عدد الجياع في العالم يواصل ارتفاعه مع تفاقم الأزمات العالمية

مسؤول في «فاو» لـ«الشرق الأوسط»: دول الخليج حمت نفسها من الصدمات الكبرى

واحد من كل خمسة في أفريقيا يعاني من الجوع (فاو)
واحد من كل خمسة في أفريقيا يعاني من الجوع (فاو)
TT

عدد الجياع في العالم يواصل ارتفاعه مع تفاقم الأزمات العالمية

واحد من كل خمسة في أفريقيا يعاني من الجوع (فاو)
واحد من كل خمسة في أفريقيا يعاني من الجوع (فاو)

نحو 733 مليون شخص واجهوا الجوع في العام الماضي، أي ما يعادل واحداً من كل أحد عشر شخصاً على مستوى العالم، وواحداً من كل خمسة في أفريقيا، وفقاً لأحدث تقرير عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم نشرته خمس وكالات متخصصة تابعة للأمم المتحدة.

ويشكل الجوع وانعدام الأمن الغذائي في العالم تحديات حاسمة تؤثر على ملايين الناس في جميع أنحاء العالم.

التقرير السنوي، الذي تم إطلاقه هذا العام في سياق الاجتماع الوزاري لفريق عمل التحالف العالمي لمكافحة الجوع والفقر التابع لمجموعة العشرين في البرازيل، حذر من أن العالم يتخلف بشكل كبير عن تحقيق هدف التنمية المستدامة الثاني؛ أي القضاء على الجوع، بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن العالم تراجع 15 عاماً إلى الوراء، مع مستويات من نقص التغذية مماثلة لتلك التي كانت في الفترة 2008 - 2009.

ورغم بعض التقدم في مجالات محددة مثل التقزم والرضاعة الطبيعية الحصرية، لا يزال عدد مثير للقلق من الأشخاص يواجهون انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية مع ارتفاع مستويات الجوع في العالم.

يقول مدير شعبة اقتصاديات الأغذية الزراعية في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، ديفيد لابورد، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن مستويات الجوع العالمية شهدت زيادة كبيرة خلال جائحة «كوفيد» (أكثر من 152 مليون شخص)، وإن أي تسحن لم يسجل خلال العامين الماضيين.

ويعاني اليوم 733 مليون شخص في العالم من الجوع المزمن، و2.3 مليار شخص من انعدام الأمن الغذائي، بحسب لابورد، ارتكازاً إلى ما جاء في التقرير الأممي.

وقال: «لعبت الأزمة الاقتصادية العالمية وما ترتب عليها من تداعيات، دوراً حاسماً في زيادة انعدام الأمن الغذائي وأبقت هذه الأرقام عند مستويات عالية. وتشكل هذه العوامل مجتمعةً، إلى جانب الصدمات المناخية والنزاعات، الدوافع الرئيسية المسببة للجوع».

وأشار إلى أمرين إضافيين؛ الأول هو أن انعدام الأمن الغذائي يرتبط ارتباطاً جوهرياً بأوجه عدم المساواة، والثاني هو أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة (التضخم)، إلى جانب أسعار الفائدة المرتفعة - التي تسببت في خلق أزمة ديون في البلدان الفقيرة - تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة (داخل البلدان وفيما بينها).

مدير شعبة اقتصاديات الأغذية الزراعية في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) ديفيد لابورد

ولفت لابورد إلى أن المستويات الحالية للجوع تماثل تلك التي لوحظت في الفترة 2008 - 2009، خلال ذروة الركود الكبير الناجم عن الأزمة الماليةـ واستطرد قائلاً: «لكن في ذلك الوقت، كان الوضع العالمي مختلفاً، فقد كان الوضع الجيوسياسي أكثر استقراراً، وكان تغير المناخ والأحداث المناخية الشديدة لا تزال معتدلة مقارنة بحالها اليوم، وكانت أسعار الفائدة منخفضة (وظلت منخفضة لسنوات عديدة)، مما أدى إلى خلق حالة تعافٍ أكثر شمولاً. لكن هذا ليس هو الحال اليوم، فعلى الرغم من أننا نشهد بعض التعافي الاقتصادي البطيء نسبياً، فإن مستوياته متفاوتة ولم يكن له أي تأثير في خفض الجوع على مستوى العالم. ولم تتمكن سوى بعض البلدان، في آسيا أو أميركا اللاتينية، من تحقيق أداء أفضل».

البلدان الأكثر تأثراً

وأوضح لابورد أن البلدان الأكثر تأثراً بتزايد الجوع هي تلك التي تواجه النزاعات والصدمات المناخية والتباطؤ الاقتصادي وارتفاع مستوى عدم المساواة.

على سبيل المثال، شهدت البلدان المتأثرة بالنزاعات ارتفاعات في معدل انتشار الجوع من 25 في المائة في عام 2018 إلى 29 في المائة في عام 2023.

كما شهدت البلدان المتأثرة بالظواهر المناخية الشديدة زيادة في انتشار الجوع من 32 في المائة في عام 2018 إلى 35 في المائة في عام 2023.

وتواجه بعض البلدان، وخاصة في القرن الأفريقي أو منطقة الساحل، مزيجاً من الصدمات الكبيرة (النزاعات والمناخ).

امرأة وطفلها في جنوب السودان حيث حولت الحرب الأراضي الزراعية إلى ساحات قتال (فاو)

الدول العربية

ولكن إلى أي مدى تأثرت الدول العربية بالجوع؟ يجيب لابورد: «تأثرت الدول العربية بشدة بالتطورات الأخيرة. وإذا أخذنا مثالاً على ذلك منطقة شمال أفريقيا (بما في ذلك السودان)، فإن معدل انتشار الجوع هناك (تقييد السعرات الحرارية) يبلغ 7.8 في المائة، وهو أقل من المتوسط العالمي، لكنه الأعلى المسجل منذ عام 2008. وتمثل هذه النسبة 20.7 مليون شخص، أو زيادة بإجمالي 8 ملايين نسمة، مقارنة بعام 2015 عندما تم إطلاق جدول أعمال التنمية المستدامة».

وشرح أن ما تعانيه المنطقة لا يتعلق بالحرمان من السعرات الحرارية بقدر ما يتعلق بحالة انعدام الأمن الغذائي الأوسع (أي نقص الغذاء الكافي على أساس منتظم)؛ إذ أثّر انعدام الأمن الغذائي الحاد والمعتدل على 33.4 في المائة من السكان، أي بزيادة 5 في المائة مقارنة بمستوياته قبل 5 سنوات.

وفي بلدان عربية أخرى، فإن الوضع مثير للقلق لا سيما في اليمن وسوريا. وفي الوقت نفسه، لا تظهر الأرقام في العراق أي علامة على التحسن.

دول مجلس التعاون الخليجي

وعما إذا كانت جهود التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي تساعد في تعزيز مستويات الأمن الغذائي، قال لابورد: «يعد التوجه نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، وتعزيز القدرة على الاعتماد على مصادر متنوعة للإمدادات الغذائية، من المحركات المهمة للمرونة والاستقرار في الأمن الغذائي. وتمكنت دول مجلس التعاون الخليجي من حماية نفسها من الصدمات الكبرى، ويرجع ذلك أساساً إلى ارتفاع مستوى دخلها وقدرتها على دفع فاتورة وارداتها دون أي صعوبات». وأضاف: «سيظل النمو الاقتصادي على المدى الطويل عنصراً رئيسياً في خطط هذه البلدان، كما أن تنويع اقتصادها هو جزء من استراتيجيتها طويلة المدى».

وعن توقعات منظمة الأغذية والزراعة لخفض عدد الجياع في العالم في ظل غياب التمويل، حذر لابورد من أنه «إذا ظلت الأمور كما هي عليها الآن، دون مزيد من التمويل من جهة، ودون نزاعات أو صدمات مناخية كبرى جديدة من جهة أخرى، فإن تقديراتنا تشير إلى أن 581.7 مليون شخص سيظلون يعانون من الجوع المزمن بحلول عام 2030، منهم 308 ملايين في أفريقيا». وشدد على أن تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، وهو القضاء على الجوع، لن يكون ممكناً دون دفعة كبيرة من حيث التمويل.

تحسين الأمن الغذائي

وعما إذا كانت لديه اقتراحات حول الآليات التي يجب أن تتبعها الحكومات من أجل تحسين الأمن الغذائي، قال: «رغم استقرار الأرقام العالمية، فإننا نشهد تحسنات في آسيا وأميركا اللاتينية، ما يدل على أن السياسات والظروف الصحيحة يمكن أن تؤدي إلى خفض الأرقام». وأضاف: «الجوع ليس قدراً محتوماً. إن الاستثمار في شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفقراء، مع القيام بالتغييرات الهيكلية في نظم الأغذية الزراعية لجعلها أكثر مراعاة للبيئة وأكثر مرونة وعدالة هو الطريق الصحيح للمستقبل. لكنه يتطلب تحديد أولويات واضحة من قبل صانعي السياسات إلى جانب استراتيجية منسقة ومنظمة. ونقترح في التقرير عن حالة الجوع في عام 2024 إطاراً واضحاً لمناقشة الإجراءات وقياسها وتوجيهها».


مقالات ذات صلة

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

الاقتصاد منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

أفاد البنك الدولي بأنَّ الهند شهدت انتشال نحو 496 مليون شخص من براثن الفقر بين 2011 و2023، وذلك في واحد من أسرع معدلات الانخفاض لهذا المؤشر على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر أنباء عن استعداد البرلمان الجزائري لمنح الرئيس عبد المجيد تبون تفويضاً يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تقرير إخباري مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

تقرير إخباري عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام العمال الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه نهاية كل يوم

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
الاقتصاد تقديم طعام للأطفال الأيتام في مخيم بروام للنازحين داخلياً بجنوب كردفان بالسودان 22 يونيو 2024 (رويترز)

تراجع التقدم العالمي في مكافحة الجوع... وتفاقم الأزمة بأفريقيا

لم يعد العالم يحقق تقدماً يُذكر في مكافحة الجوع، بل إن الوضع بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يتدهور منذ عام 2018.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 2010، ليصل عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد إلى نحو 1.2 مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تركيا تعيّن محسن أتشي رئيساً لـ«هيئة أسواق المال»

بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
TT

تركيا تعيّن محسن أتشي رئيساً لـ«هيئة أسواق المال»

بورصة إسطنبول (موقع البورصة)
بورصة إسطنبول (موقع البورصة)

عيّنت تركيا محسن أتشي رئيساً لـ«هيئة أسواق المال (SPK)»، وأرسين بشار إكمكجي نائباً للرئيس، بموجب قرار وقّعه الرئيس رجب طيب إردوغان ونُشر في الجريدة الرسمية الأحد.

ويخلف أتشي في المنصب محمود سوتشو، الذي أُقيل في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وكان أتشي يشغل سابقاً منصب رئيس «هيئة التدقيق الضريبي» في تركيا.

كما نصّ القرار على تعيين ياسمين غريجي عضواً في مجلس «الهيئة».


«علم» ترفع أرباحها الفصلية 39 % إلى 207 ملايين دولار

مبنى شركة «علم» (موقع صندوق الاستثمارات العامة)
مبنى شركة «علم» (موقع صندوق الاستثمارات العامة)
TT

«علم» ترفع أرباحها الفصلية 39 % إلى 207 ملايين دولار

مبنى شركة «علم» (موقع صندوق الاستثمارات العامة)
مبنى شركة «علم» (موقع صندوق الاستثمارات العامة)

حققت شركة «علم» صافي ربح بلغ 778 مليون ريال (207.5 مليون دولار) خلال الربع الثالث من عام 2026، بارتفاع نسبته 39.2 في المائة، مقارنة بـ559 مليون ريال (149.1 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام السابق.

وأوضحت الشركة، في بيان على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، أن ارتفاع صافي الربح جاء نتيجة نمو الإيرادات بنسبة 10.1 في المائة، مما أسهم في زيادة إجمالي الربح بنسبة 18.3 في المائة، إلى جانب انخفاض المصاريف التشغيلية بنسبة 2.75 في المائة، مدعوماً بتراجع المصاريف العمومية والإدارية ومصروف الخسائر الائتمانية المتوقعة ومصاريف البحث والتطوير. كما ارتفعت عوائد ودائع المرابحة والحصة من نتائج الشركات الزميلة والمشاريع المشتركة، وانخفضت المصاريف التمويلية، وقابل ذلك جزئياً ارتفاع المصاريف البيعية والتسويقية ومصروف الاستهلاك والإطفاء والزكاة.

وارتفعت إيرادات الشركة بنسبة 10.1 في المائة إلى 2.79 مليار ريال (744.3 مليون دولار) خلال الربع الثالث، مقارنة بـ2.54 مليار ريال (676 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام السابق، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نمو إيرادات قطاع الأعمال الرقمية بنسبة 19.9 في المائة، قابله انخفاض إيرادات قطاع إسناد الأعمال بنسبة 14.16 في المائة، وقطاع الخدمات الاحترافية بنسبة 2.13 في المائة.

وعلى مستوى الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ارتفع صافي ربح الشركة بنسبة 18.4 في المائة إلى 1.95 مليار ريال (519.2 مليون دولار)، مقارنة بـ1.64 مليار ريال (438.4 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام السابق.

وأرجعت الشركة ارتفاع صافي الربح إلى نمو الإيرادات بنسبة 17 في المائة، مما أسهم في زيادة إجمالي الربح بنسبة 21.3 في المائة، إلى جانب تسجيل مكاسب غير متكررة بقيمة 59 مليون ريال نتيجة إعادة تقييم حصة ملكية محتفظ بها سابقاً في شركة زميلة بالقيمة العادلة، إثر الاستحواذ على حصة مسيطرة خلال الفترة، وارتفاع عوائد ودائع المرابحة والحصة من نتائج الشركات الزميلة والمشاريع المشتركة. وقابل ذلك ارتفاع المصاريف التشغيلية والتمويلية ومصروف الزكاة، إلى جانب انخفاض بعض الإيرادات والمكاسب الأخرى.

وارتفعت إيرادات «علم» خلال الفترة بنسبة 17 في المائة إلى 7.79 مليار ريال (2.08 مليار دولار)، مقارنة بـ6.66 مليار ريال (1.77 مليار دولار) في الفترة المماثلة من العام السابق، مدفوعة بنمو إيرادات قطاع الأعمال الرقمية بنسبة 21.43 في المائة، وقطاع إسناد الأعمال بنسبة 5.77 في المائة، وقطاع الخدمات الاحترافية بنسبة 7.41 في المائة.


«بينانس» تستأنف السحوبات تدريجياً بعد اختراق قياسي تجاوز 6 مليارات دولار

TT

«بينانس» تستأنف السحوبات تدريجياً بعد اختراق قياسي تجاوز 6 مليارات دولار

رموز للعملات المشفرة أمام شعار منصة «بينانس» (رويترز)
رموز للعملات المشفرة أمام شعار منصة «بينانس» (رويترز)

استأنفت منصة «بينانس»، أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم من حيث حجم التداول اليومي، عمليات سحب الأصول الرقمية على مراحل، الأحد، بعد تعليقها لأكثر من يومين إثر اختراق إلكتروني استهدف المنصة، وأسفر عن سرقة أصول رقمية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، في واحدة من أكبر عمليات السطو الإلكتروني المسجلة في قطاع العملات المشفرة.

وجاء استئناف السحوبات بعد أن أعلنت المنصة التزامها بتغطية الخسائر الناجمة عن الهجوم من أموال الشركة، مؤكدة أنها وفّرت بالفعل ما يعادل نحو 90 في المائة من العملات المشفرة التي استولى عليها القراصنة، وأنها ستتحمل الأثر المالي للعملية بالكامل، من دون تحميل المستخدمين أي خسائر.

وقالت «بينانس» عبر حسابها على منصة «إكس» إن المرحلة الأولى من استئناف السحوبات بدأت في نحو الساعة الثانية بعد ظهر الأحد بتوقيت سنغافورة، وشملت في بدايتها شبكة «بتكوين»، على أن تتوسع تدريجياً لتشمل 15 رمزاً رقمياً، من بينها «إيثر» والعملتان المستقرتان «تيذر» (USDT) و«يو إس دي سي» (USDC) الصادرتان عن شركة «سيركل».

وأوضحت المنصة أنها تتبع نهجاً تدريجياً في إعادة فتح عمليات السحب، مع إعطاء الأولوية للعملات التي سجلت طلباً أكبر من المستخدمين خلال الأسبوع الماضي، على أن تخضع كل شبكة وزوج من الأصول لفحوص الاستقرار والأمان قبل إعادة إتاحة السحب.

وأضافت الشركة أنها حدّثت قائمة عناوين إثبات الاحتياطيات لتشمل عناوين محافظ جديدة أنشأتها في إطار استجابتها الأمنية للهجوم، مشيرة إلى أن عمليات السحب ستتم مستقبلاً من هذه العناوين الجديدة.

«بينانس» تتعهد بتغطية الخسائر

وأكدت «بينانس» أن الأموال المسروقة لن يتحملها المستخدمون، وقالت إن الشركة ستغطي الأثر المالي الكامل للعملية. وكانت قد أعلنت في وقت سابق تخصيص أكثر من 6.34 مليار دولار من أموالها لتغطية الخسائر، مشيرة إلى أنها استخدمت أموال الشركة لشراء العملات اللازمة لتعويض نحو 90 في المائة من الأصول التي جرى الاستيلاء عليها.

وأوضحت أن النسبة المتبقية، البالغة نحو 10 في المائة، تتكون من عملات أقل سيولة، مما قد يجعل توفير الكميات المطلوبة منها يستغرق وقتاً أطول.

وقال ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك لـ«بينانس»، في تسجيل مصور نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن قدرة الشركة على تغطية الخسائر ترتبط باستمرارها في استثمار جزء من إيراداتها في العملات المشفرة.

من جانبها، قالت يي هي، الرئيسة التنفيذية المشاركة، إن إيرادات الشركة خلال العام الحالي ستكون كافية لتغطية قيمة الأصول التي فُقدت في الهجوم بالكامل.

شانغبينغ تشاو مؤسس «بينانس» يدخل المحكمة الفيدرالية في سياتل عام 2024 (أ.ب)

مكتب التحقيقات الفيدرالي يتهم كوريا الشمالية

وفي تطور لافت في التحقيقات، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي)، السبت، أن كوريا الشمالية تقف وراء سرقة أصول رقمية تزيد قيمتها على 6 مليارات دولار من «بينانس»، في هجوم وقع في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وربط المكتب العملية بمجموعة القرصنة الكورية الشمالية المعروفة باسم «تريدر ترايتور» (TraderTraitor)، وهي المجموعة نفسها التي اتُّهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «باي بت» في فبراير (شباط) 2025، الذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار، وكان الأكبر من نوعه قبل الهجوم الأخير على «بينانس».

وقال المكتب إنه رصد قيام المهاجمين بتحويل الأصول المسروقة إلى عملة «إيثيريوم»، متوقعاً أن يحاولوا غسلها لاحقاً عبر منصات التمويل اللامركزي وخدمات المبادلة الفورية. كما دعا الجهات العاملة في القطاع الخاص إلى حظر المعاملات المرتبطة بالعناوين التي يستخدمها المهاجمون في نقل الأصول وإخفاء مصدرها.

وكانت شركات متخصصة في تحليل بيانات شبكات «البلوك تشين»، من بينها «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إليبتك»، قد أشارت بدورها إلى صلات محتملة بين الهجوم وجهات قرصنة كورية شمالية.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدى تحفظاً على تأكيد مسؤولية بيونغ يانغ، وقال للصحافيين في فلوريدا، مساء السبت، إن السلطات لا تزال تتعلم تفاصيل الواقعة، مضيفاً: «لا نعرف ما إذا كانت كوريا الشمالية وراء ذلك».

هبوط العملات المشفرة ثم تعافٍ نسبي

وأدى الإعلان عن الاختراق، الجمعة، إلى موجة تراجع في أسعار العملات المشفرة الرئيسية، وسط مخاوف من تداعيات الهجوم على سلامة أصول المستخدمين والثقة في منصات التداول.

وانخفضت «بتكوين» بنحو 5 في المائة عقب انتشار أنباء الاختراق، فيما تراجعت «إيثيريوم» بنحو 6 في المائة، وهبطت عملة «بي إن بي» التابعة لمنصة «بينانس» بنحو 10 في المائة.

لكن الأسعار سجلت استقراراً نسبياً الأحد، مع بدء استئناف السحوبات وتعهد المنصة بتغطية الخسائر. وجرى تداول «بتكوين» عند نحو 77 ألفاً و800 دولار، أي أقل بنحو 5 في المائة من أعلى مستوياتها المسجلة الخميس، قبل الإعلان عن الهجوم.

وقال حسيب قريشي، الشريك الإداري في صندوق رأس المال الاستثماري «دراغونفلاي»، إن سرعة استجابة القطاع للأزمة تعكس، إلى حد ما، مدى تطور صناعة العملات المشفرة، مشيراً إلى أن التعامل مع تداعيات الهجوم جرى بوتيرة سريعة.

ثغرات أمنية ومخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي

وأفادت «بينانس» في وقت سابق بأن الحادثة ربما بدأت من خلال اختراق حاسوب محمول لأحد مهندسي البرمجيات، إلى جانب وجود نقاط اختراق إضافية، لكنها قالت إنها لم تجد دليلاً على تسريب المفاتيح الخاصة بالمحافظ الرقمية.

وأعاد الهجوم تسليط الضوء على المخاطر الأمنية التي تواجه منصات تداول العملات المشفرة، خصوصاً مع تزايد التحذيرات من إمكان استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات القراصنة، بما في ذلك جمع المعلومات وتنفيذ هجمات الهندسة الاجتماعية التي تستهدف العاملين في المؤسسات.

وتعرضت منصات وشركات مالية أخرى خلال الفترة الأخيرة لهجمات إلكترونية، من بينها منصة التنبؤات «بولي ماركت»، وشركتا الاستثمار المالي الكوريتان الجنوبيتان «ميراي أسيت غلوبال إنفستمنتس» و«دايشين سيكيوريتيز»، إضافة إلى منصة تداول العملات «جي إم أو إنترنت غروب» اليابانية.

وتبرز ضخامة «بينانس» في سوق الأصول الرقمية حجم المخاطر المحتملة لأي اختراق تتعرض له؛ إذ تحتفظ المنصة بأصول تقدر بنحو 135 مليار دولار، مقارنة بنحو 29 مليار دولار لدى منصة «أو كي إكس»، ثاني أكبر منصات التداول، وفق بيانات «ديفاي لاما».

وتدير «بينانس» أيضاً صندوقاً احتياطياً لتأمين أصول المستخدمين في الحالات الاستثنائية، يعرف باسم «صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين» (SAFU)، أُنشئ عام 2018، ويُحتفظ به عادة عند مستوى يقارب مليار دولار، مع تغير قيمته تبعاً لتحركات السوق.

ويضع الهجوم الأخير هذا الصندوق، إلى جانب تعهد الشركة باستخدام مواردها الخاصة لتغطية الخسائر، تحت اختبار جديد بشأن قدرة منصات العملات المشفرة على حماية أصول العملاء والحفاظ على الثقة في أنظمة التداول الرقمية.