بوتين يشيد بـ«علاقات استراتيجية مميزة» مع الهند... ومودي يدعو لتسوية في أوكرانيا

موسكو رفضت اتهامات بقصف مستشفى أوكراني... و«الناتو» لتعزيز دفاعات كييف

TT

بوتين يشيد بـ«علاقات استراتيجية مميزة» مع الهند... ومودي يدعو لتسوية في أوكرانيا

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي 6 ديسمبر 2021 (أ.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي 6 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا، مودي جولة محادثات موسعة، الثلاثاء، في الكرملين، شددا خلالها على الرغبة في تطوير «العلاقات الاستراتيجية المميزة» البلدين، وإطلاق مجالات تعاون جديدة. وشغل ملف الصراع في أوكرانيا جانباً من المناقشات، وأعلن مودي استعداد بلاده لـ«المساعدة في دفع تسوية سياسية»، فيما انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الزيارة.

كان بوتين ومودي قد أجريا جولة محادثات ثنائية غير رسمية، مساء الاثنين، في مقر إقامة الرئيس الروسي في ضواحي موسكو. ثم انتقلا في اليوم الثاني للزيارة إلى الكرملين، في الشق الرسمي من الزيارة، لعقد جولة مباحثات مطولة بحضور وفدي البلدين.

وقال الرئيس الروسي، في مستهل اللقاء، إن بين روسيا والهند «صداقة طويلة الأمد، وعلاقات جيدة تطورت على مدى عقود، ونحتفل هذا العام بمرور 77 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية. واليوم تتمتع علاقاتنا بطابع شراكة استراتيجية خاصة ومتميزة». وأشار إلى تقدم واسع على صعيد تطوير العلاقات التجارية. وكشف عن أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع العام الماضي بنسبة 66 في المائة على الرغم من ظروف العقوبات الغربية والقيود المفروضة على روسيا.

وقال بوتين: «لقد أتيح لنا مع رئيس الوزراء (الاثنين)، في إطار غير رسمي، الحديث عملياً عن القضايا كافة (...) نحن على اتصال دائم ونولي اهتماماً رئيسياً بتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، ورفع مستوى التعاون في المنظمات الدولية وزيادة التنسيق حيال الملفات المطروحة».

وشكر الرئيس الروسي رئيس الوزراء الهندي على «الاهتمام الذي يوليه لحل الأزمة الأوكرانية سلمياً». كما تمنى بوتين لمودي تحقيق نجاحات جديدة في تنمية الدولة الهندية، ودعاه لحضور قمة «بريكس» التي تُعقد في مدينة كازان الروسية خريف هذا العام.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الزيارة لموسكو (أ.ف.ب)

وأعرب مودي من جهته، عن ثقته في أن موسكو ونيودلهي ستواصلان العمل معاً وتعزيز جميع جوانب التعاون. وقال إنه ناقش «قضايا أوكرانيا» مع بوتين.

وزاد رئيس الوزراء : «بصفتي صديقاً لك، أقول لك دائماً إنه من أجل المستقبل المشرق لأجيالنا القادمة، فإن السلام مسار إلزامي، لذلك نعتقد أن الحرب لن تحل المشكلة، ولا يمكن (إيجاد حل) من خلال الحرب». وأعرب مودي عن استعداد بلاده لتقديم «أي مساعدة لازمة لدفع مسار التسوية السياسية». وخاطب بوتين بعبارة: «الهند مستعدة لتقديم أي مساعدة لإحلال السلام في أوكرانيا، وأستطيع أن أؤكد لكم أن الهند دائماً كانت إلى جانب السلام. عندما استمعت إليكم شعرت بالتفاؤل، ولديَّ أمل في المستقبل».

وفي الشق الثنائي قال مودي إن التعاون بين روسيا والهند في مجال الوقود والطاقة ساعد على الحفاظ على الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. وزاد: «أشكر الرئيس الروسي على التعاون في مجال الأسمدة وهو ما ساعد على الحد من ارتفاع التضخم في الهند».

وفي إشارة إلى رغبة روسيا في تطوير مجالات التعاون بين موسكو ونيودلهي، اصطحب بوتين ضيفه في زيارة إلى معرض تقيمه مؤسسة «روس آتوم» المسؤولة عن الصناعات النووية، وتحدث الرئيس الروسي خلال الزيارة عن محاولات الغرب لـ«تدمير الصناعة النووية الروسية».

واطّلع مودي من المشرفين على المعرض على استخدام التكنولوجيا النووية في مجالات الطب والفضاء، واستمع إلى تفاصيل دقيقة حول تشغيل كاسحات الجليد النووية الروسية.

والتقى مودي مجموعة من طلاب الهندسة النووية من الروس والهنود، وأبدى إعجابه بالمعرض وما تضمنه من شروحات وعروض لاستخدامات الطاقة النووية ومنتجات وخدمات «روس آتوم».

في المقابل، انتقد زيلينسكي زيارة رئيس الوزراء الهندي، ولفت الأنظار إلى توقيت الزيارة تزامناً مع قصف مستشفى للأطفال في كييف، متهماً موسكو بتعمد استهداف مواقع مدينة.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الزيارة لموسكو (أ.ف.ب)

وكتب فلاديمير زيلينسكي على منصة «إكس»: «قُتل 37 شخصاً 3 منهم أطفال، وأُصيب 170 بينهم 13 طفلاً نتيجة الضربة الصاروخية الروسية المتوحشة».

وأضاف: «أصاب صاروخ روسي أكبر مستشفى لمرضى السرطان للأطفال في أوكرانيا ودُفن عديد منهم تحت الأنقاض».

وتابع: «نشعر بخيبة أمل كبيرة وضربة مدمِّرة لجهود السلام حينما نرى زعيم أكبر ديمقراطية في العالم يعانق أكثر المجرمين دموية في العالم في موسكو في مثل هذا اليوم».

كما انتقدت واشنطن الزيارة، ورأى الناطق باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميللر، أنه «على الهند توجيه إشارة لموسكو بوضوح إلى ضرورة احترام سيادة أوكرانيا».

وقال ميللر رداً على سؤال صحافيين حول زيارة مودي لموسكو قُبيل قمة «الناتو» في واشنطن: «ندعو الهند، مثل أي دولة أخرى، إلى الإشارة بوضوح خلال اتصالاتها مع روسيا إلى أن أي تسوية للنزاع في أوكرانيا يجب أن تكون وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ووحدة أراضي أوكرانيا، وسيادة أوكرانيا».

ولفت المتحدث إلى أن «الهند شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وتُجري معها حواراً كاملاً وصريحاً»، بما في ذلك حول يتعلق بـ«مخاوف» واشنطن المتعلقة بالعلاقات بين موسكو ونيودلهي. وأكد أن الولايات المتحدة كانت «واضحة» في التعبير للهند عن «مخاوفها» بشأن هذه القضية.

إلى ذلك، نفت وزارة الدفاع الروسية صحة الاتهامات الأوكرانية بقصف المستشفى. وأكدت في بيان أن «دفاعات قوات كييف الجوية المنتشرة بين الأحياء السكنية في المدن الأوكرانية، هي التي تصيب المباني المدنية بعد فشلها كل مرة في اعتراض الصواريخ الروسية».

ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية عن خبراء عسكريين أن الصاروخ الذي استهدف مشفى الأطفال في كييف من طراز «ناسامز» للدفاع الجوي، وهو صناعة أميركية - نرويجية.

عَلم أوكرانيا يظهر أمام شعار حلف «الناتو» في كييف (رويترز)

بدورها، أكدت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أن «قوات كييف تتعمد الاختباء وراء ظهور المدنيين وجعلهم دروعاً بشرية، وتستخدم المؤسسات المدنية لأغراض عسكرية، وهذا مخالف للقانون الدولي».

وقالت زاخاروفا في منشور نُشر على صفحة الخارجية الروسية: «محاولات نظام زيلينسكي لاستخدام مأساة مستشفى الأطفال في كييف لأغراض دعائية تؤكد مرة أخرى جوهره النازي اللا إنساني، ومن أجل حفاظه على السلطة، فإن نظام كييف مستعد لارتكاب أي جرائم... إنه غير مبالٍ بمصير وحياة مواطنيه، بما في ذلك الأطفال».

وأوضحت زاخاروفا: « في 8 يوليو (تموز)، ورداً على محاولات الجيش الأوكراني لضرب مؤسسات الاقتصاد الروسي، ردت القوات الروسية بأسلحة عالية الدقة واستهدفت أهدافاً عسكرية في أوكرانيا، مثل مصانع (أرتيم) و(أنتونوف) و(لوتش) وشركتي (دنيبر) و(يوجماش) في دنيبروبيتروفسك، ومصنع الهندسة الثقيلة في كراماتورسك، ومستودعات للمعدات العسكرية الغربية في مصنع (أرسيلور ميتال) للمعادن في كريفوري روغ، وعدداً من المنشآت الأخرى. حيث أُصيبت جميع الأهداف المحددة بدقة عالية».

وزادت: «مرة أخرى، كما حدث في أكثر من مرة مع الدفاعات الجوية الأوكرانية في أثناء عملها وتشغيلها، انحرفت صواريخ الدفاعات الجوية عن مسارها وأصابت المباني السكنية والمؤسسات الاجتماعية، وقد أُكد ذلك وفق عديد من الشهود المحليين».

ولفتت إلى أن الجانب الأوكراني «سارع إلى توجيه الاتهامات إلى روسيا بقتل المدنيين والأطفال من دون أن يشير إلى أنه إلى جانب مشفى الأطفال والمؤسسات المدنية توجد مجمعات عسكرية تابعة لوزارة الدفاع ومستودعات ذخيرة وأسلحة».

على صعيد متصل، أعرب زيلينسكي عن رضاه عن مضمون الاتفاقية الأمنية المشتركة التي وقَّعتها كييف مع بولندا، الاثنين، مشيراً إلى أنها تنص في أحد بنودها على تطوير آلية لاعتراض الصواريخ في المجال الجوي الأوكراني.

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت الأنقاض في الموقع الذي ضُرب فيه مبنى سكني بصاروخ روسي وسط هجوم روسيا على أوكرانيا (رويترز)

وقال زيلينسكي في مؤتمر صحافي في وارسو: «نحن ممتنون بشكل خاص للاتفاقات الخاصة، وهذا ينعكس في الاتفاقية الأمنية، حيث يوجد بند لتطوير آلية لإسقاط الصواريخ والطائرات المُسيرة الروسية في المجال الجوي الأوكراني.. وهنا، أنا متأكد من أن فرقنا ستعمل مع الجيش حول كيفية تنفيذ هذه النقطة من اتفاقنا بسرعة».

ودعت كييف في وقت سابق الدول الغربية إلى إسقاط الصواريخ فوق أوكرانيا من أراضيها، وكتبت «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلاً عن مسؤولين أوكرانيين، في نهاية يونيو (حزيران) الماضي أن كييف كانت تضغط على الحلفاء الأوروبيين لإنشاء منطقة حظر جوي في غرب أوكرانيا من خلال نشر أنظمة دفاع جوي في بولندا ورومانيا.

ورغم أن بعض الدول الغربية استبعدت هذا الخيار خشية توسيع الانخراط المباشر في الحرب، فإن وقوع الهجوم الصاروخي على المستشفى عشية قمة الناتو في واشنطن قد يحفز على تنشيط النقاشات حول آليات دعم الدفاع الجوي الأوكراني.

قصف صاروخي روسي على أوكرانيا (أ.ف.ب)

وقال كبير مديري الشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، مايكل كاربنتر، إنه «في القمة سيعلن الحلفاء عن خطوات جديدة حاسمة لدعم أوكرانيا. وسينشئ الحلفاء قيادة عسكرية لحلف شمال الأطلسي في ألمانيا، التي ستتولى تنسيق التدريب والمعدات، فضلاً عن مساعدة أوكرانيا على تطوير قواتها في المستقبل».

ووفق كاربنتر، فإن إنشاء قيادة عسكرية لحلف شمال الأطلسي في فيسبادن بألمانيا، سوف يصبح عنصراً من عناصر «الجسر إلى الناتو»، والذي «إذا كانت هناك إرادة سياسية» بين أعضاء حلف شمال الأطلسي، سيسمح لأوكرانيا بالانضمام».

جانب من الدمار الذي أصاب مستشفى الأطفال في كييف (أ.ف.ب)

كما أكد المتحدث باسم البيت الأبيض أن الإعلان الذي سيصدر في ختام أعمال قمة الناتو في واشنطن، سيحتوي على لغة «واضحة وقوية» في ما يتعلق باحتمالات انضمام أوكرانيا إلى الحلف. وزاد أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيعلنون أيضاً عن خطوات جديدة لتعزيز نظام الدفاع الجوي الأوكراني.


مقالات ذات صلة

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة عسكرية في أنكوريج بولاية ألاسكا الأميركية 15 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

هل فوّت بوتين فرصة الشراكة مع ترمب؟

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ساد في موسكو انطباع بأن مرحلة جديدة قد بدأت في العلاقات مع واشنطن. لكن هل فوّت بوتين هذا العام الفرص لشراكة مع نظيره الأميركي؟

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «إن بي سي» بأن على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تتضمن تغيير اسم «ديزني لاند»... نحو 280 ألف دنماركي يوقّعون عريضة لشراء كاليفورنيا من ترمب

أشخاص يلوحون بالأعلام الوطنية ترحيباً بوزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت لدى وصولها إلى مطار نوك (أ.ب)
أشخاص يلوحون بالأعلام الوطنية ترحيباً بوزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت لدى وصولها إلى مطار نوك (أ.ب)
TT

تتضمن تغيير اسم «ديزني لاند»... نحو 280 ألف دنماركي يوقّعون عريضة لشراء كاليفورنيا من ترمب

أشخاص يلوحون بالأعلام الوطنية ترحيباً بوزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت لدى وصولها إلى مطار نوك (أ.ب)
أشخاص يلوحون بالأعلام الوطنية ترحيباً بوزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت لدى وصولها إلى مطار نوك (أ.ب)

تجاوز عدد الموقّعين على عريضة دنماركية تطالب بشراء ولاية كاليفورنيا الأميركية حاجز 280 ألف توقيع، في خطوة ساخرة تعكس تنامي الغضب في أوروبا إزاء خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم جزيرة غرينلاند.

وتتضمن العريضة اقتراحات لافتة، من بينها تغيير اسم المنتزه الترفيهي «ديزني لاند» إلى «هانز كريستيان أندرسن لاند»، بل تذهب إلى أبعد من ذلك باقتراح تغيير اسم الولاية الذهبية نفسها. وفي حال نجاح المبادرة، ستُعرف كاليفورنيا باسم «الدنمارك الجديدة»، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وتُنشر العريضة حالياً على موقع إلكتروني يحمل اسم Denmarkification.com، حيث تتضمن الصفحة الساخرة قائمة طويلة من الأسباب التي تبرّر، بحسب القائمين عليها، فكرة شراء كاليفورنيا. كما يستعين الموقع بتبريرات الرئيس الأميركي نفسه بشأن ضم غرينلاند، وهي أرض دنماركية، ليستخدمها ضده بأسلوب تهكمي.

ويقول الموقع، محاكياً أسلوب ترمب: «من المصلحة الوطنية تعزيز التراث الاستثنائي لأمتنا؛ لذا ستصبح كاليفورنيا بمثابة الدنمارك الجديدة».

لقطة شاشة من الموقع الدنماركي الذي يُظهر عريضة ساخرة تطالب بشراء كاليفورنيا من الولايات المتحدة

وفي قسم آخر، يشير الموقع إلى أن شراء كاليفورنيا ضروري «لحماية العالم الحر»، مضيفاً بأسلوب ساخر: «يقول معظم الناس إننا نتمتع بأفضل حرية... حرية هائلة».

وكان ترمب قد دأب على التأكيد أن السيطرة على غرينلاند تصبّ في مصلحة الأمن القومي الأميركي، مستشهداً باحتياطيات الجزيرة الغنية بالمعادن الأرضية النادرة. كما زعم أنه يسعى إلى حماية حرية سكان الجزيرة، مطلقاً اتهامات بوجود حشود عسكرية روسية وصينية كبيرة في المنطقة.

ومع تصاعد الغضب الأوروبي من هذه المطالب، مارس ترمب ضغوطاً إضافية على القارة من خلال فرض رسوم جمركية على الدول التي تُدين خططه علناً.

ورغم ذلك، وقّع أكثر من 286 ألف شخص على العريضة «الدنماركية»، التي تتعهد بجلب مفهوم الـ«hygge» (هيو - جا) الدنماركي، الذي يرمز إلى الشعور بالرضا والراحة، إلى هوليوود.

ووفقاً للموقع الإلكتروني، فإن شراء كاليفورنيا لن يتطلب سوى «تريليون دولار (مع هامش خطأ ببضعة مليارات)».

ويبدو أن مراعاة إرادة سكان كاليفورنيا ليست ذات أهمية في هذا السياق؛ إذ يوضح الموقع بسخرية: «أما إرادة المواطنين؟ حسناً، لنكن صريحين، متى ردعه ذلك؟ إذا أراد ترمب بيع كاليفورنيا، فسيبيعها».

كما أن التبرع للعريضة يأتي مصحوباً بوعود ساخرة، من بينها رسالة من العائلة المالكة الدنماركية، وإمداد مدى الحياة من الأفوكادو الكاليفورني، بالإضافة إلى شاطئ خاص في ماليبو.

ويأتي هذا الاستطلاع الساخر في وقت يواصل فيه ترمب توجيه تهديدات حقيقية تجاه غرينلاند.

فقد أكد الرئيس الأميركي مراراً أن هذه الخطوة ضرورية لضمان الأمن القومي، ملمحاً إلى وجود خطط روسية وصينية للسيطرة على المنطقة.

في المقابل، شددت الدنمارك على التزامها بحماية الجزيرة، وهو الموقف الذي شاركتها فيه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا.

كما أكّد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، بحزم، رغبة الإقليم ذي الحكم الذاتي في البقاء ضمن المملكة الدنماركية.

وقال نيلسن خلال مؤتمر صحافي عُقد مؤخراً بحضور رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن: «إذا خُيّرنا بين الولايات المتحدة والدنمارك الآن، فإننا نختار الدنمارك».

وقد شهدت غرينلاند خلال الأسابيع الأخيرة احتجاجات شعبية، رداً على فكرة خضوع الجزيرة للسيطرة الأميركية.


ماكرون بعد نشر ترمب رسائل له: لا نستسلم أمام المتنمرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد نشر ترمب رسائل له: لا نستسلم أمام المتنمرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الثلاثاء)، إن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو ترضخ للترهيب، في انتقاد لاذع لتهديد نظيره ​الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية باهظة إذا لم تسمح له أوروبا بالسيطرة على غرينلاند.

وفي حين حاول قادة أوروبيون آخرون الحفاظ على لهجة متزنة لمنع تصاعد التوتر عبر الأطلسي، خرج ماكرون بلهجة حادة.

وقال ماكرون خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إن فرنسا وأوروبا لن «تقبلا بقانون الأقوى»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف الرئيس الفرنسي أن أوروبا ستواصل الدفاع عن سلامة الأراضي وسيادة القانون، على ‌الرغم مما وصفه ‌بالتحول نحو عالم بلا قواعد. وقد ‌يشمل ⁠ذلك ​رد الاتحاد ‌الأوروبي بفرض عقوبات تجارية صارمة.

وقال: «نفضّل الاحترام على المتنمرين... ونفضّل سيادة القانون على الوحشية».

وجاءت تصريحات ماكرون بعد أن هدّد ترمب بفرض رسوم جمركية ضخمة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ونشر رسائل أرسلها إليه ماكرون على نحو شخصي، وهو خرق غير معتاد للحصافة الدبلوماسية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة خلال اجتماع مع قادة شركات الذكاء الاصطناعي خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس... سويسرا 20 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وكان ترمب تعهّد يوم السبت الماضي بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً ⁠من أول فبراير (شباط) على عدد من الحلفاء الأوروبيين، بمن فيهم فرنسا، إلى ‌أن يسمحوا للولايات المتحدة بالاستحواذ على غرينلاند، وهي خطوة نددت بها دول الاتحاد الأوروبي الكبرى ووصفتها بالابتزاز.

وقرر قادة الاتحاد الأوروبي مطلع الأسبوع الاجتماع في بروكسل مساء يوم الخميس في قمة طارئة بخصوص غرينلاند.

وقد تُفرض رسوم جمركية في السادس من فبراير على سلع أميركية قيمتها 93 مليار يورو، والتي استبعدها الاتحاد الأوروبي عندما وافق ترمب ​على اتفاق تجاري مع التكتل في الصيف الماضي.

واستاء ترمب من إحجام فرنسا عن الانضمام إلى «مجلس السلام» ⁠الذي اقترحه، وهو كيان دولي جديد سيترأسه. وعبّرت باريس عن قلقها من تأثيره على دور الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عن موقف ماكرون من «مجلس السلام»، قال ترمب في وقت متأخر من أمس (الاثنين): «سأفرض رسوماً جمركية 200 في المائة على منتجات النبيذ والشمبانيا الفرنسية، وسينضم، لكنه ليس مضطراً للانضمام».

وبعد ساعات قليلة، نشر ترمب على حسابه على منصة «تروث سوشال» لقطة شاشة لرسائل بينه وبين ماكرون.

وفي صورة الرسائل، التي قال مصدر مقرّب من ماكرون إنها حقيقية، قال ماكرون لترمب: «لا أفهم ما تفعله بشأن غرينلاند»، وعرض ‌استضافة اجتماع لمجموعة السبع تدعى إليه روسيا ودول أخرى. ولم يكشف ترمب ولا المصدر الفرنسي عن تاريخ الرسائل.


الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
TT

الاتحاد الأوروبي بمواجهة حائط مسدود في غرينلاند وترمب يمعن في الاستفزاز

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»
صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال»

لا يبدو أن التهديدات الأوروبية بالرد على هوسه بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية لها أي أثر على الرئيس الأميركي، الذي ينظر بكثير من الازدراء لما يمثله الاتحاد الأوروبي ولما يستطيع القيام به لعرقلة مشروعه التوسعي. ومجدداً، كتب الثلاثاء على شبكته «تروث سوشيال» أنه وافق على طلب مارك روته، أمين عام الحلف الأطلسي، لعقد اجتماع مع قادة الدول الأوروبية المعنية بملف غرينلاند في دافوس بمناسبة مجيئه الأربعاء للمنتجع السويسري ليلقي خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي.

وإذ وصف مكالمته الهاتفية مع روته بأنها «جيدة جداً» بخصوص غرينلاند، عاد ليؤكد ما حرفيته: «كما عبّرت للجميع، وبوضوح تام، فإن غرينلاند ضرورية للأمن القومي والعالمي. لا يمكن التراجع عن هذا الأمر، الجميع متفق على ذلك».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ومرة أخرى، يلجأ دونالد ترمب إلى حجة المحافظة على الأمن القومي لأميركا التي تتمتع بحضور عسكري في الجزيرة المذكورة وباتفاق موقع مع الدنمارك، صاحبة السيادة، يعود لعام 1954، ويتيح لواشنطن أن تفعل ما تريد أمنياً واستراتيجياً من غير الحاجة لضم الجزيرة. وأبدت السلطات الدنماركية الاستعداد الكامل للتعاون.

بيد أن ترمب يريد «صك ملكية» يمكنه من أن «يفعل ما يشاء»، وفق تصريحاته ويريحه «نفسياً». كذلك، يعيب ترمب على كوبنهاغن «ضعفها العسكري» وعجزها عن حماية غرينلاند من الأطماع الروسية والصينية. وفي أي حال، شكك في رسالة بعث بها لرئيس وزراء النرويج، الأحد، بشرعية ملكية وسيادة الدنمارك لها وضعف حجتها بأن «إحدى سفنها» رست هناك. أما ما يتناول رغبة سكان الجزيرة الذين يتمتعون بحكم ذاتي والذين تظاهروا ضد الخطط الأميركية، فإن ترمب لا يرى في ذلك صعوبة تمنعه من شراء غرينلاند. ورد على تساؤل بهذا المعنى لصحافي الاثنين في فلورديا بقوله: «لا أعتقد أنهم (سكان غرينلاند) سيقاومون كثيراً. يجب أن نحصل عليها (الجزيرة)».

قمم متنقلة

في حمأة تبادل التهديدات بالعقوبات بين الأوروبيين والجانب الأميركي، تتكثف المبادرات الدبلوماسية عالية المستوى. فأنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، دعا لقمة «طارئة» مساء الخميس القادم للنظر في التطورات وفي الإجراءات التي ينبغي على الاتحاد الأوروبي القيام بها رداً على ترمب، علماً بأن سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد عقدوا اجتماعات تمهيدية الأحد والاثنين لدرس الوسائل الممكنة.

جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

اختيار كوستا ليوم الخميس ليس صدفة، بل جاء من باب الحرص على معرفة ما سينتج عن لقاء دافوس في حال حصوله، وعن اللقاءات التي ينوي عدد من القادة الأوروبيين (سواء الدول أو الاتحاد) عقدها مع الرئيس الأميركي. كذلك، فإن إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، الذي ترأس بلاده مجموعة السبع لهذا العام، بعث بـ«رسالة خاصة» إلى ترمب يعرض فيها تنظيم قمة لـ«مجموعة السبع» في باريس الخميس للنظر في ملف غرينلاند.

بيد أن ماكرون وسع الإطار واقترح على ترمب «دعوة الأوكرانيين والدنماركيين والسوريين والروس على هامش الاجتماع». وفي بادرة غير مسبوقة في تبادل الرسائل بين قادة الدول، لم يتردد ترمب في نشر صورة لها على منصته الخاصة. واللافت أنه في حمأة الخلافات بين ماكرون، الذي يرفع راية التصلب والوقوف بوجه أطماع ترمب الذي هدد ثماني دول أوروبية بفرض رسوم إضافية عليها بدءاً من أول الشهر القادم طالما تقاوم سعيه للاستحواذ على غرينلاند، توجه للأخير بما يلي: «صديقي، نحن متفقون تماماً بشأن سوريا. يمكننا أن نحقق أشياء عظيمة بشأن إيران. لا أفهم ما الذي تفعله بشأن غرينلاند». وأضاف: «يمكنني تنظيم اجتماع لمجموعة السبع بعد دافوس في باريس بعد ظهر يوم الخميس». ولمزيد من التودد، اقترح ماكرون أن يدعو ترمب لعشاء خاص في باريس قبل عودة الأخير إلى بلاده.

مظاهرة ضمت ما يقرب من ثلث سكان غرينلاند للاحتجاج على خطط ترمب للاستيلاء على الجزيرة في 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ورغم ما قيل عن هذه الاجتماعات المتتالية، فإن الرئيس الفرنسي نفى الثلاثاء عقد اجتماع لمجموعة السبع الخميس في باريس. وقال ماكرون لمراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش منتدى دافوس: «ليس هناك اجتماع مقرر. الرئاسة الفرنسية مستعدة لعقد اجتماع» مماثل.

هجوم على الرئيس الفرنسي

ماكرون الذي لا يتردد أبداً في التنديد بالسياسات «الترمبية» التي يرى فيها تجسيداً لـ«الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة» في العلاقات الدولية، يجد نفسه بمواجهة صعوبة إضافية مع نظيره الأميركي.

فالأخير لم يتردد في التهديد بفرض «رسوم جمركية بنسبة 200 في المائة» على صادرات فرنسا إلى الولايات المتحدة من الخمور والشمبانيا؛ عقاباً للرئيس الفرنسي الذي رفض الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يريد ترمب ترؤسه وإنشاءه على قياسه.

وقال ترمب، مساء الاثنين، متحدثاً لصحافيين عن رفض ماكرون: «حسناً، لا أحد يريده (ماكرون)، لأنه سيصبح قريباً من دون ولاية». وأضاف: «سأفرض رسوماً جمركية بنسبة 200 في المائة على نبيذه وشمبانياه. وسينضم إلى المجلس. لكنه غير مُلزَم بالانضمام». وردت مصادر الإليزيه سريعاً، واصفة تهديدات ترمب بـ«غير المقبولة» و«غير الفعالة» وغرضها «التأثير على السياسة الفرنسية الخارجية».

طائرة هيركوليس عسكرية تتأهب للهبوط في مطار نوك عاصمة غرينلاند في إطار المناورات العسكرية التي تجرى لتعزيز الدفاع عن الجزيرة والمنطقة القطبية (إ.ب.أ)

ويرى أكثر من مصدر في باريس أن الأوروبيين يجدون أنفسهم «حتى اليوم» أمام حائط مسدود عنوانه رفض ترمب التراجع مهما كان الثمن المترتب على تنفيذ خطته، بما فيها خطر تفكك الحلف الأطلسي. ولمزيد من الاستفزاز، لم يتردد ترمب عن نشر صور معدّلة إحداها تُظهره وهو يغرس العلم الأميركي إلى جانب لافتة كتب عليها: «غرينلاند، إقليم أميركي، تأسس عام 2026». كذلك نشر صورة أخرى تبينه في المكتب البيضاوي إلى جانب خريطة غرينلاند وكندا مغطاتين بالعلم الأميركي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته الثلاثاء أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس (أ.ب)

الخيارات الأوروبية

أعلنت قيادة دفاع الفضاء الجوي الأميركية الشمالية (نوراد) أن طائرات عسكرية ستصل إلى غرينلاند للمشاركة في «نشاطات مقررة منذ زمن طويل»، وذلك في ظل توتر بشأن سعي الرئيس دونالد ترمب للسيطرة على غرينلاند. وقالت القيادة الأميركية الكندية المشتركة: «تمّ تنسيق هذا النشاط مع مملكة الدنمارك، وتعمل كل القوات بموجب التصاريح الدبلوماسية اللازمة. تمّ إبلاغ حكومة غرينلاند كذلك بالنشاطات المقررة».

وإذا كان من نافل القول استبعاد الرد العسكري، فإن ما يتبقى لهم هو التمسك بمبادئ الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول على أراضيها، وإعلان الرفض المطلق للاعتراف بضم غرينلاند، وممارسة الضغوط الدبلوماسية والسياسية على إدارة ترمب. وبهذا الصدد، قال ماكرون ⁠الثلاثاء ‌إن حلف شمال الأطلسي أصبح الآن «⁠مؤسسة ‌ضعيفة» مع تطور أحداث غرينلاند.

بيد أن الأوروبيين يملكون سلاحاً قوياً يتمثل في شرط المحافظة على «وحدة الموقف»؛ فهم، من جهة، قادرون على الرد بفرض رسوم جمركية مناهضة لرسوم ترمب. ومن جهة ثانية، العمل مع البرلمان الأوروبي لرفض التصديق على اتفاقية التجارة التي وقعت مع واشنطن في شهر يونيو (حزيران) الماضي والتي اعتبرها الكثير من الأوروبيين بأنها مجحفة بحقهم.

وأخيراً، بإمكانهم تفعيل ما يسميه بعضهم «سلاح الردع الاقتصادي»؛ أي الاستعانة بآلية «مكافحة الإكراه» التي تتيح لهم منع بضائع أميركية من الوصول إلى أسواقهم، وإزاحة الشركات الأميركية من العقود العمومية، أو الاستثمار في قطاعات محددة... ومن شأن هذه الأدوات الإضرار بالاقتصاد الأميركي. إلا أنها، بالمقابل، ستفتح معركة تجارية حامية سيعاني منها الطرفان. وإزاء هذه السيناريوهات، ثمة رهانان أوروبيان: الأول، طبيعة القرار المفترض أن يصدر عن المحكمة العليا الفيدرالية الأميركية بشأن دستورية رسوم ترمب. والثاني، الانتخابات النصفية الأميركية التي عادة ما يخسرها الفريق الحاكم، ما سيكبل يدي ترمب؛ الأمر الذي يفسر استعجاله حالياً للنفاذ بخطته.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)

زيادة للاستثمارات في غرينلاند

طالبت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن، الثلاثاء، أوروبا بالرد إذا اندلعت حرب تجارية مع الولايات المتحدة نتيجة تهديدات ترمب. وقالت فريدريكسن أمام البرلمان الدنماركي: «نحن كـ(أوروبا)، إذا بدأ أي طرف حرباً تجارية ضدنا - وهو أمر لا أنصح به إطلاقاً - علينا بالطبع أن نرد. نحن مجبرون على ذلك». وأضافت: «لم نسع يوماً إلى أي نزاع».

بدورها؛ تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، الثلاثاء، بزيادة كبيرة للاستثمارات الأوروبية في غرينلاند، والعمل مع الولايات المتحدة على «تعزيز الأمن في القطب الشمالي». وقالت فون دير لايين: «نعمل على زيادة ضخمة في الاستثمارات الأوروبية في غرينلاند»، وذلك في كلمة ألقتها من منبر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، من دون أن تذكر أي أرقام. وأضافت: «سنعمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك لتحديد كيف يمكننا تقديم مزيد من الدعم للاقتصاد المحلي والبنى التحتية».

وتابعت: «أفكر بشكل خاص في أننا ينبغي أن نخصص جزءاً من الزيادة في إنفاقنا الدفاعي لإنشاء قوة أوروبية لكاسحات الجليد، وغيرها من المعدات الأساسية لأمن القطب الشمالي». وشددت كذلك على رغبتها في العمل مع الولايات المتحدة «وجميع شركائنا» على «تعزيز الأمن في القطب الشمالي». وقالت إن «هذا يصب بوضوح في مصلحتنا المشتركة، وسنزيد استثماراتنا».

وفي كلمتها، وعدت فون دير لايين أيضاً بردّ «حازم» على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة بشأن غرينلاند وزيادة التعريفات الجمركية. وقالت: «نحن نعتبر الشعب الأميركي، ليس حليفاً لنا فحسب، بل نعده صديقاً أيضاً. أما دفعنا إلى دوامة من التوتر، فلن يفيد إلا الخصوم، الذين نحن عازمون جميعاً على ردعهم».