محمد الضيف.. شبح نجا مرات عدة، فهل ساعدت صوره الحديثة في الوصول إليه؟

قائد «كتائب القسام» استهدفته 6 ضربات إسرائيلية سابقة... ومصيره مجهول في السابعة

TT

محمد الضيف.. شبح نجا مرات عدة، فهل ساعدت صوره الحديثة في الوصول إليه؟

دمار واسع في مواصي خان يونس السبت (إ.ب.أ)
دمار واسع في مواصي خان يونس السبت (إ.ب.أ)

لم يرغب كثير من الفلسطينيين والإسرائيليين، على حد سواء، في تصديق الصورة التي نشرتها إسرائيل لمحمد الضيف، قائد «كتائب القسام»، نهاية العام الماضي، بعد عقود من الغموض الكبير حوله، وهو غموض سمح لمحبيه وأعدائه برسم صورتهم الخاصة عنه. فقد تخيّله الفلسطينيون شاباً بملامح صارمه للغاية وطلّة فيها الكثير من الهيبة، فيما روّجت إسرائيل لشخص عاجز مقعد بلا يدين أو قدمين وأعمى.

لكن الصورة أظهرت شخصاً آخر، وهي على الأغلب صورة قد تكون ساعدت في الوصول إليه في بيت صغير في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، إذا ما تأكد فعلاً أنه كان بين عشرات القتلى الذين سقطوا في غارة أعلنت إسرائيل عن تنفيذها اليوم السبت. ونُقل عن مصادر في «حماس» أن الضيف ليس بين القتلى، فيما قالت إسرائيل إنها تتحقق من مصيره.

قبل هذه الصورة، لم يكن الضيف معروفاً لإسرائيل، ولا للعامة في قطاع غزة، وكان اغتياله بحاجة إلى معلومة من الداخل الفلسطيني فقط، إذ لم يظهر الرجل في أماكن عامة، أو كما يقول من سألتهم «الشرق الأوسط» في غزة: «لو نظرنا إليه لما عرفناه».

لا أحد يعرف الضيف سوى عائلته ومجموعة قليلة من أفراد «حماس»

ويمكن القول إن الضيف حافظ على هذه السرية حتى داخل «حماس» و«القسام»، لكنه تخلى قليلاً عن حذره، بعد حرب 2014، وبدأ يظهر في جولات داخل مواقع عسكرية لـ «القسام» ويلتقي قياداتها بشكل علني ويستقبل شكاوى ورسائل وغيرها من الأوراق التي تصل إليه.

وقالت مصادر لـ «الشرق الأوسط» إنه بعد هذه الحرب (2014) أصبح للضيف موقع يعرف باسم موقع عيسى، وهو موقع تدريب يحوي مكاتب لـ «القسام» في منطقة شارع 10 جنوب مدينة غزة. لكن الضيف نادراً ما كان يذهب إلى ذلك المكان.

وهذه ليست أول مرة تحدد فيها إسرائيل مكاناً مشتبهاً بوجود الضيف فيه، وتحاول قتله، فقد حاولت اغتياله أكثر من مرة، وأصابته بصورة مباشرة، مرة أولى عام 2001، ومرة ثانية عام 2002 في استهداف مركبة بشارع الجلاء حيث أصيب لكنه نجا من الموت، ومرة ثالثة عام 2003 في اجتماع مع قيادات حمساوية بحي الشيخ رضوان ونجا، ومرة رابعة عام 2004 بحي الشيخ رضوان في شقة سكنية بمنزل لعائلة أبو سلمية وقد أصيب حينها بجروح حرجة، ومرة خامسة في عام 2014 في منزل لعائلة الدلو وقد قُتل في الهجوم زوجته واثنان من أبنائه، ومرة سادسة في عام 2021 في حي الرمال وقد نجا.

يحمل جثمان أحد ضحايا الضربة الإسرائيلية في مواصي خان يونس السبت (رويترز)

وإذا كان الضيف نجا من كل هذه المحاولات، وتحوّل إلى شبح بالنسبة إلى إسرائيل، فإن معرفة مصيره بعد المحاولة الأخيرة في مواصي خان يونس في الحرب الحالية المدمرة في شهرها التاسع، تحتاج إلى وقت.

وأعلنت إسرائيل استهداف الضيف الذي وضعته على رأس قائمة الأهداف منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تعلن مقتله. وأغلب الظن أنها لن تعلن مقتله إلا عندما تكون قد تأكدت بنسبة 100 في المائة باعتبار اغتياله يمثل صورة نصر طالما بحثت عنها بعد الضربة التي تلقتها في السابع من اكتوبر.

فن هو الضيف الذي ظل اغتياله منذ 30 عاماً أحد أهداف الدولة العبرية، واصبح بعد السابع من اكتوبر هاجسها الأول؟

تطارد إسرائيل الضيف منذ عقود باعتباره المطلوب الرقم 1

من هو الضيف؟

قبل الحرب الحالية لم يكن يعرفه سوى أفراد عائلته، ومجموعة قليلة من «حماس»، والأغلب أنهم جميعاً في مرحلة ما لا يعرفون أين يكون الرجل. وظل هذا معمولاً به حتى نشرت إسرائيل صورته للعامه نهاية العام الماضي، واصبحت هذه الصورة رقم 4 له. الأولى قديمة للغاية ظهر فيها شاباً صغيراً، والثانية وهو ملثم، والثالثة صورة لظله، والرابعة إلى جانب أحد الأشخاص في مكان عام بشعر أشيب ولحية خفيفة وعين واحدة وفي وضع هادئ.

كان يحافظ على سرية كبيرة في كل تحركاته، حتى انه عندما توفيت والدته في يناير (كانون الثاني) 2011، لم يُعرف آنذاك هل حضر تشييعها أم لا. تردد آنذاك أنه حضر لكن لم يعرفه أحد، وقال بعضهم إنه لم يحضر أبداً لدواعٍ أمنية. وهناك من قال أيضاً إنه تخفَّى بزي مُسن وودّع والدته ثم مضى.

لا يستخدم الضيف أجهزة التكنولوجيا، كما يبدو، وهو ليس محباً للظهور، إذ لا تصدر عنه رسائل صوتية إلا نادراً، مثلما حصل عند إعلانه بداية معركة جديدة مع إسرائيل ومنها «معركة طوفان الأقصى» الحالية.

وحتى اثناء الحرب الحالية، لم تكن مطادرة إسرائيل للضيف في كل شبر في غزة، مطاردة سهلة قط، واستهدافه في مواصي خان يونس يُعد المحاولة الأولى التي يُكشف عنها بعد أكثر من 9 أشهر من الحرب.

وفي الواقع، رأس الضيف مطلوب لإسرائيل منذ منتصف التسعينات. فشمعون بيريز الذي كان رئيساً للوزراء عام 1996، طلب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اعتقاله، قبل أن يبدي عرفات استغرابه من الاسم، وكأنه لا يعرفه، ليعترف بيريز لاحقاً بأنه اكتشف أن عرفات كان يحميه ويخفيه ويكذب بشأنه.

كان الضيف يتمتع بعلاقات قوية مع خصومه السياسيين في حركة «فتح».

خيام وأبنية مدمرة بعد الضربة الإسرائيلية في مواصي خان يونس السبت (أ.ف.ب)

نبذة شخصية

اسمه الحقيقي: محمد دياب إبراهيم المصري، وشهرته الضيف. وُلِد عام 1965 لأسرة فلسطينية لاجئة من بلدة القبيبة، واستقرت في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة. نشأ محمد في أسرة فقيرة للغاية، واضطر لترك الدراسة مؤقتاً لإعانة أسرته، وقد عمل مع والده في الغزل والتنجيد، ومن ثم أنشأ مزرعة صغيرة للدواجن، وعمل سائقاً قبل أن يصبح مطارداً من قبل إسرائيل.

يقول رفاقه في الحي الذي نشأ فيه، إنه كان وديعاً وصاحب دعابة وخفة ظل وطيب القلب ويميل إلى الانطواء. انضم الضيف إلى حركة «حماس» في نهاية عام 1987 عبر علاقته بالمساجد. عاد إلى دراسته وتلقى تعليمه في الجامعة الإسلامية في غزة، وتخرج فيها عام 1988، بعد أن حصل على درجة البكالوريوس في العلوم.

خلال ذلك، أنشأ الضيف فرقة «العائدون» الفنية الإسلامية، وكانت تعنى بشؤون المسرح، وعرف عن الضيف ولعه بالتمثيل؛ فقد أدى عدة أدوار مسرحية، ومن بينها شخصيات تاريخية. وكان الضيف مسؤولاً عن اللجنة الفنية خلال نشاطه في مجلس طلاب الجامعة الإسلامية.

اعتقلته إسرائيل عام 1989، وقضى 16 شهراً في سجون الاحتلال موقوفاً دون محاكمة، بتهمة العمل في الجهاز العسكري للحركة. بعد خروج الضيف من السجن، بدأ مع آخرين في تأسيس «القسام». وخلال التسعينات أشرف وشارك في عمليات لا تحصى ضد إسرائيل.

صورة مفترضة للضيف نشرتها إسرائيل العام الماضي

اعتقلته السلطة الفلسطينية في شهر مايو (أيار) من عام 2000 بطلب من إسرائيل، وكانت علاقته بالسلطة متقدمة وجيدة، وجرى اعتقاله ضمن تفاهمات.

في 2002 تسلم قيادة «القسام» بعد اغتيال قائدها العام صلاح شحادة وفي نفس العام أصيب في استهداف مركبته، وعالجه في مكان غير معروف قائد «حماس» عبد العزيز الرنتيسي (الذي اغتيل سنة 2004)، وكان طبيباً.

قبل أن يعثر الإسرائيليون على صورته في أحد حواسيب قطاع غزة، كان يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن الضيف أصبح مُقعداً على كرسي، وفقد إحدى عينيه؛ وهو عاجز عن قيادة «حماس»، ثم اكتشفوا انه «خدعهم».

خرج الضيف في تسجيلات في السنوات الماضية قليلاً. كان مثل الشبح مع صورة معتمة ونصفه ظاهر فقط.

فهل ينجو الشبح الذي أصبح معروفاً للعامة مرة أخرى.. أو أن الغموض سيظل سيد الموقف؟


مقالات ذات صلة

«اغتيالات وأجهزة تجسس تنفجر ذاتياً»... كيف تتحرك إسرائيل في مناطق «حماس»؟

خاص النيران تتصاعد من مخيم للنازحين في دير البلح بوسط غزة بعد غارة إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

«اغتيالات وأجهزة تجسس تنفجر ذاتياً»... كيف تتحرك إسرائيل في مناطق «حماس»؟

يُخيم الجمود النسبي على المسار السياسي بشأن مستقبل قطاع غزة؛ غير أن ذلك لم يمنع إسرائيل من مواصلة اغتيالاتها قيادات عسكرية، معتمدةً على أجهزة تجسس تنفجر ذاتياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينية تصرخ خلال جنازة ضحايا غارة إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص لليوم الرابع... اغتيالات إسرائيلية مكثفة في صفوف «القسام»

لليوم الرابع، صعدت إسرائيل الاغتيالات ضد نشطاء الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة، خاصةً القيادات الميدانية لـ«كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص مصادر من «حماس»: إسرائيل درّبت عصابات غزة على المسيرات

أظهرت استجوابات أجرتها «حماس» لشخص تتهمه بالعمل مع العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل في غزة نمواً في الدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه لهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان: الأسعار تقفز على إيقاع الحرب

متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
TT

لبنان: الأسعار تقفز على إيقاع الحرب

متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)

تتصاعد أسعار السلع الغذائية في لبنان منذ اندلاع الحرب الإقليمية، لتتحول من انعكاس اقتصادي إلى أزمة معيشية مباشرة تضغط على الأسر وتعيد ترتيب أولويات الإنفاق. وتشمل موجة الغلاء معظم السلع، من المواد الأساسية إلى المنتجات المحلية، في مشهد يعكس تداخلاً بين ارتفاع التكلفة العالمية وتسعير داخلي متسارع يثير تساؤلات حول حدوده وأسبابه.

وتقول رنا، وهي موظفة تقطن في بيروت، إن الغلاء طال مختلف السلع الغذائية «من المعلبات إلى المواد الأساسية وحتى المنتجات المحلية»، مشيرة إلى أن «بعض الأسعار ارتفعت بين 30 و50 في المائة خلال فترة قصيرة». وتشير إلى أن ربطة المعكرونة التي كانت تشتريها «بدولار أو دولارين، باتت اليوم تقارب خمسة دولارات»، مضيفة: «حتى الخبز تغيَّر سعره، نشتريه اليوم بما يقارب 0.8 دولار من الفرن، وقد يصل إلى نحو دولار واحد في المتاجر».

موجة غلاء شاملة

لم تقتصر الزيادات على السلع المستوردة المرتبطة مباشرة بالتقلبات العالمية، بل طالت أيضاً المنتجات المحلية، مما زاد من تعقيد المشهد. فقد سجَّلت المعلبات، من الفول والحمص إلى الأجبان والألبان، ارتفاعات ملحوظة، بينما ارتفعت أسعار المعكرونة والمواد الأساسية الأخرى بنسب لافتة.

حتى الخضراوات، التي يفترض أن تكون أقل تأثراً بالعوامل الخارجية، سجَّلت ارتفاعات، مع تراجع حركة نقل البضائع من أسواق الجملة في الجنوب والبقاع، مما أدَّى إلى انخفاض العرض في العاصمة وارتفاع الأسعار.

هذا التوسع في الغلاء، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأسواق تتحرك فقط تحت ضغط التكلفة، أم أن هناك رفعاً استباقياً للأسعار يتجاوز التكلفة.

مطبخ خيري لتحضير الوجبات الجاهزة في وسط بيروت وتوزيعها على العائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)

الشحن والطاقة

يحذِّر الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان من انعكاس ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة عالمياً على الأسعار في لبنان، مؤكداً أن «معظم السلع الغذائية مستوردة، مما يجعل السوق المحلية شديدة التأثر». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «تكلفة شحن الحاوية ارتفعت من نحو ألف إلى 1500 دولار، بالتوازي مع زيادة أقساط التأمين وأسعار المحروقات»، موضحاً أن «التكلفة تمتد إلى التخزين والتوزيع، حيث تعتمد المستودعات والنقل على المازوت». ويشير إلى أن «هذه الزيادات تتراكم عبر كامل سلسلة الإمداد، وستنعكس حتماً على المستهلك».

بدوره، يؤكد ممثل موزعي المحروقات في لبنان، فادي أبو شقرا، لـ«الشرق الأوسط» أن «ارتفاع الأسعار يرتبط مباشرة بالتطورات العالمية والتوترات في ممرات حيوية كمضيق هرمز»، مشيراً إلى أن «أي زيادة في النفط تنعكس تلقائياً على المحروقات، ومن ثم على تكلفة السلع والخدمات».

ويلفت إلى أن «الأسعار ارتفعت بنحو 40 إلى 45 في المائة خلال شهر واحد، إذ صعد سعر صفيحة البنزين من نحو 17 دولاراً إلى قرابة 26 دولاراً»، معتبراً أن هذا الارتفاع له تداعيات مباشرة على مختلف القطاعات، مؤكداً «أن انعكاسه على أسعار المواد الغذائية بدأ يظهر بالفعل».

مفارقة الأسعار

رغم هذا الارتباط، يشير رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، إلى أن التوقيت يطرح إشكالية، إذ يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنّه «حتى اللحظة لا توجد أي مشكلة في التموين، ولا مؤشرات جديَّة إلى انقطاع المواد الغذائية، ما دام مرفأ بيروت ومطار بيروت يعملان بشكل طبيعي»، مشيراً إلى أنّ «سلاسل الإمداد لا تزال قائمة، وحركة الاستيراد مستمرة، ولو ضمن ظروف أكثر تعقيداً».

ويضيف أن «الوضع لا يمكن وصفه بالمريح، إذ إن ارتفاع أسعار النفط عالمياً انعكس مباشرة على تكلفة الشحن والتأمين، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في الأسعار خلال الأسابيع المقبلة»، موضحاً أنّ «التأثير الفعلي لهذه الزيادات لم يظهر بالكامل بعد، لأن البضائع التي تصل حالياً تم شحنها قبل ارتفاع التكاليف، بينما ستظهر الفوارق تباعاً خلال فترة تمتد بين أسبوعين وشهر».

متطوعة ترسم على وجه طفل بمركز لإيواء النازحين في بيروت (رويترز)

مخزون متوفِّر

فيما يتعلق بالمخزون، يوضح بحصلي أنّ «الحديث عن رقم دقيق أمر صعب بسبب تنوُّع السلع الغذائية، لكن يمكن القول إن المخزون العام يتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، وهو المعدل الطبيعي لدورة الاستيراد»، مشيراً إلى أنّ «هذا المخزون يختلف بحسب السلع، فالمواد الجافة مثل الأرز والبقوليات متوفِّرة لفترات أطول، بينما السلع الطازجة كالدواجن واللحوم والخضراوات تخضع لديناميكيات مختلفة وقد تتأثر بشكل أسرع».

هذا الواقع يعني أن الأسواق لا تعاني حالياً نقصاً في المواد، بل تواجه خللاً في التسعير وتفاوتاً في التكلفة.

ارتفاع مبرَّر... أم تجاوزات؟

يؤكد بحصلي أن «ارتفاع أسعار الطاقة لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في أسعار السلع الغذائية»، موضحاً أنَّ «الزيادة في تكلفة الطاقة، رغم أنها تجاوزت 40 في المائة، تنعكس بنسبة محدودة على السعر النهائي للسلعة، لأن الطاقة تُشكِّل جزءاً صغيراً من التكلفة الإجمالية»، معتبراً أنَّ «أي زيادة تتراوح بين 2 و5 في المائة تُعدُّ منطقية في هذه المرحلة، ولا تبرر القفزات الكبيرة التي يسجِّلها بعض التجار».

ويحذِّر من «استغلال الأزمات»، قائلاً إن «مقتضيات الحرب تفرض أحياناً ارتفاعاً في الأسعار نتيجة زيادة تكلفة النقل أو صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، لكن ذلك لا يعني أن كل التجار يمارسون الاحتكار أو التسعير المتفلت»، مضيفاً: «هناك فرق بين ارتفاع مبرَّر تفرضه الظروف، وبين تجاوزات يجب ضبطها».

كما يشير إلى أن «توزيع البضائع داخل لبنان بات أكثر تكلفة في بعض المناطق، خصوصاً تلك القريبة من خطوط التوتُّر، حيث يرفض بعض السائقين التوجُّه إليها أو يطلبون بدلات أعلى، مما ينعكس على الأسعار النهائية للمستهلك».

أم تلتقط صورة لابنتيها أمام كنيسة في مدينة صور أثناء احتفالات بأحد الشعانين الذي يسبق عيد الفصح (أ.ب)

بين التكيُّف والفوضى

تبدو الأسواق اللبنانية أمام معادلة دقيقة: ضغوط عالمية حقيقية ترفع التكلفة، في مقابل تسعير داخلي يتسارع أحياناً خارج هذا الإطار. وبينهما، يجد المستهلك نفسه أمام موجة غلاء مفتوحة، قد تتفاقم مع استمرار الحرب. إذ يؤكِّد بحصلي أنَّ «لبنان يمتلك خبرة سابقة في إدارة الأزمات، مما يساعد على التكيُّف مع الظروف الحالية»، داعياً إلى «التعامل بواقعية وهدوء، من دون تخزين مفرط»، ومشدِّداً في الوقت نفسه على أنَّ «الحذر مطلوب، لكن بتأنٍ وعدل، إذ إن المواد الغذائية لن تنقطع عن الأسواق في المدى المنظور، رغم كل التحديات القائمة».


العراق: بارزاني يحمل الحكومة مسؤولية استهداف المقرات الرئاسية في أربيل

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
TT

العراق: بارزاني يحمل الحكومة مسؤولية استهداف المقرات الرئاسية في أربيل

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)

فيما أثار استهداف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، في مدينة أربيل، غضباً واستنكاراً واسعين عراقياً وعربياً ودولياً، كشف الزعيم الكردي مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني أن «مقره الخاص» تم قصفه 5 مرات، دون أن يعلن عن ذلك.

وفي بيان شديد اللهجة، حمَّل بارزاني الحكومة الاتحادية في بغداد مسؤولية ما يحصل داخل الإقليم، في وقت بدأت فيه ضربات الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والمنخرطة معها في الحرب، تستهدف الأراضي السورية.

وقال بارزاني، في بيان، الأحد، إن «إقليم كردستان لم يكن يوماً جزءاً من الأزمات والتوترات والحروب الموجودة في المنطقة، لكن للأسف هناك مجموعة من الأشخاص، من دون أن يردعهم أحد، ينصبّ تركيزهم الأساسي على كيفية معاداة إقليم كردستان، وبأي وسيلة، ويقومون دائماً، وبغير وجه حق، بالاعتداء على الإقليم وقوات البيشمركة، ويشكلون تهديداً لحياة واستقرار شعب كردستان».

وأضاف بارزاني أنه «خلال السنوات الماضية، قاموا عشرات المرات وبظلم ومن دون مبرر، عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، بمهاجمة إقليم كردستان ومقرات قوات البيشمركة؛ ما أدى إلى استشهاد وجرح مواطنين أبرياء.

ومنذ بداية هذه الحرب، شنّوا أكثر من 450 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إقليم كردستان ومواقع قوات البيشمركة».

وطبقاً للبيان، كشف بارزاني أن مقره الخاص تم «قصفه خمس مرات، لكننا التزمنا الصمت كي لا نُحدث قلقاً وغضباً بين الجماهير. كما قاموا يوم أمس (أول من أمس) في مدينة دهوك، عبر طائرة مسيّرة، باستهداف منزل رئيس الإقليم»، مبيناً أن «المسألة ليست بيتاً أو مقرّ شخص، فجميع مناطق كردستان وكل بيت فيها له قيمة لدينا».

وفيما عدّ بارزاني أن هذه الاستهدافات بمثابة إعلان حرب ضد الإقليم، أكد أنه «لا يمكن معالجة هذا الأمر بمجرد الإدانات أو الاتصالات أو البيانات أو اللجان»، داعياً بغداد إلى أن «تحسم أمرها؛ إما أن تعلن أنها غير قادرة على منع هذه الجماعات الخارجة عن القانون، أو أن تتحمل مسؤولياتها بجدية، وتحمي الدولة، وتتخذ إجراءات حازمة لمنع تكرار مثل هذه الهجمات غير المشروعة على إقليم كردستان».

موقف رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني جاء بعد يوم من استهداف منزل رئيس إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي بموجب الدستور العراقي، الأمر الذي أثار غضباً كبيراً داخل مختلف الأوساط السياسية والمجتمعية داخل العراق، فيما حظي بإدانات عربية وعالمية واسعة، بمن في ذلك إيران، التي أدان وزير خارجيتها، عباس عراقجي، استهداف منزل بارزاني، في وقت نفى فيه «الحرس الثوري» الإيراني مسؤوليته عن القصف، ولم تعلن أي جهة من الفصائل المسلحة العراقية مسؤوليتها عن الحادث.

انقسام حاد

إلى ذلك، وبالتوازي مع ما يجري على جبهة الحرب والتصعيد من قبل الفصائل المسلحة حتى بعد الاتفاق بين بغداد وواشنطن الأخير القاضي بالتنسيق لمواجهة ما سماه البيان «الهجمات الإرهابية»، فإن انقساماً سياسياً حاداً بات يلوح في الأفق، في وقت بدأ فيه نواب من كتل مختلفة جمع تواقيع لعقد جلسة برلمانية، الاثنين، لانتخاب رئيس جمهورية جديد، وهو مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، نزار أميدي، وتكليف رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، ولاية ثانية؛ الأمر الذي أغضب كلاً من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي رشح وزير الخارجية، فؤاد حسين، لمنصب رئيس الجمهورية، كما أغضب زعيم دولة القانون، نوري المالكي، الذي حال «فيتو» أميركي دون استمرار ترشيحه للمنصب.

وفيما تتجه الأنظار إلى جلسة الاثنين البرلمانية، فإنه في حال نجح أعضاء البرلمان في تحقيق نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية الذي يتعيَّن عليه تكليف المرشح الشيعي لرئاسة الوزراء، فإن البرلمان العراقي المقبل يتجه لتكوين كتلتين.

أما في حال لم يتحقق نصاب الثلثين، فإن حكومة تصريف الأعمال الحالية سوف تستمر في إدارة البلاد ناقصة الصلاحيات، في وقت تبدو فيه عاجزة عن مواجهة الفصائل المسلحة التي بدأت تضرب في كل الاتجاهات، بما في ذلك إقليم كردستان والأراضي السورية.

وفي هذا السياق، وطبقاً لما كشفته وزارة الدفاع السورية، قامت دمشق بتعزيز قواتها باتجاه الحدود العراقية، تحديداً من جهة محافظة الحسكة (أقصى شمال شرقي سوريا)، وذلك في أعقاب هجمات استهدفت قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية انطلقت من الجانب العراقي.

وطبقاً لمصدر أمني، فإن هذه الخطوة جاءت بعد تعرّض قاعدة خراب الجير وقاعدة قسرك لهجمات؛ ما دفع القوات إلى الانتشار على طول الشريط الحدودي، بدءاً من معبر اليعربية بريف الحسكة، وصولاً إلى معبر البوكمال في ريف دير الزور المتاخم لمحافظة الأنبار العراقية.

وأوضح المصدر أن التعزيزات تضم نحو 100 آلية عسكرية تقل عشرات الجنود المزودين بأسلحة ثقيلة، وتهدف إلى منع أي خرق أمني محتمل على الحدود بين البلدين.

من جهتها، فإن الحكومة العراقية التزمت الصمت حيال هذا التطور بشأن قيام دمشق بإرسال تعزيزات باتجاه الحدود العراقية، بعد أن كان العراق أقام جداراً حدودياً مع سوريا، لمنع تسلل إرهابيي تنظيم «داعش».


إسرائيل تمنع بطريرك اللاتين من إقامة قداس «أحد الشعانين» في كنيسة القيامة

يسير المصلون المسيحيون بالقرب من كنيسة القيامة المغلقة بعد إلغاء موكب «أحد الشعانين» التقليدي من جبل الزيتون في البلدة القديمة بالقدس (رويترز)
يسير المصلون المسيحيون بالقرب من كنيسة القيامة المغلقة بعد إلغاء موكب «أحد الشعانين» التقليدي من جبل الزيتون في البلدة القديمة بالقدس (رويترز)
TT

إسرائيل تمنع بطريرك اللاتين من إقامة قداس «أحد الشعانين» في كنيسة القيامة

يسير المصلون المسيحيون بالقرب من كنيسة القيامة المغلقة بعد إلغاء موكب «أحد الشعانين» التقليدي من جبل الزيتون في البلدة القديمة بالقدس (رويترز)
يسير المصلون المسيحيون بالقرب من كنيسة القيامة المغلقة بعد إلغاء موكب «أحد الشعانين» التقليدي من جبل الزيتون في البلدة القديمة بالقدس (رويترز)

أكدت بطريركية اللاتين في القدس أن الشرطة الإسرائيلية منعت، الأحد، البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من إقامة قداس «أحد الشعانين» في كنيسة القيامة، مشيرة إلى أن ذلك يحدث لأول مرة «منذ قرون».

وقالت البطريركية في بيان: «هذا الصباح، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، وحارس الأراضي المقدسة، فرنشيسكو إيلبو، من دخول الكنيسة في القدس، وذلك أثناء توجههما للاحتفال بقداس (أحد الشعانين)».

وأضافت: «نتيجة لذلك، وللمرة الأولى منذ قرون؛ مُنع رؤساء الكنيسة من إقامة قدس (أحد الشعانين) في كنيسة القيامة».

ونددت جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء الإيطالية بما أسمته «إساءة للمؤمنين» بعد منع الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة.