عمالة الأطفال في صنعاء تتفاقم... والعون القانوني والاجتماعي مفقود

الحوثيون أوقفوا أنشطة الحماية والجهات الأممية غيّرت أولوياتها

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
TT

عمالة الأطفال في صنعاء تتفاقم... والعون القانوني والاجتماعي مفقود

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)
الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)

لم يعرف طه فؤاد المدرسة، ولا يعلم عنها سوى أن عدداً من أقرانه اليمنيين في العاصمة المختطفة صنعاء يرتادونها، فيما يتشارك هو وأصدقاء كُثر في مثل عمره الحياة التي يقضونها في عدد من الأعمال والمهن المختلفة، وليست لديهم نية للالتحاق بالمدارس.

منذ عام تقريباً يعمل فؤاد المولود في 2016 في بيع المياه المعدنية لسائقي السيارات في تقاطعات الشوارع والإشارات المرورية وسط صنعاء، وقبلها كان يعمل في كافتيريا وسط حي تجاري غربي المدينة، ومهمته نقل طلبات الأغذية والمشروبات إلى المحلات التجارية، وهو يعيل والدته وشقيقه الأصغر منه بعد وفاة والده.

آلاف الأطفال في اليمن يتسربون من التعليم لمساعدة عائلاتهم من خلال الأعمال الشاقة (رويترز)

وتشير قصة فؤاد إلى توسع عمالة الأطفال في صنعاء بسبب الأوضاع المعيشية المتردية بفعل الانقلاب الحوثي والحرب، إذ تتضاعف حاجة العائلات إلى استخدام أطفالها في كسب الرزق، خصوصاً بين أطفال العائلات النازحة، أو تلك التي فقدت معيلها، مع تراجع المعونات المقدمة من الجهات المحلية والدولية والأممية وغياب الحماية القانونية والاجتماعية للأطفال، والافتقار إلى المساعدة لإلحاقهم بالمدارس.

وتصنف عدد من الجهات المحلية والأممية اليمن في المرتبة الأولى عربياً في عمالة الأطفال، والتي تتركز في البيع المتجول وغسيل السيارات وأعمال البناء والميكانيكا والنظافة والزراعة، وبحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية منذ ثلاثة أعوام فإن نسبة عمالة الأطفال في اليمن بلغت 13.6 في المائة، متفوقة على السودان والعراق ومصر.

ويتحسر وهبي علوان، وهو معلم ممن توقفت رواتبهم منذ ما يقارب الثمانية أعوام، لاضطراره إلى منافسة الأطفال في عدد من المهن التي عمل فيها خلال السنوات الماضية، فبينما يسعى هو إلى توفير الطعام لأطفاله، يجد نفسه يزاحم أطفالاً آخرين، لم ينعموا بطفولتهم، ولم يكتسبوا خبرات حياتية.

وينوه في شهادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الأطفال في صنعاء باتوا يعملون في مختلف الأنشطة، خصوصاً تلك الشاقة والمرهقة، ويفضلهم أصحاب الأعمال على غيرهم من الشباب والمتقدمين في السن، لسهولة اقتناعهم بفتات الأجور، وإمكانية خداعهم أو معاقبتهم، إلى جانب طاعتهم العمياء، في غياب حماية القانون، واستغلال سلطات الجماعة الحوثية لهم.

نهب الموارد

طبقاً لتقارير وإحصائيات منظمات أممية خلال الأعوام الماضية؛ تبلغ نسبة الأطفال العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عاما 11 في المائة، وتزيد النسبة مع التقدم في العمر إلى 28.5 في المائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عاماً و39.1 في المائة لمن هم دون الثامنة عشرة، حيث يقدر عدد الأطفال في الفئة السنية ما بين 5 أعوام و18 عاماً، بأقل من 8 ملايين طفل وطفلة.

طفل يبيع الورد في أحد شوارع العاصمة صنعاء وجواره آخر يبيع المياه المعدنية (إكس)

ويحظر قانون حقوق الطفل اليمني عمل الأطفال دون سن الرابعة عشرة، كما يمنع استخدامهم في أعمال شاقة وخطرة، مثل الأعمال الصناعية، بعد هذه السن، إلا أن مخالفة هذا القانون كانت شيئاً معتاداً قبل الانقلاب، بحسب المحامي مجيب الشرعبي الذي أشار إلى أنه لم تتوفر الآليات والوسائل لحماية الأطفال وفق هذا القانون.

ويؤكد الشرعبي لـ«الشرق الأوسط» أن ما بعد الانقلاب لا يمكن مقارنته بأي شكل مع ما قبله، فعمالة الأطفال تحولت إلى سلوك إجباري لغالبية العائلات نتيجة الظروف المعيشية القاسية التي خلفتها الحرب، وبعد أن كانت المنظمات المحلية والدولية تبحث في كيفية معالجة المشكلة، أصبحت تهتم، وبشكل طفيف، بمساعدة الأطفال العاملين والتخفيف من معاناتهم.

وتلفت محامية عملت في عدد من برامج حماية الطفولة قبل الانقلاب، وفضلت عدم ذكر اسمها، إلى أن الجهات الحكومية والمنظمات سعت في السابق إلى تطوير القانون وتوفير حماية واسعة للأطفال من مختلف الانتهاكات التي تطالهم، لكن الوضع الحالي يدفع باتجاه حماية الأطفال من انتهاكات الحرب وغياب الدولة فقط.

فبحسب المحامية توقفت الجهات الرسمية المعنية بالطفولة عن تقديم خدماتها بعد سيطرة الجماعة الحوثية عليها، وهي المتهم الرئيسي بتجنيد الأطفال واستغلالهم، ونهبت التمويلات والموارد الخاصة بحماية الطفولة، بينما توقفت التمويلات الدولية أو تراجعت إلى حد بعيد للتركيز على برامج الإغاثة.

توقف التمويل

تبرز صنعاء كأكثر مدينة يمنية تتوسع فيها عمالة الأطفال، وحيثما وجه المرء عينيه يجد صغاراً يفنون طفولتهم في مساعي كسب القوت لعائلاتهم، ويتوزعون على مختلف المهن، وساهم النزوح في مفاقمة الظاهرة، بعد أن استقبلت المدينة خلال الأعوام الماضية نازحين من مناطق نزاع مشتعلة في عدد من المحافظات.

صبي يعمل في ورشة للسيارات في العاصمة صنعاء (إكس)

وبعد أن كانت العائلات تظن نزوحها مؤقتاً وطارئاً، اضطرت لاحقاً لمواجهة قساوة المعيشة بكل الوسائل المتاحة، بما فيها عمالة أطفالها.

وتقول الناشطة أمل عبد النور إن المنظمات المحلية أو الدولية تعجز فعلياً عن التعاطي مع عمالة الأطفال في مختلف مناطق اليمن، لكن هذا العجز يظهر بشكل واضح في صنعاء، حيث يصعب إجراء إحصائيات شاملة، كما يبدو من غير الممكن تحديد نسب الأطفال العاملين وتقسيمهم بحسب الأعمار أو المهن التي يزاولونها.

وتوضح عبد النور، وهي موظفة سابقة في عدد من المنظمات، لـ«الشرق الأوسط» أن الجهات الدولية والأممية، على كثرتها، لم تعد تعطي عمالة الأطفال اهتماماً كافياً نظراً لتعقد الوضع الإنساني في اليمن، واضطرارها لمواجهة الكثير من الاحتياجات المضاعفة للسكان.

ويبين محمد العدني، وهو ناشط في منظمة إغاثية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن تراجع المنظمات الدولية والأممية عن التركيز على هذه القضية قد يكون راجعاً إلى أن عمالة الأطفال تساهم في التقليل من الحاجة إلى خدماتها، كما أن عمالة الأطفال تخفف عنها المطالب بتغطية الاحتياجات الإنسانية للكثير من العائلات.

الأطفال في اليمن يساعدون عائلاتهم حتى في الحصول على المعونات الغذائية الإغاثية (أ.ف.ب)

ويذهب العدني إلى أن الكثير من العائلات باتت تفضل أن يلتحق أطفالها بسوق العمل في سن مبكرة نظراً لعدم وجود جدوى مباشرة وسريعة من التعليم، لكنها في نفس الوقت ترى أن العمل يبعدهم كثيراً عن إمكانية استغلال الجماعة الحوثية لهم في مشاريعها بغسل أدمغتهم وتجنيدهم للقتال في صفوفها.

وقبل عامين عزت منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة (فاو) اتساع عمالة الأطفال إلى انخفاض دخل الأسرة، وقلة البدائل المتاحة لكسب العيش، وسوء فرص الحصول على التعليم، ومحدودية إنفاذ قانون العمل.


مقالات ذات صلة

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

العالم العربي مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

يستقبل ملايين اليمنيين بمناطق الحوثيين رمضان المبارك دون رواتب وبلا مساعدات، وسط فقر مدقع وغياب للأمن الغذائي، بعد توقف الدعم الإنساني وتدهور الأوضاع المعيشية.

محمد ناصر (عدن)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

يواجه سكان صنعاء أخطاراً متزايدة مع تهالك البنية التحتية، وسط إهمال حوثي متعمَّد يهدد السلامة العامة ويُنذر بكوارث صحية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يؤكد أن توحيد القرار الأمني شرط للاستقرار والسلام، خلال لقائه مسؤولين ألمانيين، مشدداً على الشراكة الدولية لمكافحة الإرهاب وحماية الملاحة

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية

محمد ناصر (عدن)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended