هدى عمران: أتسلى بمصير شخصياتي عبر لعبة ذكية مع القارئ

الكاتبة المصرية تقول إن الشعر هو الجوهر وكل نص طموح يؤدي إليه

هدى عمران
هدى عمران
TT

هدى عمران: أتسلى بمصير شخصياتي عبر لعبة ذكية مع القارئ

هدى عمران
هدى عمران

تُولي الشاعرة والكاتبة المصرية هدى عمران شغفاً لافتاً بالمغامرة الفنية، والانفتاح على التجريب كلعبة تُعيد بها تشكيل الحكاية، واستكشاف عالمها الشعوري، وأسئلتها حول الذات.

صدر لها أخيراً مجموعتها القصصية «حُب عنيف» عن «الكتب خان للنشر» بالقاهرة، كما صدرت لها رواية «حشيش سمك برتقال» التي حصلت على منحة «آفاق»، ولها عدة دواوين شعرية منها «ساذج وسنتمنتالي»، و«القاهرة»، و«كأنها مغفرة».

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتنوع الكتابة ما بين الشعر والسرد.

* في مجموعتك «حب عنيف» تمرُّد على الحدود بين القصص؛ حيث تبدو بطلاتها وكأنهن يتعثرن في حيوات بعضهن، فتتقاطع أحلامهن، ويركبن «المركب» نفسه. حدثينا عن لعبة البناء في تلك المجموعة.

- لم يكن دافعي التمرد، بقدر اللعب، واهتمامي المهووس بفكرة بناء «كتاب»، والسعي خلف فكرة الكُلية، حتى في الكتب التي أقرأها. كقارئة انتقائية ومُقلّة، لا أحتفظ بأي كتاب «حلو» في مكتبتي، لا يكفي أن تكون الرواية أو المجموعة القصصية أو الديوان الشِّعري جيداً، لكنني أبحث عن الشمولية، عن عالم متكامل ومعنى عميق ومجاز متعدد وفهم متجاوز للحياة؛ لذلك حين أفكر وأنا في مرحلة التحرير الأولى من أي نصٍ سأنشره في عملية البناء، كيف أنتقل بنصي - سواء كان شِعراً أو سرداً - من كونه مجرد «مجموعة» إلى كونه كتاباً، فمثلاً كلمة «الحب» في حد ذاتها «لا تعني لي شيئاً بعينه، أو قد تحمل دلالات سطحية»، لكنها تكتسب بُعداً آخر داخل كتاب متداخل، فتمتزج بمعانٍ أخرى مثل الأبوة والإيمان والتطهر والعنف والموت والحياة، وهنا يتشكل الحب فلا يصير كأي حب، بل يصبح حُبي الخاص وعنفي المتفرد.

لكن تصعب الأمور أكثر في «مجموعة قصصية» محكومة باستقلالية نصوصها، فلم أرد لـ«حب عنيف» أن تصير متتالية، ولم أرد لها أن تصير مجرد قصص منفصلة لا تشملها فقط وحدة الزمن، لكن أردت لها أن تحتمل شيئاً أكبر شاعرياً وممتعاً، عن سؤال: «ماذا لو نقلنا فلانة في حياة فلان، ماذا لو كانت للمرء حيوات متعددة؟» قد تصبح لعبة المرايا التي هي شاغل أساسي في تاريخ الأدب، ولو أني أعتبرها لعبة أنثوية بالأساس. وهكذا أردت أن ألعب لعبة ذكية مع القارئ، على أمل أن أجعله يبحث أكثر داخل هذا العالم. أن أجعله يعود إليه مرة وربما مرات أخرى، وكل مرة يعود يكتشف شيئاً جديداً كان مخفياً عنه.

* يبدو المتن السردي في المجموعة وكأنه هارب من متن فني موازٍ (لوحة، صورة فوتوغرافية... إلخ) ففي إحدى القصص بدا الأبطال وكأنهم يتعرفون على وجودهم في لوحة غوغان، وبطلة أخرى تستعيد إيميلي برونتي، كيف تُطورين تأثرك بالفنون بصورة متواشجة داخل كتابتك؟

- ككاتبة، أتسلى بمصير شخصياتي، فأنا أيضاً مؤمنة بوجودي كشخصية خيالية داخل تلك الفنون التي أحبها. حين تلمسني وتؤثر فيّ، فتعينني على فهم نفسي، وتجعلني أتواضع أمام جمال الفن وتعدده، ومحدودية قدرتي لخلق كل هذه الفنون، لكن أنا وغيري من الفنانين ما نحن سوى صنيعة هذا الإرث الإنساني من الأدب والحكايات والموسيقى والشِّعر. لي فنانيّ المفضلون، أحب أن أصحبهم معي في رحلاتي. لكن دائماً يُنصَح الكاتب بألا يذكر أسماء كتّاب وفنانين مشاهير حتى لا يبدو «مستعرضاً»، وليظهر كإنسان طبيعي. كأن بذلك تُكتسب المصداقية. لكني في لحظة ما وجدت هؤلاء الأصدقاء يأتون بطرقهم التلقائية الطبيعية داخل القصص، دون تدخل كبير مني.

لا أنفصل عن ذاتي حين أكتب، فالكتابة كلها منبعها أسئلتي الذاتية، وأدواتي المعرفية، وميولي وانحيازاتي الفكرية والإنسانية. لكنها لا تأخذني إلى مدارات شخصية إلا نادراً، فلا أكتب عن مواقف حياتية واقعية، فأفرق جيداً بين الذاتي والشخصي؛ لأنني لست منغلقة على نفسي، وذاتي هي وسيلتي الوحيدة التي أمتلكها لأنفتح على العالم وعلى الآخر، للبحث عن المعرفة، والبحث عن معنى الحياة؛ لذلك طبيعي جداً أن أرى إيميلي برونتي أو غوغان وغيرهم يصاحبون الشخصيات التي أنسجها في قصصي.

* في المجموعة احتفاء بنبرة الحكاية، فالأم تجمعها بابنها آصرة خاصة عبر الحكايات، وهناك تناص مع «ألف ليلة» بغرابة حكاياتها وتحولاتها كما في قصة «صداقات خطيرة» مثلاً. ماذا تحمل تلك اللمحات من علاقتكِ بالحكايات التراثية؟

- الحكايات مُكوّن أساسي في شخصيتي، ليست فقط «الليالي العربية»، بقدر تربيتي في عائلة تجلّ الحكايات والسِّيَر الشعبية وتتغنى بها. وهذا ليس شيئاً استشراقياً كما يبدو لبعض المثقفين، الذين كبروا في أحضان الطبقة الوسطى، لكنه شيء بديهي وفطري في بيئة صعيدية أو في أجواء الدلتا على ما أظن. وكان تحدياً كبيراً بالنسبة لي أن أكسر القواعد والنصائح المتعارف عليها في عالم الأدب؛ لا تكتب حكاية داخل النص، لا تكتب حلماً داخل النص، لا تكتب أسامي المشاهير، لا لا لا... وغيرها.

هذه النصائح لها وجاهتها، وكسرها مغامرة، قد تنقل النص الجيد لمنطقة الرديء. لكن المثل يقول: «من غير المخاطرة مفيش متعة». وهكذا بروحٍ عنيدة، رُحت أكسر كل تلك المحظورات، لكن في الوقت نفسه بأرق المسؤولية ألا أقع في فخ الاستسهال أو الرداءة.

* وُصِفت روايتك «حشيش سمك برتقال» بأنها قصيدة نثر طويلة، ونلتقي في ديوانكِ «كأنها مغفرة» بشكل «القصة القصيدة»، هل تجدين في التحرر من النوع الأدبي وتصنيفاته لمحة من هُويتكِ الأدبية؟

- أظن أن هذا الوصف عن رواية «حشيش سمك برتقال» هو أكثر وصف أسعدني، رغم ما قد يعنيه من متلفظه باعتباره نقداً سلبياً، لكنني أنحو تجاه رأي كبير يقول إن السرد الطموح يتلمس الشّعر. وهذا التلمس لا يكون بنحت اللغة، لكن بفهم أعمق لجوهر الشِّعر باعتباره مجازاً كُلياً، وتكثيفاً شعورياً لسؤال النص، فإن أردت أن أطرح سؤالاً عن الوحدة، كما في الرواية، فليس من الشطارة إغلاق اللغة على نفسها لتصير قطعة أدبية منفصلة، لكن بشحذ هذه اللغة، ناحية الشعور والمعنى والبناء، لتؤدي جميعها إلى مجاز شامل عن الوحدة. قد يختار كاتب غيري كتابة الحكاية بأخذ مسافة محسوبة عن النص. لا عيب في أيٍّ من الأسلوبين. الفيصل عندي هو الأصالة.

هذا يحيلنا لسؤال عن أسلوب الفنان، وأنا شاعرة - بالمعنى الذي أسلفته - في رؤيتي وفهمي للعالم. ولا أتخلى عنه لصالح ذائقة بعينها، تتوجس من الشعراء الذين يكتبون الروايات! وهكذا فإني أرى الشِّعر في كل نص وبكل طريقة. وأسمح لنفسي أن أكتب أي شكلٍ، سواء كانت سطوراً أو كُتَلاً سردية، وبهذه الطريقة أدخل إلى نصوصي. الشِّعر عندي هو الجوهر، وكل نص يؤدي إليه.

* «العنف» ثيمة تلتقطها كتابتكِ بمزيج من الهشاشة والتعقيد؛ حيث «غضب يخبئ الضعف، وعنف يخبئ العنف، وعنف يخبئ الحب»، كيف تستكشف أعمالكِ العنف؟

- العنف سؤال أساسي في أعمالي. وقد أتوسع فيه داخل رسالة الماجستير التي أحضرها حالياً. يمكن بنظرة أنثوية على العنف، باعتباره شيئاً أكبر من حضوره المادي، لكن بمعناه الرمزي، كما يعرفه المفكر الفرنسي بيير بيرديو، حول علاقات الهيمنة والسلطة، وفرض رؤية للعالم. وأحب أن أشرحه بعقل شاعر وفنان، فأجسده في قصصي باعتباره طريقة للتواصل والهزيمة والعاطفية والمتعة. لا من منطقة الرثاء على الذات أو الرثاء على المرأة.

* رغم انتمائك واعتزازك بأصولك الصعيدية، فإن العاصمة القاهرة تبدو مركزية في أعمالِك، هل تجدينها مُعادلاً لمشاعِر الوحدة والتهميش؟

- لا أعتبر القاهرة معادلاً للوحدة والتهميش، بل أراها ملعباً كبيراً، نلهو ونحيا فيه، تحتمل كل معنى وكل شعور، بداية من الوحدة، مروراً بالأُلفة والعنف والفن إلى المعاني الأكبر كجدوى الوجود ذاته؛ لذلك أنا أدخل لعالم القاهرة بقلب دَخيل ومندهش ومغامر دائماً.

* بدأتِ ديوان «كأنها مغفرة» بالحديث عن المحو والنسيان، وصولاً لنقطة «كل ما أريده هو استعادة الزمن، امتلاكه من جديد كأن كذلك تكون المغفرة»... حدثينا عن مجاز الحياة والمغفرة بين المحو والاستعادة هنا.

- تشغلني دائماً فكرة «المغفرة» كمعنى أساسي لوجودي. وكنت سابقاً أفكر في أن النسيان هو وسيلتي؛ لذلك أنحو إلى المحو وتضييع الأشياء والموجودات. لكن رحلتي داخل الديوان جعلتني أستكشف دوراني حول الزمن، في محاولة لاستعادة لحظات الشقاء والحزن واستبدالها بالشِّعر والفن. ولتمام صِدقي، فهمت أن عليَّ المغفرة من منطقة التسليم بضآلة وجودنا في الحياة، وبحقيقة فنائنا، ومحاولة السير مع الزمن لا باستدعاء الماضي. شعور غير مستدرك، قد يُضيِّع الشِّعر نفسه؛ لأن هذه الحقيقة تدعو إلى التخلي. لكن يمكنها أيضاً أن تضعنا في منطقة أكثر تواضعاً وعزاءً.

* تعملين محررة أدبية، كيف تنظرين إلى الجدل حول أهمية دور المحرر الأدبي الذي لا يزال يُثار في عالمنا العربي إلى اليوم؟

- أتمنى أن تُعطى أهمية كبرى لدور المحرر الأدبي في الوطن العربي، فالمُحرر لا يعيد كتابة النص للكاتب، كما يتخيّل البعض، لكنه عينٌ مُخلِصة تنظر للنص مع الكاتب. وفي أحيان كثيرة حين أقرأ نصوصاً أحس بأنها كان ينقصها تلك العين.

* بعين طائر، كيف تتأملين صوتك ومفاوضاتك مع الكتابة، مع بداياتك في «ساذج وسنتمنتالي» وصولاً إلى «حب عنيف»؟

- سؤال صعب جداً، لكني أحب دائماً تأمل كل تجربة بعد الانتهاء منها، رؤية عيوبها قبل محاسنها. ومن الممكن أن أكون قد أدركت أن لي صوتاً مزعجاً، غير مُستأنس، يثير المتاعب؛ لأنه يريد الوصول لحقيقة وجوهر الأشياء، لكن الحقيقة ليست لكل البشر.


مقالات ذات صلة

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

يوميات الشرق فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

عاشت الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية، فينوس خوري غاتا، حياةً صاخبةً مليئةً بالمتناقضات بين الفرح والألم، والحب والغربة.

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت...

شوقي بزيع

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق
TT

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

أفادت مواقع سورية بالعثور، صباح الخميس، على الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بشخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الشهير، مقتولة داخل منزلها في العاصمة السورية دمشق، ولا تزال ملابسات الحادثة طور التحقيق من الجهات المختصة.

وقالت مواقع فنية سورية إن الممثلة السورية هدى شعراوي (87 عاماً) وُجدت جثة هامدة في منزلها، مشيرةً إلى أن مصادر من عائلتها رجحت تعرضها للقتل، مع وجود شبهات حول تورط خادمتها التي يُعتقد أنها فرّت من المكان بعد وقوع الجريمة.

«أم زكي» الداية الشهيرة في مسلسل «باب الحارة» الفنانة السورية هدى شعراوي (متداولة)

من جهته، أكّد نقيب الفنانين مازن الناطور، في تصريح لمنصة «تأكد»، صحة الأنباء المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول العثور على الممثلة السورية هدى شعراوي مقتولة داخل منزلها.

وأوضح الناطور أن المعلومات الأولية الصادرة عن الطب الشرعي تشير إلى أن الجريمة وقعت ما بين الساعة الخامسة والسادسة صباح يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني)، لافتاً إلى أن المشتبه بها هي خادمة الضحية، التي لا تزال متوارية عن الأنظار حتى الآن.

القبض على المشتبه بها

وأعلن المحامي العام في دمشق، مساء الخميس، إلقاء القبض على المشتبه بها في جريمة قتل الفنانة السورية هدى شعراوي.

وقال القاضي حسام خطاب، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا): «تم إلقاء القبض على المشتبه بها في قتل الفنانة القديرة هدى شعراوي، وقد اعترفت خلال التحقيقات الأولية بإقدامها على ارتكاب الجريمة».

وأضاف أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف جميع ملابسات الحادثة.

ونقلت الوكالة عن قائد الأمن الداخلي في دمشق، العميد أسامة عاتكة، قوله: «في إطار المتابعة الفورية لحادثة مقتل المواطنة هدى الشعراوي، وردت معلومات عصر اليوم تفيد بالعثور عليها متوفاة داخل منزلها، وبعد مباشرة التحقيقات وجمع الأدلة، تبين أن الوفاة وقعت صباح اليوم نتيجة تعرّض المجني عليها لاعتداء بأداة صلبة أدّى إلى نزيف حاد، وقد نُقل الجثمان إلى الطبابة الشرعية بانتظار التقرير الطبي النهائي». وأضاف أن «التحقيقات الأولية أظهرت الاشتباه بخادمتها المدعوة فيكي أجوك، من الجنسية الأوغندية، التي غادرت المنزل عقب وقوع الجريمة، وعلى إثر ذلك، تابعت الوحدات المختصة تحركات المشتبه بها، وتمكّنت من إلقاء القبض عليها مساء اليوم، حيث أقرّت خلال التحقيق بارتكابها الجريمة، فيما تستمر التحقيقات لكشف دوافع الجريمة وملابساتها تمهيداً لإحالة الملف إلى القضاء المختص».

ونعت نقابة الفنانين السوريين الراحلة عبر بيان رسمي شاركته عبر معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت فيه: «فرع دمشق لنقابة الفنانين ينعى إليكم وفاة الزميلة الفنانة القديرة هدى شعراوي، وسنوافيكم لاحقاً بموعد التشييع والدفن وموعد التعزية. إنا لله وإنا إليه راجعون».

وبحسب مواقع تحدثت عن مسيرتها، دخلت هدى شعراوي عالم الفن في سن مبكرة، وبدأت عملها في الإذاعة السورية وهي في التاسعة من عمرها، وقدمت العديد من الأعمال الإذاعية المميزة، مثل مسلسل «صرخة بين الأطلال» و«حكم العدالة».

ورغم اعتراض أهلها الشديد على دخولها الوسط الفني، فإنها تمكنت من الحصول على موافقتهم بعد وساطة من وزير الإعلام في سوريا آنذاك.

أدّت شعراوي أكثر من 50 دوراً في المسلسلات السورية، منها مشاركاتها في أعمال مثل «أيام شامية»، و«عيلة خمس نجوم»، و«ليالي الصالحية»، و«الخوالي» و«بيت جدي». لكن الدور الأبرز في مسيرتها كان شخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الذي استمر أكثر من 10 أعوام، ما جعلها تُعرف بهذا الاسم في حياتها العامة.

وكان آخر ظهور إعلامي لها عبر برنامج «السؤال الأخير» على شاشة تلفزيون «الثانية» في تلفزيون سوريا، حيث استعرضت محطات من مسيرتها الفنية وتجربتها الطويلة في الدراما السورية.


صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
TT

سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.

يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

رسم الأبراج الفلكية والدوائر الفلكية على قبة قصر عمرة (عمرا)، أحد قلاع الصحراء الواقعة في شرق الأردن (شترستوك)

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

واجهة قصر قصر مشطة في متحف بيرغامون للفن الإسلامي في 7 أبريل 2017 في برلين (شترستوك)

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.

قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.

حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.

في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.

يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.