شعر بالعزلة والإحباط والغضب... كواليس قرار بايدن الانسحاب من سباق الرئاسة

الأداء «الكارثي» أمام ترمب واستطلاعات الرأي وفرار المانحين عجّلت بقراره

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

شعر بالعزلة والإحباط والغضب... كواليس قرار بايدن الانسحاب من سباق الرئاسة

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

وسط مجموعة من المستشارين الموثوقين والسيدة الأولى جيل بايدن في منزل عطلته على ساحل ديلاوير مساء (السبت)، فكر الرئيس جو بايدن في مسيرته السياسية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، وبدأ يستنتج أنها قاربت على الوصول لنهايتها.

وبحسب أشخاص مطلعين على كواليس القرار، فإن بايدن شعر بالعزلة والإحباط والغضب، وشعر بالخيانة من قبل الحلفاء الذين انقلبوا عليه في وقت احتياجهم. وقال شخص على اتصال بالدائرة الداخلية لبايدن: «هو غاضب حقاً»، حسبما نقلت شبكة «إن بي سي».

وقال أحد كبار مستشاري حملة بايدن لشبكة «سي إن إن» إن قراره النهائي بمغادرة السباق تم التوصل إليه في الـ48 ساعة الماضية، حيث استشار العائلة وكبار المستشارين عبر الجوال أثناء تعافيه من «كوفيد - 19». وقال مصدر مطلع على الأمر للشبكة الأميركية إن خطط الخروج من السباق بدأت مساء السبت وتم الانتهاء منها يوم الأحد.

وأتى الإعلان عن انسحاب بايدن من السباق الرئاسي في وسط النهار أمس (الأحد) بالتوقيت المحلي. وبعد تكهنات استمرت ثلاثة أسابيع بسبب تراجع قدراته الذهنية ووضعه الجسدي، حزم الرئيس السادس والأربعون للولايات المتحدة جو بايدن البالغ 81 عاماً أمره وقرر عدم خوض الانتخابات المقررة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في مواجهة دونالد ترمب.

دائرة ضيقة... وتوقيت مفاجئ

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن بايدن أصبح يقبل على مضض أنه لا يستطيع الحفاظ على حملته مع تراجع أرقام استطلاعات الرأي، وفرار المانحين، ودفعه نجوم الحزب إلى الخروج. وأفاد التقرير بأن بايدن ربما كان أبطأ من الديمقراطيين الآخرين في إجراء هذه الحسابات، لكنه فهمها بالكامل بحلول ليلة السبت.

وفي مكالمات هاتفية منفصلة أمس (الأحد)، أخبر بايدن نائبته كامالا هاريس، ورئيس موظفي البيت الأبيض، جيف زينتس، ورئيسة حملته، جين أومالي ديلون، أنه سيتخلى عن محاولة إعادة انتخابه.

ولم يتشاور بايدن إلا مع عدد قليل جداً من مساعديه المقربين بشأن القرار. وقد تُرك بعض أعضاء دائرته الداخلية دون علم حتى دقائق قبل أن ينشر إعلانه على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك أحد أقرب مستشاري الاتصالات له، أنيتا دان، وفقا لـ«سي إن إن». وعدت وسائل إعلام أميركية اضطرار بايدن لإبلاغ مستشاريه بهذه الطريقة أنها تؤكد مدى تضييق دائرته في الأيام الأخيرة على أفراد الأسرة وعدد قليل من المساعدين والمستشارين القدامى مايك دونيلون، وستيف ريتشيتي، وأنتوني برنال، وآني توماسيني.

الرئيس الأميركي جو بايدن يحضر حفل وسام الشرف في البيت الأبيض بواشنطن 3 يوليو 2024 (أ.ب)

وعلى الرغم من أن انسحاب بايدن من السباق الرئاسي ليس مفاجأة للبيت الأبيض ومسؤولي الحملة، فإن التوقيت كان مفاجأة حقيقية عندما نشر بايدن منشوره على موقع «إكس». وسارع كبار مساعدي بايدن إلى عقد اجتماعات منفصلة للتحدث مع الموظفين في البيت الأبيض والحملة، لطمأنة المساعدين السياسيين بأن وظائفهم آمنة.

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن أداء بايدن في المناظرة في 27 يونيو (حزيران) أمام ترمب كان «الأكثر كارثية» في التاريخ السياسي الأميركي الحديث، إذ فشل بايدن في طمأنة زملائه الديمقراطيين، أو ما يكفي منهم، في ظهوره العلني التالي. كما عجل بالقرار قطع كبار المانحين الأموال عن حملته والحزب. حيث بدأ المسؤولون المنتخبون في مطالبته بالتخلي عن محاولته. قالت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي من كاليفورنيا، والعضو البارز في الحزب الديمقراطي، إنه لا يزال يتعين عليه اتخاذ قرار، بعد أن أصر على أنه اختار البقاء في السباق.

وفي السياق، أشار تقرير لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية نقلاً عن شخص لديه معرفة مباشرة بأن بايدن تحدث مع بيلوسي أول من أمس (السبت)، رغم نفي رسمي لمكتبها عقب تلك الأنباء.

توقيت غير مسبوق

إلى ذلك، عدَّ تقرير لسبكة «سي إن إن» أن إعلان بايدن انسحابه من السباق الرئاسي كان بطريقة بسيطة من خلال منشور عبر موقع «إكس»، للكشف عن أحد أكثر القرارات التاريخية في السياسة الأميركية الحديثة، لكن الوقت لم يكن في صالح بايدن للتوصل إلى قرار أو إصدار إعلان.

وأفادت «سي إن إن» بأنه لم يحدث من قبل أن غادر أي رئيس سباق إعادة انتخابه بهذا القدر من القرب من يوم الانتخابات. ولمدة 24 يوماً بدا كما لو أنه كان يخطط بعناد للتغلب على العاصفة التي أعقبت مناظرته أمام ترمب في أتلانتا. كما أشار تقرير لشبكة «سي إن إن» إلى أن بايدن أصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى، ولم يتمكن من الصمود أمام الضغط الذي يجري وراء الكواليس وفي العلن.

الرئيس جو بايدن يغادر بعد أن تحدث من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض في واشنطن 24 أغسطس 2021 (أ.ب)

وتوقع كبار مساعدي بايدن أن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وهما ديمقراطيان، من المرجح أن يدعو كلاهما بايدن علناً إلى التنحي بعد اجتماعه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع.

والتقى بايدن أيضاً مع دونيلون وريكيتي يوم السبت. وأشار تقرير شبكة «إن بي سي» إلى أنهما أطلعا بايدن «بكل شيء حرفياً» - بما في ذلك استطلاعات الرأي القاتمة في الولايات التي تشهد منافسة - حول المسار المحتمل للمضي قدماً، ووفقاً لمصادر، فإن المساعدين الموثوقين لم يقدما أي توصية بشأن ما يجب عليه فعله. وكان شعورهما أن بايدن قد اتخذ قراره بالفعل بالانسحاب، وأن تلك المناقشة عززت قراره.

رجل يخاطر بإرثه

والخميس، قال كبير موظفي البيت الأبيض السابق رون كلاين إن بايدن «يشعر بالضغط». وفي ليلة الجمعة، وفقاً للشخص الذي كان على اتصال بدائرته الداخلية، فإنه لم يكن قد غيّر رأيه بعدُ.

وقد أخبره أصدقاؤه أنه يخاطر بإرثه - بوصفه الرجل الذي هزم دونالد ترمب وسن سلسلة من القوانين الرئيسية - ويمكن أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح كبش فداء إذا تعرض الديمقراطيون لهزيمة كبيرة في نوفمبر. وكان لا يزال يعتقد، حتى نهاية هذا الأسبوع على الأقل، أنه قادر على الفوز مرة أخرى.

وفي عام 2020 وعد بايدن بأن يكون «الجسر» للجيل التالي. وفي النهاية، لم يكن يريد أن يكون جسراً بين فترتين لترمب.

وقال سيدريك ريتشموند، المسؤول السابق في البيت الأبيض، والذي كان رئيساً مشاركاً لحملة بايدن لعام 2020، أمس (الأحد): «لقد أصبح الوضع لا يتجه نحو الفوز. وبمجرد نضوب الأموال وسحب المسؤولين المنتخبين دعمهم، سيصبح من المستحيل الفوز».

وبحلول الوقت الذي أجرى فيه بايدن مكالمة هاتفية مع مجموعته الكاملة من كبار المستشارين في الساعة 1:45 مساءً بالتوقيت المحلي أمس (الأحد)، تم بالفعل كتابة بيان رسمي يعلن قراره. وبعد دقيقة واحدة، نشر حساب بايدن عبر موقع «إكس» الخاص به هذا البيان، وأخبر الجمهور أنه سيبقى في منصبه لكنه سيتنازل عن ترشيح حزبه - مما جعله أول رئيس حالي مؤهل يفعل ذلك منذ ليندون جونسون في عام 1968.

وقال بايدن في رسالته: «أعتقد أنه من مصلحة حزبي وبلدي أن انسحب، وأن أركّز فقط على مهامي بوصفي رئيساً إلى حين انتهاء ولايتي».

وبعد أقل من 30 دقيقة من ذلك، أيد بايدن كاميلا هاريس، بوصفها «الخيار الأفضل» للتغلب على ترمب في سباق ينطلق بعد أربعة أشهر. وجاء في بيان التأييد أنه يمكنها تقديم رؤية واضحة وموحدة لمستقبل الولايات المتحدة.

الرئيس جو بايدن مع نائبته كاميلا هاريس في البيت الأبيض (أرشيفية - أ.ب)

وبعد إعلانه، أجرى بايدن ما بين 40 إلى 50 مكالمة هاتفية بشأن قراره مساء أمس (الأحد).

وفي الأيام الأخيرة، مع تزايد الدعوات المطالبة بالتنحي، طلب بايدن الاطلاع على استطلاعات الرأي التي طلبتها حملته حول كيفية أداء هاريس، ووفقاً لشخصين مطلعين على الأمر، قالوا لشبكة «إن بي سي» إنه قام أيضاً بمراجعة الاستطلاعات العامة لأنه يريد معرفة المزيد عن موقفها ضد ترمب. وقال الشخصان المطلعان على الأمر إن استطلاعات رأي هاريس كانت متشددة للغاية، ولم يتم تعميمها إلا على عدد قليل من كبار مساعدي الحملة، بما في ذلك دونيلون وأومالي ديلون.

عوامل سياسية أم صحية؟

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن قرار بايدن يتوقف بالكامل على عوامل سياسية، وليس على مخاوف بشأن صحته أو قدرته على القيام بعمله. وقال مسؤول كبير في الإدارة إنه لا توجد معلومات طبية جديدة تحدد قرار بايدن، رغم أنه قال بنفسه مؤخرا إنه قد يعيد النظر في ترشيحه إذا ظهرت «حالة طبية ما». كما أكد مسؤول كبير في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن» أن قرار بايدن لا علاقة له بأي مشاكل طبية.

ولا يزال بايدن يتعافى من تشخيص إصابته بفيروس «كورونا - 19»، وبقي في منزله في ريهوبوث بيتش بولاية ديلاوير طوال عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته السيدة الأولى جيل بايدن.

وراقب أطباء حالة بايدن الصحية في الأيام الأخيرة بعد إعلان تشخيصه بالإصابة بـ«كوفيد - 19» وقام بإجراء فحوصات الدم المتعلقة به، ولم يخضع بايدن لأي اختبارات أو فحوصات طبية مكثفة في الأيام الأخيرة. وذكر التقرير أن آخر حالة بدنية شاملة له كانت في فبراير (شباط).

وأوضح بايدن أنه «سيتحدث إلى الأمة في وقت لاحق من هذا الأسبوع بمزيد من التفاصيل حول قرار الانسحاب».


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أحد المشاة يلقي بظلاله على لافتة جامعة هارفارد (رويترز) p-circle

«البنتاغون» ينهي برامج التدريب والزمالة مع جامعة هارفارد

كشف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، عن أن وزارته قررت إنهاء جميع برامج التدريب العسكري والزمالات والشهادات مع جامعة هارفارد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صور للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون خلال حديث رئيس لجنة الرقابة بمجلس النواب جيمس كومر في اجتماع للتصويت على ما إذا كان سيتم اعتبار بيل وهيلاري كلينتون مُخالفين لأوامر الكونغرس لرفضهما الإدلاء بشهادتهما في تحقيق اللجنة بشأن قضية إبستين (رويترز) p-circle

بيل كلينتون يدعو إلى جلسة استماع علنية في تحقيقات إبستين

سيمثل الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون أمام لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي للإدلاء بشهادته بشأن قضية إبستين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.


لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في آخر جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع اسمه على بعض المعالم التاريخية، نقلت وسائل إعلام أن ترمب أبلغ زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، الشهر الماضي أنه مستعد أخيراً لرفع التجميد عن تمويل فيدرالي ضخم لمشروع نفق القطارات «غايت واي» تحت نهر هدسون، لكن بشرطٍ غير مألوف: أن تُسمّى محطة بنسلفانيا في المدينة ومطار واشنطن دالاس الدولي باسمه.

رُفض الطلب سريعاً، لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، استمر ترمب في حجز أكثر من 16 مليار دولار، وتحوّل الملف إلى نزاع قضائي بين ولايتي نيويورك ونيوجيرسي والإدارة الأميركية. وحذرت اللجنة المسؤولة عن النفق من أنها ستضطر قريباً لوقف العمل في المشروع وتسريح نحو ألف عامل إذا لم تُفرج إدارة ترمب عن التمويل اللازم.

يعود تاريخ بناء النفق إلى ما قبل عودة ترمب إلى منصبه، حيث تلتزم الحكومة الفيدرالية بتغطية جزء كبير من التمويل اللازم لإكماله. لكن ترمب تحرك لوقف المشروع أواخر العام الماضي، وهو قرار جادل مسؤولون ديمقراطيون في نيوجيرسي ونيويورك بأنه كان بدوافع سياسية.

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من المشرعين في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

لعب السيناتور شومر منذ ذلك الحين دوراً مركزياً في محاولة التفاوض لفك تجميد الأموال. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الأولوية، لا يوجد الكثير مما يمكن للديمقراطي فعله بمفرده لوضع اسم ترمب على المحطة أو المطار.

وبينما قدم بعض المشرعين المحافظين بالفعل تشريعاً لإعادة تسمية مطار دالاس ليصبح «مطار دونالد جي ترمب الدولي»، فإن المقترح لم يلقَ زخماً كبيراً حتى الآن؛ حيث لم يتقدم التشريع في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وبالتالي لا يزال من غير المرجح تمريره.

ترمب وسياسة «الاسم»

قصة «المحطة والمطار» لا تبدو حادثة يتيمة، بل حلقة ضمن نمط أوسع منذ عودته إلى البيت الأبيض: دفعٌ منهجي لإلصاق اسمه بمؤسسات عامة وبرامج وسياسات، كأن العلامة التجارية امتدادٌ للدولة. فخلال الأشهر الماضية ظهر اسمه على مبادرات حكومية تحمل ختماً تسويقياً واضحاً مثل «ترمب آر إكس»، وهو الموقع الذي تقول الإدارة إنه يسهّل الوصول إلى أسعار أقل للأدوية، وعلى برنامج إقامة/هجرة استثماري تحت مسمى «ترمب غولد كارد»، وبارجة جديدة من «طراز ترمب» تهدف إلى ترسيخ حقبة سياسته الخارجية القائمة على «السلام من خلال القوة» لسنوات قادمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال إطلاق موقع طبي يحمل اسمه (إ.ب.أ)

وفي الأشهر الأخيرة، وضع ترمب عينيه على أهداف أكبر، متجهاً إلى «جوائز» رمزية: إضافة اسمه إلى المعهد الأميركي للسلام عبر إعادة تسميته رسمياً بقرار/إعلان من الإدارة، في خطوة أثارت جدلاً حول الصلاحيات والمعنى السياسي للتسمية. كما اندلع جدل مشابه بعد إضافة اسمه إلى مركز كينيدي الشهير في واشنطن، وسط اعتراضات ديمقراطية وتساؤلات قانونية حول حاجة أي تغيير رسمي لتشريع من الكونغرس.

لماذا يصرّ على تغيير الأسماء؟

تقليدياً، تُسمّى المطارات والجسور والمراكز الرئاسية بأسماء رؤساء بعد مغادرتهم المنصب، وبعد توافقٍ تشريعي أو مجتمعي. الجديد هنا ليس حبّ الخلود، بل محاولة «تعجيل» الخلود وهو في السلطة، وبأسلوبٍ تبادلي: اسمٌ مقابل قرار أو مال. محاولة ربط اسم الرئيس بتمويل مشروع عام تبدو، في نظر خصومه، إعادة تعريف لفكرة الخدمة العامة بوصفها رافعةً لشخصنة الدولة.

وحين يطلب من خصومه أو حتى من حلفائه مجاراة مطلب غير مألوف، فهو يدفعهم إلى أحد خيارين: إما الرضوخ (فيبدو أنه قادر على «إخضاع النظام»)، وإما الرفض (فتتحول المعركة إلى عرضٍ سياسي يقدمه لجمهوره: «هم يعرقلون، وأنا أبني»). في ملف النفق، يتحول الخلاف على التسمية إلى بندٍ إضافي يشرعن إبقاء الضغط على حكومات الولايات والديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

التسمية قضية سريعة الاشتعال، تجرّ الإعلام والمعارضة إلى سجال رمزي (هل يحق؟ هل هو لائق؟)، بينما تبقى الأسئلة الأثقل: التمويل، الأولويات، أثر التجميد على الوظائف... أقل حضوراً في المشهد اليومي. ومع ذلك، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة: عندما يصبح «الاسم» شرطاً لإطلاق «البنى التحتية»، يسهل على الخصوم تأطير القصة كابتزازٍ سياسي.

أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب»

«سياسة الاسم» ليست تفصيلاً شكلياً. إنها اختبارٌ لطبيعة السلطة: هل تُستخدم أدوات الدولة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، أم لبناء لوحة اسمٍ واحدة تُعلّق فوق الجميع؟

ما يريد إثباته، وفق هذا النمط، هو أن الدولة يمكن أن تُدار بمنطق العلامة التجارية: إنجازاتٌ تُعنون باسمه كي تُقرأ تاريخياً بوصفها «عصر ترمب»، لا مجرد سياسات جمهورية. وما قد «يخفيه» هي هشاشة الإنجاز حين يفتقر للتوافق، الاسم يصبح بديلاً رمزياً عن إجماعٍ مؤسسي، أو غطاءً لمعركة نفوذ مع الكونغرس والولايات والمحاكم.

هذه المعارك قد تعمل على مستوى القاعدة كوقود تعبوي، أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب» واستعادة للهيبة. وعلى مستوى المستقلين والمعتدلين، قد تبدو كفائض نرجسية أو تسييس للخدمات العامة، خصوصاً عندما تُربط التسمية بأموال وبنى تحتية.

الرئيس دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة في أيوا (إ.ب.أ)

أما الحزب الجمهوري، فيقف بين إغراء مسايرة زعيمه، وتكلفة الظهور كمن يضع الاسم فوق الوظيفة العامة؛ لذا لا غرابة أن مشاريع مثل إعادة تسمية مطار العاصمة واشنطن، طُرحت تشريعياً لدى بعض الجمهوريين لكنها لا تبدو سالكة بسهولة.

Your Premium trial has ended


محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

أيدت محكمة استئناف اتحادية أمس (الجمعة) سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المتمثلة ​في وضع الأشخاص الذين تم القبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس الإلزامي، دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

وكان حكم هيئة محكمة الاستئناف الأميركية بالدائرة الخامسة في نيو أورلينز الذي ‌شهد انقساماً ‌في الرأي، ‌هو ⁠الأول ​من نوعه ‌الذي يؤيد هذه السياسة، وجاء على الرغم من أن مئات القضاة في المحاكم الأقل درجة على مستوى البلاد أعلنوا أنها سياسة غير قانونية.

وأشادت وزيرة العدل الأميركي بام بوندي ⁠بالحكم على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفته بأنه «ضربة قوية للقضاة الناشطين الذين يقوِّضون جهودنا الرامية إلى إعادة الأمن إلى أميركا، في كل مناسبة».

ومن المتوقع أن يؤثر الحكم على آلاف الأشخاص؛ إذ تشمل ولاية المحكمة ولايتَي تكساس ولويزيانا، اللتين ​تنتشر فيهما مراكز احتجاز، وتضمَّان أكبر عدد من المهاجرين المحتجزين.

ومن المقرر ⁠أن تنظر محاكم استئناف أخرى هذه القضية في الأسابيع المقبلة، والتي قد يتعين على المحكمة العليا الأميركية البت فيها في نهاية المطاف.

وبموجب قانون الهجرة الاتحادي، يخضع «طالبو الدخول» إلى الولايات المتحدة للاحتجاز الإلزامي خلال النظر في قضاياهم بمحاكم الهجرة، ولا يحق لهم الحصول ‌على جلسات استماع بشأن الكفالة.