عمر الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: همّي أن تحمل أعمالي المستوى المطلوب

يحيي مهرجانات البترون الدولية

يحضّر لعمل موسيقي جديد «بيانو كونشرتو 2» (عمر الرحباني)
يحضّر لعمل موسيقي جديد «بيانو كونشرتو 2» (عمر الرحباني)
TT

عمر الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: همّي أن تحمل أعمالي المستوى المطلوب

يحضّر لعمل موسيقي جديد «بيانو كونشرتو 2» (عمر الرحباني)
يحضّر لعمل موسيقي جديد «بيانو كونشرتو 2» (عمر الرحباني)

غاص عازف البيانو عمر الرحباني في بحر والده غدي مستعيراً منه أغنية «مشوار». سافر مع هذه الأغنية التي جدّد توزيعها الموسيقيّ إلى زمن عمالقة التلحين، واكتشف خلال مشواره سرّ الإبداع الذين تمتعوا به. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحلل عادة المواضيع أو أدقق فيها، وأنا أوزع موسيقى معينة. فظروف الملحنين في الماضي لا تشبه ظروفي. ولكن سألت نفسي عمّا يمكن أن يقدموه فيما لو كانوا يعيشون بيننا اليوم. ومن هذا المنطلق وزّعت الألحان التي أجددها».

يقول عمر الرحباني إن هؤلاء أمثال زكي ناصيف، والرحابنة وغيرهم، كانت ألحانهم تنبع من هدوء يحيط بهم. ويتابع : «عندما أصغيت لـ(أيامنا حكايات) لزكي ناصيف تأكدت من هذا الأمر. كان لبنان يعيش السكينة، والملحنون يؤلفون موسيقاهم في ظلّ أجواء الصّمت والسّكون. نحن اليوم نعيش في عصر الحركة السريعة والضوضاء ونحمل نبضاً مغايراً. وخلال توزيعي لـ(مشوار) أخذت كل ذلك بعين الاعتبار، واستخدمت آلات وإيقاعات متناغمة. فولدت الأغنية على النحو الذي سمعتموه».

مع وزير السياحة وليد نصار وملكة جمال لبنان ياسمينا زيتون (عمر الرحباني)

وعما إذا هو يشعر بالخوف من إرث الرحابنة الذي يحمله معه، يقول: «لا أبداً. وهمّي ينحصر بتقديم العمل على المستوى المطلوب والقريب من الناس. جيل اليوم لا وقت لديه للغوص بتفاصيل معقدة في الموسيقى. والحلّ يكون وسطياً لأستطيع إيصال فكرتي الموسيقية».

اختار عمر الرحباني أغنية «مشوار» عن سابق تصور وتصميم، كما يقول. وفكرة تحويلها إلى فيديو كليب سياحي كانت تراوده منذ أكثر من سنة. فشكّل العمل المناسب لحملة وزارة السياحة للترويج لزيارة لبنان في عام 2024.

في مناطق لبنانية مختلفة صُوّر كليب الأغنية بتوقيع شقيقه كريم الرحباني، فحقق انتشاراً واسعاً للإيجابية التي يحملها. ويقول عمر الرحباني: «لقد علمت أن أغنية (مشوار) تركت أثراً كبيراً لدى المغتربين اللبنانيين وغيرهم. فبعضهم لم يكن ينوي زيارة لبنان الصيف الحالي، ولكنه عدل عن فكرته بعد رؤيته الكليب، لما تولّده الأغنية من حنين لوطن ينبض بالحياة».

يحيي عمر الرحباني حفله في مهرجان البترون في 21 الحالي (عمر الرحباني)

يصف مهمة شقيقه كريم بالصعبة. «كان عليه أن يوفّق بين أطراف عدّة يشاركون في الكليب. وكذلك اجتهد لإبراز لبنان بحلة جديدة، ولم يكتفِ بتمرير مناطق نعرفها مثل بعلبك والروشة وغيرهما. هذا العمل الشاق واكبه أيضاً تسليط الضوء على ملكة جمال لبنان ياسمينا زيتون. ومن ناحية ثانية كان عليه التركيز علي وأنا أعزف البيانو».

لا جواب عند عمر الرحباني عن أسباب استمرارية نجاح أغنيات قديمة كـ«مشوار». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «قد يكون لحنها البسيط الذي يدخل القلب من دون استئذان. وكلمة مشوار يحبّها اللبناني وتعني له المتنفس بعيداً عن ضغوطه اليومية. حتى إن النّص الذي تتألف منه ليس سطحياً بل انسيابي وعميق. فعندما نقول (لنبرم العالم بنهار) يحضر الخيال الواسع. وبالتأكيد حلّتها الأساسية تلعب دوراً كبيراً. يومها كتبها ولحنها والدي غدي وغنتها رونزا بمشاركة صوت وحيد جلال».

يحضّر لعمل موسيقي جديد «بيانو كونشرتو 2» (عمر الرحباني)

على صدى نجاح «مشوار» يحضّر عمر الرحباني لسهرة موسيقية يحييها في مهرجانات البترون الدولية. ففي 21 يوليو (تموز) الحالي سيعتلي أحد أهم مسارح الصيف في لبنان بعد غياب. سبق وشارك في «مهرجان بيت الدين» في عام 2019. هذه المرة وتحت عنوان «لبنانيات» يعزف ريبيرتواراً ومقاطعَ موسيقية مختلفة. يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مدة الحفل نحو 90 دقيقة، يرافقني فيها 20 موسيقياً ومنشداً، أعتبرهم من أفضل الموسيقيين في البلد، وتربطني بهم علاقة متينة على الصعيدين المهني والشخصي. وسأعزف كلاسيكيات مشهورة في إطار متجدّد. وكذلك سأعزف عدداً من الأعمال من تأليفي».

وسيتخلل الحفل مفاجآت فنية ولوحات راقصة وضيوف وفنانين من أهل البيت.

من ناحية ثانية، يحضّر عمر الرحباني لإصدار أسطوانة «بيانو كونشيرتو 2». ويعلّق: «منذ نحو سنتين أصدرت الجزء الأول (بيانو كونشيرتو 1). وكما صار معروفاً فإني أقدم فيها موسيقى كلاسيكية ليست شعبية. وهناك أيضاً مشروع آخر أتمنى أن يرى النور قريباً، أمزج فيه بين فنون السينما والمسرح والموسيقى المباشرة. وطبعاً أتعاون فيه مع أخي كريم كما في جميع مشروعاتي الفنية. فإننا من خلال شركتنا للإنتاج نحاول إبراز القدرات الفنية عند الجيل الثالث للرحابنة».


مقالات ذات صلة

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

يوميات الشرق دعوة منزلية (أ.ف.ب)

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 % عام 2006 إلى 12 % عام 2022.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)

«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

مؤتمر صحافي عُقد في «فندق البستان» في بلدة بيت مري الجبلية، أُعلن فيه عن النسخة الـ32 من «مهرجان البستان الدولي»، التي تتضمن 16 حفلاً فنياً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
يوميات الشرق الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

ما الأسباب التي تدفع البعض إلى التردُّد قبل اتخاذ قرارات معيَّنة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.