لتعقد الوضع الإنساني في اليمن، واضطرارها لمواجهة الكثير من الاحتياجات المضاعفة للسكان.

ويبين محمد العدني، وهو ناشط في منظمة إغاثية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن تراجع المنظمات الدولية والأممية عن التركيز على هذه القضية قد يكون راجعاً إلى أن عمالة الأطفال تساهم في التقليل من الحاجة إلى خدماتها، كما أن عمالة الأطفال تخفف عنها المطالب بتغطية الاحتياجات الإنسانية للكثير من العائلات.

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)

ويذهب العدني إلى أن الكثير من العائلات باتت تفضل أن يلتحق أطفالها بسوق العمل في سن مبكرة نظراً لعدم وجود جدوى مباشرة وسريعة من التعليم، لكنها في نفس الوقت ترى أن العمل يبعدهم كثيراً عن إمكانية استغلال الجماعة الحوثية لهم في مشاريعها بغسل أدمغتهم وتجنيدهم للقتال في صفوفها.

وقبل عامين عزت منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة (فاو) اتساع عمالة الأطفال إلى انخفاض دخل الأسرة، وقلة البدائل المتاحة لكسب العيش، وسوء فرص الحصول على التعليم، ومحدودية إنفاذ قانون العمل.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

العالم العربي مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

الحوثيون يعلنون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال خمسة أيام، وسط تأكيد إسرائيلي باعتراض صاروخ دون أضرار، وإشادة إيرانية بانخراط الجماعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

يرفع اليمن جاهزيته في باب المندب مع «إنهاء بعثة الحديدة الأممية» وسط مخاوف متصاعدة من تهديد الملاحة الدولية واتساع الصراع الإقليمي وتأثيره على أمن البحر الأحمر.

محمد ناصر (عدن)
خاص مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

خاص بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية، بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

يثير انخراط الحوثيين لنصرة إيران نقاشاً واسعاً بين اليمنيين وتتفاوت ردود الفعل بين قلق من التبعات وتوقعات بتأثير هذه الخطوة على مستقبل الجماعة الانقلابية.

وضاح الجليل (عدن)

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
TT

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

تحرك جديد للممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، مع الوسطاء، بعد نحو أسبوع من طرح خطته لنزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار، في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار يراوح مكانه منذ اندلاع حرب إيران قبل شهر تقريباً.

المحادثات الجديدة التي يجريها ملادينوف مع الوسطاء تمثل محاولة لإيجاد مقاربة لتحقيق ما أعلن عنه في مجلس الأمن الدولي يوم 25 مارس (آذار) الماضي، في ظل اعتراضات في الكواليس من «حماس».

ويؤكد خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الأخيرة تهدف إلى ممارسة ضغوط على «حماس» أو الوصول إلى تفاهمات تعجل بتنفيذ الخطة في أقرب وقت بعد انتهاء حرب إيران.

خطة النزع مقابل الإعمار

ونزع سلاح «حماس» أحد بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في مجلس الأمن. وتوضح وثيقة بشأنها، نقلتها «رويترز»، أنها تتطلب موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتوقَّع مسؤول فلسطيني، مقرَّب من المحادثات تحدث لـ«رويترز»، قبل أيام، أن تسعى «حماس» إلى إدخال تعديلات وتحسينات عليها، لافتاً إلى أن الخطة لم تقدم ضمانات لتنفيذ إسرائيل التزاماتها، وتخاطر بالتسبب في عودة الحرب، من خلال ربطها بين إعادة الإعمار وتحسين ظروف المعيشة، وقضايا سياسية مثل نزع السلاح.

وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لـ«حماس» والمشارك في وفدها المفاوض: «يحاول ملادينوف أن يكون ملكياً أكثر من الملك نفسه، إذ يحاول ربط كل شيء بملف السلاح، بما فيه دخول اللجنة الإدارية والقوات الدولية إلى قطاع غزة».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع أنه لا مؤشرات على قبول «حماس» للخطة في ظل انقسام داخل الحركة بين فرع يميل إلى تركيا يريد تنفيذ الخطة، وفرع يميل إلى إيران ينتظر ما ستسفر عنه الحرب.

محادثات جديدة

ووسط ذلك التعثر، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع ملادينوف، بالقاهرة الأربعاء، «الجهود الجارية لدعم تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركى دونالد ترمب».

وأكد عبد العاطي «أهمية بدء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في ممارسة مهامها من داخل القطاع وفي كل مناطقه، بما يعزز من قدرتها على الاضطلاع بمسئولياتها في إدارة الشؤون اليومية، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية إلى ممارسة مهامها بشكل كامل».

وشدد كذلك على «ضرورة الإسراع بنشر قوة الاستقرار الدولية لضمان مراقبة وقف إطلاق النار»، مبرزاً «الجهود التي تبذلها مصر في مجال تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، بما يسهم في تهيئة البيئة الأمنية اللازمة لدعم المرحلة الانتقالية»، وفق البيان المصري.

وأكد أهمية التزام كل الأطراف بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية بكامل بنودها، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي، وبالصورة التي تفتح المجال للبدء في مشروعات التعافي المبكر في كل أنحاء القطاع، والانتقال لمرحلة إعادة إعمار غزة وفق مقاربة شاملة ومنسقة تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان.

وجاء الاجتماع، غداة لقاء ملادينوف بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في أنقرة.

وزير الخارجية التركي يستقبل ملادينوف (حسابه على منصة «إكس»)

ويلمح ملادينوف إلى مساعيه في منشورين عبر حسابه بمنصة «إكس»، الثلاثاء والأربعاء، حيث أكد، عقب لقائه مع فيدان الثلاثاء، أهمية المضي قدماً بخطى حثيثة نحو إتمام المرحلة الثانية. كون ذلك «السبيل الوحيد لضمان إعادة إعمار غزة، واستعادة المسار السياسي لحل القضية الفلسطينية على أساس السيادة وحق تقرير المصير».

وكشف عن أنه راجع مع عبد العاطي، الأربعاء، «الخطوات التالية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة»، مضيفاً: «تظل مصر شريكاً أساسياً في سعينا المشترك نحو غزة مُعاد إعمارها ومؤمّنة من قِبل الإدارة الفلسطينية الانتقالية، خالية من الأسلحة والأنفاق، وموحدة مع السلطة الفلسطينية الشرعية».

وتابع ملادينوف: «والآن حان وقت الاتفاق على إطار تنفيذ خطة ترمب من أجل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
TT

معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)

مئات الرحلات الإسرائيلية تهرول إلى مصر يومياً عبر معبر طابا الحدودي، منذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة، حرباً على إيران ورد الأخيرة بقصف يومي متواصل، على مدار أكثر من شهر، غير أن الشكاوى لم تنقطع من ارتفاع رسوم العبور والتنقل والإقامة.

ووفق مصادر مطلعة، وخبراء مصريين في السياحة، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن المعبر بات «بوابة هروب للإسرائيليين» بعدّه ملاذاً آمناً في ظل تعرض مطارات إسرائيل للقصف، منتقدين الشكاوى الإسرائيلية من ارتفاع الرسوم، باعتبار ذلك «حقاً سيادياً مصرياً، وأن الرسوم لا تزال أقل من دول أخرى بالعالم، وأن المواطن الإسرائيلي يدفع ثمن حرب أشعلتها بلاده، وليست مصر التي من حقها أن ترفع الرسوم في ظل تداعيات الحرب على اقتصادها».

محطة رئيسية للهروب

وأفادت صحيفة «ذا ماركر» الإسرائيلية، الأربعاء، بأن «مطار طابا المصري تحول إلى المحطة الرئيسية للسفر إلى الخارج للراغبين بمغادرة إسرائيل بشكل عاجل، في ظل القيود المفروضة على مطار بن غوريون بسبب التوترات الأمنية والهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة مما جعل المطار المصري بمثابة بوابة الهروب الكبرى وشريان حياة بديلاً عن المطارات الإسرائيلية المغلقة جزئياً».

وذكرت الصحيفة أن «المعبر قبيل عيد الفصح اليهودي شهد تدفق مئات الإسرائيليين، بينهم عائلات حريدية كثيرة تتحدث الإنجليزية والفرنسية، تحاول الوصول إلى بلدانها الأصلية للاحتفال بالعيد، بعد أن قضى البعض منها ليلة كاملة في إيلات إثر إطلاق صافرات الإنذار بسبب اختراق طائرات مسيّرة للحدود».

مدينة طابا المصرية تتيمز بطبيعة خلابة تجعلها مقصداً سياحياً مميزاً (محافظة جنوب سيناء)

وأكد مستشار وزير السياحة المصري سابقاً سامح سعد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن معبر طابا صار بوابة هروب للإسرائيليين للخارج بعدّه بالنسبة لهم ملاذا آمنا في ظل احتمال تعرض مطارات أخرى للقصف، لافتاً إلى أن هذه الأعداد لا تمثل قيمة مضافة للسياحة بمصر، فضلاً عن أن 72 في المائة من المعدلات السياحية تأتي من أوروبا و10في المائة من الدول العربية وغيرها.

وقال الخبير السياحي ورئيس شعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية سابقاً، عماري عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب بالأساس أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة، وإحدى نتائجها زيادة الأسعار بشكل غير مسبوق عالمياً، ومصر تأثرت كثيراً بها رغم أنها ليست طرفاً».

أسعار رسوم مرتفعة

وليس الهروب وحده من يحاصر عقل الإسرائيليين، لكن ارتفاع أسعار الرسوم أيضاً، إذ أشارت صحف عبرية لهذه الزيادة، حيث شهد «معبر طابا» ثلاث زيادات متتالية في الرسوم خلال فترة زمنية قصيرة جداً، بدأت من 25 دولاراً ارتفاعاً من 15 في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم ارتفعت إلى 60 دولاراً في منتصف مارس (آذار) 2026، قبل أن تقفز إلى 120 دولاراً في 28 مارس 2026.

وأشارت «ذا ماركر» إلى «ارتفاع رسوم العبور وتكاليف النقل والإقامة المؤقتة في سيناء»، فيما قالت صحيفة «يسرائيل هيوم» يوم 28 مارس الماضي، إن زيادة مصر رسوم عبور نقطة طابا الحدودية للإسرائيليين إلى 120 دولاراً، أثارت غضباً واسعاً بين الإسرائيليين المعتمدين على المعبر للسفر لخارج البلاد، خاصة أنه يجعل تكلفة العبور للعائلة المكونة من أربعة أفراد تتجاوز 480 دولاراً.

وعن الزيادة في الرسوم، يرى مستشار وزير السياحة سابقاً سامح سعد، أن وصول الرسوم إلى 120 دولاراً ليس تعجيزياً، خاصة أن هناك دولاً كثيرة تضع أرقاماً أكبر من ذلك، ومن حق مصر أن تصدر هذا القرار السيادي في الوقت الذي ترتئيه.

وأضاف الخبير السياحي عماري عبد العظيم، أنه من حق مصر، أن ترفع رسوم العبور في معبر طابا كما ترى، فهذا حقها السيادي لتعويض الأضرار التي لحقتها من الحرب.


الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended